-أنتي وباسل إزاي متجوزين؟ وإزاي هو معرفكيش وإنتي مراته؟ شردت في هذه الأثناء، بينما كانوا ثلاثتهم يحدقون بها بانتظار الجواب، ليصدح الهاتف باتصالٍ من رمزي، فأجابت سريعًا ليأتيها الرد: -باسل مسافر الكويت يا أروى، لازم نمنعه. هبت واقفة كمن لدغتها حية، لتقول بتخبط: -يعني إيه مسافر! إيه اللي حصل؟ رمزي بجدية: -وأنا أعرف منين إيه السبب! لازم نوقفه بس الأول. أغلقت الهاتف لتوافيهم بالأخبار قائلة: -باسل مسافر.
لم يستغربوا ما قالته، فكان هذا متوقعًا منه، فمنذ أن جاء إليهم وهم على دراية بأنه سيغادر في لحظة دون سابق إنذار، ولكن هذا لم يكن حال وفاء التي صرخت فيهم قائلة: -لازم تمنعوه، قوموا اتحركوا. قال حسام بتهكم: -ونمنعه ليه يا مرات عمي؟ هو مش حابب يقعد معانا يبقى براحته، دي حاجة متخصناش. اعترضت وفاء قائلة: -لأ طبعًا، دا أخوكم. قال حسام باستنكار: -بس إحنا بالنسبة له مش كده، بالنسبة له ولاد أعمامه اللي اتسببوا في طلاق أمه.
تدخلت أروى قائلة: -يا جماعة والله باسل بيحبكم والله، هو بس مضغوط شوية من ناحية أمه. أضاف فارس: -وهو عمره ما يسيب أمه عشان يفضل معانا، ده هو عايز الأملاك مخصوص بسببها، وبصراحة ولا هي بتحبنا ولا إحنا بنحبها... إنتي متعرفيش حاجة يا أروى عن البلاوي اللي هي عملتها. -لأ عارفة. كان هذا رد أروى التي نظرت إلى وفاء نظرة ذات مغزى، لتكمل هي بدلًا عنها:
-جدكم قال لأروى على كل حاجة، بس ده مش مهم دلوقتي قد ما هو مهم إنكم تمنعوه يسافر. كما هما موضعهما، لتقول أروى بحزن: -يعني أنتم حابين تتفرقوا؟ لسه عند موقفكم وكل واحد عايز نصيبه ومش فارق معاكم تفضلوا مع بعض. اعترض حسام سريعًا: -مقولناش كده يا أروى! بس باسل صدقوني مش هيوافق. تشدق فارس مردفًا: -باسل هيرجع لوحده يا أروى، سيبيه مامته مش هتوافق على قراره ده صدقيني، هيرجع تاني.
صمتت لوهلة تفكر في حديثهم، ثم تنهدت واعتلت مقعدها مرة أخرى، فنظرت إليها وفاء بصدمة وعتاب وقالت: -إيه يا أروى هتسمعي كلامهم!! ردت أروى بجدية: -منطقي... كلامهم منطقي، والمرة الجاية لما هتجبره يرجع هيكون ده في صالحنا يا طنط، محدش فينا هيمنعه، العقربة هترجعه لوحدها. تلوت شفتي حسام ببسمة خفيفة ليقول بترقب: -ده شكل العقربة لسعتك! سخرية واضحة قد زينت ابتسامتها الحزينة لتقول:
-اتلسعت منها فعلاً، وأنت مصمم تعرف كل حاجة وأنا هحكي لكم بس خلي الموضوع ده لقدام شوية... ممكن؟! بمرور ثانية واحدة انقلب حالته رأسًا على عقب، فلم يتمكن من الرد عليها، فقد أحس بوهن شديد قد غزا جسده مجددًا وكُسيت عينيه بحمرة شديدة، وها هو مجددًا تندفع الدماء من فمه إجباريًا عنه. فزعوا جميعًا لرؤيته بتلك الحالة مجددًا، مما جعل أروى تردد بنبرة خائفة: -بسرعة يا فارس لازم يروح المستشفى، بسرعة، بسرعة. على صعيدٍ آخر.
كعادتها تجلس في غرفتها وهي تتفقد البعض من دروسها، لتتفاجأ دينا بدخول والدتها المفاجئ حاملة لبعض الأكياس وكأنها قد خرجت لتوها من إحدى مراكز التسوق. وضعت ما بيدها على الفراش وهي تقول بحماس: -تعالي يا دينا شوفي جبتلك إيه. نظرت إليها دينا بانتباه، لتقوم الأخرى بإخراج بعد الملابس الجديدة التي جعلت حدقتي دينا تتسع صدمة، فهل هذه حقًا أميرة التي منعت عنها المال منذ يومين!
أهي الآن تقف أمامها وقد أحضرت لها الملابس التي قد سبق وأن عنفتها عليها!!!! نهضت دينا لتتفقد باقي الأكياس وهي تهمس بدهشة: -دول إيه يا ماما! ليا؟؟ قالت أميرة بتأكيد: -أيوه يا حبيبتي، كلهم عشانك، البسي اللي تحبيه، أنا خلاص قررت مش هعترض على لبسك الحجاب... أهم حاجة كده تشدي حيلك وتجيبي ابن المُعز عشان يشرب الشاي معانا.
سعادة غامرة كادت أن تدخل على قلبها الذي حطمته أميرة بجملتها الأخيرة، الشعور بأنها إحدى الاستثمارات لوالدتها يجعلها تكره وتنفر الحياة بما فيها. ألقت ما تحمله من الملابس أرضًا وهي تصرخ: -قولتلك ده المستر بتاعي مش أكتر، ومش ممكن أبدًا يكون في بينا حاجة! أنا مش سلعة عايزة تبيعيها عشان تقبضي تمنها ولا أنا مشروع ينفع تستثمري فيه عشان تاخدي أرباح كبيرة... أنا ومستر فارس مستحيل!! لم يكن من والدتها سوى ردها البارد
عندما ربتت على ذراعها: -اهدي بس دلوقتي ونتكلم بعدين، هخرج وأسيبك تفكري كويس مع نفسك. ضربت بكفيها الاثنين على بعضهما البعض قائلة بقلة حيلة: -مفيش فايدة! مفيش فايدة! تنتظر أروى قدوم ميار إليها بعدما استعانت بهاتف حسام لتطلب رؤيتها فورًا، توقفت سيارة أجرة على مسافة ليست ببعيدة من باب المستشفى، حيثما كانت أروى لتترجل ميار من السيارة وتخطو صوبها سريعًا وهي تقول بشجاعة مصطنعة: -إيه اللي انتي عايزاني فيه؟؟ حدقت
بها أروى وسألتها بترقب: -مش غريبة لما يبقى ابن عمتك تعبان ومتجيش تشوفيه! بعض من التوتر قد كسا قسمات وجهها لتقول بعينين تخشى النظر لمن أمامها: -عادي... يعني مش فاضية. زفرت أروى بضيق وقالت: -طيب بصي بقى من غير لف ولا دوران أنا عارفة إنك كنتي عايزة تعملي عمل لباسل، بس طلع من نصيب حسام، وأنا مش هعمل مشاكل ولا انتي هتتعرضي لمشاكل، بس أنتي لازم تعرفيني كل حاجة. ابتلعت ريقها بصعوبة وتشدقت بتلعثم: -معملتش... معملتش حاجة.
قالت أروى بصدق: -والله يا ميار مش هقول لحد، بس ارجوكي لازم أعرف، حياة حسام في خطر، هو حاليًا جوه متركب له محاليل بعد ما رجع تاني يستفرغ دم بدون مبرر. -أنا... أنا معرفش حاجة. صاحت أروى في وجهها بغضب وقالت: -إنتي ما فيش عندك دم!
بقولك حسام تعبان وممكن يروح فيها لو الموضوع زاد عن كده، وبصي من الآخر أنا سمعتك المرة اللي فاتت وإنتي بتتكلمي مع صاحبتك في الفون، ومتكلمتش ولا جيت سيرة عشان فكرت الدكتور خلاص عالج الموضوع، لكن دلوقتي مينفعش أسكت... فلو سمحتي قوليلي عنوان الدجال ده أو أي حاجة عنه خليني أتصرف لو نقدر نحل حاجة. لم تجد ميار مفرًا سوى الاعتراف لتقسم قائلة:
-والله العظيم مكنتش أعرف إن الموضوع ده ممكن يضر حد، أنا بس كنت عايزة أخلي باسل يحبني مش أكتر... بس خلاص هقولك كل حاجة عن الدجال ولو تحبي نروح ونقابله. صعدت أروى بعقل شارد إلى سيارة الأجرة بعدما انتهت لتوها من لقاء ذلك الدجال، لتجاور ميار التي سألتها باهتمام: -قالك إيه؟؟ انتبهت لها أروى ثم أجابت: -بيقول إنه دافن العمل في مقبرة، ولازم حد فينا يروح يطلع العمل...
وقال طريقة تانية كده عشان نتخلص منه بس أنا مش مقتنعة بيها ف إن شاء الله أنا هعطي الورقة اللي فيها العمل دي لشيخ وهو هيتصرف... وعلى فكرة يوم ١٤ ده اللي هو بكرة وقال لازم نروح بالليل على الساعة واحدة كده. قالت ميار باندفاع: -بس أنا مش هروح، مليش دعوة. أشاحت أروى بوجهها تجاه النافذة وهي تقول: -أنا هتصرف.
أعلن الصباح بدايته بتلك الطيور التي تصدر صوتًا كلحنٍ شجي، السماء يخالط صفوها قلة من السحب المتفرقة التي تجعلها لوحة تجذب الأنظار إليها، والشمس قد أرسلت أشعتها الحانية كيدٍ تمتد بدفء ومحبة لتزيل القسوة بعيدًا عن قلوب البعض وتمحو الحزن عن البعض الآخر.
استقرت سيارة فارس أمام مركز الدروس الخصوصية، استوى على قدميه خارجًا من السيارة، وبينما كان في طريقه إلى الداخل انتبه إلى دينا التي يبدو وكأنها تتنازع مع إحدى الفتيات التي يألف وجهها ولكنه لا يعرف من تكون. صاحت دينا في وجهها: -قولتلك أنا وإنتي مستحيل نكون صحاب تاني. سألتها خلود بحزن طاغ: -ليه يا دينا؟؟ قالت دينا بتهكم: -بجد بتسألي ليه! مش عارفة إنتي عملتي إيه!
إنتي دمرتيني، قتلتي ثقتي في الناس كلها بعد ما اتكلمتي عليا بالسوق، ده انتي حتى قولتي على أمي كلام مش كويس، أنا وإنتي مستحيل نبقى صحاب تاني، ف ابعدي عني عشان المرة الجاية بجد هجيبك من شعرك وهطلع عليكي كل الوجع اللي خلتيني أحس بيه. التفتت لتغادر فوجدت فارس يسير إليها، فتغاضت عن وجوده ودلفت سريعًا إلى مركز الدروس، مما جعله يستغرب فعلتها تلك، فلماذا تجاهلته عمدًا!!!
اختتم فارس حصته بسؤال طلابه إن كان لديهم رغبة في الاستفسار عن جزئية ما قبل خروجهم، ولكنهم أجمعوا على فهمهم للأمور بشكل واضح، ثم انصرفوا طالبًا تلو الآخر، وعندما كان الدور لدينا في الخروج أعاق فارس ذهابها هاتفًا باسمها، فالتفتت إليه وهي تسأله بجدية: -حضرتك محتاج حاجة؟؟ سألها بقلق: -إنتي كويسة؟ منحته حركة من رأسها كتأكيد وقالت: -لو مفيش حاجة ضروري أنا لازم أمشي. أدرك من ردها عدم رغبتها في الحديث إليه، فلم يُرد الإطالة،
مما جعله يقول: -خلاص براحتك أمشي. تقدمت للخروج فسمعته يقول: -لو في حاجة عايزة تتكلمي فيها أنا موجود، ولو في مشكلة ممكن أساعدك تحليها.
لم تستدر إليه مجددًا وأكملت في طريقها وهي تشد على يديها بقوة لتمنع عينيها من إظهار مكنونهما، فهي على وشك الانهيار، فقد نفد ما لديها من وقود للتحمل، منذ ذلك اليوم الذي مات فيه والدها فقدت معه والدتها التي أغدت تعاملهم وكأنها خزنة مالهم الخاصة، فهي تغدق عليهم بالمال إغداقًا، فتتيح لهن كل سبل الرفاهية، وبجانب ذلك حرمتهن حنانها وسلبتهن الحق في احتوائهن، فجعلت من دينا باحثة عما تفتقده في أشخاص آخرين، ولحظها العثر لم تجد أمامها سوى خلود التي حطمتها نفسيًا وضعضعت ثقتها في الجميع.
يسيران جنبًا إلى جنب في بهو القصر مبتعدين عن غرفة فداء، بعدما قد رآها رمزي واطمأن عليها، غضَّن رمزي جبينه وقال بتوتر وخوف: -أنا مش مرتاح يا أروى بسبب المناقصة دي. اقترحت عليه قائلة: -طيب ما نلغيها. زفر رمزي قائلًا بعجز: -مينفعش، للأسف باسل مضى معاهم والشرط الجزائي ممكن يضيع نص فلوس المُعز. أروى باهتمام: -طيب يا خالي هما الناس دول بيهددوك بإيه؟؟ أطال النظر إليها بعقل شارد، قبل أن يقول بتذكر:
-أيوه صح الدم اللي اتوفر لفداء في المستشفى ده مكنش تبعي، الراجل كلمني وقال إنه حصل معاه مشاكل مقدرش يوصل. عقدت ما بين حاجبيها وقالت بحيرة: -مين جابهم! دول حتى كانوا كيسين مش بس واحد... وكمان الدكتور كان مؤكد إنه مش متوفر عندهم....... اتسعت حدقتيها وقالت: -يبقى حسام، أيوه هو. غضن رمزي جبينه وقال: -إزاي؟ هما نفس الفصيلة؟؟ هزت رأسها في حركات متتالية وقالت ببسمة خفيفة تزامنت مع لمعة عينيها:
-إحنا بدأنا ننجح يا خالي، بدأنا ننجح، الحمدلله الحمدلله ده كل حاجة جت من عند ربنا مستحيل الكره يدخل بين حسام وفارس تاني، كده مش فاضل غير باسل... دي فداء ساعدتنا كتير... أنا كنت خايفة يتخانقوا بعد الهدوء اللي حصل ده، بس بعد كلامك ده يبقى كده بدأنا ننجح.
بعدما غَضِف الليل، تأهبت أروى للخروج، لم تكن لديها الشجاعة الكافية لتذهب للمدافن في هذا الوقت المتأخر من الليل، ولكنها كانت مُجبرة فقد ألزمها جدها بالاعتناء بهم قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، ومن ناحية أخرى كانت قد وعدت ميار بأنها لن تخبر أحد بفعلتها تلك، والآن لا ترى أمامها مفرًا إلا أن تذهب وتمتثل لقول الدجال المشعوذ بذاتها.
يغطون جميعًا في نومٍ عميق، بينما هي تسللت لتخرج من القصر دون أن تلتفت حولها، وبالتالي لم تنتبه لذلك الذي قد عاد لتوه من السفر، واقفًا يرمقها بنظرات كالصقر. ترجلت أمام إحدى المدافن التي استدلت عليها مسبقًا، لتجد أن بوابتها قد فتحت على مصرعيها، فكانت الإضاءة كافية لتري ذلك الرجل يغرس بعضًا من الشتلات في فناء غرفة المدفن. شرع إليها برأسه ليسألها بصوت رصين: -مين حضرتك يا آنسة؟ توترت قليلًا لكن سرعان
ما استجمعت شجاعتها وقالت: -محتاجة أدور على حاجة هنا. جالت بحدقتيها قليلًا بين المدافن الخمس التابعة لتلك الغرفة الشاملة، ثم أشارت على إحداهن وقالت: -محتاجة أدور شوية في الرمل بتاع التربة دي. قال الرجل سريعًا: -مستحيل طبعًا، أولًا المدافن دي مش ملكك، ثانيًا فيه جثمان هيدفن دلوقتي، ف لازم تمشي من هنا حالا. قالت بامتعاض: -جثمان إيه ده، الساعة داخلة على اتنين مين هيدفن دلوقتي. قال الرجل بتهكم:
-هو أنا يعني هكذب عليكي ليه، أنا مش مضطر أولًا، ثانيًا أيوه عادي دي كانت حادثة وعلى ما الإجراءات خلصت وكده ف هيندفن دلوقتي، وأصلاً الجثمان جاي من محافظة تانية ومش هينفع يتساب للصبح. قالت أروى بترجي: -معلش حاول تساعدني، لازم آخد من هنا حاجة ضروري ومش هينفع غير النهاردة، وبعدين لو التربة دي اتقفلت مش هنعرف نفتحها تاني. -معلش يا آنسة مش هينفع. -أرجوك تساعدني، ده في حد حياته في خطر.
-يا ستي الله يكرمك امشي من هنا مش ناقصين مشاكل. خطت أروى اقترابًا من المقبرة وقبل أن تمد يدها، دفعها الرجل للوراء قائلًا: -يا ست امشي من هنا مش عايز أغلط فيكي، هتخسريني شغلي.
اختل توازنها إثر دفعته وكادت أن تسقط ولكن يد فولاذية كانت هي الأقرب ليدها، تنسمت رئتيها تلك الرائحة التي سادت مؤخرًا في حركة تكرارية، فكانت تتأكد من تلك الرائحة التي تعرفها جيدًا وتحفظها عن ظهر قلب، استطاعت أن تحزر بشكل صائب، فلم تكن تلك اليد لإحد غيره.
أجل إنه باسل المُعز، الذي يرمقها بنظرات لا تفهمها، وقسمات وجه لم تكن مفسرة بالنسبة لها، أما هو فساعدها لتعتدل في وقفتها قبل أن ينقل نظره إلى حارس المدافن، وتتأجج عينيه بنيران الغضب، ليقول بصوت جهوري: -تعرف إنك دلوقتي مديت إيدك على مراتي؟؟ بدأت الكلمات تتخشب على شفتي الحارس، ولما لا والعروق البارزة في جبهة باسل ورقته تنم عن وضع أقل ما سيقال عنه أنه جريمة قتل.
وبالفعل قبل أن ينطق الحارس بحرف واحد، أراد باسل أن يسدد له لكمة قوية، ولكن أروى قد حالت بينه وبين الرجل وهي تمسك بقبضة يده لتبعدها، قائلة: -لأ يا باسل، الراجل بيشوف شغله واللي عمله ده طلع منه تلقائي... واعتقد هو محتاج يقدم اعتذار مش أكتر. صوب باسل حدقتيه للحارس بنظرة حازمة وقال بنبرة صارمة: -اعتذر منها. أوقفته أروى سريعًا وقالت: -لا لا مش عايزة اعتذار، بلاش تعتذر. رفع باسل حاجبيه في حيرة يقول: -نعم! .....
أمال يعمل إيه؟ أجابت بتحفز: -يخليني أعمل اللي أنا هنا عشانه. طالعت الحارس بترقب وهي تنطق بجملتها، وخوفًا من باسل فلم يكن حل أمامه سوى تركها تفعل ما جاءت لأجله. شرعت سريعًا تبحث عن ذلك الكيس الأسود الصغير الذي أخبرها عنه ذلك المشعوذ الكاذب، وكان حقًا أن حصلت عليه وأتمت ما جاءت لأجله قبل حضور المالكين لغرفة المدافن. شهقت بفزع عندما تخطت بوابة المدافن، لتقول باستغراب: -عمي صالح شكله مشي وسابني. أردف باسل بهدوء:
-أنا طلبت منه يرجع البيت. سألته بنبرة استغراب يشوبها الحيرة: -إيه ده أنت عرفت إزاي إني هنا؟ ولا رجعت من الكويت إمتى أصلًا؟! .... هو أنت أصلًا لحقت تسافر! قال وهو يحثها على السير: -نرجع البيت الأول يا أروى وبعدين نتكلم براحتنا. ركبت معه السيارة بعدما أخبرته برغبتها في الذهاب إلى أحد الشيوخ قبل أن يعودا إلى المنزل، ولم يكن منه سوى الاستجابة لطلبها.
تهادت السيارة أمام الباب الكبير للقصر، فأزاحت أروى عنها حزام الأمان، وتبعها باسل وهو يقول بجدية: -مين اللي عمل العمل ده؟ ولمين؟؟ غضنت أروى جبهتها وسألته: -أنت عرفت منين؟ أجابها باسل: -يعني معروفة، نزلتي المقابر في وقت زي ده وجبتي من هناك ورقة وروحتِ بعديها لشيخ..... ف طبيعي حاجة تخص أعمال. سألته أروى مجددًا: -عرفت إزاي صحيح إني في المقابر؟ -أنا يا دوب وصلت ولاقيتك بتخرجي ف خرجت وراكي...... قوليلي بقى إيه الحوار.
حاولت التهرب منه فقالت: -خلينا نتكلم بكرة، أصلاً أنا عايزة أنام. -لأ عايز أعرف دلوقتي، وكل حاجة بالتفصيل. -توعدني إنك مش هتقول لحد؟ -سرك في بير. بدأت أروى تخبره بما فعلته «ميار» من أجل الحصول عليه، وكيف انتهى الأمر بإلحاق الضرر بـ حسام. باسل باندهاش: -ميار عملت دا كله؟! إيماءت أروى برأسها وقالت: -مع الأسف..... بس الحمدلله اهو لحقنا الموضوع بفضلك. -بالعكس أنا معملتش حاجة، ده أنا المفروض أشكرك عشان بتساعدي عائلتي.
تلفظت أروى وهي تضغط على مخارج الأحرف: -عائلتنا..... أنا كمان من العيلة ولا مش واخد بالك. تاه عقله عنها لثوان قبل أن يتبسم قائلًا: -لأ مش ناسي. هتفت أروى ذعرًا، ثم أشهرت إصبعها صوب النافذة المجاورة لباسل لتقول: -خلي بالك. التفت باسل سريعًا قبل أن يسألها باستغراب: -في إيه يا أروى مفيش حد. أصفر وجهها خوفًا وقالت: -أنا متأكدة إني شفت حد وراك لابس أسود ومعاه سكينة.
ترجل باسل من سيارته، وجال بنظره في الأرجاء فلم يجد أحد، فتحرك ليفتح لها الباب وهو يقول مطمئنًا: -متخافيش يا أروى مفيش حد، وأصلاً الحرس كتير ومفيش نملة تدخل من غير علمهم. في صباح اليوم التالي، أعرب الجميع عن سعادتهم بعودة باسل، وبعد ذهاب الأحفاد إلى العمل، جلست أروى برفقة وفاء يحتسيان القهوة في غرفة فداء التي بدأت تستعيد عافيتها. غيرت أروى مجرى الحديث قائلة: -على فكرة يا فداء، حسام هو اللي اتبرعلك بالدم.
وفاء باستغراب: -الله مش خالك اللي جابه؟ أخبرتهما أروى بما قاله رمزي، لتقول وفاء بامتنان: -أنا كنت عارفة إن حسام طيب زي والدته، بس هو اللي عنيد شوية، ربنا يصلح حاله. اقترحت أروى قائلة: -إيه رأيك لو والدته طنط داليا تيجي تقعد معانا هنا؟ وفاء بحزن: -أنا أتمنى والله، نفسي العيلة ترجع ويتلم شملها زي الأول، بس داليا مش ممكن توافق. أروى بحمية: -سيبى الموضوع ده عليّ، بس أنا عايزة مساعدتكم في حاجة تانية. تدخلت فداء قائلة:
-عايزة تعملي إيه؟ تبادلوا جميعًا النظرات في صمت قطعته أروى: -سميرة والدة باسل كانت بتروح لدجال يا طنط؟؟ أجابتها وفاء بقسمات وجه نافرة: -أعوذ بالله، ربنا يكفينا شرها، سميرة عملت كل الحاجات السيئة عشان تفرق العيلة لدرجة إنها فعلاً مشيت في فترة مع دجالين. أروى بغموض: -أنا بقى عرفت واحد منهم، وهو ده هيكون طرف الخيط اللي هيشد باسل عشان يكشف حقيقة أمه. نطقت الأم وابنتها في الوقت ذاته: -ودي هتعمليها إزاي؟؟ تلوى
ثغرها ببسمة خبيثة وقالت: -هحكيلكم كل حاجة، المهم تساعدوني. على الجهة الأخرى، ترجلت دينا من سيارة الأجرة أمام ذاك الصرح الشامخ، والذي يعبر عن كينونة مالكيه، ألا وهم أحفاد المُعز، فكانت تجر قدمًا وتأخر الأخرى في تردد للدخول. زفرت بقوة وقالت: -طالما جيت بقى يبقى لازم أدخل. استدلت من إحدى الموظفات عن المكتب الخاص بفارس، طرقت على الباب بتمهل، وما إن سمعته يأذن لها بالدخول حتى أدارت المقبض، ثم دلفت إليه. تفاجأ بتواجدها،
ولكنه رحب بها ببشاشة وقال: -تعالي يا دينا اتفضلي اقعدي. اعتلت الكرسي المجاور للمكتب وتعتعت في الحديث قائلة: -أنا آسفة.... جيت من غير معاد. رد عليها بنبرة هادئة: -عادي ولا يهمك، أهم حاجة إنتي كويسة؟؟ أماءت برأسها في تتابع بطيء، ثم اندفعت قائلة: -لو وجودي هنا مضايقك أنا ممكن أمشي. -معتقدش إنك جيتي عشان تمشي، وعمومًا وجودك مش مضايقني خالص. فركت يديها بتوتر بادٍ على وجهها، ثم قالت:
-مش أنت قولتلي ممكن أتكلم معاك لو أنا في مشكلة؟ انتبه لها فارس قائلًا بتأكيد: -أيوه قولت، وأنا أكيد هسمعك وهساعدك لو عندك مشكلة. سكتت لترتب كلماتها، ثم نطقت بترقب: -هو أنت ممكن تتجوزني! ....... يتبع
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!