حاولت فداء جاهدة لتفتح تلك النافذة، لكنها فشلت في ذلك. لم تجد أمامها مفرًا من ذلك الوضع سوى الاتصال بأحد ليأتي ويخرجها قبل أن تتضرر رئتيها. كانت تسعل بشدة، بينما أصابعها تلمس شاشة هاتفها بتوتر. بناءً على علمها بأن أخيها ذاهب إلى الإسكندرية من أجل العمل، قررت الاتصال بباسل. ما إن رأى باسل اسمها على شاشة هاتفه، حتى استقبل المكالمة سريعًا وهو يقول بجمود: –أيوه يا فداء، خير؟ كانت تلتقط أنفاسها بصعوبة، جعلتها تتحدث بتقطع:
–الحقني يا باسل... الحقني الله يخليك. انتبه باسل لنبرتها الخائفة والمتقطعة، فسألها بقلق واهتمام: –مالك يا فداء؟ والدتك حصلها حاجة؟ حركت رأسها برفض وكأنه يراها، ثم مالت برأسها قليلًا للخلف وقالت: –ماما كويسة... بس أنا لأ... مش قادرة أتنفس، حسام... حسام. سألها باستغراب: –ماله حسام؟ عملك حاجة؟ كانت الكلمات تخرج من فمها بصعوبة بالغة، فهي تجاهد من أجل التنفس ومن أجل أن تتحدث إليه، فقالت:
–حسام حابسني في أوضته وفيها دخان وأنا عندي ربو... الحقني بسرعة مش قادرة أتنفس. حاول باسل أن يطمئنها في حين أنه قد اعتراه الخوف والقلق عليها، فقال وهو يتحرك راكضًا إلى سيارته: –أنا جاي أهو يا فداء، اهدي وحاولي تتنفسي، أنا جاي مش هيحصلك حاجة إن شاء الله.
كان يقود سيارته بسرعة جنونية، مما جعله يصل إلى القصر في وقت قياسي. ترجل سريعًا من سيارته واتجه إلى حسام الذي يجلس مع رفاق الفساد، ويدخنون لفائف التبغ بشراهة ويتناولون ذلك الشراب الذي يؤدي إلى الثمالة. ما لبث باسل يصل إلى حسام، حتى أمسكه من تلابيب قميصه جاذبًا إياه لينهض عن ذلك المقعد الذي يعتليه، ثم لكمه لكمة قد بث فيها غضبه وخوفه على ابنة عمه، وهو يسأله قائلًا: –فين مفتاح الأوضة؟
وضع حسام يده موضع تلك الضربة التي تلقاها لتوه، ونظر إلى باسل بأعين كتلك التي يداهمها النعاس، وقال بنبرة خاملة: –أوضة إيه؟ صرخ باسل في وجهه قائلًا بغضب: –الأوضة بتاعتك اللي حابس فيها فداء. حرك حسام حدقتيه ناظرًا إلى الأعلى بعقل ضائع، وقال: –باين فوق.
دفعه باسل بقوة جعلته يجلس مرة أخرى، وتحرك سريعًا صاعدًا إلى غرفة ذلك الأحمق الذي يفسد نفسه بيده. كان المفتاح مازال في موضعه في ثقب الباب، فبحركة سريعة فتح باسل الباب ودلف إلى فداء التي وجدها في حالة يرثى لها.
كانت تجلس أرضًا في الزاوية التي تجاور النافذة، بعدما فقدت القدرة على التحكم في عضلات جسدها التي ارتخت لقلة الأكسجين، وقد احتقنت الدماء في وجهها، وتلتقط أنفاسها بصعوبة بالغة. ركض إليها حاملًا إياها بين ذراعيه ليخرجها من تلك الغرفة الملوثة ببقايا احتراق التبغ. كان يخطو بتوسع حتى وصل لباب القصر، حيث كان ينوي أخذها إلى الطبيب، ولكن أوقفته حركة يدها التي تربت على كتفه بضعف وصوتها المنخفض حينما سمعها تقول: –عايزة البخاخة.
قال باسل بنبرة من القلق: –هوديكي للدكتور. حركت رأسها برفض ونطقت بكلمات متقطعة: –عايزة البخاخة... وهكون... كويسة. أجلسها باسل على أولى درجات السلم، جاعلًا من درابزين السلم مسندًا لظهرها، ودلف مجددًا إلى القصر قاصدًا غرفتها لإحضار ما طلبته. غاب لعدة دقائق قبل أن يعود إليها ومعه ذلك الجهاز الصغير الذي يساعدها في ضبط التنفس.
بقي باسل جالسًا بجانبها في الهواء الطلق، وها هي بدأت تأخذ أنفاسها بصورة طبيعية بعدما تناولت الدواء، فسألها باسل بترقب: –متأكدة مش عايزة تروحي لدكتور؟ ابتسمت له وقالت: –لأ مفيش لزوم، الحمد لله بقيت كويسة. سألها مجددًا: –متأكدة؟ أومأت برأسها وقالت بامتنان: –أيوه متأكدة، شكرًا ليك من غيرك كان زماني بودع. قال باسل سريعًا: –بعد الشر عليكي يا فداء. اتسعت ابتسامتها ولم تعقب، بينما أكمل باسل سائلًا:
–إيه اللي خلى حسام يحبسك كده؟ بدأت تقص عليه ما صدر من ابن عمه، والحوار الذي دار بينها وبينه في حضور ممدوح وميار. وكان باسل يستمع لكلماتها بغضب مكتوم، وذلك متابعًا بحدقتي حسام الذي بدأ في مراقبتهما منذ اللحظة التي شاهد فيها باسل يحمل فداء وهي في تلك الحالة. ***
بمرور ساعتين على انطلاق فارس متجهًا إلى الإسكندرية، تناهى إلى سمعه صوت وكأن هناك من يتثاءب. في المرة الأولى لم يهتم بالأمر، ولكن عندما تكرر الصوت مرة أخرى، قام فارس بإيقاف سيارته على جانب الطريق ليتفحص المقعد الخلفي. لكنه ما كاد يلتفت برقبته حتى تفاجأ بتلك التي نهضت بغتة لتصدمه بتواجدها. قال فارس مستغربًا: –أنتي بتعملي إيه هنا يا دينا؟ صمتت لثوانٍ معدودة قبل أن تضرب على جبهتها وتقول:
–أنا آسفة والله يا مستر، بس لما الجو بدأ يمطر مكنش قدامي غير إني أركب عربيتك، ومش عارفة نمت إزاي، أنا آسفة والله، هنزل حالًا. أوشكت على فتح الباب ولكن أوقفها قائلًا: –استني هنا هتنزلي تروحي فين؟ إحنا مش في القاهرة يا دينا. ضيقت ما بين حاجبيها وهي تسأل: –مش في القاهرة إزاي؟ أمال إحنا فين؟ أجابها بجدية قائلًا: –إحنا كمان نص ساعة نبقى في إسكندرية. شهقت بصدمة وقالت: –إسكندرية! إزاي؟ وامتى؟ قال فارس:
–بقالي ساعتين سايق، ومأخدتش بالي إنك نايمة ورا، الكراسي عالية زي ما أنتِ شايفة وأنتي مكنتيش باينة. اعتذرت إليه مجددًا وقالت: –أنا آسفة والله يا مستر. تنهد فارس قائلًا: –ولا يهمك يا دينا، حصل خير. سألته مجددًا: –طب وهو حضرتك رايح تعمل إيه في إسكندرية يا مستر؟ رد عليها بنبرة هادئة: –عندي شغل في المصانع بتاعتنا اللي في إسكندرية، بس مش مشكلة هنرجع القاهرة بقى وبكرة أرجع إسكندرية تاني. قالت دينا سريعًا:
–لا، لأ يا مستر حضرتك كمل طريقك لإسكندرية وأنا هنزل وأركب أنا وأرجع القاهرة. فارس باعتراض: –لأ طبعًا مينفعش أسيبك لوحدك. قالت دينا باقتراح: –طب إيه رأي حضرتك لو تسيبني معاك؟ وأنا أصلًا كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع. قال فارس بعدم اقتناع: –لأ طبعًا، أهلك هيقلقوا عليكي، ولو ع الموضوع نبقى نتكلم فيه الحصة الجاية في السنتر. تلوى ثغرها ببسمة ساخرة وقالت: –ولا حد هيلاحظ غيابي أصلًا ولا حد هيعبرني، متشغلش بالك بأهلي.
انتبه فارس إلى نبرتها الحزينة الساخرة، لكنه لم يعقب وقال بإصرار: –لأ برضو، لازم ترجعي البيت النهاردة. كانت ستحاول إقناعه، ولكن ماتت الكلمات على شفتيها عندما صدح الهاتف معلنًا عن اتصال من باسل، الذي تحدث إلى فارس وطلب منه الإسراع في إنهاء العمل الذي كُلف به، وليعود غدًا إلى القاهرة من أجل مرافقة باسل في تلك المناقصة. نظرت دينا إلى فارس بترقب وسألت: –ها هتاخدني معاك؟ سحب نفسًا عميقًا وأجابها مستسلمًا:
–مفيش حل غير كده... هاخدك. ابتسمت بسعادة، وفي طرفة عين كانت تحتل الكرسي المجاور له، وقالت بحماس: –كده بقى نعرف نتكلم. أعاد فارس تشغيل السيارة، وشرع في الوصول إلى وجهته، بينما تحدثت دينا وقالت بنبرة جادة: –بص يا مستر، من غير لف ولا دوران أنا عايزاك تساعدني... ممكن؟ سألها باهتمام دون أن ينظر لها: –طبعًا لو في مقدوري هساعدك. ابتسمت واسترسلت بتوضيح:
–طيب أنا حابة أتحجب وحابة حضرتك تساعدني يعني تقولي أعمل إيه وإيه لأ، وحابة كمان إنك تساعدني أعرف أكتر عن ديني. ابتسم فارس بسعادة وقال: –طب حلو ده، أنتي بتصلي؟ أجابته دينا سريعًا: –أيوه الحمد لله، مش معنى إني بلبس مكشوف يبقى مش بصلي! قال فارس بجدية: –أنا عارف إن اللبس ملوش علاقة بالصلاة وإن ممكن يكون في محجبات ومش بيصلوا، أنا بس بسألك... المهم دلوقتي متغيريش أسلوب لبسك مرة واحدة عشان متحسيش بملل وترجعي في رأيك.
سألته دينا باستغراب: –إزاي؟ –يعني مثلاً أول حاجة تلبسي في الأول بناطيل واسعة على بلوزات طويلة وعليهم الطرحة، وبعد كام يوم البسي جيبات، وبعدين تلبسي دريسات ولبس فضفاض وعليهم بقى خمار لو حابة... وطبعًا بلاش مكياج وأنتي خارجة من البيت. –لأ أنا هلغي خطوة البناطيل دي وهلبس جيبات على طول. –خلاص مفيش مشكلة، براحتك. ***
بقي حسام حبيسًا في غرفته إلى المساء، فكان يفكر في سلوكه وأفعاله التي كادت تضع نهاية لحياة ابنة عمه، والتي لم ترتكب ذنبًا وإنما كان خطأها الوحيد، أنها رفضت ما يفعله من مخالفة للأخلاق وفساد وتدمير لصحته. أصدرت معدته صوتًا في احتجاج لرفضه الطعام، فنهض كي يحضر شيئًا يتناوله، لكنه زفر بضيق عندما وجد الساعة في هاتفه قد تجاوزت الثانية عشر في منتصف الليل، وغمغم قائلًا: –أروى لو شافتني رايح للمطبخ دلوقتي هتعملي حوار!
ما لبث أن يتراجع عن قراره حتى احتجت معدته مرة أخرى، فنهض ضاربًا بقواعدها عرض الحائط، واتجه سريعًا إلى المطبخ. فلم يجد أمامه سوى ذلك القدر الذي أحضرته «ميار» في صباح اليوم من أجل «باسل»، فقد نسيت ولاء وضعه على مائدة الطعام.
وبينما هو يتناول لفائف ورق العنب باستمتاع وبنهم شديد، انتبه إلى صوت يصدر إثر خطوات بطيئة وضعيفة، فالتقط منديلًا ورقيًا وأسرع متفقدًا الوسط، فوقعت عيناه على أروى التي تتسلل لخارج القصر، فلحق بها دون أن تشعر بوجوده. فكان رمزي منتظرًا إياها، بعد إلحاح شديد منها على مجيئه الآن. اختبأ حسام خلف تلك الشجرة منصتًا إلى حديثهما، حيث بادر رمزي قائلًا بجدية: –فيه إيه يا حبيبتي؟ الموضوع اللي عندك ده مكنش ينفع يستنى لبكرة؟ حركت
رأسها برفض وقالت بضيق: –لأ ميستناش، أنا مش عارفة أنام. أردف رمزي سريعًا بقلق: –ليه مالك؟ أنتي تعبانة ولا إيه؟ تحبي تروحي المستشفى؟ قالت بنفي: –لأ مش تعبانة، بس أنا مش مبسوطة باللي أنت عايز تعمله، أنا مش عايزة شركات المعز تخسر المناقصة، مش عايزة نبيعهم ونخذلهم بالشكل ده. –يا حبيبتي لازم نعمل كده، ده لمصلحتنا وهيساعدنا كتير في اللي إحنا عايزينه. أروى بعدم اقتناع:
–بس إحنا ممكن نحل الموضوع ده بشكل تاني، إنما إحنا كده بنضيع تعبهم وشغلهم ع الأرض، أنت مش عارف باسل مهتم بالمناقصة دي إزاي! ده هو اللي شغال عليها لوحده ومحافظ ع الموضوع سري، نقوم إحنا نبوظ شغله! رمزي بجدية: –لو أنتي عايزة تنفذي اللي أنتي هنا عشانه، يبقى لازم نعمل كده مفيش حل تاني... ويا ريت تحطي مشاعرك دلوقتي على جنب.
غادر رمزي إلى بيته، ودلفت أروى إلى القصر ومن خلفها حسام الذي توجه إلى باسل وأخبره بما حدث وبرغبة رمزي في سلب المناقصة من شركة المعز، فشدد باسل على ابن عمه وطلب منه إبقاء الأمر سرًا بينهما إلى أن يعثر على الوصية الحقيقية وتصبح بيدهم، وفي ذلك الوقت سينتقم من أروى ويلقنها درسًا على محاولة سرقتهم وتدمير حياتهم. في اليوم التالي، كانت أروى تحتسي القهوة برفقة صديقتها قبل أن يحين وقت المحاضرة التالية،
فأشارت سلوى بيدها وقالت: –مش ده نفس الشاب اللي أخدك بعد الكلية المرة اللي فاتت؟ التفتت أروى ناظرة إلى حيث تشير صديقتها، ثم أجابت بتفاجؤ: –أيوه... بس بيعمل إيه هنا؟ حركت سلوى كتفيها وقالت باسمة: –أنتي بتسأليني؟ هو أنا اللي أعرفه ولا أنتي! أجابتها أروى باستغراب: –بس أنا معرفش؟ قالت سلوى بتخمين: –شكله بيدور على حد... ممكن يكون بيدور عليكي. –طب ثواني، هشوفه وأجي.
خطت أروى سريعًا إلى باسل الذي يتلفت حوله بحثًا عنها، وما إن رآها تقف أمامه حتى أردف بنبرة من القلق الزائف: –إيه يا أروى، برن عليكي مش بتردي ليه؟ عقدت ما بين حاجبيها قبل أن تنظر إلى هاتفها وتقول بتذكر: –عملت الفون صامت بالليل ونسيت ألغيه، ومأخدتش بالي من رناتك. نطق باسل باهتمام أجاد تصنعه: –طب بلاش تعمليه صامت تاني، عشان قلقت عليكي. تفرست في وجهه لوهلة بعقل شارد، ثم قالت بجدية: –طب أنت هنا ليه؟ أجابها ببسمة هادئة:
–أنا هنا يا ستي عشان أعوض عن الغلطة اللي عملتها. –غلطة إيه؟ –عشان بسبب عنادي أنتي ضيعتي الامتحان، فجيت عشان أتكلم مع الدكتور يعطيكي فرصة ويمتحنك. ضحكت أروى وقالت بيأس: –لأ متحاولش مع الدكتور ده، ده صعب حد يقنعه، وأنا أصلًا زهقت فيه وكل مرة بيزعق. تشدق باسل مردفًا بتعال: –وهو أنا أي حد ولا إيه؟ ده أنا باسل المُعز. ضحكت أروي بحاجب مرفوع وقالت: –صدقني لو مين هو مش هيهتم. قال باسل بترقب:
–طب ولو قولتلك إنه وافق، وأنتي عندك امتحان بكرة؟ اتسعت عينيها وسألته بشك: –بتهزر؟ الدكتور وافق؟ إزاي؟ ابتسم قائلًا بتوضيح: –الدكتور بتاعك كان صاحب بابا الله يرحمه، وليا غلاوة عنده شوية عشان كده أول ما اتكلمت معاه وافق على طول. ابتسمت بارتياح وقالت: –الحمد لله، أنا كنت زعلانة أوي عشان درجات الامتحان ده. –يلا أهو معاكي فرصة، وأنا واثق إنك مش هتضيعيها. أروى بتحفز: –إن شاء الله هبذل جهدي عشان أقفل الامتحان...
بجد شكرًا... مش عارفة كنت من غيرك هعمل إيه! باسل باعتذار: –أنا اللي آسف والله، مكنتش أعرف إن الامتحان ده مهم كده. أروى بود: –ولا يهمك، حصل خير. ابتسم باسل وقال: –أيوه صح، هنعمل حفلة في البيت بعد بكرة إن شاء الله، لو عايزة تعزمي حد من صحابك مفيش مشكلة. سألته باستغراب: –حفلة إيه؟ ابتسم باسل بغموض وقال: –احتفال بالمناقصة إن شاء الله، أنا واثق إننا اللي هناخدها بإذن الله.
شعرت أروى بالقلق وأصاب الحزن قلبها لأجل باسل، فحاولت تغيير قسمات وجهها وقالت بجدية: –طب مش تستنى الأول لما نشوف هناخدها ولا لأ؟ أجابها بثقة: –أنا ضامن عرضنا كويس، متقلقيش. حركت رأسها بقلة حيلة وقالت: –خلاص براحتك. أضاف باسل بمكر: –شكلك كده مش هتعزمي أصحابك ومحرجة، خلاص أنا هعزمهم بنفسي. لم يمنحها فرصة للرفض وسبقها إلى سلوى التي قد انضمت إليها فتاة أخرى، وقال ببسمة لطيفة: –مساء الخير. أجابت الفتاتان: –مساء النور.
نظر باسل إلى أروى التي تتابع في صمت وتوجس، ثم قال: –يا ريت حضراتكم تشرفونا بعد بكرة، عاملين حفلة بسيطة كده في البيت، ويا ريت تعرفوا باقي أصحابكم. سألته الفتاة التي تجاور سلوى بشك: –هو مش حضرتك بردو باسل المُعز؟ أومأ برأسه وقال: –أيوه أنا. سألته الفتاة مجددًا: –يعني الحفلة هتبقى في قصر المُعز. باسل بلطف: –أيوه إن شاء الله. قالت الفتاة بحماس: –خلاص تمام، هعزم أنا الباقي بدلًا عن حضرتك وعن أروى.
تركهم باسل وغادر عائدًا إلى عمله بعدما حقق هدفه من المجيء، بينما تحدثت تلك الفتاة إلى أروى سائلة: –يخرب عقلك يا أروى! أنتي عارفة باسل المُعز ده منين؟ نقلت أروى نظرها بين الفتاة وبين سلوى التي تنتظر الإجابة، فهي إلى الآن لم تسأل عن الرابط بينها وبين عائلة المُعز. ثم قالت أروى بتوتر وببسمة مهزوزة: –باسل يبقى قريبي. قالت الفتاة بمرح: –قريبك بس! طب ما أنا عندي قرايب ولاد كتير محدش بيجيلي الكلية ومليش كلام معاهم أصلًا...
فالتفسير اللي قدامي وخصوصًا بعد عزومتنا على حفلة بكرة، إحساسي بيقول إنه خطيبك. تنهدت أروى بحزن وقالت: –لأ مش خطيبي... بعد إذنكم همشي عشان تعبانة شوية. *** انتهى فارس من العمل الذي كُلف به، وعاد إلى الفندق حيث قد اختص غرفتين، واحدة لأجله والأخرى لأجل دينا التي قد تركها صباحًا بعدما تناول معها وجبة الإفطار.
وبعدما أبدل ثيابه، اتجه إلى غرفتها المجاورة لغرفته، حاملًا معه كيسًا ورقيًا، وما إن طرق على الباب مرة واحدة حتى وجدها تطل من خلف الباب وكأنها كانت تنتظره. ابتسمت بارتياح وقالت: –أخيرًا جيت يا مستر، أنا زهقت من القعاد لوحدي. ابتسم فارس بخفة قائلًا: –أنا يدوب خلصت شغلي وجيت على طول، كلمت والدتك تطمنيها؟ حركت رأسها وقالت باستخفاف:
–لأ، هي كده كده مش مهتمة، عندنا كل واحد في البيت قاعد في أوضته ومحدش بيسأل عن حد، مخاصمين بعض يعني. سألها فارس باهتمام: –ليه كده؟ طب والدك بالنسبة ليه دا عادي؟ تنهدت دينا وأجابت بحزن: –بابا متوفى من سبع سنين، ومن ساعتها ووضعنا اتغير تمامًا، محدش بيكلم حد في البيت غير للضرورة، المهم بقى يا مستر، هو إحنا هنرجع القاهرة دلوقتي؟ تسائلت في جملتها الأخيرة بترقب، فأردف فارس قائلًا: –أيوه إن شاء الله.
ذمت شفتيها بحزن طفولي، فابتسم فارس قائلًا: –مش عايزة ترجعي ولا إيه! حركت كتفيها بيأس وقالت: –يعني... كنت عايزة أتجول في إسكندرية بما إن دي أول زيارة ليا، وكنت بفكر أنزل وأنت في شغلك بس كنت خايفة. ضيق عينيه مفكرًا قبل أن يقول موافقًا: –مفيش مشكلة، بس هنروح الأماكن القريبة مننا واللي أنا عارفها بس. تزين وجهها ببسمة واسعة وقالت: –يعني حضرتك موافق؟ أومأ برأسه مؤكدًا، فقالت بحماس: –قول والله.
ضحك بصوت رجولي، فاتسعت ابتسامتها عن السابق وطالعته بإعجاب وهو يقول مؤكدًا: –والله يا دينا هفسحك في إسكندرية، بس إيه رأيك تلبسي دول الأول؟ تناولت من يده ذلك الكيس الورقي وهي تسأله باستغراب: –ده إيه؟ –بما إنك قررتي تغيري طريقة لبسك، فإيه رأيك نبدأ من هنا؟ قالت دينا بوجهٍ عابس: –بس أنا حاليًا مش معايا حق اللبس ده. فهم فارس ما تعنيه، فقال: –أصلًا أنتي مش هتدفعي حقهم، عشان الطقم ده هدية مني كتشجيع ليكي.
كادت أن تعترض ولكن سبقها قائلًا: –مش مسموح بالرفض وإلا هنرجع القاهرة على طول من غير فسحة. سرعان ما كانت تغلق الباب وتحركت لتبدل ثيابها، وبمرور الوقت خرجت إليه مرة أخرى وهي ترتدي ما أحضره فارس لأجلها، ولكن فور ما رآها حتى قهقه عاليًا، فعقدت حاجبيها وهي تطالعه بتعجب فقال موضحًا: –أنتي لافة الطرحتين كده ليه؟ طالعته بغيظ وقالت: –مش حضرتك اللي جايبهم! وبعدين دي أول مرة ألبس طرحة لو تاخد بالك يعني!
وأصلًا عندي إسدال بخمار بصلي فيه ودي حرفيًا أول مرة ألبس طرحة. فقال فارس مشاكسًا: –أنا جايب طرحتين عشان مكنتش عارف أنهي هتليق على الطقم، مش عشان تلبسي الاتنين، وحتى لو لبستي الاتنين معنديش مشكلة، لكن مش تلفيها بالشكل ده، زي أيام ستي وستك. قالت دينا بحنق: –والله بقى ده اللي طلع معايا، مش عارفة أعملها غير كده. –خلاص مش مشكلة، يلا ابقي اتعلمي بعدين، المهم دلوقتي يلا عشان منتأخرش. رفضت دينا وقالت:
–والله مش هخرج من هنا بالشكل ده، إذا كان حضرتك اتنمرت على شكل الطرحة، الناس اللي برا يقولوا عليا إيه! بعد دقائق معدودة، كان فارس واقفًا بجوارها أمام المرآة مع احتفاظه بمسافة مناسبة بينه وبين دينا، وبعد تركه لباب الغرفة مفتوح، حيث أخذ منها إحدى أغطية الرأس وبدأ يريها كيفية ارتداء الحجاب كما كانت تفعل «فداء»، فكانت ضحكاتهما تملأ الغرفة.
وما إن انتهت من ارتداء الحجاب، حتى انطلقا سويًا ليتجولان في الإسكندرية في وسط من السعادة والبهجة. وأخيرًا جاء ذلك اليوم الذي انتظره الجميع، فاليوم سيقام الاجتماع من أجل المناقصة، فكانت أروى بصحبة رمزي في مكتبه وكلاهما بانتظار عودة الأحفاد. فكانت أروى تجوب الوسط ذهابًا وإيابًا في قلق قد سيطر عليها، فهتف رمزي قائلًا: –ما تهدي وتقعدي يا أروى، خيلتيني. توقفت أروى وطالعته باقتضاب قائلة: –أقعد إزاي؟ أهدى إزاي؟
أهدى إزاي يا خالي والأحفاد اللي المفروض إننا هنا عشانهم، بنعمل العكس وبندمرهم وبنضيع شغلهم على الأرض.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!