وضعت يدها على جانب وجهه الأيسر لتجعله ينظر إليها مرة أخرى، وقالت بصدق: –لأ مش كذب، أنا مش هتجوز غيرك…. عشان بحبك أنت يا باسل. طوق وجنتيها بكفيه و همس لها قائلًا بلهفة: –بجد يعني هتختاريني؟ مالت برأسها و رمشت بعينيها بتثاقل، و أردفت ناظرة إليه بحب: –ربنا اختارك ليا، و من ساعتها وقعت في حبك. سألها بعينين ضائقتين: –امتى ربنا اختارني؟ جالت بعينيها بحثًا في المكان، ثم وضعت إصبعها على فمها وقالت بصوت منخفض:
–ششششششش…… وطّي صوتك، عشان هي ممكن تسمعنا. ضحك بلا وعي، و سألها مستغربًا: –محدش هنا، عشان يسمعنا. حركت رأسها برفض، و قالت بإصرار: –لأ هتسمع.
استيقظ في صباح اليوم التالي و هو يشعر بألم في رأسه، و بثقل على صدره. حرك عينيه سريعًا لتقع على تلك التي تنام بعمق و تحاوط خصره بيدها. ثبت أصابعه على مقدمة رأسه و أغمض عينيه بقوة ضاغطًا على جفونه، و هو يحاول تذكر أحداث الليلة الماضية التي أودت بهما إلى هذا الوضع، و لكنه لم يفلح في تذكر أي شيء، سوى أنه طلب منها أن تشاركه في تناول السكاكر. زفر بضيق و هو يبعدها عنه بحرص كي لا تفيق، ثم نهض واقفًا و هو يطالعها مغمغمًا
بضيق: –كل مرة بتأكد قد إيه أنتي رخيصة و مش مهتمة غير بالفلوس.
نزلت أروى بعدما أبدلت ثيابها و أدت فرضها، فكانت تشعر بألم في رأسها لا تعلم مصدره. فهي الأخرى لا تتذكر شيئًا سوى إنها قبلت أن تشارك باسل في تلك السكاكر، حتى أنها لم تتح لها فرصة كي تسأله عما حدث ليلة أمس. فعندما استيقظت من نومها وجدت نفسها في غرفته و تتوسط فراشه، و لكنه لم يكن بجانبها، بل لم يكن في الغرفة بأكملها. و عندما نزلت إلى غرفة الطعام وجدت الأحفاد بانتظارها على مائدة الطعام باستثناءه هو.
جلست أروى على المقعد الرئيسي للمائدة، بعدما ألقت عليهم تحية الصباح. فقبلت فداء و أخيها تلك التحية ببشاشة، أما حسام فقد زفر بضيق و لم يتحدث. لاحظت أروى تذمره و الضيق الذي اعتراه عندما دلفت إليهم، فسألته ببسمة قاصدة إثارة غضبه: –أخبارك إيه النهاردة يا حسام؟ شكلك مصحصح اهو. أجابها باقتضاب: –أيوه مصحصح، و الفضل لحضرتك مانعة خروجي من البيت و كأني عيل في خمسة ابتدائي. أجابت ساخرة:
–و هو أنت لو عيل في خمسة ابتدائي كنت شربت الزفت ده، و لا كنت هتروح الأماكن المنيلة دي! ألقى بقطعة الخبز من يده و هو يقول ساخطًا: –و هو انتي كنتي مين عشان تتحكمي في تصرفاتي، أمي و لا أبويا؟! أجابت بتهكم:
–أنا لا أمك و لا أبوك، أنا صاحبة البيت اللي أنت عايش فيه ده، يبقى تعيش على قوانيني. أنا مش عايزة في بيتي حد فاسد أو بتاع خمرة و شرب، و اعمل حسابك لو محترمتش نفسك و احترمت الناس اللي أنت عايش معاهم هطردك من البيت و مش هتشوف عربيتك تاني. تلوى ثغره ببسمة ساخرة، و سألها: –أنتي واعية للي بتقوليه ده؟ أومأت برأسها و أجابت:
–أيوه واعية، و عارفة أنا بقول إيه كويس، و من مصلحتك تسمع كلامي. و أيوه صح بلاش تتعامل معايا على إني واحدة مغفلة، و اعمل حسابك ممنوع دخول أي حد من أصحابك الفسدة دول للبيت هنا. أردف بحاجب مرفوع: –و هو حضرتك بقى هتمنعيني كمان أشوف أصحابي؟! أجابته بجدية: –أيوه همنعك، ما هما أكيد مش هيجوا هنا عشان سواد عيونك، يعني موقف امبارح و الأستاذ اللي اسمه ممدوح ده ممنوع يتكرر تاني، و كمان بنت خالتك ممنوع تدخل هنا غير في وجودي.
سألها بترقب و بنبرة غيظ: –حد قالك قبل كدا إن راسك تعبانة؟ ابتسمت باستفزاز و قالت: –الله أنت عرفت إزاي! أنا فعلًا عندي صداع النهاردة. ضحكت «فداء» على ذلك الأسلوب الذي تخاطبه به «أروى»، في حين أن حسام قد رمق ابنة عمه بطرف عينيه قبل أن يهب واقفًا و يغادر المائدة و هو يستشيط غضبًا. أردفت فداء بتشجيع: –و الله جدعة يا أروى، ده حسام ده واحد قليل الذوق. نظر فارس إلى شقيقته قائلًا بعتاب: –عيب كدا يا فداء، مينفعش تشتمي حد.
اعتذرت فداء عما بدر منها، فسألتهم أروى قائلة: –هو باسل فين؟ أجابها فارس و هو ينظر إلى طعامه: –سبقنا على الشركة. ارتشفت أروى من كوب الشاي الخاص بها، ثم قالت: –هو قالي امبارح إنك هتسافر إسكندرية عشان تخلص حسابات المصنع اللي هناك. أجابها فارس بتأكيد: –أيوه فعلًا، بس أنا عندي حصة في السنتر هخلصها الأول و بعدين هروح، كدا كدا هقعد هناك يومين. أومأت أروى برأسها، ثم قالت: –عربيتك موجودة برا تقدر تستخدمها بعد كدا.
سألها فارس باهتمام: –يعني أنا كدا مش مُجبر أشتغل في الشركة؟ تأخرت أروى في ردها إلى أن ابتلعت ما بفمها، ثم قالت: –لأ أنا هسيبها معاك و تقدر تستخدمها، لكن مش هتتكتب باسمك غير لما الشهر يخلص. قبل أن يتسنى له الرد، تناهى إلى سمعهم صوت «ميار»، التى ما إن سمعتها «أروى» تنادي «باسل» حتى نطقت ساخرة: –أهي الملزقة جت. ضحكت فداء و سألت: –مين دي؟ ردت عليها أروى:
–واحدة لازقة في بيتنا هنا، كل ساعة تلاقيها جاية، استني هتشوفيها دلوقتي. علقت فداء عينيها على باب الغرفة بقسمات وجه قد تحولت من الحماس إلى الاشمئزاز و النفور، عندما طلت عليهم ميار بملابسها الضيقة القصيرة، و وجهها الصارخ بمساحيق التجميل، و لكن هذه المرة لم تكن فارغة اليدين، و إنما كانت تحمل معها وعاء من الجرانيت، حيث اقتربت إليهم و من ثم وضعته على المائدة و هي تسألهم ببسمة واسعة: –أمال باسل حبيبي فين؟
ابتسمت أروى و هي تحرك رأسها بيأس، بينما أجابتها فداء التى ترمقها بنظرات يشوبها الاحتقار: –خرج، مش هنا. قالت ميار بعدم تصديق: –هو فين بجد يا جماعة، عايزاه يدوق ورق العنب قبل ما يبرد. نقلت فداء نظرها بين ميار و الجالسين على المائدة، في حين رددت أروى باستغراب: –ورق عنب؟! الساعة تسعة الصبح؟؟ حركت ميار كتفيها بلامبالاة و قالت: –عادي بقى، الأكل الحلو يتاكل في أي وقت.
أسندت أروى ذقنها إلى يديها المتشابكتين و المتعامدتين بكوعيها على المائدة، ثم سألتها باستفسار: –و الأكل الحلو ده مين اللي عمله؟ أجابت ميار مشيرة إلى نفسها بتفاخر: –أنا طبعًا، هو مين غيري بيهتم بباسل، قولي بقى هو فين عشان يدوقه؟ تدخلت فداء و قالت بحنق: –هو إحنا يعني هنكذب عليكي ليه؟ مش قولتلك خرج! انتبهت إليها ميار فأردفت قائلة بضيق: –باسل مش بيخرج دلوقتي، المفروض لسه نص ساعة على ما يروح الشركة، و بعدين انتي مين أصلا؟
استوت أروى على قدميها و اقتربت من ميار و هي تنادي «ولاء» التى جاءت سريعًا، فطلبت منها أن تأخذ الوعاء إلى المطبخ، فحاولت ميار منعها قائلة باعتراض و هي تحمل الوعاء: –لأ أنا جبته عشان باسل.. ابتسمت لها أروى بتصنع و أخذت منها الطعام و أعطته إلى ولاء قائلة: –متقلقيش، محدش فينا هيقرب لورق العنب بتاعك و هنعينه لباسل. قالت ميار بشك: –بجد؟ سألتها أروى قائلة: –في هنا حد بيطيقك، غير حسام؟ ردت عليها ميار بتلقائية: –لأ……
فقالت أروى: –طيب يبقى هناكل من أكلك؟! قالت ميار بإدراك: –يعني كدا باسل مش هياكل منه، عشان زعلان مني في الفترة الأخيرة؟ حركت أروى كتفيها بعدم معرفة و قالت: –أنتي و حظك بقى. ابتسمت ميار إلى أروى وقالت بتودد: –طيب ممكن تاكلوا منه ع الغدا كلكم من غير ما تقولوا ل باسل إن أنا اللي عملته؟ نظرت أروى إلى ساعتها اليدوية ثم قالت لتنهي الحديث: –إن شاء الله، بعد إذنك بقى عشان عندنا شغل. قالت ميار بحماس:
–طيب متنسوش تعرفوني رأيكم، عشان لو عجبكم اعملكم منه تاني. ابتسمت لها أروى بتصنع وقالت ساخرة: –طب ما تيجي تشتغلي عندنا طباخة بدل ما نتعبك كدا راحة جاية علينا بورق العنب بتاعك!
تلبدت السماء بالغيوم، و تجهزت تلك السحب لإسقاط ما تحمله من قطرات المطر، فكان الطقس مهيأ لذلك، حيث الرياح التي تضرب أغصان الشجر فتجعلها تبدو و كأنها سيدة تولول و تندب حظها. فكان ذلك الوضع مفاجئًا لهؤلاء الطلاب الذين خرجوا لتوهم من حصة الكيمياء و التي كان مسؤولًا عنها فارس المُعز.
سار فارس بخطوات متعجلة إلى سيارته، فوجد دينا تقف بانتظاره و تحتضن جسدها بذراعيها و تحرك كفيها في حركة طولية متكررة بين مفصلي الذراع، لعلها بذلك تقلل من شعور البرودة الذي تسبب لجسدها برعشة خفيفة. بادر فارس بالحديث إليها و كعادته كان ينظر بعيدًا عنها: –إيه اللي موقفك في البرد ده يا دينا؟ و مش لابسة هدوم تقيلة ليه؟ اجابته بتلقائية: –و أنا خارجة من البيت كان الجو شمس و حر، مش عارفة اتغير كدا ليه! ابتسم فارس قائلًا بمرح:
–أمشير ده مخه تعبان، شوية تلاقي الشمس طالعة و شوية تلاقي الجو تلج. قالت دينا بجدية: –أنا استنيت حضرتك عشان تاخد الچـاكت اللي سبته معايا أول امبارح. قال سريعًا: –هو معاكي دلوقت؟ انحنت قليلًا بجذعها و هي تلتقط ذلك الكيس الورقي الخاص بالملابس، و فردت ذراعها صوب فارس و هي تقول: –أيوه، اتفضل يا مستر. قال فارس باهتمام: –لأ البسيه علي ما ترجعي البيت، عشان البرد.
كادت أن تعترض و لكن اوقفتها رنة الهاتف الخاص بفارس، الذي استقبل المكالمة على الفور و هو يقول: –السلام عليكم يا علي. –و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته، بعد إذنك يا فارس ممكن تيجي ثواني عايزك ضروري. نظر فارس إلى ساعته اليدوية قبل أن يجيبه قائلاً: –طيب أنا جايلك اهو. تحدث فارس و هو يعبث بهاتفه: –البسي الجاكت و ارجعي البيت من البرد.
لم يمنحها فرصة للرفض، حيث تركها عائدًا إلى مركز الدروس الخصوصية مرة أخرى، و بمجرد أن اختفى داخل ذلك البناء، حتى بدأ المطر يتساقط في تتابع متزايد، فلم تجد دينا ملجأ يحجب عنها المطر سوى سيارة فارس الذي قد نسي إغلاقها قبل ذهابه. فسرعان ما كانت تختبئ داخل السيارة، و تحديدًا على المقعد الخلفي و قد أغلقت عليها الباب، و من ثم جلست لتتابع المطر بذهن شارد.
بمرور وقت لا بأس به، بدأت الأمطار فى التراجع و كفت الغيوم عن البكاء، بعدما تفرقت السحب، و راقت السماء و عادت إلى صفائها مرة أخرى كما كانت في الصباح، في ذلك الوقت خرج فارس مرة أخرى، و سرعان ما استقلته سيارته، ليتحرك بها قاصدًا وجهته، غافلًا عن تلك النائمة في الخلف و لم تشعر هي الأخرى بتحرك السيارة.
وقفت «أروى» حائرة أمام ذلك الحاجز الذي يفصل بينها و بينه، و الذي لم يكن سوى باب مكتبه الخشبي، فكانت تخشى لقائه بسبب ما حدث يوم أمس، بالرغم من كونها لا تتذكر شيء، و لكن كافيًا عليها أن تجد نفسها في الفراش الخاص به.
حاولت مرارًا لتخفف من توترها و شعور الخجل الذي جعل قلبها ينبض بعنف، و حرارة غريبة قد طغت عليها بعدما اصطحبت معها حمرة تكسو وجنتيها، فأخذ صدرها يعلو و يهبط شهيقًا و زفيرًا، إلى أن استطاعت أن تتحكم في حالتها قليلًا، فأنهت ذلك التكرار بنفس عميق قد سلبته من الهواء، قبل أن تطرق على الباب و تدخل إليه بخطوات ثابتة.
لم يكن هو الآخر أقل تفكيرًا فيما حدث، و لكنه عندما رآها أظهر ثباتًا و تظاهر و كأن شيئًا لم يكن، كما أنه بادر بالحديث إليها قائلًا: –اقعدي يا أروى. جلست قبالته بعدما وضعت أمامه بعض الأوراق الخاصة بتصميماتها، و قالت بحماس: –عايزاك تشوف دول و تقول رأيك إيه. أخذ باسل تلك التصميمات و بدأ يتفقدها واحدًا تلو الآخر، و هي تتابعه بصمت في محاولة لاستشفاف رأيه في عملها و تصميمات الملابس التي تسعى لتراها واقعًا ملموسًا.
ران عليهم صمت قصير، قطعه باسل و هو ينظر إليها باسمًا: –حلوين، مع إن فيهم شوية أخطاء في تنسيق الألوان بس كويس مش بطال. سألته أروى بلهفة و اهتمام: –يعني ينفع بعد تعديل الأخطاء، نعتمدهم كتصميمات أساسية و نشتغل عليهم؟ أجابها بجدية في حديثه: –لأ مينفعش، إحنا لينا سياسة في شغلنا، التصميمات بتاعتك كلها للمحجبات، و ده مش شغلنا. هتفت في وجهه بتهكم: –يعني شغلكم العريان و بس!
أنا أصلا مش بقولك الغي شغلك مع إنك بتساعد البنات إنهم يلبسوا قصير و مكشوف و ضيق. رد عليها باسل باستنكار: –أنا مضربتش حد على إيده، إحنا بننتج ملابس و في غيرنا بيعملوا لبس محجبات، يعني السوق متاح فيه الاتنين و كل واحد بيلبس على مزاجه، دي حاجة متخصناش……… كل واحد حر في لبسه. تنهدت أروى و قالت بنبرة هادئة:
–ماشي كل واحد عارف هو بيعمل إيه و كل واحدة مسؤولة عن لبسها، بس أنا قصدي إحنا ممكن ننتج لبس ينفع الاتنين، يعني التصميمات اللي عندك دي تنفع محجبة و غير محجبة، يعني المحجبة هتلبس عليه طرحة، إنما الغير محجبة مش هتلبس طرحة و في نفس الوقت لابسة حاجة شيك من غير ما تبين حاجة من جسمها، و الطرحة بقى دي حاجة ترجع لها، و إحنا كدا مش هنكون مشاركين أو مشجعين على اللبس المكشوف.
لم يتسن له الرد عليها، بسبب ميار التى دفعت الباب و دلفت إليه بطريقة همجية و هي تحمل معها كأسين من العصير، حيث تغاضت عن وجود أروى و اقتربت من باسل و هي تضع أمامه العصير ثم قالت ببسمة واسعة: –باسل حبيبي جبتلك عصير. نقل باسل نظره بينها و بين أروى التى تتابعها بحاجب مرفوع، ثم أردف قائلاً ببرود قد اعتادت عليه ميار: –خير عايزة إيه؟ اقتربت منه أكثر و هي تناوله كأس من العصير و تقول: –عايز’اك تشرب العصير ده. سألها بتهكم:
–بمناسبة إيه؟ لما تعرف بما تجيبه، و هذا ما جعلها تقول بتردد و بصوت مضطرب: –الجو…. حر، أيوه الجو حر فجبتلك عصير. التفت باسل برأسه ناظرًا إلى تلك النافذة الزجاجية، و من ثم استدار برأسه، و هو يمسح على وجهه بصبر أوشك على النفاذ، في حين قد ضحكت أروى و أردفت ساخرة: –إيه شعور ربة المنزل اللي اتولد عندك فجأة ده يا ميار! الصبح ورق عنب و دلوقتي عصير!! تشدقت ميار و أردفت ببسمة غامضة:
–معنديش مشكلة أكون ست بيت عشان خاطر باسل حبيبي. تدخل حسام الذي دلف إليهم مؤخرًا، وقال بنبرة ساخرة يشوبها قلة من الغضب: –و أهو لما تكون ست بيت أحسن ما تكون واحدة طماعة و كل همها الفلوس…… نظر ثلاثتهم إلى حسام الذي يقف عند الباب واضعًا يديه في جيب بنطاله، و نظره مثبت على أروى بنظرة من الاشمئزاز، جعلتها تسأله بترقب: –في إيه؟ بتبص لي كدا ليه؟ أجابها حسام: –أنا مش بس ببصلك بقرف، أنا كمان بوجه كلامي ليكي.
تنهدت أروى و استوت على قدميها و هي توجه حديثها ل«باسل» قائلة: –أنا هرجع أكمل شغلي، و متنساش تفكر في الكلام اللي قولته و تعيد النظر في موضوع التصميمات. ضحك حسام ساخرًا و قال: –و الله حلو الثبات اللي عندك ده، معقول تكون دي الميزة اللي خلت جدي يتجوز واحدة طماعة زيك و كل همها الفلوس. لم تكن تنتظر أن تسمع هذه الكلمات السامة، فاقتربت إليه بهدوء و هي تتفرس في ملامحه بجمود، ثم رفعت يدها و صفعته على وجهه، و قالت بتحذير
و هي ترفع إصبعها في وجهه: –احترم نفسك، دي آخر مرة تغلط فيا، و أصلا بعد كدا متتكلمش معايا تاني. أنهت جملتها و غادرت، تاركةً إياهم في دهشة من ردة فعلها، فهتف حسام بلهجة غاضبة: –هي دي اللي فارس بيدافع عنها و يقول شخصية كويسة! في واحدة محترمة تضرب واحد كدا؟! أجاب باسل ساخرًا: –و أنت يعني كنت متوقع منها تاخدك بالحضن بعد ما شتمتها و هنتها كدا! صرخ حسام في وجه باسل قائلاً: –و هو أنا لما اكون بوصف حقيقتها، أكون كدا بهينها؟
ما هي كدا فعلًا، و عمومًا أنا خلاص مش هسكت على الوضع السخيف اللي إحنا فيه ده، عايز تفضل أنت و ابن عمك تسايسوا فيها براحتكم لكن أنا لاء……. أنا راجع البيت و مش هدخل الشركة دي تاني غير و أنا وريث و ليا منصب في مجلس الإدارة. نهض باسل و قال بصرامة: –اخرجي من هنا يا ميار، و لآخر مرة هقولك رجلك متعتبش الشركة دي تاني. خرج باسل من مكتبه و تركها بمفردها، فضربت ميار بقدمها أرضًا و هي تقول بتذمر:
–طب هخليك تشرب العمل ده إزاي يا باسل! كل ما أحاول أحطلك من الإزازة اللي الدجال قال إنك لازم تشرب منها بتنيل و بفشل. كان باسل يبحث عن أروى في الشركة، ليحاول إصلاح ما قد أفسده ابن عمه ذلك الغبي المتسرع، الذي لا يترك باسل ينفذ مخططه في هدوء و بسهولة إن كان قريبًا من أروى.
كان باسل يسير قاصدًا مكتب رمزي، بعدما صعد إلى مكتب التصميم و سأل عنها فأخبرته صديقتها في العمل أنها قد رأتها منذ دقائق و هي تذهب برفقة رمزي إلى مكتبه، و بالرغم من أن ذلك الباب كان مغلقًا بإحكام و لم ير باسل من المتحدث، و لكنه تمكن بسهولة من معرفة صاحبة الصوت، و التي كانت كلماتها كافية ليتجمد باسل في موضعه عندما سمعها تقول: –الوضع الحالي بقى مزعج، لازم نلحق نعمل حاجة قبل ما حد منهم يشوف الوصية الأصلية.
سألها رمزي بجدية: –انتي مخبياها فين؟ أجابت أروى قائلة: –في القصر، في مكتب المرحوم جدهم. كانت فداء تتجول في القصر لتتخلص من ذلك الضجر الذي تشعر به، بعدما أعطت والدتها الدواء و تركتها لترتاح قليلًا، و بينما هي تهمس لنفسها و ترتل بعض الآيات القرآنية التي تحفظها، استنشقت هواءًا يلوثه دخانًا كذلك الذي ينتج عن احتراق التبغ.
تتبعت فداء تلك الرائحة و هي تخطو بتمهل و بتركيز، حتى قادتها قدميها بالقرب من غرفة حسام، فتوقفت و هي تبحث عن مصدر الدخان بعينيها، لتتفاجئ بذلك الذي يتسرب من أسفل الباب، فسرعان ما كانت تفتح الباب باندفاع، لتتفاجئ بذلك الوضع المشين و الخانق للرئتين، فتلفظت و هي تلوح بيدها أمام وجهها لتطرد الدخان الذي تسبب لها في السعال فور استنشاقها الهواء المحمل به: –يخربيتك يا حسام! إيه الزفت اللي بتشربه ده؟ و مين دول؟ أجابها ساخرًا:
–إيه بشرب سجاير مش شايفة و لا إيه! و اللي في إيد ممدوح دي خمر’ة. أردفت بنفور: –هي مش أروى قالتلك ممنوع الزفت اللي بترشبه ده؟؟ رمقها بطرف عينيه و قال بنبرة لا مبالية: –الشيخة أروى تقول اللي تقوله، و أنا هعمل اللي على مزاجي. قالت فداء باعتراض: –اللي على مزاجك ده تعمله برا البيت مش هنا! و كمان جايب صحابك يعني مش لوحدك……. الله ثانية واحدة مش دي البنت الملزقة! …. قصدي ميار!
نطقت فداء بجملتها الأخيرة، و هي تشير إلى ميار التى تجاور ممدوح، فرد عليها حسام متأففًا: –أيوه هي ميار بنت خالتي، يلا اخرجي و اقفلي الباب وراكي. احتجت فداء على طلبه و قالت: –لأ طبعًا أنا مش خارجة، انتم اللي هتخرجوا، دا بيت مش ملهى. تدخل ممدوح سائلًا: –هي المزة زعلانة ليه يا حسام؟ أجاب حسام ساخرًا: –مش شايف عاملة فيها شيخة زي أروى إزاي؟ عشان كدا زعلانة. تحدث ممدوح مطالعًا إياها بإعجاب واضح في نظراته:
–طب ما يمكن زعلانة عشان محدش عزم عليها تشرب معانا. رمقته فداء بنظرات غاضبة و هي تقول: –تعزم عليّ بإيه هو أنت بتشرب شاي؟ يكش تشرب المر يا بعيد. صرخ حسام في وجهها حازمًا: –روحي شوفي انتي راحة فين و ملكيش دعوة بضيوفي. ردت عليه بتهكم: –ضيوف مين يا أبو ضيوف! طب إيه رأيك انت كمان هتخرج معاهم…… أنا هكلم أروى. كادت أن تتحرك من أمامهم، و لكن كانت يده الفولاذية هي الأقرب إليها، حيث قبض على معصمها قائلًا:
–خلاص هنخرج…… قوم يا ممدوح أنت و ميار.
كانت كلماته صارمة، فجعلت كلا منهما ينهض آخذًا لما يجاوره من زجاجات و يغادر الغرفة، فنقل حسام نظره بين رفقاء درب الفساد، و بين فداء قبل أن يتلوى ثغره ببسمة خبيثة، و يسحبها دافعًا إياها إلى نهاية الغرفة، فما كادت تدرك ما ينوي فعله حتى كان خارجًا من الغرفة و قد أغلق عليها الباب، فكانت وحيدة بين ذلك الدخان الذي إن بقيت فيه قليلًا فسوف تختنق، و ليس أمامها مفرًا لتتنفس هواءًا نقيًا سوى تلك النافذة الذي قد نُزع مقبضها في وقت سابق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!