الفصل 22 | من 23 فصل

رواية أحفاد المعز الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم زينب محروس

المشاهدات
19
كلمة
4,641
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 96%
حجم الخط: 18

اتسعت حدقتا داليا، وفرغ فمها، ونطقت بصدمة شديدة: -حامل إزاي؟ أدمعت عيناها، وتحدثت بصوت يختنق: -مش عارفة ده حصل إزاي، كان غصب عني والله! -غصب عنك يعني إيه؟ غصب عنك يعني! كانت داليا تضرب على وجهها كفًا تلو الآخر، حتى احمرت وجنتاها من شدة الضرب، وتردد تلك الكلمات بحسرة كبيرة، فهي تعلم أن ابنة أخيها لم تتزوج بعد، فمن أين لها بهذا الجنين القابع في أحشائها. تجاهلت ميار الدموع الراكضة على وجهها، وتوسلت إليها:

-عشان خاطري ساعديني يا عمتي، عشان خاطر بابا حتى. أطبقت داليا قبضتيها على ذراعي ميار، وجعلت تهزها بغضب شديد وهي تسألها: -هساعدك إزاي! أنتي عاملة مصيبة! أردفت ميار بهدوء يسبق العاصفة: -جوزيني حسام. في ذات اليوم التي أدلت فيه أروى شهادتها، تم استدعاء مريم التي سبق وأن اتفقت معها أروى، وبذلك فقد توحدت أقوال الشهود وتطابقت مع ما قاله باسل.

وبعد مرور أسبوعين على اعتقال باسل، جاء اليوم الفاصل في القضية، أحضر الشرطي باسل إلى غرفة وكيل النيابة وتبعه شريف المحامي، أشار لهما وكيل النيابة بالجلوس، ليبدأ حديثه مشيرًا إلى ملفين ورقيين أمامه: -هذا الملف هو تقرير عن الأدلة التي قُدمت إلينا. نظر شريف إلى باسل مطمئنًا، لا يعلم أن ما كُسيت به قسمات وجهه ما هي إلا حزن وخِذلان من المقربتين إليه. عاد وكيل النيابة ليقطع الصمت قائلًا:

-بناءً على الأدلة، النيابة ترى أن المتهم كان واقعًا تحت الإكراه وقد تعرض للتهديد، مما ينتفي معه القصد الجنائي، وذلك يتم تحويل القضية للتحقيق في الشبكة الإجرامية، وهذا يعني أنك تستطيع العودة إلى وطنك يا باسل، أنت لست معتقلًا بعد الآن. حرك باسل رأسه بابتسامة بسيطة تنم عن الامتنان، في حين نطق شريف شاكرًا: -شكرًا سيادة وكيل النيابة.

خرج باسل من المبنى برفقة المحامي، فأقبل فارس وحسام إليه مهنئين، وتلحق بهما أروى بخطوات متثاقلة. تقدم الأحفاد إلى المحامي بعبارات الشكر والامتنان، فأخبرهم أنه لم يفعل شيئًا سوى اتباعه لأوامر رمزي. حاولت أروى أن تتحدث إلى باسل لكنه تجاهلها مجددًا، وجذب فارس من ذراعها بعيدًا، ليسأله باهتمام واضح: -عملتوا إيه مع أمي؟ -الخطة مشيت زي ما إحنا عايزين، ووالدتك اعترفت بكل حاجة، بس أروى خسرت الدليل اللي بيثبت حق والدها.

عقد باسل ما بين حاجبيه سائلًا: -خسرتها إزاي؟ أوضح فارس الأمر قائلًا: -خطتنا نجحت بس مش زي ما رسمنا، لأن مرات عمي خطفت العيلة كلها وهددت بقتلنا لو أروى مسلمتهاش العقود اللي معاها، وأجبرتها تحرقهم بإيدها. هرعوا إلى باب القصر ليستقبلوا القادمين من الكويت، علت وجوههم ابتسامات عريضة، سبقهم رمزي محتضنًا باسل بترحاب شديد وهو يتلفظ بكلمات طيبة، ومن بعده زوجتا عميه.

جلسوا معًا يتناولون الغداء بعدما انزاحت تلك الغمة عن حياتهم، لكن هذا لا يمحو التشاحن السلبي بين باسل وأروى، التي يتجنبها بشكل واضح، جعلها تعيسة رغمًا عنها. انسحب باسل من بينهم ليستريح في حجرة، ولحقت به أروى حيث أغلقت الباب خلفهما بإحكام، فالتفت ورائه إثر سماع صوت الباب، لكنه لم ينبس ببنت شفة، وإنما تحرك إلى خزانة ملابسه، وانتقى لنفسه ثوبًا منزليًا مريحًا.

أوصد باب الخزانة مرة أخرى، وقبل أن يرفع قدميه عن الأرض وقفت أروى أمامه مباشرة، وتلفظت بنبرة حزينة: -ممكن بلاش الصمت العقابي ده؟ أشاح بوجهه بعيدًا عنها، وأخذ خطوة للأمام لم تلحق بها أخرى، حيث أمسكته من ذراعه قائلة: -باسل أرجوك، بلاش تخاصمني.

زفر زفرة حارة، ونفض قبضتها بعيدًا عنه، وتوجه إلى دورة المياه. كانت تجلس على تلك الأريكة الجانبية عندما تمدد باسل بجسده على الفراش، فاقتربت منه مجددًا، لكنه أولاها ظهره، فقررت الانسحاب وتركه يأخذ قسطًا من الراحة، لكنها ما إن استوت على قدميها، اجتاحها دوار مفاجئ، وسقطت مغشيًا عليها.

انتفض من موضعه إثر ارتطامها بأرضية الغرفة، دنا منها ناطقًا باسمها، لكنها لم تجبه، فحملها عن الأرض، ثم وضعها على الفراش، وضرب على وجنتيها بخفة، والنتيجة أنه لم يحصل على رد منها، فاستعان بعطره النفاذ، فنجحت هذه المحاولة في إيقاظها. عزم على النهوض عندما اطمئن عليها، لكنها منعته من الذهاب عندما أمسكته من معصمه، وأردفت بندم صادق: -أنا آسفة!

حل قبضة يدها عن معصمه بجفاء، ونزل إلى الطابق السفلي، حيث كانت وفاء تتناقش مع ابنها حول خطوبة شقيقته، فنطق فارس قائلًا: -خلينا نأجل الموضوع ده شوية يا أمي، باسل دلوقتي مش أحسن حاجة. -عايزين تأجلوا إيه؟ كان هذا صوت باسل الذي تناهى إلى سمعهم، قبل أن يتحرك ليجلس مجاورًا لزوجة عمه، التي نقلت نظرها بينه وبين فارس قبل أن تجيبه قائلة بتردد: -فيه عريس عايز يخطب فداء، فبنفكر نأجل الموضوع شوية عشان الظروف اللي إحنا فيها.

ضيق ما بين حاجبيه قائلًا: -ظروف إيه! ما إحنا الحمد لله وضعنا بقى زي الفل أهو، لو الشاب كويس وظروفه مناسبة وفداء موافقة عليه يبقى فين المشكلة. رد عليه فارس قائلًا: -أنا بقول لو نستنى شوية، ولا أنت إيه رأيك؟ أجابه باسل: -أنا من رأي يجيب أهله وييجوا نتفق ولو مش مختلفين على حاجة يبقى تمام على بركة الله، بس أهم حاجة تكون فداء موافقة. قالت وفاء بدورها: -من ناحية فداء هي موافقة. على صعيد آخر.

كان حسام يرتب ثيابه برفقة والدته التي تعبث بقطعة الملابس في يدها بعقل شارد، فتمعن حسام في وجهها سائلًا: -مالك يا دودو؟ إيه اللي شاغل بالك. انتبهت إليه داليا وردت بتلعثم: -آه... آه مفيش. سألها بنبرة من الشك الظاهر على عينيه اللتين ضاقت: -متأكدة مفيش حاجة؟ ازدردت ريقها وقالت: -ميار جت زارتني من كام يوم. -طب وفين المشكلة؟ سألتها داليا باندفاع: -إيه رأيك تتجوزها؟ ولدت الإجابة على شفتيه قبل أن تنهي سؤالها، فقال:

-لأ طبعًا، ده مستحيل. -مستحيل ليه يا حسام، مش كنت بتحبها؟ أجابها نافيًا: -كنت، في الماضي يا ماما، لكن دلوقتي لأ مبقتش أحبها، بقت زي أخت مش أكتر. ألقت داليا قطعة الملابس من يدها وقالت بإصرار: -بس أنا عايزك تتجوزها. تلوت شفتيه بمسة ساخرة حين قال: -هو الجواز عافية ولا إيه، بقولك مبحبهاش، وهي أصلا مش هتوافق. -لأ هي هتوافق، أنا متأكدة. طالعها بنظرات من الشك: -هو في إيه يا ماما؟ أنا مش مطمن! اخفضت صوتها قليلًا وهمهمت:

-ميار حامل. صُعق من جملتها، فهتف بنبرة من الازدراء: -نعم! يعني إيه حامل! وأصلًا أتجوزها ليه وهي حامل! -وطّي صوتك مش لازم حد يسمع. -ما اللي يسمع يسمع، كدا كدا مفيش حاجة بتستخبي. سألها باهتمام: -طيب وهنعمل إيه، دي في الشهر التالت. -كمان في التالت، يعني بطنها قربت تبان، يا دي الفضايح اللي إحنا فيها! قالت داليا بتوسل: -ما عشان متبقاش فضايح استر عليها عشان خاطر خالك، سمعته هتبقى في الطين.

-ما تتهبب على عينها وتتجوز اللي غلطت معاه، أنا مالي أشيل شيلة غيري ليه! -ممدوح اللي كان صاحبك ده هو أبو الولد، بس ضحك عليها وسابها وسافر، عشان كده لازم تتجوزها، عشان خاطري يا حسام، وافق عشان خاطري، ولو أنت حابب تتجوز واحدة تانية بعدين مفيش مشكلة، بس أهم حاجة تتجوز ميار دلوقتي حتى لحد ما تولد، اهو نثبت قدام الناس إنها كانت متجوزة وخلاص. أردف حسام مستنكرًا:

-دي لو قصدها تدمر لي حياتي مش هتعمل كده، لما كنت بحبها وطلبت أتجوزها رفضت ودلوقتي لما حبيت غيرها جاية وعايزة تشيلني نتيجة غلطها!! استيقظت أروى لصلاة الفجر، فاكتشفت أنها نسيت سجادتها ومصحفها الخاص في حجرة زوجها، فذهبت لأخذهما، كانت تفتح الباب بحذر شديد لكنها دفعته بحركة سريعة عندما سمعت تلك الشهقات الصادرة من الغرفة.

دخلت وهي تبحث عنه بعينيها، فصُدمت من هيئته عندما وجدته ينزوي بنفسه أرضًا ليستند بظهره على محيط سريره، فكان يبكي بكاءً مريرًا، تتقطع لأجله نياط القلوب. اقتربت منه سريعًا، لتجثو أمامه على ركبتيها، وسألته بقلق ولهفة: -مالك يا باسل؟

انتبهت إلى تلك الصورة في يده، والتي لم تكن سوى لأمه سميرة، فهمت الآن سبب بكائه، فكما توقعت أن يمر عليه ما مرّ كمرور الكرام. احتضنته سريعًا، وجعلت تربت على ظهره وهي تحاول تهدئته وتقديم عبارات المواساة، لكنه دفعها بعيدًا عنه، استعدادًا لانفجار بركان الغضب المكتوم بداخله، ذلك البركان التي وضعت والدته حجر أساسه وجاءت من بعدها أروى وتسببت في تمدده بالغدر والخذلان، فقد نهض قاذفًا الإطار الزجاجي في عرض الحائط ليتهاشم إلى قطع صغيرة، وصرخ في وجهها قائلًا:

-ابعدي عني، متعمليش نفسك بريئة، أنتي كمان زيها، أنتي كمان غدارة وقاسية ومعندكيش رحمة، متحاوليش تقربي مني تاني. حركت رأسها برفض متتابع واستوت على قدميها قائلة: -أنا عارفة إني غلطانة في حقك، بس أنا مش كده والله، أنا عمري ما كنت غدارة ولا قاسية والله، كل اللي حصل كان سوء تفاهم، كان الانتقام عامي على عيني، لكن عشان خاطري اديني فرصة أخيرة وثق فيا. هدر في وجهها معاتبًا: -وإنتي موثقتيش فيا ليه!

حكمتي عليا ونفذتي العقاب اللي شوفتي إني أستحقه، من غير ما تفكري فيا ولو لثانية، استغلتيني في لعبتك أكتر من مرة وأنا سكت ومتكلمتش، لكن مش هسكت دلوقتي، أنا مبقتش عايز أشوفك، اخرجي من حياتي، مش عايز أشوفك تاني. كانت تعلم أنها حتمًا ستسمع منه عبارات قاسية كهذه، وله كل الحق في ذلك، لكنها لم تنتحب أكثر من ذلك، بل مسحت الدموع عن خديها وقالت:

-لأ مش همشي، ازعل مني وخصمني واطردني زي ما أنت عايز بس أنا مش همشي، مش هقولك مش غلطانة، لأ غلطانة بس أنا مش هسيبك ولا هبعد عنك. قبض باسل على ذراعيها بعنف شديد، ليهزها بعنف مسترسلًا: -إحنا مش هننفع مع بعض، لا أنتي بتثقي فيا ولا أنا هثق فيكي تاني، علاقتنا بدأت مصلحة واتحولت انتقام يبقى مستحيل تكون علاقة طبيعية، ولا هنعرف نكون زي أي ثنائي. حاولت إقناعه فقالت:

-خلينا نعتبر نفسنا في تعارف من أول وجديد، كدا كدا أي اتنين بيدخلوا حياة بعض بتكون الثقة بينهم مش موجودة في الأول. رفع ذراعيه عنها وقال: -بس برضو مبتكونش الثقة منعدمة بينهم، بيكون عندهم أساس للثقة بإيدهم يحولوه لعمود متين تتبني عليه علاقتهم، إنما بيني وبينك مفيش أساس للثقة أصلًا. كانت تأمل بفرصة جديدة في علاقتهما فقالت: -مش مشكلة، خلينا نبدأ من تحت الصفر ونأسس علاقتنا من جديد. ارتخت نبرة صوتها مردفًا:

-صعب يا أروى، صعب علاقتنا تنجح. خرجت من حجرتها وهي تجر معها أذيال الخيبة، جلست في موضعها بعدما انتهت من تأدية فرضها، كانت تفكر بوجه عابس، تتردد كلماته في أذنيها، جُرحت من قسوته عليها لكنها التمست له العذر، وبالرغم من تمسكها الشديد وإصرارها على إنشاء علاقة ناجحة معه، إلا أنها قررت الابتعاد لبعض الوقت، كي تمنحه مساحة ليتقبل ما حدث مؤخرًا ويفكر في علاقتهما معًا. في صباح اليوم التالي، كان رمزي يتناول الطعام مع زوجته

التي بدأت الحديث بسؤالها: -تعتقد باسل هيسامح أروى على اللي عملته؟ ابتلع ما في حلقه من طعام ثم أجابها: -مش هيسامحها، وبصراحة معاه عذره، أنا لو مكانه أصلًا ومراتي عملت حاجة زي كده كنت طلقتها. دافعت عنها عمتها فقالت: -بس أروى فهمت الموضوع غلط.

-ما ده كمان دافع أكبر يخليه يطلقها، إيه اللي يخلي واحد يستحمل يعيش مع واحدة حاولت تسجنه وكمان مش بتثق فيه، وأكيد باللي حصل ده هو مش هيثق فيها تاني، فبالمنطق كده مفيش سبب يخلي علاقتهم تستمر. -لأ فيه، الحب يقدر يتغلب على كل ده. ارتشف رمزي من كوب الشاي الخاص به، قبل أن يضعه على المنضدة قائلًا: -أنا أتمنى علاقتهم تستمر، بس أنا بقولك وجهة نظري.

قبل أن تنطق عمتها بكلمة أخرى، وجدا كلاهما أروى تدخل إليهما بعدما فتحت الباب بنسختها الخاصة، وقد أحضرت حقيبة أغراضها، تحركت إليها عمتها وهي تسألها بقلق: -إيه اللي حصل يا أروى؟ اتخانقتي مع باسل؟ أومأت برأسها تأكيدًا، وقالت: -أيوه يا عمتي، وهقعد معاكم هنا يومين على ما باسل نفسيته ترتاح. اعترضت عمتها قائلة: -لأ طبعًا مش هتقعدي هنا، أنتي هترجعي على بيت جوزك. تدخل رمزي ناهرًا زوجته:

-إيه اللي بتقوليه ده، ما ده بيتها وتقعد هنا زي ما تحب. أوضحت عمتها قصدها: -أيوه بيتها وأنا مش بطردها، بس عشان مصلحتها فهي لازم ترجع عند باسل، اسمعيني يا أروى لو سبنا النار تهدى لوحدها هتاكل كل حاجة، لكن لو طفينا النار في الأول كده هننقل جزء كبير من التدمير، وساعتها هيكون سهل علينا نصلح الجزء الصغير، عشان كده لازم ترجعي قصر المعز ومتسبيش باسل لحظة واحدة، حتى وهو في شغله اختلقي الفرص عشان تتكلمي معاه وتراضيه.

كان باسل عائدًا إلى مكتبه وبجواره فارس الذي يتناقش معه في أمور العمل، ولكن ما إن دلفا من عتبة الباب ووجدا أروى تستند برأسها على ذراعيها فوق المكتب وقد غلبها النعاس، التفت فارس إلى باسل قائلًا:

-أنا هخرج ونتكلم بعدين، بس عايز أقولك حاجة، أنا عارف إن العلاقة بينكم متوترة اليومين دول، بس صدقني أروى بنت كويسة وبتحبك بجد، عارف إنك اتظلمت بينها وبين والدتك بس متنساش إن أروى بقالها 3 سنين بتعاني، ولو أنت اتوجعت واتظلمت فهي كمان اتظلمت واتوجعت أضعافك، فبلاش تخسرها يا باسل.

خرج فارس وأغلق معه الباب، في حين اقترب باسل من أروى بخطوات مترددة ثم جلس على الكرسي المقابل لها، وهو يتأمل قسمات وجهها الطفولية، لاح على شفتيه شبح ابتسامة وهمهم متمنيًا من بين أسنانه: -ياريتنا اتقابلنا في ظروف أحسن.

أطلق زفرة حارة، وتحرك ليكمل عمله دون أن يزعجها، ولكن كان لهاتفها رأي آخر، حيث صدح معلنًا عن اتصالٍ من صديقتها سلوى، فاستيقظت وتحدثت إليها تحت مراقبة منه واختلاسه بعض النظرات إليها دون أن تشعر، فكانت لديه رغبة شديدة في معرفة هوية المتصل وتحديدًا أنها كانت تتحدث باختصار دون أن توضح هوية المتصل أو حتى محتوى الحوار.

انشغل في ملف أمامه عندما وجدها تنهي المكالمة بابتسامة على وجهها، فاقتربت إليه أروى بشخصية مرحة تتنافى عن ما حدث بينهما مؤخرًا، وقالت بدلال وحماس: -إيه رأيك نخرج نتغدى برا؟ رد عليها باقتضاب: -مش فاضي. -بس ده وقت الغداء وكل الموظفين واخدين بريك دلوقتي. كان يرد عليها دون أن ينظر إليها: -قولتلك مش فاضي، وبعدين أنا مش موظف، أنا الرئيس التنفيذي. اقتربت منه أكثر ومالت برأسها وقالت:

-طيب بعد إذن الرئيس التنفيذي ينفع يخرج يتغدى مع مراته؟ رفع عينيه ناظرًا إليها، لكن أربكه قربها الزائد، فأشاح بنظره بعيدًا: -لأ مش هينفع. -عشان خاطري يا بيسو. أغمض عينيه متحكمًا بانفعاله، فهذا اللقب الطفولي التي تدعوه به، يعطيه رغبة في التخلص من غضبه منها، فهتف بغضب مصطنع: -اخرجي من مكتبي فورًا. كُسيت ملامح وجهها بشعور الإحباط، فتراجعت بيأس وغادرت، فتشدق باسل من بين شفتيه بحنق، وهو يطالع أثرها:

-يخرب بيت الحب اللي مش هيخليني أعرف آخد موقف! عاد ثلاثتهم إلى القصر بعد إنهاء عملهم، توجه حسام سريعًا إلى مطبخ القصر وهو يسألهن بحماس: -شامم ريحة كيك، ممكن أدوق؟ ردت عليه فداء وقالت مشاكسة: -دي كيكة الحب، يعني مش ليك. لم يفهم مقصدها ولكن أيقظت جملتها شيئًا بداخله، فغمغم بنبرة من الحزن: -ما لازم تكون مش ليا، ده أنا والحب أعداء. استفسرت فداء عن حديثه: -بتقول إيه؟ مش سامعة! -ولا حاجة، ولا حاجة.

دلف إلى حجرة كي يستبدل ثيابه بأخرى، فوجدها تقترب منه حاملة كعكته المفضلة، بادرت أروى بالقول: -عملتلك كيكة القهوة اللي بتحبها. نظر إليها ساهمًا قبل أن يتلفظ ساخرًا: -يا ترى المرة دي هتسرقي إيه! المرة اللي فاتت كنتي بتغفّليني وعايشة دور الزوجة عشان تسرقي مني العقود، المرة دي عايزة إيه!!! تعمد باسل أن يوقظ في نفسها وخز الذنب، وبالفعل قد نجح في ذلك، لكنها استطاعت أن تبدو ثابتة، بل وأظهرت قناع المرح والمشكسة، فأشارت

إلى موضع قلبه وقالت: -المرة دي ناوية أسرق حاجة أكبر وأعظم وأغلى، المرة دي ناوية أسرق منك قلبك للأبد. أردف ساخرًا: -مش عيب الإنسان يحلم، بس لازم تعرفي إن مش كل الأحلام بتتحقق! رفضت جملته بحركة من رأسها وقالت: -معاك حق، حلمي مش هيتحقق لو تنازلت عنه، لكن لما يبقى الحلم هو الشغف والحياة ساعتها إجباري عن رغبتك ورفضك هقدر برضو أحقق حلمي وهنرجع نبني علاقتنا من أول وجديد. -كمان بتتكلمي بصيغة الجمع!

-مينفعش أتكلم غير بصيغة الجمع، عشان أنا مش موجودة من غيرك وأنت مش موجود من غيري، ولا إيه رأيك يا بيسو؟ تلفظت بسؤالها الأخير وهي تطالعه بترقب، ولوهلة تلاقت عيناه بخاصتها، فأشاح بنظره بعيدًا، فتبسمت وقالت: -خد وقتك وازعل مني براحتك، تجاهلني، وزعق لي، واجرح مشاعري لو لزم الأمر، بس ده كله وأنا معاك، ولازم تعرف إن النار مش هتفضل مشتعلة طول الوقت ومصيرك ترجعلي بحبك وحنيتك تاني.

تحرك إلى خزانة الملابس، فوضعت الطبق من يدها جانبًا، وأخذت ثوب جديد قد وضعته على الفراش سابقًا، واقتربت منه قائلة: -أنا جهزتلك طقم بيتي، البسه. التقطه من يدها وألقاه بعيدًا، فذهبت لتأخذه مجددًا، ولكن في تلك اللحظة اجتاحها دوار شديد، أفقدها توازنها فسقطت مغشيًا عليها. انتفض قلبه عليها، حملها فوق قدميه وهو ينادي اسمها، ولكن دون رد منها، استعان بعطره كالمرة السابقة، وعندما عادت إلى وعيها سألها بنبرة يتطاير منها القلق:

-أنتي كويسة؟ منحته ابتسامة باهتة وجلست بنصفها العلوي وأجابت: -كويسة، متقلقش. -لازم تشوفي دكتور، دي تاني مرة تفقد الوعي. -لأ مفيش داعي لدكاترة، هتلاقي ضغطي نزل شوية بس. -انتي أكلتي. حركت رأسها نفيًا، فحملها بين ذراعيه واضعًا إياها على الفراش، وطلب منها أن تبقى كما هي إلى حين عودته، غاب عن غرفته لدقائق قبل أن يأتي إليها بطعام أعدته فداء لأجلها، وضع أمامها الطعام قائلًا: -لازم تاكلي عشان صحتك. -يبقى تاكل معايا.

-لأ، أنا فعلًا مش جعان. صمتت لوهلة لتفكر، ثم قالت: -خلاص يبقى تاكل من كيكة القهوة اللي عملتها عشانك. اصغى باسل لطلبها دون اعتراض منه، وبالفعل شرع يتناول كل منهما ما أحضره الآخر، وكلاهما يختلسان النظرات إلى بعضهما البعض. كانت فداء تعد كعكة من أجل حسام، حينما جاء إليها فارس قائلًا: -بقولك يا فداء. التفتت إليه بعدما أخرجت كعكتها وتركتها حتى تبرد، وقالت: -في إيه؟ سألها فارس بقلق غلب فضوله:

-هي دينا ردت على فيديو الشرح اللي قولتلك تبعتيه؟ حركت رأسها نفيًا وقالت: -لأ هي مفتحتش نت أصلًا، ولا شافت الفيديو عشان ترد عليه. سكت فارس ساهمًا وتشـدق مردفًا: -غريبة! دي حتى مش بترد عليا، تعتقد زعلت عشان اتأخرت على ما بعتلها الشرح؟ حركت شقيقته كتفيها دلالة على جهلها بباطن الأمر، وقالت: -مش عارفة والله يا فارس، طب ما لو معاك رقم والدتها تواصل معاها واسألها هي مش بترد علينا ولا بتفتح النت ليه؟ -مش معايا رقمها.

تلفظت فداء بنبرة توحي بعدم الاهتمام: -خلاص فكك، خد لحسام من الكيكة دي وانت طالع، أنا رايحة أصلي المغرب. زفر فارس بحرارة وقال بوجه مقتضب: -وديها أنتي أنا خارج. كان في طريقه إلى غرفته، ولكنها توقفت عندما وجدته يهبط على درجات السلم، فابتسمت وقالت: -عملتلك كيكة مخصوص عشان متزعلش. التقط قطعة منها ليتذوقها، فبدا متلذذًا بتناولها، ومع ذلك أعاد إليها ما تبقى قائلًا: -شكرًا، تسلم إيدك. كان في طريقه ليتخطاها ولكنها أوقفـته

حين سألته: -أنت خارج؟ استدار قائلاً: -أيوه عايزة حاجة؟ هزت رأسها سريعًا نفيًا، قبل أن تسأله: -رايح فين؟ شكلك مستعجل. -هقابل ميار. شهقت فداء وقالت بفزع: -أنت هترجع تخرج معاها وتروحوا الأماكن الهباب دي تاني!! أوضح لها قائلًا: -لأ طبعًا، مش عشان كده، بس هنتكلم في موضوع ضروري. -موضوع إيه؟ -حاجة خاصة. -خاصة إزاي! لو فعلًا مش هتروحوا الأماكن دي متخليها تيجي وتتكلم معاك هنا. -مينفعش. -خلاص خدني معاك. -لأ طبعًا.

-يبقى بتكذب عليا. صرخ حسام في وجهها قائلًا: -فداء أنا مش صغير، وبعدين أنا مش خايف منك لو عايز أرجع لشخصيتي القديمة مش هاخد إذنك، دي حياتي وأنا حر. أدمعت عيناها، فطأطأت رأسها وهمست: -أنا آسفة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...