ألقت بنفسها أرضًا لتنتحب بشدة، غير عابئة بطرقات الباب، وندائهم القلق عليها. نتيجة لتجاهلها، اضُطرا فارس وحسام لدفع الباب معًا وبقوة لكسره. لم تنتبه إليهم بسبب انهيارها العصبي، فركضوا جميعًا إليها محالين تهدأتها. كانت عمتها تحتضنها، ووفاء تمسح على رأسها بحنان، أما فداء فقد بكت لأجلها. لكزت داليا ابنها هامسة: "كان لازم تزعق لها، متعرفش تتفاهم بهدوء؟ تركتها وجلست أمامها لتخرجها من حضن عمتها قائلة بمواساة:
"أنتِ ليه بتعيطي دلوقت يا أروى؟ دا مش وقت انهيار تمامًا. لازم تقفي على رجلك تاني وتتحكمي في مشاعرك وحزنك عشان تاخدي انتقامك من سميرة." سألتها أروى من بين شهقاتها: "طب وباسل؟ مزعلش إزاي ظلمته وسجنته؟ أجابها حسام بدلًا عن والدته:
"إحنا هنتصرف وهنخرج باسل متقلقيش، بس أعتقد هو لو شافك مش هيعجبه وضعك كدا. وبعدين سميرة هي السبب في وضعك أنني وهو دلوقتي، وعشان كدا لازم تفوقي وتساعدينا عشان نحل المشاكل من غير ما نخسر حد فيكم." نظرت أروى إلى خالها وكأنها تطلب منه أن يتحدث، فاقترب منها آخذًا بيدها لتقف وتستوي على قدميها. ثم مسح تلك الدموع التي استقرت على وجنتيها وقال مشجعًا:
"اصلبي طولك يا أروى، وامنعى دموعك. البكا مش لينا، البكا دا نصيب سميرة مش إحنا." *** كان رمزي قد خصص إحدى غرف شقته لتصبح مكتبًا لدراسة قضاياه. يجلس على ذلك المكتب ويقابله كلا من حسام وفارس. قطع فارس الصمت قائلًا: "مع الأسف مفيش ولا تذكرة متاحة غير بعد يومين." نطق حسام سائلًا بعقل تائه: "طب وهنعمل إيه؟ دا وقت كبير جدًا." رفع رمزي عينيه عن ذلك الكتاب الذي كان يتصفحه ونزع نظراته قائلًا:
"أنا هتصرف وهتكلم مع حد من معارفي في الكويت." حسام يحرك قدميه في حركة تكرارية تعبر عن قلقه وحيرته. في حين استفسر فارس باهتمام: "القضية دي ليها حل يا متر؟ ممكن باسل يطلع منها؟ تنهد رمزي مجيبًا: "القضية صعبة يا فارس لأنه ممسوك في المطار، وكل الحلول متقفلة قدامي. حتى الحلول اللي فكرت فيها مش عارف هنثبت صحتها إزاي." تشدق حسام مردفًا: "إيه الحلول دي؟؟ رد عليه رمزي موضحًا:
"الحل الأول نثبت إن الشنطة مش تبع باسل، والتاني إننا نثبت إن باسل كان تحت التهديد وهو اللي بلّغ عن نفسه لما ملّقش قدامه حل. ودول محتاجين أدلة وإثباتات، لكن في حل تاني بس صعب جدًا." سأله فارس بترقب: "إيه هو؟ قال رمزي بجدية: "لو قدرنا نبدل الهيروين بسكر بودرة، أو نشا، بس دا صعب جدًا جدًا." اقترح حسام قائلًا: "أعتقد موضوع التهديد ده هيبقى أسهل." انتبها إليه الاثنان، فأكمل حسام موضحًا:
"ماجد الصواف يشيل الليلة، كدا كدا أذانا كتير، بس ثواني هجيب أروى وأجي." خرج حسام ليرجع إليهما قبل أن تنتهي دقيقة واحدة، وبرفقته أروى التي تتحاشى النظر إليهم. فسألها حسام قائلًا: "أروى أنتي واجهتي تهديد من ماجد الصواف؟ أومأت برأسها وشرعت قائلة: "أيوة وصلني منه رسايل تهديد كتير، وكمان المرتين اللي روحت له أطلب منه المساعدة كان بيهددني وكنت بسجل كلامي معاه. دا حتى حاول يقتلني ودخلت المستشفى بسببه." تلوت شفتي
فارس بابتسامة ماكرة وقال: "كذا فهمتك يا حسام. وبما إن باسل ساوم ماجد على العقود فإحنا ممكن نشوف لو في كاميرات مراقبة تثبت إن الدولارات اللي أخدها كانت من باسل." ضيق رمزي حدقتيه كمحاولة وكأنه يستقبل معنى حديثهم، ثم أوضح قائلاً:
"تقصدوا إن باسل سافر من هنا أصلًا عشان يوصل الدولارات لماجد في مقابل الهيروين اللي ماجد بيهدد بيه أروى إنها لازم تهربه لمصر، وإنها لما رفضت حاول يقتلها وده اللي خلى جوزها يسافر لها وقرر يشيل هو المهمة بدالها، وعشان حسن نيتهم بلغوا عن نفسهم شرطة المطار من فون أروى؟ طقّط حسام بإصبعي السبابة والإبهام، ونطق بنبرة من الحماس:
"بالظبط كدا. وكمان نستغل وسائل التهديد اللي مع أروى وناخد منها اللي يفيدنا وميضرش لو حرّفنا فيهم شوية. وكمان البنت اللي كانت مع أروى تبقى شاهد وأروى نفسها شاهد. ولو عرفنا نجيب الشخص اللي هاجم أروى يبقى خير وبركة. ولو احتاجنا الطرف اللي بعت الدولارات لماجد هتبقى سميرة مسؤولة عن الدور ده." ابتسم رمزي قائلًا بإعجاب: "دماغك طبعت سم يا حسام، أنا اشتريت منك." أردف فارس سائلًا: "طب هنعمل دا كله من هنا إزاي؟؟
نهض رمزي قائلًا: "متنسوش إني قعدت فترة كويسة في الكويت ومعارفي كتير. وطالما الحل موجود يبقى اعتبروا باسل خرج براءة. هاتي فونك يا أروى." *** في ذلك المكتب الخاص، اعتلى باسل كرسيًا خشبيًا بعد حل الشرطي أصفاد يديه. كانت عيناه غائرتين وكأن النوم لم يكحل عينيه منذ زمن بعيد، وتدلت خصلات شعره السوداء على جبهته. دقائق معدودة من الصمت التام إلى أن تعالت طرقات الباب، لينهض الشرطي قائلًا: "هسيبك مع محاميك الخاص."
أُغلق الباب من قبل المحامي، الذي كان يرتدي بدلة سوداء. كان نحيل الجسد، وتطايرت بصيلات شعره باستثناء قلة على جانبي رأسه. مد الرجل يده إلى باسل قائلًا: "أنا المحامي شريف دويدار يا باسل، هتولى قضيتك." صافحه باسل قائلًا: "أهلًا بحضرتك." جلس الرجل على كرسي مقابل، وبدأ الحديث مرة أخرى عندما قال: "المحامي رمزي هو اللي كلمني عشانك واتفقنا هنعمل إيه في قضيتك، وإن شاء الله هتطلع براءة بس أنت لازم تساعدنا."
نظر إليه باسل بقسمات جامدة، عكس ذلك القلق الذي يعتمر في صدره: "أكيد، أنا لحد دلوقتي لسه متكلمتش لأني مش عارف هقول إيه، بس أنا والله مش عارف الهيروين ده وصل شنطتي إزاي! مال الرجل بجذعه للأمام وتحدث بصوت يكاد يسمعه باسل لانخفاض وتيرته: "مش مهم المادة وصلت إزاي لشنطتك، المهم إننا نثبت إنك كنت تحت التهديد."
مال باسل بدوره للأمام، ناظرًا إلى الرجل بتفحص، والذي بدأ يقص عليه خطواتهم في حل القضية، بداية من ماجد الصواف وصولًا إلى سميرة، مرورًا بالبلاغ التي قدمته أروى. وعند تلك المعلومة قد توقف عقل
باسل الذي بدأ بربط الخيوط: أولها إصرارها على تجهيزيها لحقيبة السفر بمفردها، والخيط الثاني تراجعها عن السفر في اللحظة الأخيرة، والخيط الثالث هو فقدانه الأوراق التي قد أخذها من ماجد، وأخيرًا الخيط النهائي والفاصل في استنتاجه وهو قول محاميه بأن أروى هي من أبلغت شرطة المطار. فرجع بظهره للخلف وهو يمسح على وجهه، وقد أغمض عينيه ليمنع تلك القطرة المالحة من الهروب.
كانت أنفاسه متقطعة، وكأن ما توصل إليه أفقد رئتيه آلية عملها، وإذا برودة غريبة قد تسللت إلى عروقه، وكأن قلبه ينذر بالتجمد. فكيف له إن يكون طبيعيًا بعدما رأى تلك الحياة الوردية، وأحلامه، ومستقبله الذي بناه برفقتها؟
كل شيء يذوب أمام عينيه، وتهاوت ثقته كبناء من ورق أزالته نسمة عابرة. ولكن، هو ليس بطفل لينهار باكيًا من أجل بناء وهمي. سحب من الهواء نفسًا طويلًا ليخمد به تلك المشاعر النارية التي تتخبط بداخله. اعتدل في جلسته سائلًا ببرود كما في عهده السابق: "يعني الموضوع هياخد وقت قد إيه؟؟ أجابه المحامي بجدية:
"يعني على حسب، ممكن أقل من شهر وممكن أكتر. طول ما مفيش أدلة كافية أنت موجود هنا، وبإثبات أدلتنا وصحة كلامنا فأنت هتبقى براءة." أومأ باسل برأسه قائلًا: "تمام." *** منذ أن عرفت لما حدث وهي تفكر بعقل تائه، لا يتوصل إلى حل لكارثتيها. وظلت على ذلك الحال إلى أن قطع وصلة تفكيرها اتصال هاتفي من عاطف محاميها الخاص، وما إن ضغطت على أيقونة القبول في هاتفها حتى نطق قائلًا: "مصيبة يا مدام سميرة." هبت واقفة لتسأله
بصبر قد أوشك على النفاذ: "مصيبة إيه يا عاطف؟ اتكلم بسرعة! أجابها بصوت متحشرج: "فارس وحسام ناويين ياخدوا بضاعة الإنتاج اللي في المخزن الكبير، ودي هتبقى مصيبة لأنك المفروض تسلمي الشغل دا بعد بكرا ولو معملتيش كدا هتدفعي شرط جزائي أكتر من ٥٠ مليون للمستوردين." هتفت سميرة وقالت: "وهما عرفوا منين إني نقلت البضاعة للمخزن الكبير؟ أجابها عاطف قائلًا:
"مش عارف يا مدام سميرة، أنا سمعتهم وهما بيتفقوا وبيقولوا هياخدوا خمس رجالة ويروحوا المخزن الساعة اتنين بالليل." توعدت لهم قائلة بصوت يشبه فحيح الأفاعي: "تمام أوي أنا بقى هتخلص منهم ومن القلق اللي عاملينوه ده، وأنت أي جديد يحصل تعرفني علطول."
تُبعت مكالمتها برسالة إلى أروى تطلب منها القدوم إلى المخزن الكبير في التوقيت نفسه. لترفع إصبعها بعيدًا عن شاشة الهاتف، ونظرت إلى الفراغ بأعين لامعة كسيف يظهر بريقه قبل أن يهوي على رقبة ضحيته. وعلى وجهها ابتسامة لطيفة تخفي خلفها أنيابها الحادة التي لا تعلم أنها ستكون سببًا لإبادة شرها نهائيًا. ***
كانت ليلة حالكة السواد، غاب القمر عن السماء. وبالرغم من انتهاء فصل الشتاء، إلا أنه كان للطقس رأي آخر، حيث توحدت السحب لتتلبد السماء بالغيوم، وكأنه إنذار من السماء بالبكاء. كانت خطواتهم حذرة، يتلفتون حولهم ليتأكدوا أن لا أحد يراهم. ساروا صفًا، واحدًا تلو الآخر، تسللوا إلى المخزن من بابه الكبير الذي لم يكن مغلقًا وكأن أحدًا ما بانتظارهم.
كانت بحوزتهم كشافات صغيرة، ولكنهم لم يعلموا أنهم لن يستخدموها، حيث أنه فور دخولهم إلى المخزن، اشتعلت الأنوار بإضاءة شديدة بددت ما قبلها من ظلام حالك. وكانت الصدمة من نصيبهم، فقد تخشبت أقدامهم. إنه فارس، يجاوره حسام وخمسة من الرجال الآخرين.
وعلى الطرف المقابل، تتقدم سميرة ذلك الجيش من الرجال ذي الرداء الأسود. كانت أسلحتهم تنم عن حرب عارمة يتبقى إليها بضع دقائق لتشتعل. ما يزيد عن خمسين رجلًا، يصطفون في وقفة ثابتة، وكأن حائطًا بشريًا قد بُني خلفها. عقدت ذراعيها أمام صدرها، ومنحتهم بسمة كشعار مسبق للانتصار، وتحدثت بازدراء: "مفاجأة مش كدا! تبادل فارس وحسام نظرات غامضة، قبل أن ينظران إليها لتكمل بنبرة ماكرة: "ولسه عندي مفاجأة أحسن." عقد حسام حاجبيه مستفسرًا:
"تقصدي إيه؟ رفعت سميرة حاجبيها، وأشارت بعينيها صوب الباب، فالتفت الحفيدان ناظرين إلى المدخل، لتحل على رأسهم صدمة حقيقية، فتلك المفاجأة كانت أروى التي لم يكن وجودها في الحسبان. وهي الأخرى قد تعجبت من تواجدهما، فنطقت بسؤال خافت موجه إليهما: "بتعملوا إيه هنا؟ سألها فارس وقد علت نبرته على غير عادته، ثم هبطت فجأة، كاشفة عن ارتباك داخلي: "إنتي إيه اللي جابك؟ أجابت سميرة بدلًا عنها:
"أنا اللي جبتها. قولت طالما حابين تعملوا حفلة هنا ليه متكونش أروى موجودة؟ ومش بس كدا، دا العيلة كلها جاية في الطريق." تقدمت أروى لتجاور فارس، وتحدثت بنبرة قوية: "شكلك ناسيه ابنك يا سميرة، لو حد من عيلتي حصله حاجة ابنك مش هيخرج وإنتي هيتقبض عليكي." قهقهت سميرة بضحكة مجلجلة، تحمل نذير سوء:
"ابني كدا كدا هيطلع، أنا مش هغلب. ولو عليا بقى أنتي زي الشاطرة كدا هتسلميني العقود اللي معاكي وإلا هتاخدي الشباب الحلوين دول حياتهم هتنتهي." أنهت سميرة جملتها الأخيرة، وأشارت إلى رجالها ليتحركوا آخذين فارس وحسام ومن معهم كرهائن. ارتعدت أوصالها وبالرغم من خوفها الشديد إلا أنها جاهدت لتبدو ثابتة عندما قالت: "إنك تاخدي مني العقود دا مش هيفيدك بحاجة لأني قدمت ضدك شكوى في الكويت وهنا." ردت عليها سميرة باستخفاف واضح:
"مش عيب لما تحاولي تشغلي دماغك، بس أنا عملت اتصالاتي واتأكدت إنك مقدمتيش شكوى ولا حاجة ولا حتى فتحتي القضية القديمة. فزي الشاطرة كدا تسلميني العقود هسلمك العيلة، وتنسوا تمامًا موضوع استرجاع الأملاك." سكتت أروى بعقل شارد، واستقرت حدقتاها على الحفيدين بعدما قُيدت حركتهما من قبل رجال سميرة، التي سألتها باستعجال: "ها قررتي إيه؟؟ أردفت أروى بخفوت: "لو قولتلِك لاء! أشارت سميرة إلى رجالها وقالت:
"يبقى تشوفي النتيجة بعيونك الحلوين دول." في تلك اللحظة، تقدم أحد الرجال حاملًا مقمعة، وبحركة سريعة هوت تلك العصا العضلة التوأمية لفارس ومن بعده حسام، فجثيا على ركبتيهما، واحدًا تلو الآخر. كانت حقًا ضربة قاسية ظهر تأثيرها على وجهيهما ذي القسمات المشحونة بألم مكتوم.
أما أروى قد أطلقت صرخة مدوية وكأنها قد تألمت بدلًا عنهما. كادت تتحرك إليهما ولكن سبقتها سميرة وقبضت على ذراعيها بإحكام شديد. راحت تتخبط وتقاوم، تلوح بيديها محاولة الإفلات، لكنها فشلت.
انقض عليهما ذلك الرجل بلا رحمة، يسدد لكمة إلى فارس، وما بعدها تكن لحسام. تتابع مستمر على هذا الوضع، وكلا منهما يحاول أن لا يصدر تأوهًا يقلقها عليهما، غافلين تمامًا أن قلبها حقًا يحترق عليهما. ولم يعد بوسعها أن تتماسك أكثر من ذلك، وإنما انهمرت الدموع على خديها. كل ضربة تنزل على قلبها هي، وجعلت تصرخ بصوت متقطع: "حرام عليكي، ابعديه عنهم، ارجوكي لاء، ابعد عنهم، ابعد عنهم...
أجهشت أروى في بكاء مرير وقد تداخلت المشاهد أمام عينيها، والدها، والدتها، والآن فارس وحسام. وامتزجت مواقف مختلفة لكل منهم، وفي أذنيها يتردد صوت الجميع، وكأنها تسترجع كل ما عاشته في سنواتها الأخيرة. وأخيرًا قد حسمت أمرها، بالتخلي عن حق والديها، فصرخت قائلة: "خلاص، هنفذ كلام، هنفذ كلامك."
تركتها سميرة لتسقط أرضًا، وأشارت إلى رجالها بالتوقف. فنهضت أروى وسارت إليهما، ثم نزلت على ركبتيها مثلهما، وحركت رأسها برفض كأنها لا توافق على وجود احمرار وجهيهما إثر تعرضهم لضرب مبرح، ولا ذلك الدم الذي يسيل من أنفيهما، وانحدر مرورًا بشفاههما المرتجفة. همست لهما قائلة بنبرة تحمل ظلال الندم: "آسفة، أنا آسفة." حاول فارس ألا ينحني برأسه، ومنحها ابتسامة ضعيفة ونطق بصوت مهزوز: "إحنا كويسين، متخافيش."
حركت رأسها مجددًا برفض، فنطق حسام مؤيدًا: "كويسين يا أروى، أهدي، أهدي." قاطعت سميرة حديثهم، وقالت بلهجة حازمة لا تقبل النقاش: "معاكي لحد بكرا الضهر يا أروى، إن مجتيش ومعاكي الأوراق اللي طلبتها منك، ولو فكرتي تطلبي مساعدة الشرطة هقتل العيلة كلها، وإنتي كمان هتحصليهم. وكدا كدا المخزن دا بتاعي بكل اللي فيه يعني محدش هيعرف عنكم حاجة." ***
عادت أروى إلى شقتها وهي تجر معها أذيال الخيبة. صارت بأقدام متثاقلة، تسبقها دموعها. تنقلت بخطوات مهزومة وهي ترى كيف تبعثر أثاث المنزل بفعل رجال سميرة عديمة الرحمة. وصلت إلى مكتب خالها، فوجدت أوراقه وكتبه تفترش أرضية الغرفة. اقتربت من تلك الصورة التي جمعتها بوالديها وخالها وعمتها.
حملت الصورة بين يديها، وهي ترى كيف تحولت تلك السعادة إلى حزن أبدي لا ينتهي. مرت أناملها على وجوههم، لتستشعر وجودهم بجانبها. وهنا خرج صوتها مرة أخرى وجلست أرضًا بأمر من قدميها اللتى لم تعد قادرة على حملها. بكت بكاء مريرًا. ها هي قد خسرت كل شيء، والديها، زوجها، تحول انتصارها إلى هزيمة قاتلة. الشيء الوحيد المتبقي إليها هم عائلة المعز وخالها وعمتها. لن تتحمل خسارتهم، ولن تستطيع أن ترى نفسها سببًا في موتهم.
هلت الشمس ليوم جديد، امتدت أشعتها الحانية. انحلت عقدة الغيوم وانقشعت عن السماء التي ظهرت صافية وكأنها تبشر بقدوم الخير. مستقبل مشرق لن يعرف شيئًا عن الظلام الدامس الذي ساد لفترة طويلة تجاوزت الخمس عشر سنة. أبعدت أروى الإطار الزجاجي عن أحضانها، بعدما رمقت الصورة بنظرة أخيرة، واستوت على قدميها، لتأخذ نفسًا طويلًا يجدد طاقتها، وأزالت دموعها بعيدًا عن عينيها اللتين قد انتفخت لكثرة البكاء.
وكعادتها كانت تحتفظ بأوراقها الهامة في الخزانة الخاصة بدورة المياه، كما تعلمت من خالها. التقطت الأوراق لتتفقدها قبل أن تأخذهم إلى محطتهم الأخيرة.
توقفت أمام البناء بأقدام مرتعشة. نقلت حدقتيها بين رجال سميرة المحيطين بالمخزن. عاودت السير مرة أخرى وهي تقدم قدمًا وتؤخر الأخرى. فكانت تتمنى لو تجد معجزة تمنعها من التنازل عن حق والديها، ولكن ما قُدر حدوثه سيحدث مهما حاولنا أن نمنعه. لم نرغب يومًا في الافتراق ولكننا افترقنا. لم نرد يومًا الخسارة ولكننا لا نفوز أبدًا. وها هي اليوم تتنازل عن ما سعت جاهدة لأجله.
زال ما بداخلها من تردد عندما رأت سميرة قد كبلت العائلة بأكملها. وهنا أدركت أن سلامهم وأمنهم أهم بكثير من الثأر لوالديها. استجمعت شجاعتها وتحدت سميرة عندما قالت بنبرة واثقة: "الأوراق معايا بس مش هتاخديهم غير لما العيلة كلها تخرج من هنا." تلوت شفتي سميرة ببسمة جانبية، وردت عليها ساخرة: "دا على أساس إني هسمع كلامك! وبعدين ما يمكن تكوني بدلتي الورق! "والله براحتك خلينا واقفين." أطلقت سميرة ضحكة مجلجلة وقالت:
"كل مرة بتثبتي إنك طيبة أوي وعلى نيتك يا أروى. أنا لو عايزة دلوقتي ممكن أخلي رجالتى يكتفوكي وأخد منك الورق بالعافية، لكن أنا هكون متساهلة معاكي وهخرج العيلة باستثناء فارس وحسام." وكان حقًا أنها أمرت رجالها بفك وثاقهم، وطلبت منهم الرحيل. وعندما حاولوا أن يتحدثوا إلى أروى، توعدت أن تلحق الأذى بفارس وحسام، فما كان عليهم سوى الانسحاب إلى خارج المخزن.
وهنا طلبت سميرة أن تأخذ العقود، فأعطتهم لها أروى، ولكنها أعادتهم إليها مجددًا، وألقت إليها بقداحة صغيرة وقالت: "ولعي فيهم." كانت تقصد أن تلزمها بشعور الذنب، لتكمل ما تبقى من عمرها ندمًا على تضييع حق والديها. فنزلت أروى بجسدها لتأخذ تلك القداحة عن الأرض، ثم نقلت نظريها بين الشابين، حيث حرك فارس رقبته رفضًا، ونطق حسام محذرًا: "لاء يا أروى، أوعي تعمليها."
مرت عليهم دقائق معدودة، سميرة تحاول أن تتخلص من العقود، وفارس وحسام يحاولان إقناعها بالتراجع، لكنها منحتهما ابتسامة لطيفة، ثم أشعلت النار بالعقود، وسميرة تطالعها بنظرة من الانتصار اعتقادًا أنها قد تخلصت من الدليل الذي هدد حريتها في تلك السنوات الماضية. انطفأت النار، وتحولت الأوراق إلى رماد أسود، وهنا قالت سميرة:
"كذا أنتي في السليم، وعشان أنا قلبي طيب فأنا هسامح العيلة المرة دي وياريت تاخديهم وتمشوا من القاهرة نهائي عشان أي غلط منكم أنا مش هسمي عليكم." أردفت أروى بغموض: "هنِمشي حاضر، بس لازم تعرفي إن الشر دايما بيخسر، وفي قصتنا أنتي لعبتي دور الشر وأكيد هتخسري لو مش دلوقتي هيبقى بعدين." قهقهت سميرة وردت عليها بتفاخر:
"أنا دايمًا بكون الشريرة في أي قصة أدخلها، ودايمًا بيكون المكسب من نصيبي، يعني مثلاً قدرت أفرق العيلة زمان، وقتلت رأفت المعز، وأنا اللي لعبت في عينات الدوا والناس ماتت بسببي وأبوكي اللي شال الليلة، وأهو أخيرًا بقت كل أملاك المعز بتاعتي وتحت تصرفي، وكل البضاعة اللي انتي شايفاها دي بتاعتي. لازم تعرفوا إن سميرة أبو زيد عمرها ما هتخسر."
أشارت إلى رجالها ليتحركوا خلفها، فركضت أروى لتحل وثاقهما، وقبل أن يتحركوا تفاجأوا برجال الشرطة يداهمون المكان بقوة كبيرة، وبرفقتهم رمزي الذي تقدم إلى أروى والشباب ليطمئن عليهم. وها نحن أخيرًا نرى سميرة تُعتقل لتتلقى عقاب جرائمها، حيث تحدث الضابط بصوته الجهوري واضعًا الأصفاد على يديها: "مقبوض عليكي بتهمة الاتجار في المواد المخدرة يا مدام سميرة، بجانب قضايا تانية." هدرت سميرة في وجهه قائلة:
"إيه العبط ده، مواد مخدرة إيه! خلي رجالتك يبعدوا عني أنت مش عارف أنت بتكلم مين؟ أنا ممكن أفصلك من شغلك نهائي." أشار الضابط إلى رجاله بالتحرك ليأخذوها، ثم تحرك ليتقفد الصناديق الكرتونية التي تحتوي على الملابس إضافة إلى المواد المخدرة والممنوعات. نظرت أروى إلى خالها وهي تسأله: "هي فعلاً تتاجر في المخدرات؟ أجابها رمزي قائلًا: "هنتكلم في البيت يا أروى."
كانت تجلس في سيارة الشرطة، تابعتهم بعينيها حتى اقتربوا إليها، فتقدم رمزي ناظرًا إليها بنفور وقال متشفيًا: "أنا سلمتك ملكية المصنع الصغير والمخزن دا بس، هنجيبلك عيش وحلاوة." عادوا جميعًا إلى قصر المعز، وما إن دلفوا إلى صالة الجلوس، بادرت أروى لتستفسر من خالها سائلة: "عايزة أفهم بقى إيه اللي حصل؟ أجابها رمزي قائلًا: "القبض على سميرة النهاردة كان بفضل باسل، دي كانت خطته." جاورت عمتها في الجلوس، وهي تنتظر توضيحًا أكبر،
فأكمل خالها: "بعد ما سافرتي الكويت باسل اتفق معايا أنا وولاد عمه عشان نوقع سميرة. طبعًا أنتي فاكرة إني قولتلك قبل كدا إن المناقصة الأخيرة دي فيها خطر على حياة الأحفاد؟ أومأت برأسها وقالت بتأكيد: "أيوه فاكرة." استرسل رمزي قائلًا:
"بسبب المناقصة دي كان بيوصلني تهديدات من المنافسين اللي داخلينا ضدنا، ولحسن حظنا وسوء حظ سميرة المنافسين دول دخلوا كمية كبيرة من الممنوعات في المخزن بتاعنا وطلبوا من الحارسين اللي بيحرصوا المخزن إنهم بعد يومين يبلغوا عننا الشرطة ودفعوا لهم مبلغ كبير من الفلوس، وللصدفة أنا كنت بتفقد المخازن كلها ولما وصلت المخزن ده وشوفت البضاعة اللي فيه الحرس خافوا وقالوا كل اللي حصل. وساعتها لما باسل عرف قرر إنه يستغل النقطة دي، فعمل إيه؟
طلب مني نقل ملكية المخزن ده والمصنع اللي بينتج محتواه باسم سميرة." شارك فارس في الحوار ليكمل: "باسل كان عايز يكسب ثقة أمه أكتر عشان يقدر ياخد منها العقد اللي يثبت براءة والدك، فاتفق معانا وعرفها إنها هتاخد كل الأملاك وهي وكلت محامي يتعامل معانا ويسجل معانا العقود في الشهر العقاري بدلًا عنها ومكنتش تعرف إن عاطف ده واحد من معارف خالك، وساعدنا نرسم عليها الدور وعملنا ورق أي كلام بباقي الأملاك." استرسل رمزي مجددًا:
"وقدرنا نوصلها عن طريق عاطف إن الشباب هيسرقوا واحد من المخازن، فهي راحت نقلت الكراتين دي للمخزن اللي كنا فيه من شوية وحطت على كل كرتون اللوجو بتاعها، وطبعًا إحنا بدلنا البضاعة اللي كانت عبارة عن لبس بالمواد المخدرة. ورجعنا تاني كنا عايزين نجيب دليل بالجرايم اللي عملتها، فرجع عاطف كلمها وقال إن فارس وحسام هيسرقوا المخزن، والمرة دي كنا متأكدين إنها أكيد هتروح تواجههم، وساعتها كان المفروض يوقعوها في الكلام، لكن مكنتش نعرف إنها هتجيب كل رجال الحراسة دول معاها، وكمان طلبت منك تيجي والخطة فشلت أكتر لما خطفت باقي العيلة.....
"ومع ذلك كل حاجة حصلت في المخزن اتسجلت صوت وصورة." كان الجميع ينصت إليه باهتمام. فارتشف رمزي رشفتين من كوب الماء الذي أحضرته ولاء، واسترسل موضحًا: "أنا بقى من يومين كنت مقدم شكوى ضدها في قسم مكافحة المخدرات، واتفقت مع الظابط إني أول ما اعرف مكان التسليم أو التخزين هتصل عليه، وبالفعل أول ما سابتنا نخرج اتصلت على الظابط، وزي ما شوفتوا في لمح البصر كانت القوة وصلت..... زفرت أروى بحرارة وقالت: "طب وباسل؟
أجابها رمزي بنبرة جادة: "باسل كلها أسبوع بالكتير وهتخرج بإذن الله على ما يتأكدوا من صحة الأدلة." عندما أُتيحت لهم فرصة للسفر، اغتنموها وسافر فارس برفقة حسام ومعهم أروى لتعطي شهادتها، وبقي رمزي مع النسوة ليهتم بشركاتهم ويتابع قضية سميرة. *** يحدث في مبنى النيابة العامة في الكويت، وتحديدًا مكتب وكيل النيابة. كان المكان هادئ إلا من صوت المكيف، وعلى المكتب ملفات متكدسة. بادر وكيل النيابة سائلًا بنبرة جادة
وهو ينظر في ملف أمامه: "اسمك بالكامل؟ أجابه باسل بلهجة جامدة: "باسل رأفت راشد أحمد المعز." شرع وكيل النيابة ناظرًا إليه بتفحص وقال: "أنت متهم بتهريب مادة الهيروين. إيه ردك على التهمة؟ "يا باشا أنا كنت مهدد." سأله وكيل النيابة باهتمام: "مهدد إزاي؟ وضح كلامك؟ بدأ باسل يلقي ما حفظه من محاميه قائلًا:
"مراتي كانت مهددة من ماجد الصواف إنها لازم تنقل الشنطة دي من الكويت لمصر، ولما رفضت تعمل كدا، حاول يقتلها وبعت لها واحد يهجم عليها وأخدت ضربة على دماغها ويومها دخلت المستشفى، عشان كدا كنت مجبور أنفذ المهمة دي بدالها." سأله وكيل النيابة باستفسار: "ما العلاقة التي تجمع زوجتك بماجد الصواف؟ "والد مراتي كان صاحبه، عشان كدا هو طلب منها تساعده ولما رفضت حاول يتخلص منها." -من كام استلمت منك تلك الحقيبة؟
"كل اللي أعرفه إني أول ما هخرج من مطار القاهرة كان واحد هياخدها مني، هو اللي هيتعرف عليا، لكن أنا معرفش عنه حاجة ولا حتى اسمه." -عندك أدلة على كلامك أو شهود؟ "أيوه، رسايل نصية بالتهديد، ومكالمات هاتفية، والخادمة اللي كانت مع زوجتي يوم الحادث، والتقرير الطبي من المستشفى، وزوجتي بلغت عن عملية التهريب بالاتفاق معايا قبل ما أدخل المطار." تدخل المحامي قائلًا:
"موكلي وقع تحت الضغط والتهديد، وده يبطل القصد الجنائي طبقًا للقانون، وكما أنه من قدم الشكوى ضد نفسه وده دليل كبير يثبت حسن نيته." رد عليه وكيل النيابة قائلًا: "سنتحقق أولًا من أقوال المتهم ومن الأدلة المقدمة، وإن ثبت الإكراه سنتخذ الإجراءات القانونية اللازمة."
أنهى وكيل النيابة حديثه خاتمًا المحضر، ثم خرج باسل برفقة أمين الشرطة القابض على ذراعه، ومن خلفهما المحامي. كانت أروى تنتظر خروجه بصبر ينفذ. وعلى عكس ثباتها الخارجي إلا أنها كانت تتخبط بين مشاعرها، مزيج من الخوف والتوتر والقلق بالإضافة إلى خجلها وندمها على ما فعلت. هذا سيكون لقاءهما الأول بعدما ألقتها بيدها إلى موقف لا يُحسد عليه.
كانت تجاور الباب عندما خرج باسل الذي رمقها بنظرة خاطفة من الجمود، ثم تجاوزها متجاهلًا اسمها الذي خرج من بين شفتيها بصوت هامس. توقف أمام الآخرين سائلًا بقلق: "إيه اللي حصل؟ مين عمل فيكم كدا؟ احتضنه حسام قائلًا: "ولا حاجة إحنا زي الفل، أهم حاجة أنت متقلقش إحنا معاك وفي ضهرك." فعل فارس نفس الشيء وابتعد عنه قائلًا: "كل الأمور بقت تمام، وإن شاء الله مش هنرجع مصر من غيرك."
منحهما بسمة هادئة قبل أن يتحرك مع الشرطي، فاقترب منهم المحامي قائلًا: "لقد قدمت الأدلة، ولكني امتنعت عن ذكر المدعوة سميرة أو تلك النقود التي أخذها ماجد الصواف، خشية أن يتعقد الأمر أكثر." *** اجتمعن في بستان القصر الخلفي، يتناقشن في قضية باسل، ولكن قاطعتهن ولاء عندما جاءت إليهن قائلة: "الآنسة ميار موجودة برا وعايزة تقابلك يا مدام داليا." استوت داليا على قدميها وسألت عنها بلهفة واضحة: "هي فين؟ دخليها؟
ردت عليها ولاء قائلة: "رافضة تيجي، بتقول عايزة حضرتك في موضوع ضروري." خطت داليا بتعجل إلى القصر، لتلتقي بابنة أخيها التي غابت عنهم في الفترة الأخيرة. كانت ميار شاحبة الوجه ترتدي زيًا فضفاضًا، ولم تستخدم أي منتج تجميلي لتخفي تلك التصبغات السوداء التي ظهرت أسفل عينيها. رحبت بها عمتها في عناق حار، ثم ابتعدت لتتفقد هيئتها، ثم سألتها بنبرة يشوبها القلق: "إيه ميار يا حبيبتي مالك كدا؟ انتي تعبانة ولا إيه؟
حركت ميار رأسها رفضًا وأجابت: "لاء يا عمتي، أنا كويسة." -كنتِ مختفية فين الفترة اللي فاتت." بدأت تفرك يديها ونطقت بنبرة من الندم: "أنا عارفة إني غلطانة واللي حصل لحسام بسببي ميتغفرش، بس أنا حاليًا في مشكلة ومحتاجة مساعدتكم." اتسعت حدقتي داليا، وفرغ فمها، ونطق بصدمة شديدة: "حامل إزاي؟!!! يتبع........
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!