افاق الجميع من الصدمة عندما وجدوا احكام واقفة على قدميها، تنظر إليه بتحدٍ وقوة لم يتخيلها. ظن جودة أنه كسرها، وأنها لن تستطيع الخروج من المنزل مرة أخرى، بل ستعود تتوسله لاستعادة ابنتها. حاول جودة الكلام من شدة صدمته وقال: "انتي... انتي غيرتي اليافطة ليه يا احكام؟
ابتسمت احكام بسخرية وقالت: "اللي خلف مماتش يا معلم جودة. أبوكي الله يرحمه راجع من الموت وبتفضلو المكان. أنا عايزة المحل، وانت تشكر قوي لحد كده. اتفضل بقى انقل حاجتك." نظر إليها جودة بدهشة وابتسم بإعجاب كالعادة. ثم التفت إلى الناس المتجمعة وقال: "كل واحد على شغله يا رجالة. دي أمور عائلية وهنحلها." نظرت إليه احكام بسخرية وقالت بسرعة: "لا عائلية دي في التقلية اللي بتعملها لك نوال مراتك. بنت...
بنت الأصول مش هنقول حاجة تانية. إنما إحنا مفيش بينا لا عائلية ولا ملوخية. اتفضل وريني عرض كتافك." قالت ذلك ودخلت المحل. شعر جودة بالإحراج وسط الناس الواقفة وقال بزعيق: "إيه! ما قولنا كل واحد يشوف حاله. ولا راشين الغلة هنا للكتاكيت." وبالفعل، مشى كل واحد على شغله. دخل جودة وراها المحل ليجدها تشيل حاجته وبضاعته في كراتين بغضب. قال بهدوء: "ده محل عطارة ونص العلب قزاز. براحة شوية." لم تنظر
إليه احكام وقالت بغضب: "والله أنا قولتلك شيل حاجتك بمعرفتك واقفلي. متنح خلاص يبقى اللي يتكسر فدايا." قرب منها جودة ومسك يدها وقال: "أنا عمري كله فداكي يا ست الستات كلها. وانتي عارفاها." سحبت احكام يدها بغضب وقالت: "لا بقولك إيه. أوعى شيطانك يوزلك إن اللي عملتوه فيا هيغيرني. أنا لسه احكام بنت الحج عبد السميع، واللي يقل أدبه معايا ملوش عندي غير الجز*مة."
تنهد جودة بخنقة وقال: "لسانك طويل يا احكام. وده عيبك الوحيد. وعلى فكرة لسانك ده وهو اللي وصلك لهنا." نظرت إليه بقرف وقالت: "أنا عارفة كويس إيه اللي وصلني لهنا يا معلم. تشكر على التوجيه." ابتسم جودة بخبث وقال: "لا ولسه ياما هتشكريني يا احكام. لما تعرفي قد إيه يهمني مصلحتك. قوليلي، ما نفسكيش تشوفي حنان ولا إيه؟ هنا ضعفت ملامحها واختفت القوة والغل من عينيها، واحتلت الدموع مكانهما. ابتسم جودة
أول ما رأى حالتها وقال: "المدرسة فتحت ودخلت أولى حضانة. لو شفتيها بلبس المدرسة والشنطة حاجة قمر قوي." ابتسمت احكام وسط دموعها. قرب منها جودة جامد وقال: "بقت حتة من أمها وجامدة زيها." اختفت ابتسامتها وحاولت تقوى لما قال ذلك، وقالت بغضب: "بنتي ليها رب يا معلم جودة. وأنا مش هسيبها وهرفع قضية. هي صغيرة وهاخد حضانتها من عنيكم."
ضحك جودة بسخرية وقال: "وتفتكري بعد اللي الناس عرفته عنك فيه محكمة هتحكم لك. أوزنيها بالعقل يا احكام علشان القضية دي هتبقى فضايح ليكي على الفاضي. أنا عارفاكي عاقلة وراسية. احسبيها كويس واعرفي إن مش المحكمة اللي تقدر تاخدلك حقك. انتي عارفة كويس مين اللي يعرف يجيب لك حقك." قرب منها قوي وقال: "عارفة مين اللي ممكن يقويكي على الدنيا دي كلها؟ ومحدش يقدر يقولو تلت التلاتة كام." نظرت إليه احكام
بدهشة وضحكت بسخرية وقالت: "وياترى بقى مين ده يا معلم جودة؟ مش واخدة بالي." قرب جودة قوي وقال: "أنا يا احكام. محدش هيعرف يخليكي ست الحارة دي كلها ورجلك فوق دماغ أتخن تخين فيها غيري. وانتي عارفة أنا الوحيد اللي أعرف أجيب لك حقك." ابتسمت احكام بسخرية وقالت: "وياترى هتجيبوا من مين؟ من نفسك ولا كدبت الكدبة وصدقتها؟ ما انت عارف وأنا عارفة وكل رجالة البلد اللي اتخرسوا عارفين مين اللي عمل فيا كده."
تنهد جودة وقال: "ممكن يكونوا عارفين بس محدش هيفيدك حتى لو مصدقك يا احكام. وبنتك مش هترجع لحضنك وانتي هتقضي عمرك كده لوحدك ومحدش هيدق بابك بعد اللي داير عنك في البلد. ده غير بقى إني سمعت طراطيش كلام إن معلمين البلد رافضين وجودك انتي وأمك هنا بعد اللي سمعوه." اتسعت عينا احكام بصدمة وبصت له وقالت: "آه. معلمين البلد. والمعلمين دول اللي هما مين بقى؟ طبعًا أنت." قرب جودة منها أكتر
وقال وهو يبص لها بإعجاب: "أي حاجة ليها علاقة بيكي لازم هتلاقيني أول حد فيها يا احكام." تمكن الغضب من احكام وقالت: "انت عايز مني إيه بالظبط؟ عايز إيه؟ قولتلك بدل المرة مليون إن ما كانش عندي علم إنك كنت عايز تتجوزني قبل خالد. أخوك مقالش حاجة، مجابليش سيرة إنك كنت عايزني. مقالش حاجة. بفهم منين؟ أنا لحد الفرح ما كنتش أعرف أي حاجة." قال جودة بزعيق وغضب: "بس أنا جيتلك وقولتلك يا احكام. قولتلك كل حاجة."
قالت احكام بذهول: "انت عايز تجنني؟ قولتلي إمتى؟ يوم فرحي؟ بعد ما لبست فستان فرحي وجهزت والناس كلها كانت برة. كنت متخيل إيه؟ هقولك خلاص أنا ههرب معاك وأوطي راس أبويا وأقهر أمي وأخلي أخوك لبّانة في بق الخلق كلها. إزاي قدرت تطلب كده أصلاً؟
قال جودة بغضب: "لأنه يستاهل يا احكام. هو كان عارف إني بحبك، عارف إنك ليا، بس خلاني مسافر ولف عليكي وخطبك. لو كان أي حد غيره كنت دبحتُه. انتي حقي، انتي الشخص الوحيد اللي بفضله على نفسي يا احكام." تنهدت احكام ورأت أنه لا فائدة من النقاش معه، وقالت بخنقة: "انت عايز إيه دلوقتي؟ انت مش خربتلنا جوازنا اللي كان مزعلك؟ مش انتقمت مني خلاص؟ عايز إيه تاني؟ قال
جودة بسرعة وبدون تفكير: "بس أنا عمري ما كنت عايز انتقم منك يا احكام. أنا معملتش كده علشان انتقم، أنا عملت كده علشان ترجعيلي." اتسعت عينا احكام بصدمة رهيبة وهي مش مصدقة اللي سمعته منه. وقالت: "نعم... انت... انت قولت إيه؟
قال جودة بسرعة: "زي ما سمعتي. عايزك يا احكام. وهتفضلي مرادي العمر كله. انتي خلاص اتطلقتي وبقيتي حرة وأنا أقدر أتجوز تاني بشرع ربنا. ولو على نوال وحياة عيونك ما هتحسي بيها، هتكوني انتي الأولى والأخيرة. ولو عايزاني أطلقها هطلقها بالتلاتة." كانت احكام تسمعه بصدمة وقالت: "انت... انت مجنون؟ مستحيل تكون طبيعي. مستحيل."
قال جودة وهو يبص لعيونها: "أنا مش مجنون، أنا عاشق يا احكام. ورب العز عاشق. كوني ليا وهتشوفي إزاي هخليكي ست البلد دي كلها ومفيش زيك، وبنتك هترجع لحضنك. قولتي إيه؟ قالت احكام بغضب وانفعال: "قولت بره يا حيوان. بره. مش عايزة أشوف وشك. ده انت لو لحست التراب كده مش هتطول ضفري يا نجس." نظر إليها
جودة بحدة وغضب يخوف وقال: "يبقى افتكري إن انتي اللي اخترتي يا احكام. انتي اللي عايزة كده. ولازم تعرفي إنك يا هتكوني ليا يا إما هتجني على نفسك انتي وبنتك وهتعيشو مشردين. وهتطردي من البلد انتي وأمك. وبنتك دي مش هخليكي تلمحيها. ومش بس كده هتجني عليها هي كمان لأني مش هخلي دكر يجيله نفس يتقدملها. وبشوقك يا بنت عبد السميع." قال كده ومشي بغضب. ولسه هيطلع من الباب شاف أخوه رايح يودي بنته المدرسة.
نظرت حنان ناحية المحل واتفاجأت بأمها من بعيد. شدت إيدها من إيد أبوها وجريت على المحل وهي بتقول بصراخ: "ماااامااااا." التفتت احكام وشافتها جايه جري عليها. لمعت عينيها بالدموع وسعادة متتوصفش، وجريت بلهفة شالتها في حضنها وهي بتبوسها بلهفة وبتعيط بقوة ومش مصدقة إنها شافتها بعد أكتر من ٥ شهور. كانت حنان بتبكي وبتحضنها وبتقول: "ماما وحشتيني وحشتيني. خديني معاكي. متسبنيش تاني. انبى."
احكام بقت تبكي أكتر ومش قادرة ترد وبتحضنها جامد. تنهد خالد بحزن عليهم ودخل المحل وقال: "احم. إزيك يا احكام. ألف بركة إنك قومتي بالسلامة. أنا كنت بسأل عليكي ديما." نظرت إليه احكام بضيق ونزلت بنتها على المكتب وبقت تربط لها رباط الكوتش لإنُه مفكوك، وقالت بدموع: "حلوة قوي يا أميرتي. عسولة بلبس الحضّانة. عقبال الجامعة يا روح قلبي." قالت حنان بدموع: "أنا مش عايزة أروح الجامعة دي. عايزة آجي معاكي."
ضحكت احكام بدموع وقالت: "اسمها جامعة. مش جمعية. وبعدين ما أنا معاكي أهو يا قلبي. أنا كل يوم هكون هنا في المحل تقدري تيجي تشوفيني ونقعد نتكلم." قاطعها خالد لما شال البنت بسرعة وقال: "لا. هي معاها دراسة ومذاكرة ومش هتبقى فاضية. وبعدين اتأخرت على مدرستها. عن إذنكم." ومشى بيها بسرعة وهي بتبص لطيفه بدموع والبنت بتبكي عايزة أمها. وقف خالد ثواني قدام أخوه وهو بيبص له بغضب وعتاب ومشي قوام. ابتسم جودة بسخرية.
ولسه هيطلع من المحل، احكام قالت بغضب وسرعة: "أنا لو وافقت على طلبك... هتنفذ شروطي. هتبقى قد قولك وطلباتي تبقى أمر." اتسعت عيونه بزهول ورجع لها بسرعة وقال: "جربيني." حاولت احكام تخبي دموع عينيها وقالت بقوة مصطنعة: "عايزة فرح كبير. تحضره كل البلد. وأولهم نوال مراتك و... و خالد أخوك." قال جودة بدون تردد: "موافق. تحت أمرك." نظرت احكام لعيونه وقالت بتحدي: "والطلب التاني والأهم...
انت هتبرأني قدام كل الناس اللي هتحضر وهتقول إن كل اللي اتقال عني محصلش." فكر جودة شوية وقال بتردد: "ماشي. هحاول ألاقي لها حل. يعني ممكن نقول إني كنت فاهم غلط وكبرت الموضوع وإنه لما اتأكدنا من الحقيقة وعرفنا موضوع التعبان وإنك بريئة كان خالد طلقك، وانتي اللي رفضتي ترجعيله. إيه رأيك؟ حلو كدا." ضحكت احكام وهي بتصفق له وقعدت على
الكرسي بتاعه وقالت بسخرية: "فنان في التأليف والإخراج. بس للأسف السيناريو مش على هوايا. لو عايزني أتوزجك وأبقى مراتك وملكك يا معلم يبقى هتقول قدام كل الناس إن انت اللي عملت الفيلم ده بنفسك علشان تطلقني من أخوك وتتجوزني. ده شرطي. قولت إيه؟ اتسعت عيون جودة بزهول شديد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!