بعد مرور عدة دقائق، أحكم تلك القبعة مرة أخرى على رأسه، ووضع نظارته على عينيه، وألقى عليه نظرة، ثم أمسك بمقبض الباب وفتحه، وتأكد من أنه لم ينتبه إليه أحد، ثم تحرك سريعاً خارج ذاك المكان. بينما كان الآخرون مع الطبيب في داخل مكتبه يتحدثون إليه: "والله ما تقلقوا، إن شاء الله خير، الدكتور اللي حيعمل العملية من أكبر الدكاترة في العالم، وإن شاء الله حيقوم بالسلامة." هادي: "أمتى إن شاء الله يا دكتور؟
الدكتور: "بعد بكرة بمشيئة الله." أسماء: "بس أنا اسمع إن القلب المفتوح دي خطيرة أوي." الدكتور: "الطب أتقدم يا مدام، وكل يوم في جديد، وإن شاء الله خير ويقوم بالسلامة." تحركوا كلهم من قدام الدكتور وخرجوا من المكتب: "أهدي بقى يا مامي عشان خاطري، إن شاء الله بابي حيخف ويبقى كويس." أسماء: "يارب يا جيلان ياربي."
وقفوا جميعهم، هادي وفهد وأسماء وبيسان وجيلان يتحدثون سوياً، بينما كان يقف أدهم بالقرب منهم يتحدث إلى أحد ما، وبعد أن أنهى مكالمته وقف يتأمله، فكلما رآه لا يستطيع أن يحيد ببصره عنه، ولما لا وهو نسخة مكررة من أخيه الذي توفاه الله. وجد قدماه تتحرك نحوهم، ووقف بالقرب منهم، وكأنما يريد أن يستمع إليه وهو يتحدث: "أهدي بقى عشان خاطري، والله حيبقى كويس، متقلقيش."
أسماء: "خايفة أوي يا هادي، مش قادرة أصدق إن ممكن في لحظة يونس يروح من بين إيدينا وميكنش موجود، أبوك يا هادي، أبوك لو حصل له حاجة أنا مش حقدر أعيش ولا لحظة من بعده." هادي: "حيبقى كويس إن شاء الله، حيقوم منه." بيسان: "مامي عشان خاطري متعمليش في نفسك كده، بابي حيعيش يا مامي، أنا حاسة إنه حيعيش، صح يا ابيه هادي مش بابي يعيش؟ هادي: "إن شاء الله يا بيسان، بابا حيعيش ويفضل منور دنيتنا كلها."
"خلي ظنك في ربنا خير، تفائلوا الخير تجدوه." شعر بالحزن تجاه هذه الأسرة التي تخشى على والدهم من الفراق، ولكن انتبه إلى اسمه، فهم ينادونه بهادي، وانتبه إلى تلك التي تناديه بـ "أبيه"، إذن هي أخته، وتلك الواقفة بالتأكيد أمه. أعلن هاتفه عن اتصال مرة ثانية، فأخذ هاتفه وابتعد عنهم بعيداً: "مقدرش أسيب بابا وأجي، افهم يا بني آدم، يحصل اللي يحصل، مش حمشي قبل ما حالته تتحسن، استلم انت البضاعة وامضي عليه."
"لاء مراد مش عندي، مراد نزل مشوار وجاي، اتصرف يا حسين، هو مش انت المدير المسؤول؟ ياللا سلام." التفت ليراها تقف بالقرب منه، ووجهها متجه نحوه، وشعرها الأسود يتطاير حولها وهي تحاول جمعه بيديها، وتتحدث بصوت يملؤه الحزن: "بابي حيعمل قلب مفتوح يا ميرا، أنا خايفة عليه أوي." "لاء، مش حنيجي تاني، احنا خلصنا دراستنا خلاص، ملوش لزوم نرجع، بابي ومامي محتاجينا جمبهم." يتأمل وجهها بعض الوقت ثم يحدث نفسه:
"بابي ومامي، إيه القمر ده يا ناس، يخرب بيت جمال أمك، هو في جمال كدها، آه، أوعدنا ياربي." تحرك نحو غرفة والده ليتفاجأ بها أمامه مرة أخرى: "سلام قول من رب رحيم." ترد عليه: "في حاجة؟ حضرتك شفت عفريت؟ أدهم: "أيوة، قصدي إزاي؟ هو مش انتي لسه كنتي بتتكلمي في التليفون هناك؟ هو انتي طالعة بمنظرين ولا إيه؟ فتجد نفسها تضحك تلقائياً، فتظهر غمازتها الجميلة: "حضرتك تقصد أختي، مش أنا." أدهم: "أختك؟ هو انتوا توأم؟ _أيوة."
أدهم: "عجيبة، بس انتوا نسخة واحدة، ده انتوا كربون." _عشان إحنا توأم متماثل." أدهم: "وتصدقي أخوكم بردو نسخة من أخويا، كأنه توأمه." _أخويا." أدهم: "اللي انتي، ولا ما أعرف أختك، مانتوا حاجة تحيّر الصراحة، واحدة فيكم سمعتها بتقول له 'ابيه'." _أيوة، ابيه هادي." أدهم: "أيوة، هو ابيه هادي، ده شكلكم كده جيناتكم ضاربة في الشعب كله." "what؟ حضرتك بتقول إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة." أدهم: "لا، مقصدش، وأسف إني وقفتك." "don't worry."
تمشي من جنبه ويكلم نفسه: "ده إيه العيلة العجيبة دي، بس قمرين، يخرب بيت جمالكم، المفروض أمكم كانت جابتكم دسته مش اتنين، عالأقل تحسنوا نسل الشعب شوية." "يلا، أما أروح أشوف بابي أنا كمان، ربنا يشفي كل مريض يا رب." قاعد عالكرسي اللي جنبهم وماسك إيده: "حتعمل العملية إن شاء الله وتبقى زي الفل." يونس بتوهان: "إيه؟ أيوه إن شاء الله." هادي: "مالك يا بشمهندس؟ في حاجة؟ يونس: "إيه؟ لا مفيش."
هادي: "في حاجة حصلت وإحنا عند الدكتور؟ مالك يا حبيبي؟ يونس: "هادي، جيلان وبيسان أخواتك، وأسماء أمك." هادي: "ارجوك عشان خاطري متكملش، حتعمل العملية وتخرج منها بالسلامة، وحتفرح بـ جيلان وبيسان وتجوزهم وتشوفي ولادهم." يونس: "تفتكر يا هادي؟ هادي: "إن شاء الله يا أبويا يا حبيبي." يونس: "فهد." فهد: "معاك يا بشمهندس."
يونس: "في أوراق مهمة في الشركة لازم تشوفها بنفسك، وفي حاجات كنت لسه حقولك عليها لولا اللي حصل، وعمرو عنده علم بكل حاجة." فهد: "حاضر، نطمن عليك وحروح أخلص كل حاجة، مش عاوزك تشغل بالك نهائي، كل حاجة حتمشي زي ما حضرتك عاوز وأكتر، المهم إنك تقوملنا بالسلامة."
يونس: "إن شاء الله، ربنا يخليكم ليا يا ولاد، أنا صحيح ربنا مرزقنيش بولاد، لكن انتوا ولادي وسندي وسند بناتي في الدنيا، أمانة عليكم دول أخواتكم، مالهمش غيركم بعد ربنا، لو حصللي حاجة." هادي: "ربنا يخليك لينا وليهم يارب، ومحدش ياخد باله منهم غيرك يارب، بس الله يخليك متتعبش نفسك أكتر من كده."
يونس: "اسمعوني الله يخليكم، أسماء لو ربنا استرد وديعته، حتلاقي في درج المكتب عندي كل الأوراق والمستندات اللي تعرفكم كل حاجة عني وعن اللي ليكم، وانت يا فهد حتلاقي مع عمرو كل الأوراق اللي تخص الصفقات الأخيرة." أسماء متستحملش وتخرج برة الأوضة وتقعد تعيط، وتخرج وراها البنات يهدوها. أما هادي: "وحياتي عندك مش عاوزك تتكلم خالص عشان الأوكسجين ميقلش، حاول تنام شوية عشان خاطري." يونس بارهاق: "حاضر يا هادي، حاضر." ***
في اليوم التالي، واقفة قدام المراية بتعدل من هيئتها وبتسرح شعرها، فتلاقيه بيكلمها: "مش حتحني عليا بقى وتوافقي إننا نتجوز؟ ذكرى: "مش أنا قلتلك امتى حنتجوز؟ لزمته إيه بقى كل ما نشوف بعض تقول الكلمتين دول؟ وبعدين ما إحنا مع بعض أهو، مش انت كل اللي يهمك إني أكون معاك؟ عدي: "بس أنا عاوزك تبقي مراتي." ذكرى: "حيحصل يا حبيبي، اصبر بقى، ياللا بقى هات الأوراق، عاوزة أمشي." عدي يفتح لها الدرج ويخرج الأوراق، فتمد يدها لأخذه.
عدي: "هاتي الفلوس الأول." ذكرى: "ماشي يا سيدي، حقك." تفتح شنطتها: "اتفضل." عدي: "امسكي." تفتح الأوراق وتقرأها: "إيه ده؟ يخرب بيت عقلك، انت إزاي جبت الأوراق دي ومضيتها إزاي؟ هو مش مرمي في المستشفى؟ عدي: "ملكيش فيه بقى، هو أكل ولا بحلق؟ ذكرى: "لا معلش، ده انت واخد على قلبك قد كده، وأوعى تكون الإمضاء دي مزورة." عدي: "سليمة مليون في المية." ذكرى: "عدي، انت متأكد؟
لو الأوراق دي فيها لعب حتطير فيها رقاب، دي مصالح ناس يا حبيبي." عدي: "حطي فبطنك بطيخة صيفي، واطمني عالآخر." ذكرى: "ماشي يا عدي، أنا ماشية، سلام." عدي: "مع السلامة يا حبيبتي." يوصلها للباب وتبوسه من خده، ويقفل وراها الباب. أما هيا، فبمجرد نزولها من عنده تحس بنفس التعب اللي جالها لما كانت عند أحمد لاشين، فتكلم نفسها: "هو في إيه بقى؟ هما العالم دول مش حيبطلوا القرف اللي بياخدوه ده؟ هو محدش فيهم طبيعي؟ كلهم بايظين كده؟
تروح لشهاب الشركة وتدخل له مكتبه: "حبيبتي، حمدالله السلامة." ذكرى وهي تبوسه: "الله يسلمك يا حبيبي." شهاب: "طمنيني." ذكرى تفتح شنطتها وتخرج منها الورق: "اتفضل يا سيدي." شهاب وهو يتفحص الورق بسعادة: "مش معقولة." ذكرى: "إيه رأيك بقى فيه؟ شهاب: "باشا، ربنا باشا، ده انتي كنز يا بت الايه، كل يوم بتثبتيلي إن نظرتي ليكي كانت في محلها." ذكرى: "عشان تعرف بس، أي خدمة يا سيدي، هاه، حتكافئني إزاي بقى؟
شهاب: "حنسهر الليلادي، حتة سهرة مع بعض في مكان متحلميش بيه، وبعدها نكمل سهرتنا سوى، إيه رأيك؟ ذكرى: "موافقة طبعاً." "أروح بقى أستريح شوية وأجهزلك يا حبيبي." شهاب: "ماشي." تخرج ذكرى، وشهاب بيقلب في الورق والضحكة مالية وشه: "ياااه، أخيرا يا يونس، حتقع تحت إيدي أهو، أنا بقى كده حبقى مسكتك من إيدك اللي بتوجعك، وحدوس عليك بجذمتي، ولا حيبقى ليك وجود بعد النهارده، وأنا بقى حبقى ملك السوق ومحدش حيقدر يقف قصادي، هههههه."
في المساء، في أحد الفنادق الفخمة يسهر معها ويستكملان الليلة في شقتها، ولكن أثناء علاقته معها تشعر ببعض الآلام تغزو جسدها وتسيطر عليها، ولكنها تحاول ألا تظهر له شيئاً، فتتحامل على نفسها حتى ينتهي منها، وبمجرد ذهابه من عندها تزيد عليها الآلام لدرجة أنها لم تكن قادرة على تحملها، فأخذت تبحث عن بعض المسكنات حتى يهدأ جسدها وتستريح. (ربنا يريحنا منك يا بعيدة) ***
يمر اليومان سريعاً، والآن هو بغرفة العمليات، والجميع في حالة من القلق والتوتر الشديدين. أسماء تفتح المصحف وتتلو آيات من الذكر الحكيم، وبيسان وجيلان يدعوان له الله، وفهد يأخذ الطرقة ذهاباً وإياباً، وجنة ونجلاء كل منهما يقرأن القرآن أيضاً.
بينما هادي لم يكن معهم، فلقد تركهم ونزل المسجد ليصلي ويدعو له الله أن يشفيه. ظل يصلي ويسجد ويدعو الله بصوت عالٍ سمعه كل من كانوا بالمسجد، حتى أشفقوا على حاله وظلوا يدعون معه. وبعد أن أنهى صلاته وجد من بالمسجد يطمئنونه بأن الله لن يرد دعاءه وسيستجيب له.
ارتدى حذاءه وخرج، فوجد امرأة عجوز تفترش الأرض وبجوارها طفلان صغيران يلعبان، وأمامها بعض الخبز الذي لا يصلح للطعام. فرق قلبه لهم، وذهب سريعاً للمطعم الذي هو بالقرب من المستشفى، وأمر لهم ببعض الطعام، وطلب منهم أن يعطوه لتلك المرأة، ثم اتجه ناحيتها ووضع بيديها بعض النقود، فظلت تدعو له:
"ربنا يجبر بخاطرك يا بني، يارب ربنا يكرمك ويعلي مراتبك كمان وكمان، إلهي ما يرقدلك جدة، ربنا يطعمك ما يحرمك، ربنا يشيلك مريضك وما يوجع قلبك على عزيز ولا غالي يارب." طلب منها تدعي ليونس وأنه يخرج بالسلامة من أوضة العمليات، رفعت يدها للسماء وفضلت تدعيله. شكرها هادي على تلك الدعوات ثم تحرك ناحية المستشفى. بينما أتى إليها أحد العاملين بالمطعم بذلك الطعام: "خدي يا حاجة." المرأة: "إيه ده يا ابني؟
العامل: "الشاب اللي كان لسه واقف جمبك دلوقتي هو اللي طلبه لك." المرأة: "ربنا يكرمه يارب." تأخذ الطعام وتضعه أمام هذين الطفلين الجائعان فيلتهمانه وكأنهما أول مرة في حياتهما يروا الطعام.
كانت تحاول ألا تأخذ إلا بعض اللقيمات حتى تتيح لهما الفرصة للشبع، ولكنها وجدت الطعام كثيراً، فأكلت معهم حتى شبعوا، وظل معهم ما يأكلونه وقت لاحق، وبعدها وجدت الطفلين ينامان على قدميها بعد أن امتلأت بطونهما، فرفعت يدها للسماء وشكرت الله على نعمه، ودعت لهذا الرجل الذي لا تعرفه أن يطيل عمره ويعطيه من فضله العظيم. تمر الساعات وهو مازال في غرفة العمليات، والجميع في حالة من القلق. "هما اتاخروا كل ده ليه؟
يارب اقف معانا يارب عشان خاطرنا يارب." بيسان: "يا حبيبي يا بابي، يارب اشفي يابي يارب." جيلان: "أنا خايفة أوي يا مامي." تأخذهم أسماء في حضنها، وكلهم منهارين من قلقهم على أبوهم، وجنة ونجلاء بيحاولوا يهدوهم على قد ما يقدروا. عارف، والد فهد، كان على اتصال بأحد الأطباء المتواجدين داخل غرفة العمليات، وعلم منه أن القلب توقف وقاموا بتنشيطه، وأن هذا الأمر معتاد لديهم، ولكنهم مازالوا في إجراء العملية.
لم يخبرهم عارف بشيء حتى لا يقلقهم، فقط اكتفى بطمأنتهم، وأن الوضع مستقر بشكل كبير. بعد مرور عدة ساعات، يخرج إليهم الطبيب، ويجروا كلهم عليه والقلق باين على وشوشهم: "اهدوا يا جماعة." "العملية نجحت الحمد لله." "الف حمد لله على سلامة البشمهندس." أسماء تأخذ بناتها في حضنها، ويقعدوا يبوسوا بعض والفرحة مالية وشوشهم، والكل فرحان: "الحمد لله يارب، ألف حمد وشكر ليك يارب." هادي وهو يمسح وجهه: "يعني هو كويس يا دكتور؟ هو بخير؟
الدكتور: "الحمد لله والله، بس طبعاً هو حيفضل في العناية كام يوم لحد ما نطمن إن القلب بقى تمام." فهد: "يعني هو كويس ولا لسه في خ..طر على حياته؟ الدكتور: "إن شاء الله حيبقى كويس، بس مسألة وقت، ده قلب مفتوح يا جماعة، مالكم؟ وبعدين هو انتوا مش عاوزين تفرحوا ولا إيه؟ أسماء: "عاوزة أشوفه يا دكتور." الدكتور: "حاضر والله، كلكم حتشوفوه، بس الصبر شوية."
"صدقوني لو قلتلكم، الله أعلم إيه اللي بينه وبين ربنا، القلب وقف أكتر من مرة في العمليات، وبعد ما نقول خلاص ترجع له الحياة مرة تانية، ربنا نجاه بجد." "الف حمد الله على سلامته."
يمر يومين كاملين وهو في العناية، ومش موافقين إن حد يدخل عنده نهائي، وجنة ونجلاء بيروحوا شوية ويمشوا. وفهد بدأ يروح الشركة يطمن عالاخبار ويعمل اللي طلبه منه يونس، وهادي كان بيروح شركته أوقات قصيرة ويرجع علطول، حتى جنة تقريباً مكنش بيشوفها، وطول الوقت كلامهم في التليفون، وهي طبعاً كانت مقدرة الموقف جداً وحاسة بيه. وهو على الجانب الآخر، وعلى طلب الدكتور: "بابا، حضرتك لازم تخرج من الأوضة وتتحرك، دي أوامر الدكتور."
الأب: "مش قادر يا مراد، مش قادر." مراد: "عشان خاطري يا بابا، عشان خاطرنا كلنا يا حبيبي، إحنا عاوزينك ومحتاجينك أوي يا بابا." يبكي الأب، فيمسك مراد يده ويبوسها: "عشان خاطري، ولا انت عجّزت يا فاروق؟ يبتسم فاروق ابتسامة باهتة: "حاضر يا ابني." مراد: "حبيبي يا بابا، هات إيدك يا حبيبي، أنا حساعدك، حنخرج برة، بس ثواني وحدخلك علطول والله." يمسك بايده ويساعده يخرج من الأوضة ويتسند عليه: "اسند عليا يا حبيبي، متخافش، مش حوقعك."
فاروق: "طول ما أنا ساند عليك عمري ما حوقع، انت وأخوك سندي في الدنيا، ربنا يخليكم ويبارك فعمركم ويعوضني خير عن أخوكم يا رب العالمين، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلفني خيراً منها يارب العالمين." وفجأة تقع عينه عليه وهو يتحدث في التليفون، فيشعر وكأنما دبّت فيه الحياة مرة أخرى، يكاد أن يقع من طوله من هول ما يراه بعينه: "سليم، سليم أخوك يا مراد، سليم أهو يا مراد." مراد وهو يحاول أن يتدارك الموقف: "بابا، اهدى يا بابا."
ولكن فاروق لم يهدأ وأخذ ينادي عليه: "سليم، سليم، رد على أبوك يا سليم." كان هادي قد أنهى مكالمته وقد انتبه لهما وشعر بأن هناك خطب ما، فوجد نفسه يتحرك تلقائياً تجاههما: "خير، في حاجة محتاجين مساعدة؟ هنا أدرك فاروق أنه ليس ابنه سليم، نعم، هو يشبهه بشكل كبير، لا، ليس بشكل كبير، بل هو هو ابنه، وكأنهما توأمان، ولكن يختلف عنه بعض الشيء في الطول ولون الشعر والصوت. جلس وأخذ يبكي كطفل صغير فقد أمه، مما جعل هادي يرق لحاله:
"في حاجة يا والدي، تعباك؟ فاروق: "……" مراد: "معلش، إحنا آسفين حضرتك، بس أصل أخويا لسه متوفي من كام شهر، وحضرتك شبهه أوي، فبابا من حزنه عليه أول ما شافك افتكرك هوه." هادي: "حصل خير، وربنا يصبر قلوبكم يارب، عن إذنكم." مراد: "اتفضلوا." لكن قبل أن ينصرف هادي عنهم، كان أدهم قد أتى إليهم وهو لا يفهم ماذا يحدث، ولكن عندما رآه واقفاً تنبأ بما حدث: "خير يا مراد، ماله بابا؟ مراد: "أيوة، افتكره سليم."
أدهم: "إحنا بنعتذر لحضرتك يا أستاذ هادي." هادي: "هو حضرتك تعرفني؟ أدهم: "سمعت أخواتك وهم بينادوك، التوأم اللي شبه بعض." هادي بابتسامة: "أيوة فعلاً." أدهم: "أنا سمعت إن باباكم حيعمل عملية." هادي: "عملها، الحمد لله، بس لسه في العناية." مراد: "إن شاء الله يبقى كويس." هادي: "يارب، وربنا يكمل شفاك على خير إن شاء الله يا حاج." فاروق: "تسلم يا بني، ربنا يكمل شفاك على خير وما يوجعش قلبك على غاليه."
هادي: "ربنا يخلي لحضرتك، وربنا يصبر قلبك يارب، وتأكد إن اللي بيصبر بيكون جزاؤه كبير أوي عند ربنا، 'إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب'، وإحنا مؤمنين بربنا ولازم نرضى بقضائه وقدره." مراد: "ونعم بالله." هادي: "ربنا يخليكم ليا يارب، ويخليكوا لهم يا حج." فاروق: "ويخليك لابوك يا بني، انتوا عكازنا وسندنا في الدنيا." هادي: "وربنا يخليكم لينا، إحنا من غيركم ولا حاجة، إحنا بنقوى بيكم وبوجودكم فحياتنا، ألف سلامة عليكم."
يستأذن منهم هادي ويروح لأسماء والبنات. ويجلس مراد بجوار أبيه، ويقبل يده. فاروق: "هو أنا اتجننت خلاص يا مراد؟ بقى بيتهيألي حاجات مش موجودة؟ مراد: "لا يا بابا، متقلش كده، حضرتك شفت نفس اللي إحنا شفناه أنا وأدهم، حصلنا نفس اللي حصل لحضرتك أول ما شفناه، واستغربنا فعلاً من الشبه الكبير اللي بينه وبين سليم الله يرحمه، لكن شعره وطوله وصوته مختلفين عنه." فاروق: "صوته، صوته يا مراد." مراد: "صوت هادي." فاروق: "أيوة، هو ده."
مراد: "ماله صوته يا بابا؟ فاروق: "مش غريب عليا، حاسس إني سمعت الصوت ده قبل كده، زي ما يكون صوت حد أعرفه." أدهم: "إذا كان هو نفسه شبه أخويا يبقى حتيجي على صوته ده، انتوا مشوفتوش كمان إخواته البنات؟ مراد: "إخواته؟ أدهم: "أيوة، يا لهوي، نسخة واحدة، استحالة تعرف تفرق بينهم." مراد: "توأم يمكن؟ أدهم: "أيوة توأم، بس إيه؟ قمرين يا بني، مهلبية بالمكسرات على مارون جلاسيه، حاجة كده خيال." مراد: "انت تحفة وربنا."
فاروق: "أنا تعبان." مراد: "تعالى يا حبيبي استريح في أوضتك." يتسند عليه ويدخل أوضته تاني، وبعد ما كان بدأ يستجيب للعلاج، حالته تتدهور تاني، وكأنهم رجعوا لنقطة الصفر. وتصر جميله أنها لازم تيجي تشوف أخوها، وأنهم لو ما جابوهاش عنده، حتيجي القاهرة لوحدها، فيضطر أدهم أنه تاني يوم يروح بنها عشان يجيبها.
في اليوم التالي، وبعد ما دخل هادي ليونس واتكلم معاه واطمن عليه، وخرج لقى رنات كتير من نادية، قلق عليهم وحاول يتصل كتير على جنه وعلى نادية محدش بيرد عليه، فاستأذن من أسماء يروح يطمن عليهم بسرعة ويرجع، وهي طلبت منه يطمنها وأن شاء الله خير.
يروح هادي ناحية باب الأسانسير ويستناه يوصل، ووقتها كان بيحاول الاتصال بيهم، وأخيراً ردت عليه نادية، والأسانسير وقتها كان وصل وبابه اتفتح وخرج منه أدهم وعمته جميله، لكن هادي في نفس اللحظة وّش وشه عن الباب وبقى ظهره للباب لأنه خاف من ضياع الشبكة، وبدأ يتحرك ويمر من جنبهم وهو بيتكلم بصوت عالي: "أيوة يا ماما، في إيه يا حبيبتي؟ مبتردوش عليا ليه؟ أنا قلقت عليكم. جنة كويسة وحضرتك كويسة؟
حاضر، مسافة الطريق وحكون عندكم يا حبيبتي." صوته وهو يتحدث بالقرب منهم كان يرن في أذنها، وكأنما تستمع إلى صوته. "نعم، هو صوته، لا يمكن لي أن أنساه ما حييت، فإني باستطاعتي أن أميزه وأعرفه جيداً من بين مئات الأصوات، وبمقدوري أن أنتبه له من بين البشر جميعاً." تتجه ببصرها إلى مصدر الصوت، ولكنها لا تجد أحداً. تتلفت يميناً ويساراً وكأنما تبحث عنه. أدهم: "مالك يا عمتي؟ في حاجة حبيبتي؟ جميله: "هو يا أدهم، هو."
أدهم: "هو مين يا عمتي؟ في إيه يا حبيبتي؟ جميله: "عبد الرحمن يا أدهم، عبد الرحمن."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!