الفصل 25 | من 44 فصل

رواية احتواء قلب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم عبير سليم

المشاهدات
21
كلمة
4,810
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

ما تلك الأصوات التي تنبعث في المكان؟ فمنذ قليل كانت أصوات الموسيقى والرقص تصدح في جميع الأرجاء، والآن لا نسمع سوى أصوات عربة الإسعاف، والتي تجري في الطريق معلنة عن ضرورة إفساح الطرق أمامها، حتى لا يلحق الضرر بالمريض الذي معهم، والذين يودون اللحاق به قبل أن يصيبه مكروه.

بمجرد وقوف العربة أمام المستشفى، يهرول إليهم لفيف من الأطباء والممرضين، والذين يساعدون في حمله سريعًا إلى الداخل، وتوقيع الكشف عليه، ومن ثم تقرر وضعه في غرفة العناية المركزة، ليكون تحت الرعاية المشددة، حتى يتم استكمال بقية الفحوصات والأشعة. والجميع في حالة من الصدمة.

تجلس على المقعد وهي غير قادرة على التنفس، تشعر باختناق شديد، وبأن روحها تنسحب منها. تحاول التحدث، ولكن شهقاتها المتتالية تقف حائلًا بينها وبين التفوه بأي كلمة. أصبحت مقرحة الجفن من شدة البكاء على زوجها ورفيق عمرها. بينما كلتا الاثنتين، جنه ونجلاء، يحاولان تهدئتها والتخفيف من روعها. يحاولان بث الطمأنينة بقلبها، ولكنها تهذي كمن فقدت صوابها. ولما لا، ومن هو الآن في تلك الحالة حبيب عمرها؟

"بقاله كام يوم تعبان مش عاجبني، وأقوله شكلك تعبان يا يونس؟ يقول لي ضغط شغل، ضغط شغل. الله يخرب بيت الشغل وسنين الشغل." "اهدي يا طنط، مينفعش اللي بتعمليه ده مش حيفيد بحاجة. ادعيله ربنا ينجيه ويشفيه." "إن شاء الله حيبقى كويس، والله إن شاء الله ربنا حيقف معاه ويتم شفاه على خير." "يارب يارب، اقف معانا يا رب، ملناش غيرك. يارب اشفيهولي واشفيه لبناته اللي ملهمش غيره يارب."

"إن شاء الله، والله حيبقى بخير. تعالي معايا اتوضي وصلي وادعي ربنا." تأخذها نجلاء وجنه لكي تتوضأ وتصلي ركعتين لله، ويقعدوا في الأوضة اللي حجزهالهم هادي عشان يقعدوا براحتهم فيها. وبعد شوية، نادية تتصل عليهم عشان تطمن. تسيبها جنه مع نجلاء وتخرج برة الأوضة ترد عليها. "طمنيني يا جنه، إيه الأخبار يا حبيبتي." "في العناية يا ماما." "وأسماء عاملة إيه؟ "منهارة والله يا ماما، مبطلتش عياط من وقت ما جينا."

"يا حبيبتي ربنا يشفيه يارب ويقومهلهم بالسلامة. وهادي يا جنه؟ "هادي وفهد جوة عند الدكتور بيفهموا منه الوضع. ادعيله يا ماما." "بدعيله والله يا جنه، ده البشمهندس غالي عندي أوي وربنا العالم. ده كفاية وقفته معانا وقت اللي حصلك. ربنا يشفيه يارب ويقومه بالف سلامة لمراته وبناته. هما بناته صحيح، عرفوا إن باباهم تعبان يا جنه؟

"أيوة يا ماما، هادي كلمهم وقالوا إنهم حيحجزوا في أول طيارة وينزلوا علطول. ماما معلش حبيبتي، هادي وفهد جايين، حطمن منهم وأرجع أكلمك. مع السلامة حبيبتي." "هاه يا جماعة، طمنوني." هادي كانت عيونه محمرة من كتر العياط، لدرجة إنه رمى نفسه عالكرسي وخبى وشه بين إيديه وهو بيبكي. "هادي يا حبيبي، في إيه؟ "البشمهندس تعبان أوي يا جنه، ربنا يستر. والدكتور بيقول لازم قلب مفتوح بس لما حالته تستقر."

"لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا معاه يارب. إن شاء الله يخف يا حبيبي، إن شاء الله يبقى كويس. هادي، انت مؤمن بربنا وعارف إن ده قضاء ربنا وقدره، وإن شاء الله يبقى كويس يا حبيبي." "غصب عني يا جنه، مش قادر." تأخده جنه فحضنها ويبكي زي الأطفال.

"أنا عارفة والله غلاوته عندك، وحاسة بيك. بس حالتك دي مش حتفيده بحاجة، هو محتاجك تبقى قوي واقف على رجلك، جدار يقف قدام أي حد يحاول ينتهز فرصة تعبه ويسببلله الضرر بأي شكل. الست اللي جوة دي ليها حق عليك إنك تقويها وتطمنها وتاخد بإيديها. طب بزمتك لما تشوفك انت يا راجل عامل في نفسك كده، هي حتعمل إيه الغلبانة دي؟

أنتم اللي حتستمدوا منكم القوة عشان تبقوا كويسين، وبناته اللي كلها يوم أو اللا يومين وبيبقوا هنا، مين اللي المفروض يطمنهم وهما بنات صغيرين لسه عودهم أخضر؟ محتاجين الدعم والقوة، مش انت. انت مش دايما تقول إنهم بيعتبروك أخوهم؟

"غصب عني، مش بإيدي يا جنه، مش قادر. أتخيل للحظة واحدة إن ممكن البشمهندس ميكونش معانا. أنا عندي أموت، أروح فستين داهية، لكن هو لأ، لأ. ياريت ياخد قلبي أنا يعيش بيه، هو. يونس ده أبويا يا جنه، أبويا اللي رباني وكبرني وصرف عليا وخلاني بني آدم. عمره ما بخل عليا بحاجة ولا قصر معايا في حاجة. لولاه ما كانش حيبقى فيه هادي، ولا كان حيبقى ليه وجود من الأساس. يونس بالنسبالي مش واحد ليه فضل عليا وبس، لا والله، يونس ده روحي، ذكرياتي، حياتي، عمري كله. يا جنه، أنا مستعد أعمل أي حاجة في الدنيا بس هو يعيش، يعيش يا جنه، يعيش."

جنه وهي تمسح دموعها، وتمد يدها وتمسح دموعه هو كمان. "حيعيش، والله حيعيش. إن شاء الله، خللي ثقتك في ربنا كبيرة، أحسن الظن بربنا يا هادي." "ونعم بالله. يارب، يارب، انت الشافي، اشفيه يارب." "فهد، انت كمان بتعيط يا فهد؟ وأنا اللي بقول عليك قوي." "إحنا أقويا بيهم هما يا جنه، إحنا بنستمد قوتنا منهم هما." يلتفت ليجد أباه قادمًا نحوه. "سلام عليكم." "يردون عليه السلام ويسألهم عن يونس." "تعبان أوي يا بابا، ادعيله يا بابا."

"إن شاء الله خير يا حبيبي، ربنا حيقف جنبه إن شاء الله. يونس طول عمره طيب ومحترم، بيقف جنب الغلبان وعمره ما جه على حد ولا أخد حق مش حقه. وإن شاء الله ربنا مش حيسيبه وحيقف جنبه ويشفيه." من سار بين الناس جابرًا للخواطر، أدركته عناية الله في جوف المخاطر. سرعان ما تنتشر الأخبار على الميديا، وينتشر خبر مرضه بسرعة البرق. "شفت با باشا اللي حصل." "بس على الله ميقومش منها زي القرد." "بيقولوا إنه في العناية وحالته صعبة أوي."

"أحسن، خلينا نرتاح منه بقى. المهم قولي أخبار الشغل إيه؟ "كله تمام يا باشا." "والحفلة عملت فيها إيه؟ "اتتفقت مع المنظمين وحنظبط الدنيا، متقلقش." "خللي بالك، دي حتكون أول حفلة أعملها بعد آخر حفلة اللي حضرها كارم العمدة." "الله يرحمه بقى، وهو راح مكان ما راح. وخللينا بقى في اللي عايشين، ودول بقى مصالحهم معانا، حخليهم يجوا، متقلقش." "وانت الصادق، دي مصالحي هيا اللي معاهم. روح دلوقتي شوف شغلك وبعد كده نتكلم."

"ماشي يا باشا، عن إذنك." يرفع سماعة التليفون ويتصل عليها، وبمجرد ما تلاقي رقمه ترتعب. "ده شهاب يا أحمد." "وايه يعني، ما ترد." "أيوه يا حبيبي، أبدًا لقيت نفسي زهقانه، قلت أروح أتمشى شوية وأشتري شوية حاجات. حاضر، مش حأتأخر، سلام." "مالك مرعوبة كده ليه؟ "بحسه فاهم كل حاجة بس بيستعبط." "ههههههههه، مايفهم هو ليه عندك حاجة؟ "لأ طبعًا، ملوش عندي حاجة، بس برضه...

"مفيش برضه. وبعدين أنا محبش تجيبي سيرة راجل على لسانك وانتي معايا." "المشكلة إني مبقدرش أعمل حاجة من ورا شهاب، ودي أول مرة أكلم حد أو يكون ليا علاقة بحد من وراها." "من ورا مين؟ شهاب؟ هههههههه، شهاب ده مين اللي تعملي له حساب وانتي معايا؟ ده اوعي تكوني صدقتي شوية الحركات بتاعته دي. شهاب ده صرصار أقدر أدوس عليه بجذمتي في أي وقت وأمحيه من على وش الدنيا." "معقول؟

"ههههههه، مش بقولك مش فاهمة حاجة. وبعدين إحنا حنضيع الوقت في الكلام عن واحد زي ده؟ لاحظي إني سايب شغلي ومصالحي ومفضيلك نفسي، فمتضيعيش الوقت عالفاضي بقى. يالا قومي بقى ارقصيلي، عاوزك تدلعيني شوية وتنسيني تعب الشغل وهمه." "ههههههه، بس كده، من عيوني، ده انت تؤمرني يا باشا."

تبدأ تشغل أغنية وتتراقص أمامه وتتمايل عليه، وهو بيشرب ويدخن، لحد ما ياخدها ويدخلوا يكملوا وقتهم مع بعض. وبعد مرور وقت مش طويل، تقوم تدخل تاخد دش وتطلع تلبس هدومها عشان تمشي، فتلاقيه بيسحب شيك من الدرج وبيكتب لها مبلغ. "خدي يا قلبي." "حبيبي، مش كل مرة تديني، متحسسنيش إني جاية عشان الفلوس، أنا باجي هنا عشانك انت وعشان أريحك وأبسطك، وبس."

"وزي ما انتي بتبسطيني، أنا كمان لازم أبسطك. وبعدين ده عشان تشتري كل اللي انتي عاوزاه." وذكرى وهي تأخذ منه الشيك وتبوسه من خده. "حبيبي، منحرمش منك." "شوفي قريب." "أكيد، لما أحس إني محتاجك حكلمك." "وأنا تحت أمرك يا باشا." ذكرى ملك إشارة منك، وفجأة تشعر بألم. "اااها." "مالك، في حاجة؟ "مش عارفة، بس حسيت فجأة بألم." "ههههههه، إيه، مقدرتيش تستحملي ولا إيه؟ مع إنك بطل يعني."

"آه، أكيد. بصراحة، أصلك جامد أوي وميبانش عليك يا باشا." "طبعًا جامد، واديكي شفتي وجربتي، ولا إيه رأيك؟ "وهي دي فيها كلام يا باشا؟ ده انت شقي أوي وكل مرة بحسك بترجع شباب أكتر من المرة اللي قبلها." "وهو أنا مش شباب ولا إيه يا ذكرى؟ "الشباب شباب القلب يا باشا، وانت قلبك حديد. هههههههه." (وبينها وبين نفسها)

: "جتك خيبة، ده انت هديت حيلي عشان تتحرك، ولولا المنشطات اللي انت واخدها مكنتش عرفت حتى تطلع عالسرير. هيبة وطول وعرض وفلوس ملهاش أول من آخر، وكل ده عالفاضي. بس مش مهم، ما أنا عندي شهاب، وعدي، وبكرة يبقى فيه غيرهم كتير. المهم دلوقتي فلوسه اللي زي الرز دي. ده أنا لو ححكيله حدوتة قبل النوم معنديش مانع، ما دمت حيبقى معايا الفلوس دي كلها." "مالك سرحتي في إيه؟

"سرحت فيك طبعًا. تعرف إن نفسي ممشيش من هنا وأفضل جنبك طول الوقت." "حيحصل، ما دمتي مريحاني يبقى أكيد حيحصل." يمد يده ويفتح الدرج ويخرج علبة ويفتحها قدامه، فتبص للعلبة وتنبهرب. "الله، ده حلو أوي." "مدي إيدك وحطيه في صباعك." تلبس ذكرى الخاتم وهي منبهرة به. "ده على قدي بالظبط." "ياللا، كنت جايبه للمدام، بس مش خسارة فيكي." يحتضنها.

"يا حبيبي يا أحمد، مكنتش عارفة إني غالية عندك أوي كده. أنا مش مصدقة عنيا، معقول الخاتم ده ليا أنا؟ "وطول ما انتي حتفضلي مريحاني، حتاخدي أكتر بكتير." "وأنا معاك وتحت رجلك ورهن إشارة منك يا باشا." ……………………………………………

في اليوم التالي، يبدأ الدكتور يسمح لهم بالدخول إليه، ولكن سمح لكل واحد بخمس دقايق مش أكتر. دخلت أسماء، ودخل فهد وباباه، وجه الدور على هادي اللي مقدرش يمنع دموعه من إنها تنزل أول ما شافه في الحالة دي. قعد قدامه ومسك إيده وباسها، ويونس مد إيده ومسح له دمعة من عينه، واتكلم بصوت ضعيف. "مش عاوزك تبقى ضعيف، عاوز أشوف هادي القوي اللي مفيش حاجة ممكن تهزمه." "بالسلامة عليك يا أبويا، سلامتك يا أغلى الناس."

"الله يسلمك يا حبيبي. هادي، لو حصلي حاجة، أسماء والبنات أمانة في رقبتك." "الله يخليك، متقولش كده، حتبقى كويس والله، حتبقى كويس. حتعمل العملية وحتقوم لنا بالسلامة." "إن شاء الله يا هادي، إن شاء الله." يطلب منه الدكتور إنه يخرج. يبوسه من راسه ويخرجوا. يتصل عليه مسعد عشان يطمنوا عليه، وفضلوا يدعوا له. وييجي عمرو عشان يطمن عليه. ويمر الوقت وتبدأ حالته في الاستقرار نوعًا ما، لكنه لسه في العناية.

وبعد مرور يومين، يروح هادي المطار، وتروح معاه جنه عشان يستقبل جيلان وبيسان في المطار. واللّي أول ما شافوه تلقائيًا جروا عليه واتروا فحضنه، وفضلوا يبكوا بشدة، وهو يطبطب عليهم ويطمنهم إنه إن شاء الله حيبقى كويس. ويعرفهم على جنه ويسلموا عليها. "مبروك يا جنه." "الله يبارك فيكي حبيبتي." "إحنا مبسوطين أوي عشان أبيه هادي، انتي متعرفيش هو غالي عندنا إزاي. ولما عرفنا إنه اتجوز ومبسوط أوي، كان نفسنا أوي نشوفك ونتعرف عليكي."

"وأنا كمان والله، من كتر الحكايات اللي حكاهالي هادي عنكم خلاني نفسي أشوفكم أوي. بس أنا بصراحة متلخبطة بينكم، انتوا شبه بعض أوي. مين فيكم بقى بيسان؟ "أنا بيسان، وهي جيلان." "هادي، طب ممكن نركب ونتكلم في الطريق براحتنا؟ يأخذهم ويركبوا العربية كلهم. وبعد ما كانوا منهاريين، قدرت جنه إنها تهديهم وتطمنهم إنه حيبقى بخير. وحاولت تغير الكلام عشان تهدي الجو شوية. "طب أنا بقى دلوقتي أفرق بينكم إزاي؟

"من لون الشعر. بيسان شعرها أسود، لكن جيلان بني شوية. ده غير كمان الغمازة، بيسان عندها غمازتين، لكن جيلان عندها غمازة واحدة." "كده تمام، يبقى أنا كده حعرفكم من بعض." "شاطر يا أبيه هادي. انتي عارفة يا جنه، مكنش في حد بيعرف يفرق بيننا غير بابي ومامي وأبيه هادي بس. ودائما في المدرسة كانوا بيتتلخبطوا بيننا." "بس أنا خلاص حنضم للفريق بتاعهم. انتوا كده خلاص خلصتوا الدراسة؟

"أيوه، خلاص. إحنا بس كنا بنظبط شوية حاجات كده عشان نبقى تمام ومنحتجش نرجع تاني." "يعني مفيش سفر تاني خلاص؟ "لأ، خلاص. إحنا عاوزين نفضل مع بابي ومامي. يارب بابي يبقى كويس، أنا خايفة عليه أوي." "حيبقى كويس إن شاء الله يا حبيبتي، اطمنوا والله الدكتور طمنا عليه." يوصلوا المستشفى، وتأخذهم أسماء فحضنها ويفضلوا يبكوا وتهديهم بكل الطرق. ويسلموا على فهد ونجلاء. وبعد شوية، يسمحلهم الدكتور يدخلوا له العناية ويطمنوا عليه.

"بابي حبيبي، الف سلامة عليك يا بابي، إن شاء الله حتبقى كويس." "حمد الله على السلامة يا حبايبي. لو حصلي حاجة، خلوا بالكم من نفسكم، وخلوا بالكم من ماما." "لأ يا بابي، متقولش كده، حضرتك حتبقى كويس إن شاء الله يا بابي."

يخرجوا من عنده ويفضلوا مع مامتهم. وييجي بعض الأقارب من ناحية يونس ومن ناحية أسماء ليطمئنوا عليه، ويقعدوا شوية ويمشوا. لكن هادي وفهد كانوا معاهم، مسبوهمش ولا لحظة. وطلب هادي من جنه إنها تاخد نجلاء ويروحوا يرتاحوا شوية. وأمام ضغطهم، اضطروا يروحوا يرتاحوا ويرجعوا مرة تانية. ولكن تتوالى التليفونات على هادي من الشركة. "في إيه يا هادي؟ "كل شوية يتصلوا من الشركة." "هادي، روح شوف شغلك. واطمن، أنا معاهم، مش هاسيبهم."

"لأ يا فهد، مش هاقدر أمشي." "وانت بتعمل إيه بس دلوقتي؟ الدكاترة طمنونا وقالوا إن حالته مستقرة الحمد لله. ومدام أسماء مع بناتها، فأكيد محتاجين يبقوا مع بعض براحتهم، والبشمهندس في العناية، وأنا معاهم والله مش هاسيبهم. لكن انت روح شوف شغلك وامضي الأوراق اللي محتاجينها، وروح خد دش وغير هدومك اللي ريحتها طلعت دي." "ابتسامة." "أيوه كده، اضحك. إن شاء الله حيبقى كويس والله." "يارب يا فهد."

"بس انت صحيح مقلتليش، هو انتوا كنتوا فين لما رنينا عليكم؟ ده انت رديت بعد ما غلبتنا يا بني، وأنا أرن عليك من ناحية، ونجلاء ترن على جنه من ناحية. كنتوا بتعملوا إيه؟ هاه؟ عاوز أعرف." "كنا بنرقص سلو." "بترقصوا إيه؟ سلو؟ "أيوه يا فهد، فيها حاجة دي؟ والتليفونات بتاعتنا كانت برة بعيد عننا، ده إحنا سمعناه بالصدفة." "سلو؟ ده انتوا عالم غلابة أوي والله." "امال انتوا كنتوا بتعملوا إيه يا فالح؟

"لأ يا حبيبي، إحنا أكبر من كده بكتير. إحنا تخطينا مرحلة الحضضانة دي من زمان. إحنا كنا بنتناقش في حل مشكلة القدس." "ياراجل عليا؟ طب أنا ماشي ومش حأتأخر." "مع السلامة يا ضنايا. سلو كانوا بيرقصوا سلو. هههههههه. إيه العالم التافه دي؟ يالا كل واحد عقله مريحه."

يروح هادي الشركة ويمضي الأوراق المهمة. وهمسة تطمن منه على صحة يونس. وفعلاً يرجع الشقة وجنه تتحايل عليه ياكل أي حاجة، فيأكل حاجة بسيطة وياخد دش ويرجع بسرعة. ويطلب منها ترتاح. أسماء معاها بناتها، فمفيش داعي وجودها دلوقتي، خليهم ياخدوا راحتهم مع بعض. ويرجع تاني عالمستشفى.

وأثناء دخوله، كانت عربية الإسعاف بتقف قدام الباب، وبينزلوا منها مريض، واضح من معالم وشه إنه كبير في السن، ومعاه شابين بيجروا جنبه الممرضين وهم بيتحركوا بيه لجوة. وسمع واحد فيهم بيكلم التاني. "إن شاء الله بابا حيبقى كويس يا أدهم." هادي لنفسه: "ربنا يشفي كل مريض يارب."

بعد مرور يومين، تحسنت حالة يونس وتقرر نقله لغرفة عادية لحين إجراء العملية له. فكان الطبيب خارج مكتبه، وهادي يتحرك بين طرقات المستشفى يتجه إلى مكتب ذاك الطبيب ليطمئن على صحته بعد خروجه من العناية ودخوله غرفة عادية، فيتقابلان ويتحدثان سويا. وكان على الجانب الآخر يقفان ويتحدثان سويا عن حالة أبيهما الصحية وتدهورها بشكل سريع، وأنه لا يستطيع تجاوز صدمة وفاة أخيهما وحفيده في حادث سير، وهذا الأمر قد يؤدي بحياته.

"وبعدين يا مراد، بابا كل يوم حالته بتسوق أكتر من اليوم اللي قبله." "مش ابنه يا أدهم، وحفيده كمان. وانت عارف بابا كانت روحه فيه هو وابنه. وسبحان الله يروحوا في نفس اللحظة، الله يرحمهم. ده كان أطيب وأحن واحد فينا. يروح كده فجأة من بين إيدينا." "حنعمل إيه بس يا مراد؟ دي حكمة ربنا وده عمرهم. المهم دلوقتي بابا يتحسن ويخرج من هنا بالسلامة." وفجأة يتوقف بهما الزمن وهما يرونه وهو يقف مع الطبيب ويتحدث إليه.

"مراد، انت شايف اللي أنا شايفه؟ "مش معقول يا أدهم، هو في شبه بالشكل ده؟ سبحان الله، صحيح يخلق من الشبه أربعين." "دول فولة وانقسمت نصين زي ما بيقولوا. ده لو مكنش دفناه بإيدينا كنا قلنا إنه هو ولسه حي، واللي دفناه ده حد تاني." "خلاص يا أدهم، أخوك الله يرحمه بين إيدين ربنا. المهم دلوقتي إننا نطمن على بابا وصحته تتحسن." يسمع صوت تليفونه بيرن. "عمتك، حروح جنب الشباك أرد عليها عشان هنا مفيش شبكة."

يعدي من جنب هادي وعينه عليه، مش قادر يبعد عينه عنه من شدة الشبه اللي بينه وبين أخوهم اللي لسه متوفي. يفتح الخط. "أيوه يا عمتي، ازيك يا حبيبتي، عاملة إيه؟ "الحمد لله يا حبيبي، طمني على أبوك يا مراد، عامل إيه دلوقتي؟ "تعبان أوي والله يا عمتي، رافض كل حاجة، مفيش على لسانه غير سليم ويامن وبس. وكل شوية يقول عاوز أروح لهم."

"يا حبيبي يا أخويا، الله يصبر قلبه يارب. الضنى غالي أوي يا مراد. وهو كان بيحب سليم الله يرحمه أوي، هو وابنه الله يرحمهم يارب." "بس ده فات على وفاتهم أكتر من تلت شهور، يعني المفروض كان يبقى كويس، لكن هو مش قادر يا حبيبي يفوق ويرجع يبقى كويس." "ولو فات ألف سنة يا مراد، عمرهم ما بيتنسوا أبدا. اسألني أنا. أنا عاوزة أشوفه يا مراد، فاروق وحشني أوي، وعاوزة أشوفهم."

"حاضر يا عمتي، نطمن عليه بس، وإن شاء الله أجيبك معانا تشوفيه. هو بيحبك أوي، ويمكن لما تقعدي وتتكلمي معاه يهدى شوية." "إن شاء الله يا حبيبي، ده أبوك ده الغالي، ربنا ميحرمناش منه يارب." "ولا يحرمنا منك يا عمتي." يقفل معاها السكة، ويكون هادي رجع الغرفة يطمن على يونس، وأنه فعلا بدأت حالته تتحسن. "عمتك عاوزة تيجي تشوف بابا، قلقانة عليه أوي."

"يا حبيبتي يا عمتي، انت عارف يا مراد، أنا أوقات بحسها إنها أمي مش عمتي، من حنيتها علينا." "سبحان الله، اسم على مسمى، جميلة. وهو فعلا جميلة. ده إحنا من يوم ما وعينا على الدنيا وإحنا في حضنها. عمري ما حنسى أما ماما تعبت أوي ومكنتش بتقوم من عالسرير، وعمتي هي اللي كانت بتراعينا وتنيمنا فحضنها وتذاكر لنا دروسنا وتاكلنا بإيدها لحد ما بقت ماما كويسة وصحتها اتحسنت." "وهو في حد زي عمتك يا مراد؟

ده كفاية إخلاصها لذكرى جوزها اللي سابها وهي لسه في عز شبابها. سبحان الله يا أخي، عمري ما شفت وفاء بالشكل ده. يعني جوزها يتوفى وهي حامل، ويشاء القدر إن ابنها كمان يتوفى وهي بتولده، يعني خلاص مبقاش في حاجة تخليها تقعد. وجالها عرسان أشكال وألوان." "لحد دلوقتي لسه بيجيلها." "ماهي صراحة قمر ولا باين عليها سن. لأ، و أخوك سليم الله يرحمه كان شبهها أوي، لدرجة إن كل اللي كان يشوفه وهو صغير وهو ماشي معاها يفتكره ابنه."

"الفكرة مش كده، هي شبه أبوك أوي، وسليم الله يرحمه كان أكتر واحد فينا شبهه. فطبيعي إنك تقول عليه إنه شبهها، لكن في الحقيقة هو كان شبه أبوك أكتر." "فعلا، أبوك وأخوك وعمتك نسخة واحدة. الله يرحمك يا سليم. ومع كل ده، أصرت إنها متتجوزش تاني وتعيش على ذكرى جوزها وتقولك: أنا عاوزة اتقابل معاه هو وابننا في الجنة."

"ولا مشوار المقابر اللي لازم كل أسبوع تروحه وتفضل هناك طول النهار تحكي لجوزها وابنها كل اللي حصل وتكلمهم كأنهم سامعينها. ياااه، أنا عمري ما شفت ولا حشوف كده في الدنيا." "عشان كده مش عاوز تتجوز؟ "بصراحة، آه. نفسي ألاقي واحدة زي عمتي جميلة في إخلاصها وحنيتها وطيبة قلبها. نفسي أوي يا أدهم." "ربنا يوعدنا يا سيدي أنا وانت باتنين ولاد حلال. بس ربنا يطمنا على بابا يا مراد." "يارب يطمنا عليك يا بابا يا حبيبي، يارب."

……………………………………………….. يتحرك في المستشفى وهو يرتدي قبعة على رأسه ويخفي وجهه بنظارة سوداء حتى لا يتعرف عليه أحد. فهو شديد الحرص ألا يراه أحد ولا يعلم بدخوله عنده بأي شكل. يترقب الوضع حتى يتأكد من أنه بداخل حجرته بمفرده. فيمسك المقبض بيده ويدخل إليه ويغلق خلفه الباب سريعًا.

بينما كان هو على الطرف الآخر مغمض العينين، ولكن استشعر بوجود أحد ما بالغرفة، فسرعان ما انتبه وأدار له وجهه، بينما الآخر رفع قبعته وخلع النظارة عن عينيه لينطق باسمه في وهن وضعف. "عدي."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...