دخلوا جميعهم تحت أنظار الخدم المتعجبون من هؤلاء الأشخاص الذين يرونهم لأول مرة. يرحب بهم أدهم ومراد ويجلسونهم. بينما جلست جنة بجوار حبيبها الذي كان يرتعش من رهبة هذا اللقاء. بمجرد جلوسهم، وقعت أعين الجميع على تلك الصورة الكبيرة التي أمامهم على الحائط، صورة تجمع بين سليم وابنه يامن. وعلى تلك الصورة ذاك الشريط الأسود والذي يعني أنهما قد توفيا وفارقا الحياة.
"سبحان الله، فعلاً الخالق الناطق أنت يا هادي، ده أنتوا زي ما تكونوا توأم، الفرق بينكم حاجات بسيطة." "أوي، انجلاء." "فعلاً يا فهد، أنا لو شفت الصورة دي في أي مكان كنت من غير لحظة شك واحدة هقول إنه هادي." تخرج جلاء من غرفتها بكرسيها المتحرك. "إيه الصوت ده يا ولاد، خير إن شاء الله." يتجه نظر الجميع إليها. أما هي فقد أخذتها الدهشة لرؤية هذا الجمع الذي أمامها، الكل ينظر لها ويتساءل هل تلك المرأة هي أم هادي.
علم أدهم بما تكنه صدورهم، فأقبل سريعاً عليها يقبل رأسها ويدها ويدفع الكرسي تجاههم. "أعرفكم بست الحبايب، أمي غالية." يبتسم لها الجميع. أما هي فقد وقع بصرها على ذاك الجالس بينهم، توقف بها الزمن للحظات قليلة وصاحت وهي تشاور عليه. "سليم ابني، سليم، سليم أخوك أهوه يا مراد، سليم أخوكم عايش، يا أدهم يا حبيبي يا ابني." تدفع كرسيها نحوه سريعاً. أما هو فوجد نفسه يجلس أمامها أرضاً ويقبل يدها. ولكنها نطقتها مجدداً.
"لا، أنت مش سليم ابني، لا، أنت مين؟ أنت مين؟ وقبل أن ينطق أحد، كان فاروق يخطو خطوات على السلم وينزل إليهم. وأول من وقعت عليه عينه كان هو. "هادي، إزيك يا بني، ألف حمد الله على السلامة." يقبل عليه ويأخذه بين أحضانه. بينما هادي يبادله الحضن بأعين باكية. "كنت مستنيك تيجي زي ما وعدتني، قلبي كان حاسس إنك حتيجي، نورت البيت يا حبيبي." "أهلاً وسهلاً بيكم يا جماعة، البيت نور." "والله." "أهلاً وسهلا، البيت منور بصحابه يا حج."
"أعرفك يا غالية، ده بقى يا ستي هادي اللي أول ما شفته في المستشفى عملت زيك كده بالظبط وافتكرته سليم، وهو وعدني إنه حييجي يزورني وأديه أهو وفى بوعده." "أهلاً وسهلاً بيك يا بني، نورتنا يا حبيبي." "والله كلها نورت، أنا لو أعرف بمجيئك دي كنت فرشت الأرض ورد." "ربنا يخليك، معلش بقى جينا من غير معاد وجبت معايا أهلي كلهم عشان يشوفوكم."
"ده أنت تجيب الدنيا كلها، ده البيت نور وربنا، ده بيتك يا هادي وأهلك يشرفونا وينورونا وعلى راسنا من فوق." "شكل الحاج والدك مش كده؟ "أيوة، حج مسعد والدي، والحجة أمي، ودول أخواتي فاطمه وخديجه ورقيه، وده صاحبي فهد ودي مراته، ودي بقى تبقى جنة مراتي وماما نادية والدتها، عرفه بكل الموجودين وبجوز بنتهم." "يا أهلاً وسهلاً بيكم، عارف والله يا هادي، أنا من أول ما شفتك وأنا حسيت إنك أصلك طيب، ولما شفت أهلك دلوقتي اتأكدت من ده."
"ربنا يخليك يا حج، ده من أصلك." يعلن جرس الباب عن مجيء أحد. يذهب مراد ليتفاجأ بالأمن. "مراد باشا، في راجل بيسأل عنكم وبيقول اسمه يونس." "خليه يتفضل حالاً." يدخل يونس وهو في قمة الإحراج ويلقي عليهم التحية. فيردون عليه. لم يشعر هادي بنفسه إلا وهو يجري عليه ويلقي بنفسه بين أحضانه وهو يبكي. "اهدأ يا حبيبي، اهدأ يا هادي." "هو جاي لوحده ولا إيه؟ أمال فين البنات؟
"تصدق بالله أنت ما عندك ريحة، أنت عاوز تجلطني، يا بني أنت إيه؟ مش شايف ابن عمتك حالته عاملة إزاي وأنت كل اللي شاغلك البنات وبس؟ كل ده من عشرتك للبهايم، طيرت الحبة اللي كانوا فاضلين عندك." "الله، وأنا قلت حاجة؟ ماهي المصلحة حتبقى مشتركة، خلاص أنت الخسران، بس بعد كده متبقاش تيجي تعيط." "أدهم، الله يخليك، أبوس إيدك اسكت شوية." "خلاص أديني سكت أهوه، ناس عديمة إحساس." "اعرفك بـ بابويا التاني، بشمهندس يونس."
"أهلاً وسهلاً بحضرتك، بس أبوك التاني إزاي مش فاهم؟ هو أنت عندك كام أب يا بني؟ "أنا عندي أبين، الحج مسعد، والباشمهندس يونس." "ربنا يكتر أحبابك كمان وكمان يارب، بس أنت برضه كده حيرتني يا بني، مين فيهم أبوك اللي خلفك، الحج ولا الباشمهندس؟ "اللي خلفه لا ده ولا ده يا بابا، اللي خلفه حد تاني خالص." "ودي فزورة ولا إيه يا مراد؟
"لا يا بابا مش فزورة ولا حاجة، بص له كويس يا بابا وشوفه وهو بيتكلم واسمع صوته اللي حضرتك نفسك قلت إنك سمعته قبل كده، حس حضنه اللي حضرتك قلت إنه زي حضن المرحوم سليم بالظبط، حس كل ده يابابا وحضرتك حتعرف لوحدك، ده يبقى مين ومين هو أبوه ومين أمه كمان." فاروق يبص له بدهشة وعيونه مش مصدقة الكلام اللي بيقوله مراد واللي بيلمح ليه. "أنت بتقول إيه يا مراد؟ أنت قصدك إيه بالكلام ده؟ أنت قصدك إن هادي يبقى هو نفسه؟
لا، مش ممكن، مش معقول." يقوم عليه. وهادي يقف له وعيونه في الأرض. يمسك فاروق وجهه بيده ويرفع وجهه قصاده. "ابن جميلة وعبد الرحمن، عينيك ما تنكسرش أبداً ولا تبص لتحت، عينيك لازم تبقى مرفوعة ومرفوعة للسما، ابن عيلة حسان وعيلة خطاب اللي الدنيا كلها بتحلف بينا، راسك لازم تكون مرفوعة للسما وتناطح بيه النجوم، تعالى فحضني يا حبيبي، تعالى فحضن خالك يا فؤاد." يلتقطه في حضنه وعيونه منهمرة من شدة البكاء.
"آآآآه، آآآآه، يا حبيبي وحشتنا أوي أوي، أنا مش مصدق عينيه، مش مصدق إني شايفك قدامي، معقولة أنت ابن جميلة أختي؟ يعني أنت كنت معانا وقصاد عنينا وبنتكلم معاك وأنا نفسي خدتك فحضني ومحستش إنك من لحمي؟ آآه يا وجع قلبي، أنا عمري ما هسامح نفسي أبداً إنك كنت قريب مني أوي كده وأنا محستش بيك، إزاي، إزاي محسش بابن الغالية؟ "كلنا يا بابا، مش حضرتك بس، بس احنا كلنا معرفناهوش، بس احنا كنا حنعرف منين؟
"انتوا مش مهم تعرفوا، لكن أنا، أنا كان لازم أعرف، كان لازم أعرف لوحدي إن الشبه ده والصوت ده والنفس ده والحضن ده، لا يمكن كل ده يكون مجرد صدفة، استحالة، آآه، آآه يا غالي يا ابن الغاليين." "ما تعرفش من وقت ما عرفنا بوجودك وأنا بحلم باللحظة دي، إزاي بحلم باللحظة اللي حتدخل علية فيها، ياااه، ربنا كرييييم أوي، اللهم لك الحمد، اللهم لك الشكر، المال الحلال لازم يرجع لأصحابه، المال الحلال ميىروحش أبداً."
"والراجل الطيب ده يا بابا هو الحج مسعد اللي أخده ورعاه، والباشمهندس يونس هو اللي وقف جنبه وشجعه لحد ما بقى الأستاذ هادي، الراجل المحترم صاحب شركة والدنيا كلها بتحلف بيه وبأخلاقه." "ده شيء طبيعي يا بني، لازم الدنيا كلها تحلف بأخلاقه، هو شوية ولا إيه؟ ده ابن عبد الرحمن أشرف خلق الله وأكرمهم وأتقاهم، وأمه جميلة ست الستات كلهم، واللي الدنيا كلها بتحلف بأخلاقها وطيبة قلبها." "هي فين يا...
"خالي، انطقها يا حبيبي، قلها، الله يخليك، كفاية إني عشت العمر كله محروم منها، أنا خالك يا حبيبي، خالك فاروق." "هي فين يا خالي؟ هي فين؟ عاوز أشوفها." "أمك فوق يا حبيبي، قاعدة مستنياك، تعرف إن أبوك الله يرحمه لسه جايلها في المنام وطمنها إنك جاي وقال لها تقولك إنك وحشة أوي ويسلم لك عليه، وإنه أخيراً حيرتاح في نومته بعد ما حترجع لحضنها." "اطلع يا مراد، اطلع لـ عمتك، قل لها إن الغالي وصل بالسلامة." يطلع مراد جري عالسلم.
وكلهم قاعدين منتظرين. وغالية تسلم على هادي وتحضنه وتبوسه. "ياااه، نفس حضن سليم، ياحبيبي، أنا دلوقتي بس حاسة إنه مراحش وإنه لسه موجود بيننا." فرحة ملهاش حدود. وفاروق يشكر ربنا ومش مصدق نفسه من الفرحة ويشكر مسعد ويونس على اللي عملوه معاه. ويرحب بيهم كلهم، وخصوصاً بـ جنة مراته ويفرح أوي لما يعرف إنها حامل. أما مراد، فأول ما وصل أوضتها، أخد نفس عميق وخبط عالباب وفتحه. دخل لقاها ساجدة عالأرض وبتدعي ربنا وصوت دعائها عالي.
سلمت وبصت لمراد وهي مش عاوزة تسأله، خايفة يكون موصلش لحاجة. "تقبل الله يا عمتي." "منا ومنكم يا حبيبي، طمني وصلت لحاجة ولا لأ يا مراد." "مش أنا وأدهم وعدناكي، ووعد الحر دين عليه." "يعني لسه كتير على ما تلاقوهم؟ "لسه كتير، هو مش كتير أوي، هما بالظبط حوالي عشرين سلمه وتكوني عنده يا حبيبتي." "وتكملي إزاي؟ أنا مش فاهمة حاجة."
"إحنا وعدناكي والحمد لله ربنا قدرنا ووفقنا وقدرنا نوفي بوعدنا ليكي، فؤاد تحت يا عمتي، آه والله، فؤاد جبناه، إحنا وصلناله يا حبيبتي وجبناهولك وهو تحت مع بابا وماما، ومش هو وبس ومراته كمان، ده بقى حاجة كويسة أوي يا عمتي، ولما تشوفيه حتفتخري بيه وتفتخري إن ده ابنك." "لا، مش معقولة، مراد، أنت بتتكلم بجد؟ يا مراد ابني أنا تحت؟ ابني جه وحشوفه وحاخده فحضني؟ لا والنبي يا مراد، أوعى تكون بتهزر يا مراد." "طب أنا بهزر؟
طب عمي عبد الرحمن الله يرحمه بيهزر هو كمان؟ هو مش جالك في المنام وقال لك إنه جاي وقال لك تسلمي له عليه؟ "آيوة، آيوة." "وهو جه يا حبيبتي، جه والله العظيم جه، يللا بقى ولا أنت مش عاوزة تشوفي ابنك يا عمتي؟ "مراد، أنا مش قادرة أقوم، مراد، أنا حاسة إن رجلي مش شايلاني." "تعالي يا حبيبتي، أنا معاكي." يظبط لها الطرحة على رأسها وتتحرك معاه ومراد ماسك ايدها بيساعدها تمشي وهي حاسة إن الأرض مش شايلاها.
لحد ما يوصلوا للسلم ويكون كل اللي قاعدين وشهم ليها. أما هي فكانت بتدور عليه بين الوشوش. وهادي أول ما لمحها رجع يبكي وعبراته تنهمر على وجهه بغزارة. دقات قلبه صوتها مسموع، رعشة ايده وجسمه، قادرة تحرك الأرض تحت رجليه. بيبكي من قلبه، نفسه إنها تعرفه وتحس بيه من غير ما حد يقول لها عليه. مش قلب الأم بيحس بضناها زي ما بيقولوا. أما هيا عيونها بعدت عن كل الموجودين وراحت ناحيته هو.
في لحظة سكون جمعت بينهم هما الاتنين وعيونهم متقابلة. عيون مش باينة من لونها الذي تحول للون شمس تتوهج من حرارتها وهي بتميل نحو المغيب. نعم، إنه مغيب الأحزان وزواله. بتحاول تنطق اسمه بشفاهها المرتعشة. "فـ فـ فؤاد، ابني، فؤاد ابني." تسيب إيد مراد وتحس إنها عاوزة تطير ليه. تنزل السلم جري وعينها عليه. وقلب هادي حينخلع عليها من قلقه إنها تقع. يجري عليها وقبل ما توصل لآخر سلمة يكون لاقطها بين أحضانه.
يحضنها بقوة وبشدة وهي ماسكة فيه بكل قوتها. والكل عيونهم عليهم ومش مستوعبين اللي شايفينه وقلبهم ملهوف عليهم. أما هما فكانوا في عالم تاني لوحدهم، عالم مفيهوش غيرهم هما وبس، مش شايفين غير بعض ولا حاسين غير ببعض. "آآآه يا قلب أمك، وحشتني يا ضنايا." تتفحص وجهه وتركز في ملامحه. "أنت ابني، أيوه أنت ضنايا اللي اتحرمت منه، يا حبيبي يا ابني يا قلب أمك يا فؤاد." تتحسس وجهه بأيديها المرتعشة. تتساقط عبراته على يديها.
بينما هي تمرر يديها على كل معالم وجهه تتأمله بدقة. تختلط عبراتها بابتساماتها. تجد نفسها تقبله وتقبل كل وجهه. وأما هو فيبادلها تلك القبلات ويقبل رأسها ويمسك بيدها ويظل يقبلها. تحتضنه مرة ثانية وثالثة. تحدثه وهي بتبكي. "أنت ابني، أيوه أنت فؤاد ابني، أنا متأكدة، أيوه أنت ابني، أنت ابن عبد الرحمن، حبيب عمري." "أيوة أنا ابنك يا...
"ماما، أنا أمك يا حبيبي، أمك اللي طول عمرها محرومة من الكلمة دي، أنا أمك اللي ملهاش غيرك يا حبيبي، بقالي سنين ببكي عليك يا فؤاد، قولهالي يا فؤاد، عاوزة أسمعها منك يا ضنايا." "أنا ابنك يا ماما." تحضنه جميلة بكل قوتها. "آآآآه، آآآآه، آآآآه يا حبيبي يا ضنايا يا ابني يا عمري كله يا فؤاد يا ابن الغالي يا نور عينيه، أنا مش مصدقة نفسي، معقولة أنا فحلم ولا فعلم؟
يا ربي، يا مانت كريم يا رب، يا مانت كريم يا رب، ابني ابني يا ناس، ابني رجع يا ناس." "ابني رجع يا فاروق، ابن اختك رجع يا أخويا، غالية شفتي يا غالية شفتي ابني؟ يا غالية، آآه، آآه يا ضنايا، آه يا حبيبي، أنت ابني صح؟ أيوه أنت ابني، أنت ابني، أنا وحشتني أوي يا حبيبي، وحشتني أوي يا ضنايا." زغرد وهي بتبكي من فرحتها. زغاريد مختلطة بالآهات. "لوووولي، لوووولي." والكل بيبص لهم وهما بيبكوا عشانهم.
"تعالى فحضني يا حبيبي، عاوزة أشبع من حضنك قبل ما أروحله يا فؤادي." يحضنها هادي لكنه يتفاجأ بوقوعها من بين ايديه. "مامامقدرتش تستحمل المفاجأة، عقلها مش قادر يستوعب اللي هي فيه." الكل يقوم يجري عليهم وهو يشيلها بسرعة ويجري بيها عالسلم. وأدهم يفتح له الأوضة وهادي ينيمها عالسرير. ويجيبوا برفان ويحاولوا يفوقوها كتير لحد ما تفوق. يتنهد هادي أول ما يشوفها فتحت عينها. الكل يطمئن.
وفاروق ياخذهم ويخرجوا عشان يسيبوهم مع بعضهم شوية. تفتح عينها تلاقيه قصادها. "أنت هنا يا فؤاد ولا أنا بيتهيألي؟ "أنا هنا، أنا جنبك يا أمي." "تعالى فحضني يا حبيبي، عاوزة أشم ريحة عبد الرحمن فيك يا ضنايا." يرمي هادي نفسه فحضنها. "حاضنك حلو أوي يا فؤاد." "حضرتك اللي حاضنك حنين أوي يا أمي."
"آخر حاجة كنت ممكن أتخيلها بعد السنين دي كلها، إني أعرف إني كان مضحوك علية، عايشة فوهم فاكرة إنك رحت لابوك، تلاته وتلاتين سنة وأنا بزوركم، وأنا أداري بروح لحد ما أعرفهوش. وهو يا حبيبي كنت دايماً بشوفه فاحلامي حزين، كنت أقول يا ترى إيه اللي مزعله؟
أداريه يا حبيبي كان تعبان ومش مرتاح فنومته، وفي حتة منه تايهة، ضايعة في الشوارع، مش عارف راحت فين. بس هو كان لسه معايا في الحلم، وكان زي القمر، فكرني بيوم فرحنا وقال لي إنك جاي وإنه جايلك مخصوص عشان يستقبلك ويشوفك، وقال لي أسلم له عليك. أبوك بيحبك أوي يا بني، كان أمله في الدنيا إنه يشوفك وياخدك فحضنه، بس ربنا اختاره بدري أوي يا حبيبي، ومفيش حاجة كانت مصبراني على بعده غيرك أنت يا ضنايا. تسع شهور وأنا مستنية مجيتك، ليه
بعد الأيام بحلم باللحظة اللي حاخدك فيها فحضني. حسبي الله ونعم الوكيل منهم لله عاللي عملوه، حرموني منك ومن حضنك. عدمات الضمير، عبيد المال، كانوا خدوا اللي هما عاوزينه، مكنتش عاوزه منهم حاجة والله العظيم ما كنت عاوزه حاجة، إذا كان الغالي نفسه راح، حدور على حاجة بعده؟
أنا عمري ما نسيتك يا حبيبي، والله مانسيتك يا فؤاد، أنا عشت عمري كله وحياتي كلها وأنا بدعي ربنا إني أروحلك أنت وأبوك." "الف بعد الش. ر عنك يا أمي، ربنا يطول في عمرك يا حبيبتي يارب." "أنا الأول مكنش فارق معايا حياتي، لكن دلوقتي بعد ما شفتك، نفسي ربنا يطول في عمري لحد ما أشبع منك يا حبيبي، ولو إني عمري ما أشبع منك أبداً أبداً يا فؤاد، سامحني يا حبيبي، سامحني يا ضنايا." "أسامحك؟ أسامحك إيه بس يا أمي؟ ربنا يسامحهم هما."
"أخدوك مني عشان الفلوس؟ هبل؟ عبط؟ ما يعرفوش إنك عندي أغلى من كنوز الدنيا كلها؟ كانوا خدوا كل حاجة؟ كانوا خدوا عمري وسابوك يا حبيبي؟ ده أنا كنت مستعدة أدفع عمري كله بس أشوفك بعنيه ولو للحظة، لحظة واحدة بس." "الحمد لله يا أمي، الحمد لله إننا اتجمعنا على خير." "ياااه، يا مانت كريم يا رب، ابني معايا، ابني فحضني، أنا مش مصدقة عنيه، يا حبيبي يا ابني، وحشت أمك أوي يا... "إنت اسمك إيه صحيح؟ بينادوك بإيه يا حبيبي؟
"هادي يا أمي." "هادي، هو حلو بس لأ، فؤاد أحلى، ده هو ده الاسم اللي اختارهولك أبوك الله يرحمه." "الله يرحمه." "بيسلم عليك يا حبيبي وبيقولك إنك وحشته أوي، ياااه، لو كان عايش دلوقتي وشافك كده، أهدا الدنيا مكنتش حتساعه من الفرحة. عملوا فيك إيه يا حبيبي؟ عرفت تعيش وتكبر بين الناس إزاي؟ الناس فهمتك إيه وقالت لك عننا إيه؟ وأنت قلت علية أنا وأبوك إيه؟ أكيد كنت فاكر إنك... "اهئ اهئ اهئ."
"متبكيش يا ابني، كفاية وجع قلبي السنين دي كلها." "سامحيني يا أمي، سامحيني، غصب عني إني افتكرت فيكم كده." "وأنت ذنبك إيه يا حبيبي؟
لا أنا ولا أنت ولا أبوك لينا ذنب في حاجة، إحنا كنا مسلمين نفسنا لناس فاكرينهم أهلنا، مكنتش أعرف اللي جواهم ناحيتنا دي. يا به في صورة بني آدمين كانوا بيضحكوا في وشي ويدعولي ربنا يكمل لي على خير وهم بيدبروا وبيخططوا عشان يعملوا اللي عملوه. حرموني إني أشوفك وأنت بتكبر قدام عينيه، حرموني من كل لحظة حلوة كنت بحلم أعيشها معاك. طب أبوك ورضيت بنصيبي وقلت الله جاب الله خد الله عليه العوض، وكنت منتظرة ربنا يعوضني بيك، تقوم تروح أنت كمان؟
هو ده العدل يا ناس؟ هو ده العدل؟ "اهدي عشان خاطري، اهدي يا أمي، أنا معاكي أهوه ومش حاسيبك تبعدي عني لحظة واحدة بعد النهارده." "يا حبيبي يا ابني يا فرحة قلبي يا فرحة قلبي، ابني معايا، ابني رجعلي، اللهم لك الحمد." تمسك صورة فؤاد اللي جمبها عالكوميدينو. "ابنك رجع لحضني يا حبيبي، الأمانة رجعت، الحمد لله. شوف يا بني، شوف أبوك كان حلو إزاي." "ده أبويا." "أيوة يا بني." يمسك هادي صورته ويتأمل ملامحه وعيونه تبكي ويكلمها.
"كنتي بتحبيه أوي كده؟ "ياااه، بحبه أوي كده. أبوك ده حب عمري يا حبيبي، عيني فتحت على حبه، عشت معاه أجمل وأسعد أيام حياتي، شفت معاه أحلى دنيا، أنا لو كانوا حطوا أبوك في كفة والدنيا كلها في كفة كنت حختار أبوك. صبر معايا سنين لحد ما حملت فيك، عمره ما زعلني بكلمة، بالعكس كان هو اللي بيهون عليا ويقول لي إن شاء الله ربنا حيرزقنا، كان مخليني الكل يحبني على حبه ليا أنا. عشان أحكيلك عنه يا بني، أنا محتاجة شهور وسنين."
"و مرضيتيش تتجوزي بعد وفاته وبعد ما افتكرتي إنك أنا كمان حصلت ليه يا أمي؟ ليه؟ أنت جميلة أوي، وأكيد في ناس كتير تتمناكي، ليه ما اديتيش نفسك فرصة تعيشي الحياة من تاني وتخلفي تاني؟ "أتجوز وأعيش حياتي؟ طب وأبوك أوديه فين يا بني؟ أنا عشان كنت أتتجوز كنت لازم أبقى مخلصة للي حتجوزه، طب كنت حخلصه إزاي وأنا قلبي ومشاعري كلها مع أبوك؟ أنا لو حطوا رجالة الدنيا قدامي حختار صورة أبوك يا حبيبي."
"بس حضرتك كده حكمتي على نفسك تفضلي لوحدك العمر كله يا أمي." "مين قال كده؟ أنا عمري ما كنت لوحدي، خالك فاروق وغالية مراته وأدهم ومراد وسليم الله يرحمه طول عمرهم جنبي وحواليا وعمرهم ما حسسوني إني لوحدي. أنا مفيش حاجة كانت وجعاني غير غيابكم عني أنت وأبوك يا حبيبي، وأديك أهو رجعتلي، رجعت لأمك يا حبيبي، متسيبنيش يا ابني، متبعدش عني تاني يا حبيبي."
"عمري ما حاسيبك ولا حبعد عنك لحظة بعد النهارده، لازم أعوض نفسي وأعوضك عن سنين بعدنا وحرماننا من بعض يا أمي." تطول القعدة والكلام بينهم. تسأله وهو يجاوب عن حياته اللي فاتت وعمره اللي عدى. كان بيحكي لها وهي قلبها بيتنفض عليه من اللي حصل معاه سواء كان حلو أو لأ. مكنتش عاوزاه يقوم من قدام عنيها ولا هو قادر يبعد عنها. مرت ساعات عليهم وهما مع بعض كأنها ثواني. أما تحت فكانوا كلهم اتعرفوا على بعض والفرحة مالية قلوبهم.
وفاروق شكرهم على كل اللي عملوه مع ابنهم واتعرف على جنة مراته. وغالية قاعدة بتتكلم مع نادية ومرزوقة والبنات. الكل كان قاعد بيحكي وهو مبسوط. ويونس الفرحة مش سايعاه واتصل على أسماء وبلغها بكل اللي حصل. "طب إيه طيب؟ مش الحمد لله الدنيا بقت تمام؟ أكلمه أنا بقى دلوقتي ولا أعمل إيه؟ "يا ربي، حتشل؟ حتكلمه تقول له إيه؟ أنا عاوز أفهم. حتقول له فين بناتك؟
أصلي عاوز أتجوز واحدة فيهم. وبص يا عمي، مش حنتختلف، أديني أي واحدة على ذوقك وأنا معنديش مشكلة. أنت عاوز تجلطني يابني؟ اتهد شوية، أبوس إيدك، الله يهديك يا أدهم." "يعني بزمتك أنا أهبل عشان أقول له كده؟ "مش أنت أخويا؟ بس أيوه، أنت أهبل وتعملها."
"عارف، أنت دايماً فاهمني غلط. يا بني، أنا بتكلم عالبنتين عشان مصلحتنا إحنا الاتنين. ده أنا حاسيبك تختار أنت الأول عشان عارفك صاحب مزاج وأنا مش حختلف معاك. أم شعر أسود، ماشي، أم شعر بني، ميضرش. المهم ميروحوش بره. والحمد لله أهوه طلعنا أهل، يعني زيتنا حيبقى في دقيقنا." "ولا أنت عاوز حتتين المارون جلاسيه دول يخرجوا بره؟ "والله العظيم أنا اللي حخرجك برة دلوقتي. زيت إيه ودقيق إيه؟
إحنا حنعمل كيكة يابني، اعقل شوية. وبعدين أنت مالك بيه، حاشرني معاك ليه بس؟ أقول لك على حاجة، روح دور لك على بقرة ولا معزة ولدها يمكن تهدى شوية." "لأ، أنا بقى مش حهدى غير لما أتجوّز." "مش لما تعرف الأول أنت عاوز تتجوز مين؟ هو أنت أصلاً عارف حاجة؟ "طب بص بقى، اطلع منها أنت، ماشي؟ بس متبقاش تيجي تعيط لي بعد كده." "نعم يا أدهم." "مش كنت حضرتك قلت للمدام وللبنات ييجوا يسهروا معانا السهرة الحلوة دي؟
"جايين في السكة يا أدهم." "جايين؟ أنت بتتكلم جد؟ "ههههههه، أيوه والله، السواق جايبهم في السكة وجايين." "يامانت كريم يا رب، شكلها حتفرجي." "هو في حاجة؟ "ده في حاجات، مش حاجة. شكل الليلة حتبقى ليلتك ياواد يا أدهم، واللّيلة ليلتك يا معلم." "امشي بقى، قرفتني." يبدأ الخدم يحطوا الأكل على السفرة. "حد منكم يطلع فوق ينادي عليهم." "يالا يا مراد، اطلع." "الصبر ياربي." يطلع مراد ويخبط عليهم.
يفتح الباب يلاقيهم نايمين وهادي نايم فحضن جميلة وهي متشبثة بيه جامد. يفضل واقف باصص عليهم شوية وعينيه بتبكي من فرحتها. وبعد كده يصحيهم بالراحة ويطلب منهم ينزلوا. ينزل هادي وهو ماسك إيد جميلة وهي نازلة معاه. ويبدأ يعرفها بكل الموجودين وترحب بيهم كلهم وهي فرحانة. أما جنة فكان ليها ترحيب خاص لوحدها وكانت سعادتها بيها وبحملها ملهاش حدود. الكل اتجمع على سفرة واحدة والكل بيضحك ويهزر والفرحة مالية قلوبهم.
وبعد شوية توصل أسماء والبنات ويسلموا عليهم كلهم. وأسماء تحضن هادي وهي فرحانة بيه. أما البنات فاترموا فحضنه وهو بيبكي. "حضرتك بتعيط ليه يا ابيه هادي؟ المفروض تكون فرحان، الحمد لله لقيت أهلك الحقيقيين." "الحمد لله يا حبايبي، الحمد لله." "ياريتني كنت مكانه، آه يا بن المحظوظ." "ههههههه، الواد مخه ضرب يا ناس، حد ينجدني منه." "حضرتك حلوة أوي يا طنط، وابيه هادي شبهك أوي."
"ربنا يخليكي يا حبيبتي يارب، انتي اللي قمر ما شاء الله عليكي. قوليلي انتي مين بقى؟ "أنا بيسان." "وأنتي جيلان صح؟ "أيوة، أنا جيلان يا طنط." تبص جميلة لأدهم وتضحك وهو عينه حتطلع عليهم. "أنا قررت خلاص، أنا عاوز أتجوّز بيسان." "يا عيني عليكي يا بيسان وعلى حظك المنيل، ممكن تقولي لي إيه سر اختيارك ليها واشمعنى هي اللي نالت الحظ السعيد ده؟
"حسيتها هبلة شوية، حركتها كتير كده من ساعة ما دخلت مش قاعدة على بعضها، وأنا بحب الصنف ده، بيبقى عسل كده، يالهوي، أنا حبتها يا أدهم يا ربي، ده إحنا حنعمل عمايل. وجيلان برضو تمام وزي الفل، بس بص عاقلة إزاي؟ يا لهوي على تقلها دي تجنن الصراحة." "أدهم، احترم نفسك." "أهوه قلتش حاجة. أنا بدأنا نغير يا معلم، ده انتوا ماشاء الله عليكم لايقين على بعض أوي وشكلها كده حتجيبك على بوزك، لأ يفل الحديد إلا الحديد يا برنس."
تجمع جميل الضحكة والفرحة ماسابتهمش لحظة واحدة. اتكلموا فكل حاجة. وفاروق اتكلم مع فهد وفهد طمنه إنه حيمشي في إجراءات القضية وإثبات النسب. وطلبوا من إبراهيم وموسى محدش يجيب سيرة حاجة قدام إسماعيل لحد ما الدنيا تبقى تمام، لأنهم ميضمنوش ممكن يعمل إيه، خصوصاً إن فيه تحليل الحمض النووي DNA لازم يتعمل لأن المحكمة مش حتاخد غير بيه.
والقضية حيتفتح لها ملف ده تز.. وير في أوراق رسمية ولازم إسماعيل والدكتور يتحاسبوا على كل اللي عملوه. وفهد طمن إبراهيم وموسى إنهم حيكونوا شهود ومش حيحصل لهم أي حاجة. وإسماعيل وموسى أكدوا لهم إنهم حيشهدوا بكل حاجة. واستأذنوا ومشوا. أما الباقيين فضلوا سهرانين. ولما الأطفال بدءوا يناموا فتحولهم الأوض يناموا فيها. وفاروق حلف إن محدش حيمشي والكل حيبات خصوصاً إن اليوم التالي الجمعة إجازة يعني محدش عنده شغل.
ودي فرصة عشان يعرفوا يحتفلوا بهادي ويقضوا يوم جميل ما بين الخضرة والزرع. والخدامين جهزوا الأوض وفرشوها وكل واحد أخد اللي تبعه وطلعوا يناموا. وجنة طلبت من هادي يروح لمامته، مينفعش يبعد عنها الليلة دي وهي ومامتها حيناموا سوا. وقتها جميلة رفضت وقالت لها لاء جوزك ميبعدش عن حضنك ولا ليلة. وفضلوا يتعازموا على بعض بيه والكل بيضحك عليهم. وفي النهاية رضخ هادي لكلام جنة ونام فحضن أمه.
ولكن هل يا ترى عينيه ممكن تشوف النوم ولا حينام ويشبع نوم؟ ليلة مختلفة عن كل الليالي، ليلة ممرتش على حد فيهم قبل كده. الكل فرحان وسعيد عشان هادي لقى أهله ومطلعش زي ما كان الكل متخيل. كل واحد بيتكلم مع اللي معاه. النوم جافى كل العيون. وتقوم بيسان الفجر تفتح الفراندة وتقف تستمتع بالهوا العليل والجمال والهدوء وروائح الورد الجميلة وشعرها بيطير مع الهوا. وتكلم نفسها. "الله، هو في جمال كده؟
تلاقي اللي طالع عليها من الفراندة التانية. "في طبعاً، جمال أحلى من كده كمان، أنت يا بيسان." "يا مامي، أنت طلعت منين؟ "من الأوضة اللي جنبك يا بس بس." "ههههههه، أنت مجنون." "وأنتي خليتي فية عقل؟ لأ صحيح، ركز يا أدهم، قصدي أنت، أنت وبس يا بيسان، ما تيجي ننزل نتمشى تحت في الجنينة." "بجد؟ "طبعاً، دي حتعجبك أوي." تدخل بيسان تغير هدومها وينزلوا يتمشوا في الجنينة ويتكلموا مع بعض. ويعرف إنهم كانوا بيدرسوا برة.
وهي أول ما تعرف إنه في دكتور بيطري تضحك. "بجد دكتور بيطري؟ "هي دي حاجة تضحك؟ "لأ والله، بس تصدق فعلاً باين عليك دكتور بيطري." "باين عليا دكتور بيطري إزاي يعني؟ مش فاهم؟ هو أنت حضرتك شايفاني بنهأ؟ "ههههههه، لأ والله، مقصدش. طب خلاص متزعلش." "الله، مرجيحة، تجري تركب عليها." "أدهم بليز، ممكن تزقني؟ أنا مش بعرف." يفرح أدهم ويزقها وشعرها بيطير في الهوا وصوت ضحكاتها عالية في المكان. وأدهم اتجنن أكتر ما هو.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!