كان يد بدر سارحة، مهتاجة بفرح تأخر. أنه الوقت المثالي لقبله. فكر بدر بذلك. هدي تصرخ طالبة للنجدة بفرح، كطفلة صغيرة تنادي على والدتها لتنقذها من عراك شارع. فكر بدر: إذا أفسدت عليها تلك اللحظة لن أسامح نفسي أبداً. سأتخلى عن قبلتي من أجلها. يد بدر تحتضن هدي، جسدها ملتصق به. لن أمانع إذا قبلني الآن. بدر يستحق قبلته بجدارة. إذا لم يفعلها فهو غير راغب بي ولن أتسول اهتمامه. "من أجلك" ألف مرة.
حمل بدر العتلة الحديدية وأنهال على الجدار بكل قوة بعد أن أنهض جسده. لكن الجدار لا يملك قلباً ولا يعرف الرحمة. كانت الفوهة تتسع بصعوبة بالغة. بعد أن فشلت محاولتهم في طلب النجده بدأ اليأس يتسرب بداخلهم مرة أخرى. المجهود الذي بذلته هدي في الزعيق والصراخ أنهكها حتى أنها لم تعد قادرة على نصب طولها. بحثت عن قطعة خبز لكنها لم تجد أي طعام. قالت: "سأرقد في غرفتي، أنا متعب."
استمر بدر في ثقب الجدار، أحدث فجوة لكنها غير كافية لإخراج جسده. يده تترنح غير قادرة على ضرب الجدار، لكنه لم يتوقف عن المحاولة. حتى لو أنشأت صغيرة ستكون مرضية بالنسبة له. نهار جسد بدر تماماً حتى أنه تمدد بظهره على الأرض فارداً ذراعيه. عندما خرجت هدي وجدته فاقد للوعي وبدأ لها كأنه ميت. انحنت نحوه، جثت نبضه، كان حي لكن غير قادر على الحراك. "يموت! " صرخت هدي، بأخر ما تمتلك من قوة راحت تضرب الجدار.
شيء بسيط وتستطيع المرور من الفوهة. لكن اليد مرتعشة، الضربات غير مؤثرة. ضربة تصيب وعشرة ضربات بلا تركيز. مرت هدي نصفها من الفوهة قبل أن تفقد وعيها. فتح بدر عينيه بعد مدة طويلة، تحرك قلبه في داخله. وجد هدي ممدة في الفوهة، نصف جسدها خارج. تأمل على نفسه ونهض، جذب هدي لداخل الشقة. مرر جسده من الثقب ودلف للخارج. "سأبحث عن النجدة." قرر بدر رغم تعبه. المدينة تحت الإنشاء، الوقت عيد. العمال رحلوا.
تركض بدر بوهن بين البنايات بفرح يصرخ بطلب المساعدة. سرعان ما راح حلمه يتبدد. كلما ابتعد عن الشقة شعر باليأس. هدي تموت، تفقد روحها. واصل ركضه لمسافة بعيدة لم يجد أي شخص. الصحراء ممتدة أمامه، الشمس تجلد رأسه المترنح. أسرع بدر عائداً تجاه الشقة، حاول إنعاش هدي. كانت حية لكن لم تفتح عينيها. تمدد بدر داخل الفوهة وجذب جسد هدي خارج الشقة. "سأنقذك عزيزتي، الذنب ذنبي." حمل هدي، هبط بها درجات السلم وهو يترنح.
كانت جسدها نحيل وخفيف لكن حالته جعلته يشعر بها بثقل جبل. وصل الطريق، ليس طريق مسفلت مجرد رمال دكتها معدات الإنشاء. الرمال ساخنة أسفل قدميه. والشمس من فوقه بأشعتها النارية. "اصمدي هدي، اصمدي من أجلي، سنجد النجدة بأي لحظة." الجسد لا يتحمل أكثر من طاقته. هناك لحظة يرفض فيها المقاومة. سقط بدر وسقطت هدي من فوق كتفه. ابتلع بلعوم بدر رمال ساخنة جعلته يسعل سعال جاف محرق.
أنهض جسده مرة أخرى، وقف، حاول حمل هدي فوق ظهره لكنه لم يستطع رفعها. قبض على ذراعيها جذبها على الدرب الرملي خلفه. عشرة أمتار، عشرين متر. كل خطوة معركة، كل رفعة قدم تحتاج مجهود خارق. إلى جوار صخرة صغيرة سقط بدر فوق جسد هدي، ولا حركة، غير قادر على تحريك أطرافه. أنفاس هدي تتصاعد بضعف. زحزح بدر جسده عن هدي، رقد إلى جوارها بلا حراك. صرخ: "النجدة؟ صوت ضعيف لم تسمعه إلا هدي الغير قادرة على فتح فمها. ما الحب؟
الحب لا شيء إذا كان سيدمرنا. الحب ابتكار القلوب المهملة التي لم تجد الاهتمام في المكان الصحيح. فبحثت عنه بين أطنان الوسخ والقذارة. شمس أغسطس تغلي من الغيظ، تتسلق جسدين بشريين غير قادرين على الحركة. استسلم بدر، أغمض عينيه، لكنه لم يجد السلام الذي كان يبحث عنه. أليس من حق كل إنسان بعد تلك المعاناة التي لا تنتهي مع الحياة أن يجد السلام حتى ولو للحظة واحدة؟
انحرفت الشمس تجاه الغرب، راحت تتسحب بلؤم خلف البنايات تاركة لليل فرصته بأكل ما تبقى من حبات النهار. نباح كلب وحيد سمعه بدر الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة قادم من بعيد. اقترب النباح لكنه أصبح أكثر صخب وتعدد. جث بدر نبض هدي، رحلت، ماتت، صعدت روحها، توفيت، انتهت، خلصت. ماذا يعني ذلك؟ الموت. وضع بدر يده تحت جسد هدي، بأخر ما يملك من قوة وضع رأسها فوق صدره. شعرها غطى وجهه. أغمض عينيه في وداع أبدي لنهار الحياة. وليمة الكلاب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!