لم تستوعب مكية ما السبب الذي حدث ليحيى، تراه يتشنج حتى استكان جسده. رمشت بعينيها وهتفت بقلق: "آآ.. يا دكتور." ثم مالت على ركبتيها وأدركت ماذا تفعل كأسعافات أولية لحالات التشنج. بدأت في فرد جسده، ثم فكت زرين من أزرار قميصه، وخلعت نظارته الطبية وساعته والحظاظة التي دائمًا يرتديها. لتحريك جسده بلطف على جانب واحد لمساعدته على التنفس. وبدأت تربت على كتفه برفق كأنها تطمئنه.
همست لنفسها: "طب أنا دلوقتي أمشي ولا أقعد لحد ما يفوّق؟ تنهدت بهدوء بعد أن حسمت أمرها بالبقاء. فربعت ساقيها وجلست تنظر له. خلف كل هذا البرود والاستفزاز، هذا الضعف. لم تدري بالربع ساعة التي مرت، علمت بأنه نائم من انتظام أنفاسه. نهضت وتوجهت بقدميها إلى غرفة نومها، فأمسكت بزجاجة عطر. ثم خرجت من الغرفة ورشت القليل على راحة كفها وقربته من أنف يحيى. ولكن لم يستجيب لها أو يحدث أي حركة.
فوضعت الزجاجة جانبًا وقربت أصبعيها وضغطت عظمة أنفه، ولكنه لم يفق أيضًا. فهمست لنفسها بقلق: "يارب أعمل إيه؟ .. يا دكتور فوق." أعادت مكية جسد يحيى نائمًا على ظهره، ونهضت. ثم أمسكته من قدميه بصعوبة. أردفت بنبرة جدية: "لازم أفوقك." حاولت رفع قدميه وجاهدت بصعوبة بالغة لتصعد على الأريكة وهي مستمرة بالإمساك بقدميه. لتكون وضعية يحيى بأن ساقيه مرفوعة لأعلى وصدره إلى رأسه في الأرض.
ثم ثبتت ساقيه على الأريكة وعادت لتجلس على الأرض. نظرت له مكية وحول رأسها علامات استفهام كثيرة. رفعت كف يدها لتنظر بالساعة، وجدتها قد أوشكت على العاشرة والنصف. غمغمت بقلق: "آهلي زمانهم قلقانين عليا." شعر يحيى بثقل برأسه ليفتح عينيه ويغلقهما بألم. لاحظته مكية فأمسكت بزجاجة العطر ورشت مجددًا على إصبعها وقربته من أنفه. فأبعد رأسه بألم وفتح مقلتيه لتظهر رماديتها. همست مكية بتوتر: "آآ.. حضرتك كويس؟
حاول يحيى تذكر ما حدث ولكنه فشل. فرك في مقلتيه وقال بتساؤل عندما رأى ساقيه موضوعة على الأريكة: "إنتي إيه اللي عملتيه ده؟ فأعتدل وجلس بالأرض متكئًا على طرف الأريكة. واصلت مكية الحديث بخجل ممزوج بجدية: "لما أغمى عليك كنت بحاول أفوقك.. وكل الطرق فشلت فأضطريت أن أرفع رجليك عشان الدم ينزل على راسك وتفوق." مسح يحيى على ذقنه ثم قال بنبرة جادة: "طب قبل ما يغمى عليا عملتلك حاجة؟ رمقته بعدم فهم وردت عليه بحيرة: "حاجة زي إيه؟
حدق بوجهه وقال بنفاذ صبر: "يعني أنا لما دخلت البيت كنت بلهلفط في كلام وبتزّق وبعدين اتشنجت وأغمى عليا.. في حاجة تانية عملتها فيكي إنتي عشان أنا مش فاكر حاجة خالص." هزت مكية رأسها بحيرة أكبر من هذا الحديث فقالت بنفي قاطع: "لأ مافيش حاجة تانية غير اللي قولته." ضم يحيى ساقًا واحدة لصدره والأخرى مفرودة على الأرض
وهز رأسه ثم قال بهدوء: "متشكر لتعبك بس كان مفروض إنك تمشي.. النوبة لما بتجيلي بعد ما يغمى عليا بتقلب بنوم.. كنت هفوق بعدين.. اتفضلي امشي زمان أهلك قلقانين عليكي. أنا هبقى أخلي طلباتي كلها في النهار." أومأت مكية برأسها وأردفت بجدية: "أنا عملتلك كل اللي قولته." رد يحيى عليها بنبرة فاترة: "إنتي بتدرسي في طب؟ ابتسمت مكية وهزت رأسها بنفي وقالت بهدوء: "تمريض.. مجموعي ماجبش طب." استنشق يحيى هواء وزفره
على مهل ثم قال بشرود: "هتخلي الواحد يشتهي المرض." لم تستوعب مكية جملته فهتفت بابتسامة: "نعم! تدارك يحيى ما قاله ليتابع بجدية مغيراً للموضوع: "أمشي عشان أهلك ميقلقوش عليكي أكتر من كده.. ومحدش يرمي عليكي الكلام إنك جاية بيتك متأخر." نهضت مكية من الأرض والابتسامة لم تفارق وجهها لتلتقط حقيبتها وأدارت جسدها. ولكن التفتت له وقالت بهشاشة: "حمد لله على سلامتك." أشار يحيى على الوردة
الموضوعة أسفل أذنها بغيظ: "مابحبش حد يقطف الورد بس عشان حلوة عليكي أنا مسامح فيها." وكأن مكية أول مرة لها في الحياة تسمع كلام جميل لها مما سبب لها الصدمة. فتابع يحيى برفع إصبعه وأشار على الباب بسخرية: "أهلك هيولعوا فيكي." اقتربت مكية من الباب وفتحته بهدوء وخرجت بعد أن أغلقته بسعادة جلية. حتى أنها لم تدلف بالمصعد وركضت على السلالم بفرحة. وعندما فتحت باب شقتها امتعض وجهها وتوقفت بجمود. صرخت بها هالة بغضب: "كنتي فين؟
هو مش الكورس يخلص الساعة تمانية؟ كنتي فين كل الوقت ده؟ ابتلعت لعابها بتوتر وردت بتعلثم: "آآ.. كانت أخر محاضرة عشان كده الدكتور أخر." تابع أشرف الصراخ بصرامة: "اسمعي يا مكية.. مافيش كورسات تنمية بشرية تاني.. ركزي في كليتك وبس." أومأت رأسها بموافقة ولم تقل أي كلمة أخرى تجنباً لسؤالها. ثم أكملت مودة باستفزاز: "امال جاية منشكحة والابتسامة من الودن للودن ليه؟ ابتسمت مكية مجددًا بعد أن
تذكرت اليوم وقالت بفرحة: "أصل الدكتور أدانى positive energy (طاقة إيجابية) . كانت حصة جميلة بشكل.. عن إذنكم بقى هروح أحضر حالي لأول يوم ليا بجامعة الإسكندرية بكرة.. تصبحوا على خير." أوقفتها هالة بأمر: "استني كلي حاجة طيب." أردفت مكية بفرحة وقالت بحماس: "هغير هدومي وأنا هحضر بيض وجبنة." ثم توجهت لغرفتها تحت نظرات التعجب من أسرتها.
بعد فترة خرجت ببيجامة جميلة وأعدت الطعام وتناولته مع شقيقتها مريم التي أصرت على انتظارها. وبعد انتهائها كانت ستدلف لغرفتها. أوقفتها مودة وأرادت استفزازها كما اعتادت بقول: "بقولك." لمست مكية على وجنة شقيقتها وقاطعتها بابتسامة: "أنا فرحانة يا مودة ومش عاوزة حاجة تعكنن عليا مودي.. يلا تصبحوا على خير." نبشت مودة الوردة من رأس أختها بسخرية: "مين جبهالك دي؟ حدجتها
مكية بغضب ثم قالت بضيق: "كلامك بيلمح لحاجة يا مودة وأنا مش عايزة أتعصب عليكي.. هاتي الوردة." أخذتها منها ثم دلفت لغرفتها وأغلقت الباب خلفها بابتسامة. ونظرت لنفسها بالمرآة. وضعت الزهرة مكانها ثم تذكرت جملته: "هتخلي الواحد يشتهي المرض." همست لنفسها بالمرآة: "أول مرة في حياتي كلها حد يقولي كده.. يالهوي.. بس.. بس يا مكية عيب كده ماينفعش." فبدأت بالرقص والقفز على الأرضية بسعادة.
كان يحيى ممددًا على الفراش مستمعًا لصوت القفز من مكية. فنطق بسخرية ناظرًا للسقف: "أنا اللي جبته لنفسي إني أسكن تحت.. بس كل ده الصبح هيطلع عليكي." أدار جسده ووضع الوسادة فوق رأسه وحاول النوم. في الصباح استيقظ يحيى على صوت هاتفه. التقطه من فوق الكوميدينو وأجاب بحشرجة: "نعم يا بابا." هتف عاصم بنبرة غاضبة: "أنا مش قوللتلك لازم تبات في الڤيلا." اعتدل يحيى ثم
فرك في عينيه وتابع بضيق: "يا بابا أنا لسه صاحي من النوم ومش مظبط الكلام. لما أفوق هبقى أكلمك سلام." أغلق هاتفه وألقاه على الفراش ثم توجه للحمام. ولكن لاحظ بأن السقف يقطر قطرات مياه. جز على أسنانه بوعيد: "الله عليكي يا مكية وعلى اللي هيحصلك مني.. كان نفسي أكون محترم معاكي بس بتصرفاتك دي بتستفزي البلطجي اللي جوايا." ثم اغتسل وخرج من شقته بملابسه المنزلية بنطال وتيشرت أخضر. ليقوم بشراء شيء ويعود مجددًا إلى شقته.
بالشقة التي فوقه استعدت الفتاتين بالذهاب إلى مدرستهن وسبقهم أشرف. أما مكية عندما أيقظتها والدتها تحدثت بنوم: "المحاضرة الساعة ١٢ يا ماما لسه قدامي كتير. ودلوقتي الساعة ٧ ونص.. هنام شوية." ربتت على شعرها وردت عليها بنبرة جدية: "ابقي حضري الفطار مع نفسك يا مكية.. أنا رايحة بيت جدك." فتحت مكية مقلتيها وقالت بقلق: "دلوقتي.. في حاجة حصلت؟ أومأت هالة
رأسها ونطقت بحزن خفيف: "جدك تعبان وجدتك مشحتفة نفسها من العياط. هروح أشوفهم." فركت مكية في عينيها وهمست بهدوء: "سلميلي عليهم.. والف سلامة عليه." عاودت هالة النظر لها بتوجس ثم استطردت بحذر: "إيه رأيك تيجي معايا وبالمرة أبقى أمشي مع ندى بنت خالك." رمقتها مكية بضيق وقالت لها بهدوء قاتم: "لأ يا ماما أنا هنام شوية وبعد كده هروح الجامعة أنا وتسنيم صحبتي. ومن فضلك ماتضغطيش عليا."
أومأت برأسها وخرجت من غرفتها ومن الشقة بالكامل. نهضت مكية لأنها علمت بذهاب النوم من عينيها. اغتسلت وتوضأت وصلت وهمت بتناول فطورها. سمعت رنين الجرس اعتقدت بأن والدتها نست شيئًا. فتحت الباب لتتفاجأ بيحيى ينظر لها ببرود. رمشت مكية وأردفت بدهشة: "في حاجة؟ رفع يحيى حاجبه ثم ربع ذراعيه واستأنف بسخرية: "الاتفاق." لوت فمها بضيق ثم نطقت بعدم صبر: "أفندم.. أحضرلك الفطار؟ ابتسم بسخط
ورد عليها بنفس نبرتها: "العفو.. الحمام بتاعكم بينقط مية على الحمام بتاعي." رمقته بحدة وكانت سترد عليه ولكنه كان الأسرع بالهتاف بحدة: "مش مصدقاني صح؟ .. أنا هوريكي إذا كنت كداب ولا لأ.. تعالي." ثم أمسكها من رسغها وجذبها. هتفت به بغضب: "استنى.. إنت بتعمل إيه.. الباب هيتقفل ومش هعرف أدخل." ترك يحيى رسغها وقام بخلع التيشرت الخاصته لتشهق مكية وتضع كفيها على وجهها عندما رأته عاري الصدر.
تابع يحيى وضعه عند الباب وأغلق عليه فيسهل لها فتحه عند عودتها. أمسكها مجددًا ونزل بها إلى طابقه ودلف للداخل وهي تعترض ولكن لم تستطع الفرار. رفع رأسها لسقف الحمام وقال بغضب: "أنا كده كداب.. لا بقولك إيه فتحي عيونك دي." صاحت مكية بخجل وحدة في آن واحد: "البس أي حاجة عيب كده." التقط بيده البورنس وارتداه وقال بأمر: "شايفة السلم ده والرولة دي والجردل ده." نظرت مكية لترى فعلاً بسلم حديدي وفرشة وجردل محتوي بالدهان.
فعاودت النظر له بتساؤل ليرد عليها ببرود: "هتدهني السقف حاجة سهلة يلا بسرعة." وهم بالخروج أمسكت رسغه وقالت بحدة خفيفة: "ليه إن شاء الله.. أنا هبقى أقول لبابا يجيب سباك لكن ماليش في حمامك." أفلت يدها وخرج ثم قال باستفزاز عندما قلدها: "موافقة يا دكتور على الاتفاق .. وده وعد مني.. اشربي بقى." توجه يحيى لغرفته وقام بارتداء ملابس للعمل.
لم يتأخر في الوقت وعندما انتهى عاد إليها ليجدها واقفة على السلم بحرص شديد ويد ممسكة به واليد الأخرى تقوم بطلاء السقف. لم يمنع هذا من بعض القطرات التي على وجهها. سمعت تصفيق يحيى وصوته الساخر: "براڤو أنتي كده شاطرة كملي باقي السقف عشان أنا خارج للشغل." نظرت له من الأعلى ورأته مرتدي ملابسه الأنيقة وعيناه الرمادية. فقالت بتهكم: "يعني أنت عندك شغل وأنا اللي ما عندي جامعة مثلا؟! مد لها يده الممسكة بالمفتاح ووضعه على
الحوض ثم أجابها باستفزاز: "أنا لسه ما فطرتش ممكن آمرك بكده.. بس كفاية عليكي ده.. سلام يا بازوريكسيا." امتعض وجهها بعدم فهم ثم قالت بحيرة: "بازوريكسيا!! يعني إيه؟ أنت بتشتمني؟ رفع يديه للأعلى بسخرية وأردف بتهكم: "أنا ماشي وإياكي ثم إياكي تفتحي نت هعرف." خرج أمام أعينها لتهتف بحنق: "مُستفز هو فاكر نفسه اشترياني عشان حتة اتفاق.. بس أنا الغبية." ثم استأنفت عملها بدهان السقف حتى انتهت ونظفت المكان.
وقبل أن تخرج رأت الزهور الكثيرة الجميلة. قطفت واحدة وهمست باستخفاف: "سوري بقى يا يحيى." وخرجت وأغلقت الباب خلفها بالمفتاح وصعدت مجددًا للشقة. ابتسمت عند رؤية التيشرت الخاص به. ففتحت الباب وأخذته ودلفت للداخل وتابعت حتى غرفتها. طبقته ووضعته بجانب القميص الأول. أردفت مكية بسعادة: "جنب أخوك يا حبيبي." أغلقت الدرج أسفل الدولاب ونظرت لنفسها بالمرآة وهمست بعشم: "هو ممكن يعني إنه يحبني؟ ثم هزت رأسها وأيقظت نفسها من الأحلام
الوردية قائلة بتنهيدة: "فوقي يا مكية الفرق بينكم كبير أوي.. إيه اللي يجبره إنه يحب ويتجوز واحدة زيي.. ده عيونه ملونة وشكله حلو لازم ياخد واحدة شبهه." ابتسمت بشرود ثم تذكرت أثر حرق نار على صدره. فرأته المرة الأولى عندما خلع قميصه وغير لجرحه. مادت شفتيها بفضول كأنها تريد معرفة السبب. ثم استعدت لتغير ثيابها لتذهب لجامعتها. ثم ذهبت مع رفيقتها الوحيدة. في مزرعة (عاصم القاضي) عندما وصل يحيى وبخه والده لعدم مبيته في الڤيلا.
ولكنه لم يعبأ وغير مجرى الحديث على لطفي ليتفقوا جميعهم على الاكتفاء بطرده من المزرعة وأمروا الحراس بعدم دخوله. ثم أكمل كل منهم عمله بالمزرعة والتفقد بها. صف في سيارته وترجل منها مستعدًا للدخول. ولكن منعه أفراد الأمن قائل بجدية: "ممنوع حضرتك تدخل دي أوامر عاصم باشا." رمقه لطفي بغضب ثم هدر به بإنكار: "إنت اتجننت إزاي تكلمني كده.. ده أنا هخرب بيتكم." تكلم الآخر بلهجة حادة نسبياً
وأعاق حركته: "زي ما سمعت.. عاصم باشا أمرني بكده وأحنا كلنا بنشتغل عند عاصم باشا." يصرخ لطفي بحنق ثم لكز الشاب بحدة لكي يدخل. ولم يزيدهم إلا إصرارًا على منعه. بادر لطفي بالصراخ والسب واللعن عليهم. ليخرج عاصم ويحيى وفارس على أثر الصوت العالي. هتف عاصم بغضب: "إيه الصوت العالي ده؟ ركض لطفي إليه وقال بحزن مصطنع: "رجالتك عاوزين يمنعوني يا عاصم يا أخويا."
تكلم يحيى بنبرة برود: "دي حقيقة يا عمي.. إنت مش هتدخل هنا تاني.. بعد ما عرفنا المواد المسرطنة اللي بتدخلها على الزرع من ورانا." تابع عاصم بتأييد للرأي: "أنا عملت حساب لعضم التربة وما بلغتش عنك اكتفيت بطردك من المزارع بس." استمع لطفي لهم والشرر يتطاير من مقلتيه. وكان سيكمل صياحه. أوقفه يحيى بأمر: "نورت يا عمي.. بـــراااجز." على أسنانه وكان سيرد. فأسرع عاصم بالحديث: "سلام يا لطفي."
ابتسم لهم باستفزاز ثم استقل سيارته وأنطلق مسرعًا. ليضرب بيديه على مقود السيارة وصاح بغضب ممزوج بوعيد: "والله فلوسك يا عاصم لأخدها منك ومن يحيى.. والله لأقتلك." أردف فارس بابتسامة عريضة: "وقطعنا جذور الشجر." جلس يحيى بجواره وتابع بتساؤل: "نتائج التحليل اللي خدتهم الشرطة لسه ما ظهرتش؟ أومأ فارس بابتسامته الراضية: "شوية أنا هروح بنفسي وأشوفها.. خف أنت على الدكتور." رمقه يحيى بغضب وأستعد لسبه.
فأوقفه عاصم بحدة: "أنا عاوز أعرف أنت ليه مُصر تبات برا الڤيلا.. يابني أنا خايف عليك لاحسن النوبة تجيلك وتكون لوحدك." ابتسم يحيى وشرد قليلاً بليلة أمس ثم قال: "بتدبر يا بابا.. ماتشلش إنت هم." نظر لفارس بضيق ثم خبط كف على آخر وخرج من المكتب وتمتم على مضض: "أنا ماشي." خبط فارس على كتف يحيى بمزاح: "إيه الحكاية." هز يحيى رأسه بشرود ثم قال بعزم: "أنا اللي هروح أشوف التقارير.. سلام يا فارس."
ثم سار في خطوات أمام أعين فارس المندهش. أسرع يحيى باستقلال سيارته ثم شرد قليلاً. *فـــــلاش بـــــــاك* بعد انتهاء يحيى من إلقاء المحاضرة توجه إلى المكان الذي يؤلمه ويعمل شرخ بقلبه. المكان الذي تربى ونشأ على كره. جلس على سيارته وأستمر بالنظر على الأرض بتركيز منذ خمسة عشر سنة. دائم الذهاب إليه لا يذهب أسبوع إلا وكان قد زاره. شرد يحيى بثقل ثم أحس بصداع رهيب في رأسه.
أدرك بأنه سيخوض بالنوبة فأدار سيارته وتوجه بصعوبة إلى بيته. وأغمي عليه لتكمل مكية إفاقته. *بــــــــاك* زفر يحيى بثقل وهمس لنفسه بكره: "ربنا ينتقم منكم." وصلت مكية بالجامعة وسط استقبال حافل بينها وبين الطلاب. وطمعهم مهللين لها ومبتسمين. الكثير طلب التقاط صورة معها. بعد السلام والتهاني جلست مكية هي ورفيقتها تسنيم. التي حدثتها بدهشة: "ياسمين صبري يا ناس." ابتسمت مكية بحزن ثم قالت بهدوء: "أنا فين وياسمين صبري فين."
آآآآآآآآآآآآآ قطعت مكية فتاة أخرى بابتسامة مشرقة: "أنا بعشقك جدا ونفسي أتصور معاكي." اعتدلت مكية وردت عليها بحبور: "ده شرف ليا يا حبيبتي.. إنتي اسمك إيه بقى." أجابتها الفتاة بمثل ابتسامتها: "ماريا ألكسندر ومعاكي في الدفعة." ثم أخرجت هاتفها والتقطت معها صور. لتتحدث تسنيم بابتسامة: "الحمد لله ربنا بعتك لينا.. إحنا بقى مانعرفش حاجة خالص هنا." جلست بجوارهم ماريا وردت بابتهاج: "ما تقلقوش هقولكم على كل حاجة."
دققت مكية النظر بها ثم قالت بتلقائية: "إنتي قمر يا ماريا." أراحت ظهرها للخلف لتقول بمزاح: "عشان ماما إسبانية." حدقت الفتاتين بها بصدمة لتكمل ماريا بجدية: "اتصدمتوا ليه بابا مصري اتجوز ماما وهي إسبانية بس عاوزين الحق أنا عمري ماروحت إسبانيا ولا حتى أعرف أتكلم إسباني غير بسيط جدا.. يلا بقى نتصور أصل أنا مجنونة سيلفي." في الطريق توقف يحيى عن القيادة عندما رأى طفل تخطى العامان جالس يبكي. ترجل من سيارته واقترب من الطفل
لينحني له ويطمأنه بهدوء: "اهدأ يا حبيبي.. هجبلك ماما وبابا؟ آجهش الطفل بالبكاء وظل يردد بصياح: "بابا." حمله يحيى وتساؤل بفضول وهو يحرك رأسه للجانبين: "أيوه يعني بابا سابك هنا وراح مكان مثلا يشتري حاجة؟ ثم عاود النظر عليه وبدأ يفتش بجيوبه وقال بضيق: "مافيش رقم موبايل ولا أي حاجة أعرف أتواصل مع أهلك بيها. حطوها في جيبك.. إزاي يسيبوك كده هما فاكرين العيال لعبة ولا حاجة منتهية الصلاحية عشان يرموك بالشكل ده. وآآ...
إيه ده؟ لمح يحيى بحظاظة رمادية ملتفة مرتين حول رسغ الطفل. قرب يده الصغيرة ليتأكد مما جعله ينصدم. زادت صدمته عندما سمع صوت يصرخ خلفه بحدة: "بدر.. يا بدر." تلقائياً التفت يحيى لذلك الصوت. كان سيف يهرول لهم ثم أخذ ابنه وقال وهو يلهث: "بدر حبيبي.. كنت فين وجيت." آآآآآآآآ لاحظ يحيى للتو فهتف بإنكار: "إنت!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!