الفصل 15 | من 41 فصل

رواية أقبلني كما أنا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم فاطمة الزهراء

المشاهدات
20
كلمة
4,615
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 37%
حجم الخط: 18

بعد مشاجرة ورحيل يوسف، جلس سيف على المقعد بغضب. ظل ينفث أنفاسه بعدم اتزان، وهمس لنفسه بشرود: "أنا كنت فاكر لما هبعد عن علوية والضرب اللي بيحصل في الدار هرتاح، بس إزاي أرتاح وصاحبي بعيد عني." وضع سيف كفيه فوق رأسه وتابع بتأكيد: "مستحيل ما يكونش بدر.. كل الصفات اللي كانت في بدر دلوقتي موجودة في يحيى.. طب ليه رافض إنه حتى يسلم عليا.. معقول يكون زعلان؟ نفض سيف رأسه عند سماعه صوت ممرض يطرق على الباب. "أدخل."

فتح الممرض الباب وتحدث بهدوء ناظراً إليه: "دكتور سيف.. حضرتك في مرضى منتظرينك برا." أومأ رأسه ورد عليه بنبرة جدية: "أنا جاي." نهض سيف ليذهب ويعمل لمهنته التي أقسم أن ينجح بها. *** (بداخل المبنى) أستقصى يحيى قليلاً عندما رأى مكية. أقترب منها بقلق. "آه لو سمحتوا أخرجوا برا.. أنا هتصرف." لم يهتم بحديثها فأقترب منها مجدداً. "أنا كويسة.. ديما بتحصلي.. لو سمحتوا أطلعوا برا."

أمرهم يحيى بالخروج، ثم نظر لها نظرة أخيرة وخرج، صافق الباب خلفه بهدوء. لم يتوقع بأن ذلك المزاح الغير مقصود سيسبب لها الألم المبرح. تنهد بقلق لها. تناسى الشباب أمر مكية وبدأوا بالحديث والصياح بالمرح. خرجت مكية تجفف وجهها المبلل بكمها. توجهت إلى الغرفة التي تنام بها هي والفتيات. أختلس يحيى النظر إليها وتسلل بدون معرفة الشباب ودلف لغرفتها. وجدها ممددة على الفراش بألم بسيط. لم تلاحظ به حتى وجدته جالساً بجوارها.

"أنت دخلت هنا إزاي؟ رفع يحيى حاجبيه بدهشة وقال بنبرة ساخرة: "دخلت من الباب." لم يدع لها الفرصة للحديث ليتابع القول بتنهيدة أسفة: "أنا ما كنتش فاكر إني لما أغصب عليكي تاكلي بطنك هتوجعك؟ .. انتي دلوقتي عاملة إيه؟ لسة حاسة بوجع؟ أتكت مكية على الحائط وردت بهدوء مصطنع: "أنا كويسة.. معدتي ما بتحملش العك في الأكل." أستهزأ يحيى في لهجته: "وهو في حد بيطبخ خيار ببصل.. طبيعي يحصلك تلبك."

رمقته مكية بحنق ثم أشاحت وجهها. الجانب الآخر، قرب كفه منها وأدار وجهها إليه. أمتدت أصابعه لمس بأصابعه الغليظة على وحمتها. خجلت مكية وشعرت بأنه سيشمئز منها لتتجمع العبرات بمقلتيها. ثم ابعدت أصابعه وقالت بحزن: "بلاش.. أحسن.. أحسن تقرف." يحيى أزرار قميصه، الأمر الذي سبب لمكية الخجل. ووضعت كفيها على عينيها ونطقت بتعلثم: "إيه اللي أنت بتعمله ده؟ أبعد يدها ووضعها على أثر حرق النار الذي على صدره وهمس لها:

"أنتي في يوم هتقرفي من ده؟ هزت مكية رأسها فوراً بالنفي. ليغمز لها. بينما هي حدقت في عينيه الرماديتين بابتسامة خجولة وقالت بتوتر ملحوظ: "ممكن أسألك سؤال تاني وشخصي برضو؟ أغلق أزرار قميصه وتحدث بمزاح: "سؤال شخصي أكتر من كده إزاي؟ تنهدت مكية ونطقت بتريث كبير: "حرق النار ده من إيه؟ تجمد وجه يحيى وأختفت ابتسامته. فأسرعت مكية بالقول: "بلاش.. مش لازم أعرف.." أستأثر حديثها بالأسراع بقول:

"أبويا وأمي كانوا هيحرقوني.. تخيلي الكلاب تطلع أحن منهم عليا. المكان اللي أبويا وأمي رموني فيه والكلاب اللي دفنتني من البرد.. مديرة الملجأ قالت لي عليه.. أنا دايماً بروحه ودايماً بتجيلي النوبة لما أروحه.. أول مرة شوفتيني في البيت لما جاتلي النوبة كنت في المكان ده.. ظروفك أنتي يا مكية أحسن من ظروفي." حدقته مكية بأسف وتابعت بحزن: "لأ يا يحيى ظروفك أنت اللي أحسن.. أنت ما عشتش أنا كان يتقالي إيه؟

ولا نظرة القرف اللي كنت بشوفها في عيونهم.. دي وحمة مش حرق نار.. أختي دايماً تتريق عليا وأمي سلبية أوي ما بتعملش حاجة.. حتى لما قلعت الحجاب كان ردها سلبي." كتمت باقي جملتها بالتنهيدة وقالت بحزن: "قلعت الحجاب وكنت منتظرة منهم نصيحة مش شتيمة.. أنت عارف أنا اسمي مكية ليه؟

زمان كان بابا بيشتغل وعايش في السعودية هو وماما.. كانت حامل فيا وهما في العمرة وولدتني في مكة وسموني مكية.. الناس اتريقوا عليا وقالوا اسم مكية جميل بس أنا مش جميلة." عاود وضع أصابعه أسفل عينها ورد بنبرة صادقة: "أنتي جميلة أوي يا مكية.. أنتي ممكن ما تكونيش شايفة ده.. بس أنا شايفه." تجمدت مكية مكانها لا تعرف هل تصدقه؟ أم لا؟ هل هو حقيقي محب لها؟ أم لا؟ أكتفت بالصمت وبداخل قلبها ستنفجر من الفرحة.

نهض يحيى وقال بنبرة هامسة: "مستنيكي برا يا بازوريكس." ياخجلت أكثر وخصوصاً عند علمها باسم المرض هذا. أغلق يحيى الباب خلفه بهدوء. لوحت مكية بذراعيها للأعلى بسعادة ثم انحنت قليلاً للألم الذي ببطنها. *** في منزل (ألسكندر اسحاق الخواجة) مجتمعين على مائدة الطعام يتناولون الغداء. تحدث ألسكندر بنبرة هادئة لابنته: "جيتي بدري من الجامعة النهاردة يا ماريا." رفعت ماريا رأسها وأجابته بفتور: "في محاضرة اتلغت يا بابا."

نفض رفائيل يديه وقال بعزم: "أنا شبعت.. هنزل أقعد في المطعم.. ماتتأخرش يا جايدن." لم ينتظر رفائيل منهم الكلام وخرج من المنزل ليتابع عمله الذي ورثه من والده وهو المطعم للمأكولات البحرية. نظر جايدن لـ ڤيكتوريا وقال بهدوء لوالده: "بابا أنا كنت عاوز أتكلم معاك في موضوع وياريت تسمعني للآخر أنت وأمي." حدق ألسكندر بابنه الكبير ليحثه على الحديث. تنهد جايدن وأردف بتوجس: "الأوضة بتاعة آآآ.." قاطعته ڤيكتوريا بغضب:

"من قبل ما تكمل جايدن.. أوضة أخوك مش هتاخدها." عض على أسنانه جايدن وابتلع غضبه ثم نظر لوالده بجمود: "ها يا بابا قولت إيه؟ تريث ألسكندر في قوله: "طيب.. انت عاوز تاخدها تعمل بيها إيه؟ سأله جايدن بنفس نبرة والده: "قولوا أنتوا هتعملوا بيها إيه؟ طالما هو ميت.. ما بتعملوش حاجة غير التنضيف وتغير النظام اللي فيها بس." زفرته ڤيكتوريا بعتاب قاسٍ: "عيب تتكلم على أخوك." صاح بها جايدن بغضب مماثل ولوح بيديه: "ده ميت." أختلست ماريا

النظر وأردفت بهدوء مصطنع: "براحة يا جايدن مش بالعصبية." نهضت ڤيكتوريا وصاحت بجايدن: "أنت قليل الأدب احترم نفسك وأنت بتكلمني." أدارت ڤيكتوريا جسدها لتدلف لغرفة ابنها المتوفي وأغلقت خلفها الباب. حدقت بها، دائمة التنظيف لها حتى أنها تجلب له الثياب في كل مراحل عمره. التفت لمصدر صوت فتح الباب وكان ألسكندر. أغلق مجدداً الباب وتنهد متكئاً عليه ثم قال بحزن: "وأخرتها يا ڤيكتوريا." أحتضنت الوسادة مجيبة بنبرة أسى:

"صدقني ما أقدرش.. زي ما جايدن ابني.. ستيڤن ابني برضو وصعبان عليا.. وحشني أوي." *** لم يتحمل جايدن رفض والديه فذهب مغادراً المنزل وتوجه إلى المطعم (الماريسكو) . دلف لداخل مكتب أخيه بغضب شديد. "إيه يا ابني في إيه لكل ده؟ أنت محسسني إنهم أول مرة يرفضوا؟ جلس جايدن على المقعد وهدر به: "ماهو ده اللي هيجنني يا رفائيل.. ليه بيرفضوا؟ وضع رفائيل كفه على وجنته وأجابه بتلقائية: "عشان دي أوضة ستيڤن." عض على أسنانه كأنه

يمتص غضبه وقال بحدة خفيفة: "مات.. ستيڤن مات.. ليه مش مصدقين إنه مااااات." نظر رفائيل لأخيه عن كثب وردد بجدية: "أنت عاوز تعمل إيه بالأوضة يا جايدن؟ بلل شفتاه ونطق بنبرة هدوء غاضبة: "عاوز أفوقهم.. بابا وماما عايشين على ذكرى ميت.. لازم أبعد عنهم كل حاجة بتفكرهم بيه.. أنت مش شايف ماما لما بتفتكر الحادثة بيكون شكلها إيه؟ طب بابا اللي ستيڤن مات على إيده.. كل ده لازم يتحل وأنت هتساعدني غصب عنك." شرد رفائيل بعد حديث

أخيه ليقول وهو يومأ برأسه: "موافق يا جايدن بس هنعمل إيه؟ أبتسم له وأردف بعزم: "هقولك على كل حاجة.. بس مش دلوقتي عشان الشغل.. محتاجة قعدة كبيرة." *** في المساء عند يحيى تحسنت حالة مكية للأفضل. تجمعوا بجانب بعضهم البعض يتحدثون في أمور التنمية البشرية. تحدث شاب بيأس: "أنا دايماً بحاول أنجح في حياتي بس لسة مافيش أي مؤشر لكده." أردف يحيى بنبرة ساخرة: "وأنت مستعجل على إيه؟ ده أنت لسة عيل.. أيامك جاية بس الصبر."

سمع الشاب همهمات ضحك عليه. فتابع بنفس نبرته: "أنا مش عيل أنا عندي ٢٣ سنة.. هحق أحلامي إمتى؟ تنهد يحيى ثم أجابه بهدوء: "أنت اسمك إيه؟ أبتلع الشاب لعابه وقال بتريث: "عبد ربه." أبتسم يحيى ثم واصل قوله بجدية: "عارف يا عبد ربه إيه اللي مخليك أنت وباقي الناس مش محققين أهدافكم وأحلامكم؟ إنكم مابتصبروش. عاوزين كل حاجة النجاح والفلوس والشهرة والحبيبة في وقت واحد وكمان الشرط الأول والأساسي لازم يحصل وأنتم صغيرين."

تعجب الجميع من حديث يحيى فسألته فتاة بنبرة ساخرة: "ما ده طبيعي يا دكتور يحيى لازم ده يحصل واحنا صغيرين.. أمال يحصل لما نكبر ونعجز؟ رمقها بسخرية مماثلة لقولها ثم أردف بتلقائية: "أعظم إنسان في الكون سيدنا محمد صل الله عليه وسلم.. الوحي نزل عليه وهو عنده أربعين سنة.. قعد ١٣ سنة بيدعي للناس.. هاجر من مكة كان عنده ٥٣ سنة.. حقق كل النجاح لما كبر.. كل حاجة بتنجح بس في وقتها وشوية صبر مع ثقة في ربنا."

تابع يحيى بالشرح لهم جميعاً وطرق ثقتهم بأنفسهم. ثم استأذن الجميع بالخروج. أمام المبنى في الهواء الطلق. تحدثت مكية وهي تقول بهدوء للفتيات: "هجيب موبايلي ومش هتأخر يا بنات." دلفت للداخل ثم اقتربت من الفراش وألتقطت هاتفها. وجدت عائلتها قامت بالرنين كثيراً عليها. والآن والدها. أمتعض وجهها ولم تفعل شيئاً حتى توقف الرنين بمفرده. أستدارت لتغادر. تفاجأت بيحيى جالس على فراش آخر. شهقت بفزع ثم أردفت بريبة:

"أنت بتدخل هنا كتير ليه؟ لو البنات عرفوا هيفضحوني." ربع ذراعيه إلى صدره ورد عليها بتوجس: "محتاج مساعدتك في موضوع." آآآآآه! صاحت فتاة بالخارج بمرح: "مكية أنتي لسة قاعدة جوا.. أحنا بنلعب." توترت مكية وتلفتت على جانبيها ثم أمسكت برسغ يحيى وأقتربت به لداخل الحمام. "أنت اتجننت عوزاني أتخبى في الحمام زي العيال الخاينة." تابعت مكية دفعه للداخل الحمام وردت عليه بقلق: "أحسن من اللي هيحصل لو البنات شافوك معايا." أمسكت بستارة

المغطس وأبعدتها وأمرته: "أدخل هنا بسرعة يا يحيى." حدقها بغضب فدفعته ليدخل بالمغطس وعاودت أرجاع الستارة. شهقت بصدمة عندما رأت الفتاة ممسكة بوعاء كبير محتوي به ماء. نظرت لها مكية وللأناء عدة مرات لتقول بتعجب ممزوج بتعلثم: "إيه ده؟ لاحظت الفتاة ارتباك مكية وتلفتها للستارة فنطقت ببرود: "هتلعبي معانا بالمية." وضعت مكية كفها على كتفها لتخرجها من الحمام: "تعالي نلعب برا يا رحاب." ألتفت رحاب مجدداً ورجعت للخلف ثم قالت ببرود:

"ولا أقولك احنا كبار على لعب الصغيرين.. أنا هكب المية." ثم قامت بفتح الستارة بسرعة وسكبته فوق يحيى الجالس على حافة المغطس. أصطنعت رحاب الصدمة لتقول بحزن مكذوب: "سوري يا دكتور يحيى.. أنا ما عرفتش إن حضرتك هنا." نهض يحيى ورد عليها بابتسامة مزيفة: "أنا كنت هستحمى أصلاً."

خرج يحيى من المغطس وكأن شيئاً لم يحدث. رمقت مكية زميلتها بحدة وخرجت دون أن تبرر لها موقفها. الأمر الذي جعل رحاب تفكر بخبث ثم خرجت لزملائها وجلست بجوارهم. سألتها فتاة أخرى: "هي مكية مش هتيجي؟ نظرت للسماء بشماتة ولم ترد عليها. *** خلع يحيى ثيابه ثم نظر للمرآة على أثر حرق النار الذي على صدره بغضب. تذكر حديث مديرة الدار علوية عندما كانت دائمة الشماتة به:

"أنت مشوه يا بدر.. ما فيش بنت هتقبل تتجوزك.. عشان حرق النار وعشان ابن حرام." كور قبضة يده وضربها بالمرآة لتتهشم وتجرح أصابعه. استمر بالضرب عليها بعنف وردد بغضب هامس: "أنا مش ابن حرام.. ولا مشوه.. ومش يتيم.. أنا ماليش ذنب في اللي حصلي.. أنا بكرههم كلهم." أسرعت مكية بالدخول لغرفته لتقول بسرعة: "أنا لازم أمشي يا يحيى.. جامعتي أهم وعشان أبعد عن رحاب ممكن تهبل في الكلام.. وآآ.. مالك يا يحيى في إيه؟

لم يلتفت لها وواصل ضرب يده في الزجاج المحطم بالحائط قائلاً بغضب: "أنا مش يحيى أنا بدر.. اسمي بدر الدين.. أنا مش ابن حرام." أقتربت منه ومحاولة أفلات ضربه المستمر ولكن لم تستطيع. علمت مكية بأنه ليس بوعيه وسيدخل في نوبة الصرع لتقول بهدوء قلق: "أبعد إيدك بتنزف دم كتير." دفعها يحيى بيده الملطخة بالدماء وهدر بها: "مالكيش فيه." أقتربت مكية بتريث ثم نظرت له عن كثب وقالت بقلق ظاهر:

"لأ ليا فيك.. أنت مش حاسس بنفسك.. النوبة بتجيلك.. بلاش تفكر في حاجة هتتعبك.. واسمح لي أشوف جرحك." وضع يديه على رأسه لتختلط بالدماء وقال بألم واهتياج: "مش حاسس بالوجع اللي في إيدي.. الوجع في قلبي من جوا." سارته مكية في القول ونبرة صوتها ترتجف بذعر: "عشان خاطري تعالي أغير لجرحك." صاح بها بحدة خفيفة ممزوجة بتوهان وجثى على ركبتيه: "أبعدي عني." أقتربت مكية تجاه يحيى ووضعت كفها على وجهه لتزيل الدماء بيدها قائلة بقلق:

"مالك يا يحيى بس.. هات إيدك." أعتدل يحيى على قدميه ونطق بغضب شبه فاقد للوعي: "بقولك أنا مش يحيى.. أنا اسمي بدر.. اخرجي برا وسبيني في حالي.. مش محتاج مساعدة ولا نظرة شفقة من حد." ردت عليه بخفوت: "طيب براحة على نفسك.. عشان خاطري.. أنا محتاجاك في حياتي." وضع يديه على وجهه وتلطخت أكثر بالدماء وهدر بها: "أنا مش بتاع حب ولا جواز.. أنا واخد عهد على نفسي إني مش هتجوز أبداً."

تراجعت مكية للخلف وحدقت به بصدمة عندما شاهدت جسده يهتز بسرعة ويطرح أرضاً ويفرك بجسده حتى يتشنج مرة واحدة ويغشى عليه. "يحيى! صاحت مكية بحدة متوجسة: أقتربت منه وبدأت في ضربه على وجنته ولم يبدي أي رد فعل فصرخت بصوتها العالي لزمايلها بالخارج الذين لم يتأخروا عليها بالقدوم. صدم الجميع عند رؤية يحيى فاقد للوعي وجسده العلوي عاري والدماء على رأسه ويده. "ألحقوني يحيى أغمى عليه! " أكملت مكية الصراخ ببكاء.

أقترب شابان ودنا إلى يحيى ليحملاه ويضعاه على الفراش خاصته. أحرجت الفتيات فانسحبوا بالتدريج. نطق شاب بجدية: "أنا دكتور." بدأ في تطهير جرح يده البسيط وساعده على ارتداء تي شيرت خفيف ثم تركه لمعرفته بأنه قد غط في سبات. كانت مكية تتابعه وعبراتها تنهمر على وجنتيها. أقترب منها الشاب قائلاً بهدوء: "هو نايم دلوقتي بكرة هيصحى ويرجع زي ما كان.. يلا أنتي كمان روحي نامي.. عشان أحنا هنمشي بكرة."

ألقت نظرة أخيرة على يحيى وخرجت من غرفته لتدلف للغرفة التي بها الفتيات. لم تنظر أو تحدثهن غير أنها تمددت على السرير وتدثرت جيداً لكي تسمح لعبراتها بالنزول. تلفتت الفتيات لبعضهن ثم شرعوا بالنوم مثلها. شردت مكية بكلام يحيى هل حقاً لا يفكر بالزواج ولكن لماذا أعترف بحبه لها؟

ألتمست الصدق في حديثه. نفثت الهواء من رئتيها وكشفت الغطاء ثم خرجت تتمشى في الرواق الهادئ والمظلم نسبياً. لم يمنعها فضولها من إلقاء النظر على باب غرفة يحيى. فتحته بهدوء ونظرت له لتجده نائم. أغلقت الباب وتابعت طريقها لتجلس على مقعد خشبي وتنظر لنجوم السماء. تذكرت حديثه عندما قال لها بأنه يحبها. أبتسمت بأسى وقالت لنفسها: "ما فيش حاجة حلوة بتكمل.. بس لما بتجيله النوبة هو قالي إنه بيهلفط بالكلام ومش بيكون في وعيه."

تنهدت بحزن وشعرت بملمس أصابع على كتفها. ألتفت للخلف لتجد رحاب تجلس بجواره. تفاجأت مكية فأبتسمت رحاب قائلة بهدوء تأكيد: "أنتي بتحبيه يا مكية وهو بيحبك." قربت إبهامها من عينها لتجفف عبراتها وردت بحزن: "لأ أحنا مش بنحب بعض.. أنا بس زعلت عليه." أردفت رحاب بهدوء ناظرة للسماء:

"من أول يوم في الكورس لما أحرجك قدام الكل ولما اتخطفتوا سوا وحصل الاتفاق بينكم.. وأنا قولت إن هتحصل قصة حب بينكم.. أنا مش عاوزة أعرف إيه اللي حصل بس كل اللي أقدر أقوله ماتستسلموش بسرعة." تعجبت مكية من قول رحاب بشدة فتابعت كلامها: "أنا عارفة اللي هقوله وقته فات.. بس أنتي طيبة يا مكية وتستاهلي اللي يحبك زي دكتور يحيى القاضي.. يلا ننام عشان هنصحى بدري ونمشي." وقفت بجانبها ثم عاودوا الرجوع للغرفة. ***

في صباح اليوم التالي تململ يحيى بثقل ثم أغمض فتح عينيه وأغمضهما عدة مرات. لاحظ يده المربوطة وأنه مرتدي تي شيرت. أعتدل ثم فرك رأسه بتذكر: "هو حصل إيه امبارح؟ أنا مش فاكر حاجة غير لما.. لما كنت هنا." أشار بأصابعه على المرآة المهشمة. الزجاج موضوع بجانب الحائط. تذكر القليل مما حدث معه ومع مكية ثم تنهد وحدث نفسه: "كفاية عليها وعليا لحد كده."

نهض من فراشه ودلف للحمام ليغتسل. ثم أخبر الجميع بأنهم سيذهبون الآن بنبرة جادة قاتمة وكأن لم يحدث شيء. كانت مكية تستمع له فتأكدت بأن حديثه كان صادق. حزن وغلبها الأسى لفرحته الغير مكتملة. في خلال ساعة كان الأتوبيس أمام المبنى. استقل الجميع للذهاب والعودة لمنازلهم. *** وصل الأتوبيس أمام (سنتر يحيى القاضي)

ترجل الجميع منه وتفرقوا للعودة لمنازلهم. أقترب يحيى من سيارته. وقبل أن يستقلها لمح بمكية تنظر له شزراً. أغلق باب سيارته بعصبية وأقترب منها. تراجعت مكية للخلف وهدر بها بحدة خفيفة: "مستنية إيه؟ ماتمشي زي اللي مشي." ومشت عدة مرات وقالت بتعلثم خفيف محاولة إخفائه بالعصبية: "أنت بتزعق ليه؟ هو أنت عندك انفصام في الشخصية.. ليه بتعلقني في السما وبعدين بترميي في الأرض." رمقها بتهكم ورد عليها بنبرة استخفاف:

"دماغي فيها مليون حاجة وأنا مش فاضيلك.. قبل ما أنسى الأربع أيام اللي فاضلين.. أنتي حرة مش هطلب منك حاجة تانية وأتمنى إنك تنسي أي حاجة قولتهالك." ثم أستدار بجسده وتحرك بضع خطوات. أغتاظت مكية من حديثه ولم تعرف ماذا تفعل ليشفي غليلها سوى أن تقترب من أصيص الزرع الكبير الموضوع بجانب السنتر ونبشت بعض من التراب المبلل المنغمس به الورود وألقته على ظهره. توقف يحيى بجمود ثم أستدار برأسه لينظر على كتفه المتسخ وألقاها

نظرة غضب فقال بوعيد: "أنتي كمان بتحدفي عليا طين.. أنسي اللي قولتهولك من ثواني.. الأربع أيام اللي فاضلين هخليهم أربع سنين جحيم ليكي." ثم أقترب منها وأمسك معصمها وهزه بعصبية: "استعدي للي هيحصلك." ترك يدها بعنف لترتد خلفها وكلتا عينيها تحدجه بحنق وعاودت أبعاد الزهور وحدفه بالطين وهى تردد بتهكم: "أنت بتعمل كده ليه؟

وضع يحيى يديه أمام وجه وأوشك على أن يفعل حركة أخرى أنه سيقتلها. فعل مثلها وبدأ في إمساك حفنة من التراب وألقائه عليها قائلاً بوعيد: "أنتي مش هتجيبيها البره." تفت مكية بغضب محاولة إبعاد نفسها: "أبعد هنتفضح.. الناس هتتلم علينا." لم يرد عليها ليحمل الأصيص ويفرغ بعض من التراب عليها. طرحت مكية على الأرض وهو يردد بسخرية: "على أساس من شوية الناس كانت هتسقف لنا." أستفز مكية من حديثه لتمسك بالتراب بيديها وتحدفه

في وجهه ثم أردفت بعصبية: "هدومي اتوسخت." أغمض عينيه وجثى على ركبتيه ثم فرك بها. أعتدلت مكية وحدثته بضيق متلفتة للجانبين: "نهار أسود لو حد شافنا.. أنت إزاي تعمل كده.. أنا بريستيجي ضاع." نهض يحيى من الأرض وألتقط بالأزهار الملقية بأهمال وحدفها على رأسها قائلاً بسخرية: "شوية ورد عليكي.. قومي عشان لسة الشغل كتير أوي." أبعدت الزهور جانباً ونهضت تنفض ثيابها. كانت ستتحدث لولا أقتراب فتاة منهم وصاحت بإنكار: "دكتور يحيى؟!

إيه اللي عمل فيك كده؟ ثم ألتفت لترى مكية. علمت بأنها الفتاة المشهورة ولكن قالت بضيق مدعية عدم معرفتها: "مين دي؟ لم يرد عليها وشرع في إزالة التراب من ثيابه. فتابعت الفتاة بنبرة فخر: "كويس إني قابلت حضرتك.. أنا كنت عاوزاك في موضوع." رمقته مكية بغيظ فتابع يحيى بجدية: "أنا ما أعرف اسمك حتى." أحرجت الفتاة ولكن لم تسمح لمكية بالسخرية منها فتابعت بأستفزاز لمكية:

"من سنة كنت باخد كورس تنمية بشرية عند حضرتك كنت محتاجة أستشيرك في حاجة.. بس مش عاوزة رد من بنات بايرة وخصوصاً البتاعة دي." شددت على آخر جزء من جملتها لتهين مكية مما سبب ليحيى الغضب في قوله: "بنات بايرة؟! على أساس إن الرجالة مقطعة بعضها عليكي يا بايرة." أبتسمت مكية ابتسامة عريضة. فتابعت الفتاة بحرج قليل ولكن نطقت بحدة خفيفة: "نعم؟ أردف بغضب حاول التحكم به: "أنا مش دكتور نفسي." أردفت مكية بسخرية كبيرة:

"بالسلامة يا ملبسة." عضت الفتاة على شفتيها بغضب كبير ثم ابتعدت من أمام وجههم وهى تغمغم بكلمات حانقة. أبتسمت مكية له ولكن أختفت ابتسامتها عندما رأت وجهه الغاضب لها. خلع سترته وحدفها على وجهها بعصبية: "اغسليها وابقي حضريلي عشا.. عارفة يا مكية لو رجعت ومالقيتش اللي قولته اتنفذ هرتب فيكي جناية.. ويا ريت تخلصي وتمشي." عاود الأقتراب من سيارته ثم أدخل جسده العلوي وألتقط من تابلوه السيارة مفتاحاً وألقاه عليها بحنق:

"امسكي.. دي آخر نسخة حافظي عليها." ثم استقل سيارته وأبتعد بها ليسمع صوت رنين هاتفه. ألتقطه وأجاب بنبرة جادة: "نعم يا بابا." أردف عاصم بهدوء: "أنت مش هتيجي يا يحيى.. في موضوع مهم عاوزك فيه." نظر يحيى لجسده المتسخ وقال بضيق خفيف: "حاضر هجيلك دلوقتي.. سلام." أغلق الهاتف وتوجه لوالده وهو يسب ويلعن مكية. ***

وصلت مكية أمام شقته ترددت في الدلوف أولا أم تذهب إلى شقتها وعائلتها. حسمت أمرها بفتح باب شقة يحيى. أغلقت الباب خلفها بهدوء وأقتربت من الحمام وغسلت وجهها ثم بللت ثيابها لتنظيفها. أمسكت بجاكت يحيى بغضب وكورته بحنق: "أنت مستفز يا يحيى.. وعندك انفصام في الشخصية.. إزاي بتحبني وازاي مش بتاع حب وجواز.. شكلك معقد."

وضعته بالمغطس وفتحت صنبور المياه لتغسله. بعد انتهائها دلفت لغرفة نومه وعلقته بالبلكونة. ثم أغلقت باب الشرفة بهدوء وجلست على الفراش بنفاذ صبر: "أحضر له يطفح إيه ده كمان؟ ماهو أصل أنا الشغالة." خرجت من الغرفة وتوجهت للمطبخ تعبث به. أعدت له مكرونة بالبشاميل وأخذ منها وقت بعد انتهائها. أخرجتها من الفرن ووضعتها على رخامة بالمطبخ ثم خرجت منه بملل. جلست على الأريكة وحدثت نفسها بتفكير: "هو ليه بيعمل كده؟

ساعات بحسه بيحبني وساعات بحسه إنه بيهرب مني.. وآآآ... فتح يحيى باب شقته فأسرعت هي بدلوف غرفته بقلق: "يالهوي ده قالي لو لقيتك هيرتكب فيا جناية." ألقى نظرة للصالة ولم يسمع صوتها ليتأكد بأنها ليست موجودة. فك أزرار قميصه وخلعه ثم توجه للحمام ليغتسل. بعد انتهائه لف منشفة حول خصره وخرج وهو يجفف شعره بفوطة أصغر. سمعت مكية دندنته لتلطم على وجهها بقلق: "يالهوي ده هيعلقني في السقف."

فتحت خزانة ثيابه وأختبأت بها. فتح يحيى باب غرفته وأغلقه خلفه بهدوء. استمر بالغناء وهو يركض في سيره ليقرب كفه من مقبض الدولاب. وعندما فتحه صرخت مكية من منظر يحيى. وضعت أصابع يديها على وجهها فهدر بها بغضب: "يخربيتك ده أنا كنت هقلع.. اخرجي برا." أردفت مكية بتعلثم: "آآه.. طب ابعد من سكتي.. إيه قلة الأدب دي." رد عليها بسخرية أكبر: "عوزاني أستحمى بهدومي؟ .. أنتي بتبصي على إيه يا متحرشة.. اخرجي عاوز ألبس."

أفسح لها الطريق بينما مكية أستعدت للخروج بحرج ونطقت بحدة قليلة من نعته لها: "أحترم نفسك أنا مش متحرشة يا قليل الأدب يا خريج كلية البجاحة والوقاحة." رفع يحيى حاجبه للأعلى وأردف بسخرية: "أنتي هتعيشي في الدور يا ممثلة.. اخرجي برا ولا عاوزاني أغير هدومي قدامك كمان." خرجت مكية من الخزانة بحنق وخجل في آن واحد قبل غلق الباب. غرفته ثم همست: "قليل أدب." أتاها الرد من خلفها بسخرية: "بس محترم."

أغلقت مكية الباب وأخذت حقيبتها الكبيرة وجرتها خلفها وحملت حقيبتها الأخرى الصغيرة على كتفها ثم خرجت من الشقة متوجهه للطابق الأعلى. أرتدى يحيى ثيابه وخرج ليعلم بأن مكية غادرت الشقة. أقترب من المطبخ ونظر لصنية المعكرونة وأخذ قليل منها في طبق وجلس على المقعد ليأكل. في غضون دقائق قليلة سمع طرق على بابه. نهض على مضض وفتح الباب معتقداً بأن مكية تريد منه شيئاً. خيب ظنه وقال بضيق: "عاوز إيه؟ دفعه للداخل وأغلق الباب

خلفه ليتابع يحيى بسخرية: "أنا كده خوفت يعني! أقترب من يحيى ولم يرد عليه بكلمة سوى إمساك التي شيرت وخلعه منه. أحتقن وجه يحيى فهدر به: "نهار أهلك أسود.. ده أنا هقتلك."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...