دفع سيف يحيى ليختل توازنه ويجلس على المقعد، وتابع حديثه بنفاذ صبر: "أنت بدر الدين." أغمض يحيى عينيه ورد على مضض: "مش هخلص من أهلك أنا.. لأ مش أنا بدر بتاعك ده.. أنا اسمي يحيى القاضي." أمسك سيف برسغ يحيى وقربه من عينيه قائلاً بحدة خفيفة: "الحظاظة دي بتاعة بدر صاحبي.. أنت أعمى مش شايف." ثم تركها بعنف وشمر عن كمه قليلاً لتظهر حظاظته وتحدث بنبرة حزينة:
"نفس الحظاظة دي بس اللون يختلف.. أنا لسة محتفظ بيها.. عيونك الرمادية نفس عيون بدر." رد عليه يحيى بسخرية: "مش مبرر اني عشان لابس حظاظة وعيوني ملونة أكون بدر اللي بتدور عليه." اشتعل الغضب بوجه سيف لينهض ويمسك يحيى من كتفيه بعنف: "بس ده يثبت.. قوم ياض."
رمق يحيى سيف بحنق وهم بالحديث، ولكن سيف كان الأسرع بدفعه إليه وعاود خلع تيشرته من جديد. حاول يحيى إيقافه ولكن لم يعط سيف له الفرصة. ثم ثبته على الحائط وضغط على أثر الحرق. "حرق النار ده كان في بدر.. مش معقول كل الحاجات دي وهتكون صدف في الأخر.. حاجة واحدة بس لسة مش شوفتها فيك لحد دلوقتي وهي ان صاحبي كانت بتجيله نوبة صرع.. عارف ليه؟
شعر يحيى بأنه قاب قوسين وأختفى الجمود والسخرية التي كانت بوجهه. ثم رفع عينيه بأنكسار له ولم ينطق بكلمة سوى أنه تنهد عدة مرات ثم جلس على الأرض. علم سيف بحزن رفيقه بسؤاله السخيف ليتنهد هو الآخر ويقول بنبرة أسى عندما جلس أمامه:
"طمن قلبي.. أنت بدر الدين ولا لأ.. طب أنت زعلان مني عشان مشيت وسبتك.. لو في دي فأنت معاك حق وفعلا مازورتكش بس انا لماجتلك كنت أنت مش موجود في الدار.. أنا يمكن أتبهدلت زيك.. الراجل والست اللي أتبنوني كانوا فعلا الأب والأم اللي أتحرمت منهم.. لكن أبنهم الليمفروض يكون أخويا ديما يعاير فيا.. أنا كل اللي طالبه منك أنك تقولي أنا بدر صاحبك." وضع سيف كفه على وجنة يحيى ونظر لأنكسار عينيه التي تحاول الهرب منه
ليتابع سيف الحديث بتنهيدة: "أنا مش بعايرك يا بدر.. انا صاحبك وأخوك الوحيد.. أحنا ولاد دار واحدة وعينا على الدنيا وأحنا مع بعض.. أكلنا من نفس الطبق.. أتغطينا بباطنية واحدة في الشتا.. أضربنا من علوية عشان بندافع على بعض." ثم شمر أعلى رسغه لتظهر آثار إطفاء السجائر وقال بحزن: "شايف حرق السجاير من علوية." امتدت يد سيف على معصمه فوضحت آثار حرق إطفاء السجائر وتابع في قوله:
"حتى لما أتحرقنا كنا مع بعض.. ويوم ماتفرقنا عن بعض كان غصب عننا." أنهى سيف حديثه ومازال ينظر لرفيقه. تنهد سيف بصوت مسموع ثم ربت عدة مرات على وجنة يحيى وقال بحزن خفيف: "أنت عندك حق أنت مش بدر صاحبي.. أنا غلطت في العنوان وفي كل الصدف .. أنا ماشي ومش هجيلك تاني.. سلام.. يا.. يا يحيى." نهض سيف وأدار جسده ليغادر، توقف عند سماعه لصوت يحيى الطفولي الحزين: "أبقى زورني يا سيف لما تسكن عند أهلك الجداد وماتنسانيش."
إيماءة بسيطة لرأس سيف فنظر ليحيى ليجد العبرات متجمعة بمقلتيه. كانت تلك الجملة الأخيرة التي قالها بدر عند مغادرة سيف لعائلته الجديدة. أسرع بالأقتراب منه وجلس على ركبتيه ممسكاً بكتفيه وحدثه بلهفة: "بدر." أغمض يحيى كلتا عينيه فتدحرجت عبراته. جذب سيف جسد يحيى إلى حضنه وقال وهو يهدأه: "أهدى يا بدر.. أهدى."
لف يحيى ذراعيه حول صدر رفيقه مثل طفل صغير تائه وجد من يستنجد به. مسد سيف على شعر يحيى ثم أبعده برفق ووضع كفيه على وجنتي يحيى يجفف عبراته بجدية: "أنا جنبك.. بتعيط ليه؟ رفع يحيى بصره للسقف ولم يعرف بماذا يقول غير أنه عاود النظر له وهو يهز رأسه منكساً رأسه. ربع سيف ساقيه وقرب أصابعه ليرفع وجه يحيى من ذقنه ثم ردد بأشتياق: "وحشني اوي." جفف يحيى عبراته وقال بجمود مصطنع: "يحيى.. اسمي يحيى القاضي." ضربه سيف
بغيظ على صدره ونطق بحنق: "هنبتدي من تاني." تراجع يحيى للخلف أثر الضربة فعاود أحتضان رفيقه بصبابة مبالغ بها. هتف سيف بغيظ: "فهمني بالله عليك.. في ناس أتبنوك بعد ما أنا مشيت وكتبوك بأسمه." هز يحيى رأسه بالنفي ثم أردف بحشرجة: "دي حكاية طويلة اوي يا سيف.. هقولهالك وهريحك." استنشق يحيى دفعة من الهواء ثم زفره على مهل وبدأ في قص كل شيء حدث له منذ بداية خروجه من الدار الى لقائه الأول معه. كان سيف منصت له. فأردف بهدوء:
"طيب مش هقولك بدر يا يحيى.. بس أنت ليه كنت رافض تقولي انك بدر." رد عليه بجدية قاتمة: "خايف لاحسن لطفي يمسك عليا حاجة وكل اللي رتبه عاصم من سنين هيروح في ثواني." واصل سيف سؤاله بريبة: "طب ومكية سند ايه اللي جابها عندك في الشقة اخر مرة شوفتك فيها." أجابه يحيى بتنهيدة خفيفة: "دي حكايتها حكاية طويلة.. هقولك عليها وأنا باكل لإني جعان وأنت دخلت عليا زي القضا المستعجل."
نهض يحيى وأرتدى تيشرته وتوجه للمطبخ ونظرات سيف المتعجبة له. سمع صوت يحيى بسخرية: "المكرونة بردت على دخلتك." وقف سيف وتحدث بتفكير مقترباً إليه: "أنا هعزمك على سمك وجمبري في مطعم ديما باكل منه.. اهو بعوض نفسي على ايام الدار اللي عشناها.. فاكر يا يحيى الأكل." حدج يحيى رفيقه وقال بضيق: "فاكر.. حاجة تسد النفس بس كنا بناكله غصب عننا." فرك سيف برأسه ورد على رفيقه بنفس نبرته الحانقة:
"طب فاكر بير السلم اللي كنا بنتخبى فيه من علوية." ولا قاطع يحيى حديثه بتهكم: "تعالى نحدف بعض من البلكونة عشان نخلص من الذكريات اللي عاوزة الحرق." فتح سيف الباب وأردف بجدية وهو يخرج: "بسرعة عشان تكمل حكايتك مع مكية سند." أتبعه يحيى في الخروج ثم أغلق خلفه الباب ودلفا للمصعد سوياً ثم نزل بهم للأسفل. أستقل يحيى بسيارة رفيقه وتوجه به لمطعم (الماريسكو)
. صف سيارته وترجل الأثنين منها داخلين للمطعم كان ممتلئ بالناس وعلى طاولة جالس جايدن مع رفائيل يتحدثون في أمر والديه. تنهد رفائيل بنفاذ صبر: "انا مش فاهم منك حاجة يا جايدن.. بصراحة من رأي انت مدي الموضوع أكبر من حجمه.. طبيعي أي أب وأم لما يموت أبنهم هيزعلوا.. مابالك أن ستيڤن مات قدامهم وعلى أيديه." هز جايدن رأسه بنفي وهتف بحدة خفيفة:
"أنت طيب وعلى نياتك يا رفاييل.. الحادثة حصلت وماما كانت حامل فيا.. ستيڤن كان عنده سنتين.. والحادثة حصلت من ٢٦ سنة مع أشغال الدنيا لازمينسوا.. أنا مش اقصد انهم ينسوا خالص بس على الأقل يشوفوا حياتهم وحياتنا.. مش كل كام يوم يزوروا قبره وآآلم." لمح جايدن بشابين واقفين يبحثون عن مكان فنهض وقال لهم بجدية: "تعالوا أتفضلوا هنا." توقف قسمات وجه سيف بصدمة كبيرة ثم قال بتعلثم معتقداً أنهم زبائن: "لأ حضرتك ماينفعش."
نهض رفائيل وسارع بقول: "حضرتك فهمت غلط.. أحنا أصحاب المطعم وكنا بنتكلم.. تعالوا أقعدوا.. أحنا أصلا ورانا شغل.. عن أذنكم." لملم رفائيل محتوياته وأبتعد عنهم بسرعة بينما جايدن لاحظ تحديق سيف به فأبتسم بمجاملة له وتبع أخيه ولكن بخطوات هادئة. كان يحيى يعبث بهاتفه ولم يبالي بحديثهم غير أنه يحدث مكية على تطبيق الواتساب: "بكرة بعد ما تخلصي جامعتك عدي عليا في المشتل ضروري."
هاتف مكية في حالة نشاط ولكن لم ترد عليه فأغلق هاتفه ووضعه بجيبه. سار خلف سيف ثم رفع رأسه ليتفاجأ بشيء جعله ينظر لرفيقه بصدمة. بادلوا بعضهم البعض نظرات كفيلة بأن يفهموا بعض. بتر سيف الصمت بعدم تصديق: "ايه اللي أنا شوفته ده؟ خدت بالك؟ قبل أن يرد يحيى عليه جاء النادل وأحضر لهم القائمة قائلاً بهدوء: "أتفضل يا فندم." أخذها يحيى بريبة وأنصرف النادل. نظر يحيى بها ثم عاود النظر خلفه بتعجب. في اليوم التالي بشقة (أشرف سند)
. فرح الجميع بعودتها. حاول والدها أن يعتذر لها ولكن تجنبته في الحديث مدعية تعبها من الرحلة ومودة لم تسلم عليها بينما مكية لم تنتظر منها شيء. أستيقظت مكية وتلقائياً أمسكت هاتفها تذكرت لم ترد على يحيى بالأمس ما أمره بها فكتبت له: "حاضر." وضعت هاتفها على الكوميدينو ونهضت. وقبل أن تخرج سمعت صوت هاتفها معلناً عن رسالة. عادت مجدداً وقامت بفتحه لتتفاجأ برد يحيى الساخر لها:
"لما أبعتلك رسالة تردي عليا في نفس الثانية مش اليوم التاني.. اصل انا مش ناقع ترمس." ضغطت على هاتفها لتسجل صوتها بحنق: "على فكرة كنت تعبانة وعاوزة أنام." أرسلتها له والغيظ يشتعل بها. رد يحيى عليها برسالة: "النت ضعيف مش عارف أسمعه." عاودت تسجيل صوتها بنبرة عالية نسبياً: "بقولك كنت تعباااانة وعاوزة أناااام." كرر يحيى أجابته بسخرية: "بقولك النت ضعيف مش عارف أسمعه.. أنتي هبلة؟!
خبطت على جبهتها بحرج وألقت هاتفها على السرير وخرجت لتغتسل. بعد أنتهائها من فعل أولوياتها أرتدت ثيابها وأسرعت للذهاب لجامعتها. عند وصولها أنتظرت رفيقاتها ثم قامت بفتح هاتفها لتتصفح على النت. لم يسأل عليها أحد سوى رفيقاتها تسنيم وماريا فقط. تأكدت من كلام يحيى بأن تغلق النت وتنتظر من يسأل عليها. بل زاد السب واللعن عليها عندما علموا بخلع حجابها والكره الذي ملأ قلوبهم من ناحيتها. تنهدت بحزن:
"الظاهر كلام بدر حقيقي.. بس ليه قالي أنا مش بتاع حب ولا جواز.. هو ممكن يكون بيتسلى بيا.. طب ليه قالي على ماضيه بكل حاجة؟ أحست بهمس خلفها. كانت ماريا تعبث بخصلات شعرها. أبتسمت لها مكية وقالت بحبور: "وحشاني يا مير." أحتضنتها ماريا وجلست بجوارها وقالت بمرح: "الناس اللي بتروح رحلات وضاربة الكلية شوز قديمة." أردفت مكية بهدوء هامس: "شوز؟! انتي مش قولتي ان مامتك اسبانية." أومأت ماريا برأسها وردت بأبتسامة خفيفة:
"فعلا ماما اسبانية بس عاشت في مصر أكتر ما عاشت في اسبانيا." نظرت مكية لساعة هاتفها وقالت بجدية: "فاضل ربع ساعة على المحاضرة وتسنيم لسة ماجتش.. أحكيلي باباكي اتعرف على مامتك ازاي؟ وازاي جات عاشت لمصر وأهلها وافقوا." هزت ماريا رأسها بالنفي ثم شرعت في قولها الهادئ المختلط بالمرح:
"بابا مصري سافر لأسبانيا وهو عنده ٢٠ سنة عشان يدرس. أتعرف على ماما هناك كانت جارته وعندها ١٨ سنة. حصلت قصة حب كبيرة قعدت لمدة خمس سنين. ولما بابا حب يتقدملها أهلها رفضوا عشان عربي.. ماما كانت بتحب بابا جدا وأتحدت أهلها وسافرت معاه لمصر عشان يتجوزها. وهو كمان أهله رفضوا ازاي يتجوزمن غير مايقولهم وطردوا من البيت. وقتها كان عايش في السويس فجه للأسكندرية وعاش فيها والناس طلعت عليه الخواجة عشان أتجوز واحدة اسبانية. فتح
مطعم اسمه الماريسكو ودي ترجمته بالاسباني مأكولات بحرية. وأحنا جينا على الدنيا وهى اللي سمتنا الاسامي الأجنبية. بس في حاجة غريبة ماما عيونها رمادية مافيش حد مننا أحنا التلاتة عيونه ملونة غير سودة زي بابا. أنا شبه بابا وجايدن شبه ماما ورافييل جمع بين بابا وماما."
ثم تذكرت لتهتف بأبتسامة: "النهاردة عيد جواز بابا وماما.. عاوزة أحتفل أنا وأخواتي بيه عشان في شوية مشاكل.. تفتكري أجبلهم ايه؟ صاحت مكية بحماس: "ورد.. انا اعرف واحد بيبع ورد ومش اي ورد ده نادر ومش بيتزرع في مصر.. بعد مانخلص هاخدك ليه." لمحوا تسنيم تلوح لهن فأقتربن منها وتوجهوا لحضور محاضرتهن. بمنزل (عكاشة الأديب) . صاحت ميسرة بيوسف بنبرة غاضبة: "أنت هتفضل صايع مع أصحابك كل يوم." جلس على الأريكة وفرد ساقيه على
الطاولة ثم قال بأستفزاز: "براحتي.. كل ده بفلوس ابويا وعشان سيف مايخدش حاجة." جلست ميسرة بجواره وهتفت به: "أنت جايب السواد اللي في قلبك من فين؟ .. يا يوسف.. سيف أخويا." هز رأسه بنفي مكملاً قوله بعصبية خفيفة: "لأ مش أخويا.. سيف أتربى وعاش في دار أيتام.. أنا مش عارف أنتو ليه جبتوه.. ربنا رزقكم بيا لازمتها ايه انكم تتبنوه؟ ردت عليه ميسرة بتنهيدة حزينة: "عشان تكبر ويكون معاك أخ في ضهرك." نهض يوسف وكان سيغادر ولكن أمسكته
ميسرة من رسغه بجدية: "أستنى انت رايح فين؟ دفعها من كتفها وهتف بضيق: "مالكيش فيه." لم ينتظر منها رد وتابع في سيره مغادراً للمنزل. حدثت ميسرة نفسها بحزن: "سيف اللي ماشلتهوش بطني أحن منك يا يوسف." في مزرعة (عاصم القاضي) . دلف فارس لمكتب يحيى وسأله بتوجس: "عاوز أتكلم معاك يا يحيى." نهض يحيى وأرتدى جاكت بدلته ثم قال بجدية: "تعالى نتمشى وسط الزرع." أغلق باب مكتبه وتوجها للسير ثم تابع بسخرية: "سامعك."
زفر فارس ثم أردف بسرعة: "أنا عاوز أتجوز رواء وخالي لطفي رافض بفكر أتجوزها من وراه.. ايه رأيك." وضع يحيى يديه في جيب الجاكيت الجلدي وأطلق صفيراً فتعجب فارس ثم قال بجدية: "هاتوقف." يحيى ورد عليه بنبرة ساخرة محدقاً بوجهه: "ها ايه؟ عاوزني اقولك مبروك." فرك فارس رأسه وقال بعدم حيلة: "عندك حل تاني.. انا باخد رأيك." تابع سيره ثم نطق بلامبالاة:
"أنت مش بتاخد رأيي.. انت عاوز تريح نفسك.. شوف أنا بكره لطفي بس مش ده الحل يا فارس.. اللي بيحب مابيسرقش." استأنف فارس الحديث بحنق: "انا مش هسرقها انا هتجوزها على سنة الله ورسوله.. محدش هيقدر يعايرها." ابتسم يحيى بأصطناع ثم تحدث بجدية: "هيعايروها انها أتجوزت من ورا أهلها حتى لو حلال.. اللي بيحب مابيحبش حد يعاير حبيبه او يقلل من كرامته او حد يذله.. نظرة الذل والكسرة مايستحملش يشوفها في عيونها." أنصت فارس لقول
يحيى بتعجب ثم قال بإنكار: "يااااه يا يحيى انا مش مصدق انك بتقول كده.. أنت بتحب؟ رمش بجفني عينه وزاغت نظراته على الأشجار فتابع فارس حديثه بخبث: "دي شكلها قصة جميلة بس مين اللي حبيتها؟ بص خليني أخمن.. أنت عيونك رمادية وشكلك حلو فأكيد هى هتكون عيونها زرقا وشعرها أصفر.. دي ممكن تكون أجنبية بس أتعرفت عليها فين دي؟ لكزه في صدره بسخرية فأردف يجيبه: "أنت كمان أتخيلت شكىها وأصلها.. تصدق انا غلطان اني نصحتك وانت اصلا تافه."
أسرع يحيى في خطواته ليهتف به فارس وهو يمسكه من معصمه: "أنت رايح فين؟ أبعد يحيى معصمه من فارس قائلاً بنفاذ صبر: "رايح لمشتل الورد." توقف فارس ثم صاح بأبتسامة: "والله بتحب يا يحيى." انتهت مكية من يومها الجامعي وأصطحبت ماريا الى مشتل ورد يحيى. عند وصل السيارة بهم ترجلت مكية بأبتسامة من سيارة الأجرة وخلفها ماريا المتعجبة. سارت مكية بسرعة لتوقفها ماريا بقلق:
"أستني يا مكية.. ازاي ده مشتل لبيع الورد في حتة مقطوعة ولا فيها أنس ولا جن.. انتي تعرفي المكان ده ازاي؟ أمسكت مكية ذراع رفيقتها ودلفت بها للداخل وهى تقول بحبور: "لما بكون مخنوقة باجي هنا." تجمدت ماريا عند رؤية ظهر يحيى يقوم بسقي الزهور. ألتفت لهن لتشهق ماريا بصدمة. نظر لها ثم لمكية بتساؤل فاسرعت بقول: "ماريا صحبتي.. عاوزة تجيب هدية لباباها ومامتها وأنا اقترحت عليها الورد من هنا." لاحظ تحديق ماريا به فأومأ
رأسه ثم نطق بهدوء مصطنع: "أتفضلي.. شوفي اللي يعجبك." مازالت ماريا ثابتة محدقة به. ألقى نظرة لمكية فتحدث بتعلثم: "ماريا.. أختاري الورد اللي يعجبك." هزت رأسها وأبتعدت قليلاً عنهم ثم أنشغلت بالبحث عن الزهور. تقدم يحيى ليقف بجوار مكية وهمس بوعيد وبحركة بسيطة بواسطة إبهامه وسبابته قرص وجنة مكية: "أنتي هتتجملي على قفايا.. أنا ماببعش ورد ولا بسمح بقطف الورد."
كانت ستصرخ بألم ليضع قبضته على فمها ثم رمقها بتحذير. أبعدت مكية يده وتوسلته بنبرة منخفضة ممزوجة بألم: "دي صحبتي والنهاردة عيد جواز باباها ومامتها." وصاله سؤاله المنخفض بحيرة: "هى بصتلي كده ليه؟ مطت مكية شفتيها بعدم معرفة وتابعت فرك وجنتها برفق لتستدير ماريا مبتسمة: "أنا هاخد من ده بس اسم الورد ده ايه؟ جز يحيى على أسنانه وقال بجمود: "هدراج.. أقطفي اللي نفسك فيه."
زادت أبتسامة ماريا ولم تبخل في قطف الزهور. كانت مكية بين الحين والآخر تلقي نظرة ليحيى لأنها تعلم ذلك يسبب له الإزعاج. أقتربت ماريا ممسكة بباقة من الزهور العطرة أعطتهم لمكية وفتحت حقيبتها لتخرج من نقود ومدت يدها ليحيى بجدية: "أتفضل." حدجها بضيق ثم قال بجمود: "شكرا بس أنا مش ببيع عشان أخد فلوس.. أنا سبتك تقطفي ورد عشان مكية." تغير قسمات مكية للفرح الشديد مدعية عدم سماعها. فتابعت ماريا برفض: "بس ده حقك."
رمقها بغضب وأدار جسده لها. أكملت مكية بأبتسامة: "اسمعي الكلام يا ماريا.. ويلا عشان ماتتأخريش." أخذت منها باقة الزهور وهى تحاول وضع نقودها مجدداً بالحقيبة. لم تلاحظ بالذي وقع منها. سارت مع رفيقتها مكية وقبل الخروج لمحه يحيى فقال بجدية: "استني يا." أنحنى قليلاً ليأخذ قلادتها الذهبية ثم تابع بفتور: "وقع منك." أخذته ماريا وسارعت مكية بقول: "شوفتي أهو وقع منك.. ربنا ستر انه وقع هنا وماوقعش في حتة تانية." أردفت
ماريا بأبتسامة مجاملة: "شكرا لحضرتك." عاودت الخروج مع مكية حتى أنها سبقتها. تحدث يحيى بصلابة مصطنعة: "مكية انا لما قولتلك على المكان ده ماكنش قصدي انك تجيبي اصحابك هنا.. الورد انا زارعه عشان بحبه مش عشان أبيعه أو أقطفه." ثم نظر لعينيها وتابع بتنهيدة طويلة: "أتمنى انك ماتجيش هنا تاني." استمعت مكية له وأومأت رأسها بموافقة بعد أنتهائه من الحديث: "حاضر.. وعد مني مش هاجي تاني."
تجمد وجهها وسارت من أمامه غير مبالية له ثم أغلقت الباب الزجاجي خلفها. جلس يحيى على الأريكة ووضع كفيه بين صدغه وقال بحزن: "غصب عني واللهي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!