لا يزال يحيى ممسك بمعصم لطفي ثم أردف بغضب دفين: رواء وفارس ما غلطوش. ترك معصمه بعنف فتابع لطفي الصراخ: غلطوا ولا ما غلطوش، أنا مش عاوز أشوف وش فارس لا هنا ولا المزرعة أو أي مكان. وابعد عن بنتي. أنزعجت توحيدة من أخيها فقالت بغضب: انت إزاي تمد إيدك على ابني.. يلا يا فارس أنا مستحـقـ... قاطعها يحيى بجدية وهو يقترب منها: مستحيل أسيبك تمشي يا عمتي انتي وفارس. للحظة هذه وعاصم لم يتكلم بأي شيء أو يفض المنازعة، لينهض أخيراً
ويقول بعصبية: البيت بيتي أنا يا لطفي، مش من حقك تقول لمين يدخل ومين يخرج.. وبخصوص فارس فهو اتقدم لك أكتر من مرة وأنت اللي رافض.. يعني ما غلطش ولا أجرم. عصر لطفي على أسنانه ثم أردف بتهكم ساخر: معاك حق في اللي قولته، أنا فعلاً مش حر في إني أقول مين اللي يدخل ومين اللي ما يدخلش للڤيلا.. بس حر إني أرفض فارس لبنتي. دفعت توحيدة ابنها للأمام ليذهب، وأستطردت بحدة خفيفة: يلا يا فارس من هنا. ثم عاودت النظر
لأخيها الكبير وقالت بحزن: أنا في بيتي يا عاصم، هيفضل مفتوحلك. أسرع عاصم بالإمساك بذراع شقيقته وتوسل لها: استني بس يا توحيدة.. انتي تايهة عن لطفي وعن عمايله. أبعدت يده برفق وطالعته ثم قالت بهدوء: أنا عارفة لطفي كويس، بس أنا عاوزة أروح بيتي. أدارت جسدها مجدداً وخرجت بعد ابنها، أسرع يحيى باللحاق بهم ولكن كانوا الأسرع بالذهاب، استقل سيارته وتبعهم ليتوجه لمنزل عمته.
آجهشت رواء بالبكاء في حضن والدتها، ثم نهضت ودلفت لغرفتها قبل أن يعنفها والدها، أردفت كوثر بضيق: ليه يا لطفي بتعمل كده.. فارس متربي معانا. حدجها بغضب شديد ليسرع عاصم بالرد بنبرة غاضبة: أنت زودتها قوي.. كل ده بيتحوش لك يا لطفي، في مرة هطلع القديم والجديد عليك ومش هرحمك. نظر لطفي لزوجته وقال بفظاظة: روحي انتي يا كوثر شوفي رواء وأنا عاوز أتكلم مع أخويا. ابتعدت عنهم ثم دلفت لغرفة ابنتها على مضض، لينظر
لطفي لعاصم ويردف بجمود: قصدك إيه بالقديم والجديد يا عاصم.. أنا رافض جواز فارس ورواء عشان شايف مصلحة بنتي مش معاه. حدق به عاصم لبرهة وقال بجدية: وشايف مصلحتها مع مين؟ ابتسم عاصم بخبث وواصل حديثه اللئيم الذي خرج من فمه: يحيى.. يا عاصم يا أخويا، أحنا نجوزهم لبعض حتى عشان نضمن فلوسنا ما تروحش لبعيد. تيقن عاصم من الحديث الذي قاله لطفي ثم استأنف حديثه بأستهزاء: فلوسنا!!! ...
قصدك فلوسي يا لطفي، ما تخلطش الكلام على بعضه.. المزارع والفلوس هتروح لأبني بعد ما أموت.. يحيى فعلاً بيحب رواء بس كأنها أخته الصغيرة. تيقن لطفي على أسنانه وابتسم ابتسامة صفراء، فاستأذن: طب عن إذنك يا عاصم. خرج لطفي من الڤيلا وهو يغمغم بالوعيد وأقسم بأن يسلب ثروة أخيه حتى وأن كلفه الثمن القتل.
خرجت مكية من المصعد بشرود لتتوقف أمام باب شقتها، تنهدت وألقت نظرة للشقة التي خلفها، سألت نفسها لماذا قرر يحيى المغادرة، لماذا وافق على الاتفاق، لماذا ولماذا. أخرجت من حقيبتها الصغيرة المرصعة بالاكسسوارات مفتاح الشقة وقامت بفتحه ودلفت لتجد والدتها تشاهد التلفاز وشقيقاتها، مريم ممسكة بالكتاب وتراجع دروسها ومودة تعبث بالهاتف. نظرت لها هالة ثم قالت بجدية: تعالي يا مكية أقعدي معانا. اقتربت وجلست بجوار مريم لتقول بتساؤل:
امال فين بابا؟ أجابتها هالة بنبرة هادئة: خرج من شوية.. انتي كُلتِ؟ أومأت برأسها وقالت بجدية: آه كُلت شاورما. تابعت هالة سؤال آخر لمكية: انتي إمتى هتروحي الجامعة؟ مريم ومودة ابتدوا من زمان. أراحت مكية ظهرها على الأريكة وأبتسمت في حديثها: يا ماما أنا جامعة لما الجدول ينزل. هزت هالة رأسها وواصلت بنبرة متفهمة: بس يا مكية انتي في كلية تمريض عملي. أمسكت بالريموت وتحدثت بملل: حاضر يا ماما.. هبقى أشوف تسنيم. ثم رمقت
أختها مريم وقالت بحماس: إيه أخبارك في الثانوية.. عقبال ما تجيبي مجموع عالي وتدخلي كلية الطب اللي ما قدرتش أنا أدخله. رفعت مريم كفيها للأعلى وأردفت بدعاء: آمين يااارب آمين. تأففت مودة ثم قالت بأستفزاز: خليكي دكتورة تجميل يا مريم وانتي هتكسبي دهب.. وأبقي عالجي البت اللي جنبك بدل منظرها اللي بيخوفني ويقرف ده. ابتسمت مكية بأصطناع وردت عليها بوجع خفي:
لا أنا بحبها كدة يا مودة.. بقالك ١٦ سنة عايشة معايا ودلوقتي اللي عرفتي انها بتخوفك. رمقت مريم شقيقتها مودة نظرات ذات معنى لتكف عن الشماتة بمكية ولكن لم تهتم فأكملت حديثها اللاذع: انتي بتبرقيلي كده ليه يا مريم؟ مش دي الحقيقة.. والله شكلها وحش أوي بالوحمة.. عاملة زي الغوريلا أنا مش عارفة الناس اللي بتابعك على النت بيتابعوكي على إيه؟ أكيد شفقة.. طب لما تتجوزي هيصحى إزاي بمنظر الوحمة دي.. مش بعيد يطب ساكت ...
ده إذا حد عبرك أصلاً. غضبت مكية من ذلك الحديث فوجهت الكلام لهالة بغضب: شايفة يا ماما؟ جزت هالة على أسنانها وهتفت بتهكم: انتو مابتزهقوش.. عيب يا مودة تقولي على أختك كده.. وانتي يا مكية ماتبقيش حساسة وحمقية أوي، اختك وبتهازرك معاكي مش جديد عليها يعني. نهضت مكية وقالت بضيق: أنا داخلة جوا. أمسكتها مريم من كفها وأردفت بتريث خفيف: خليكي شوية يا مكية.. انتي النهار كله في الخروجات بتاعتك وبالليل في أوضتك.
أبعدت يده شقيقتها ثم قالت بنبرة ضيق حاولت أن تخفيه: عاوزة أتكلم مع تسنيم على الجامعة. ابتعدت عن أعينهم لتسمع مودة تزيد من نبرة صوتها بسخط: عملت مقموصة وهتحبس نفسها في الأوضة وأنا اللي هطلع غلطانة قدامكم. التفت لها ثم قالت بحزن والدموع في مقلتيها: أنا داخلة في أوضتي عشان ماتتقرفيش مني. لتدخل لداخل غرفتها وتغلق الباب خلفها، نهرت هالة ابنتها بسخط: ليه يا مودة دايماً بتحبي تجرحي أختك؟
عملت لك إيه لكل ده.. انتي عارفة إن الموضوع ده بيجرحها. رفعت الهاتف إلى وجهها ولم ترد عليها ثم أكملت العبث بالهاتف. بدلت مكية ثيابها بدون تعبيرات ثم جلست على اللاب توب خاصتها على الفراش وبدأت تحاول إلهاء نفسها عن سخرية مودة بها، لم تستطع. تلقائياً نظرت إلى المرآة التي أمام سريرها. وضعت أصابع يدها على الوحمة بحزن ثم همست لنفسها:
أنا عارفة نفسي وحشة بس مش لازم تفكريني بده كل شوية.. عارفة إن الناس بتقرب مني بشفقة مش حبًا فيا.. يبقى أنا كمان من حقي أغتر وأفتخر بده.. وهفوز في الاتفاق على يحيى عشان هما أكيد هيختاروني أنا ودلوقتي لازم أعرف إيه اللي هشرحه المحاضرة اللي جاية عشان أفوز. عاودت النظر لحاسوبها وبدأت بتجميع بعض المعلومات.
صف فارس سيارته ثم ترجل منها هو ووالدته ودلفا لداخل المنزل، وفي غضون دقائق أخرى وصل يحيى وترجل هو الآخر ثم بدأ في الطرق على الباب. فتح فارس والغضب محفور على وجهه قائلاً: ادخل يا يحيى. دلف يحيى ليجد عمته جالسة على الأريكة ومشاعر مختلطة ظاهرة عليها، أقترب من عمته ثم قبل يدها وأردف بفتور: حقك عليا أنا يا عمتي. ربتت توحيدة على وجنته وجاهدت برسم ابتسامة وقالت:
لا يا حبيبي.. أنا زعلانة من لطفي ليه يضرب فارس، أنا مستحيل أروح تاني. حدق بها لبرهة فأستأنف قوله برفض رادع ولكن سايرها في الحديث: وأنا موافق يا عمتي.. بس الڤيلا بتاعة مين؟ عمي لطفي!! لأ دي ملك أبويا. جلس فارس بجوارهم وتابع الحديث بوعيد: يضربني بالقلم بصفته إيه؟! .. أنا مش هسكت. قاطعته توحيدة بإنكار وقالت بتريث: مش هتسكت يعني هتعمل إيه؟ هتضرب خالك.. أنا ربيتك على كده.. أنا ما قصدتش إنك تضربـ... هتف فارس بنبرة تهكم:
انتي مش فاهمة حاجة، لطفي ده.... وضع يحيى كفه على ركبة فارس لكي يصمت ثم تابع هو بنبرة لامبالاة: طول عمره بيكره الخير لحد. نظر فارس لوالدته ليحثها على الكلام بتساؤل: امال انتي قصدك يا ماما؟ ردت توحيدة بجفاء وهى تنهض: أبعد عن رواء.. لطفي قالهالك صريحة مش هيجوزها لك. كرش بعينيه بعد استيعاب وقال بصدق: بس أنا ورواء بنحب بعض. أكملت حديثها بحدة خفيفة: وأبوها ما بيحبكش يعني مش هيجوزها لك.. شوف لك بنت تانية.
لم تنتظر منه رد وتوجهت إلى غرفتها وقبل أن تدخل قالت ليحيى: انت طبعاً بايت يا يحيى، أوضتك جاهزة أنا ديماً برتبها. ثم أغلقت الباب خلفها بهدوء، لم يتحدث فارس أو ينطق بكلمة فتابع يحيى بتأكيد: هانت يا فارس، كلها أيام وهنكشف لطفي قدام الكل. أومأ فارس رأسه ثم أمسك بيد يحيى وأدخله غرفته وأغلق الباب بهدوء، سأله يحيى: في إيه؟ جلس فارس على السرير وقال بجدية: عاوز أقولك حاجة من اليوم اللي اتخطفت فيه.
تقدم يحيى ثم تمدد على الفراش ونظر بعينيه الرمادية لفارس وقال: حاجة إيه؟ استنشق دفعة من الهواء وزفرها على مهل وقال بتوجس: انت ليه رافض تتعالج من نوبة الصرع؟ أكفهر وجه يحيى وقال بهدوء قاتم: أبويا اللي قالك تقولي كده.. صح! هز رأسه بسرعة فتابع يحيى بنفاذ صبر عندما جز على أسنانه: أنا نفسي تفهم أنت وعاصم القاضي إنها بالنسبالي حاجة عادية.. مثلاً زي الصداع. ثم رفع قبضته ووضعها على جبهته ليلاحظ فارس شيء ملفوف
حول رسغه فسأله بفضول أكبر: طب الحظاظة اللي ديما ملفوفة على إيدك بتاعة مين؟ ومش شايف إنها عليا عليك بكتير. رفعها يحيى أمام عينيه وقال بابتسامة حزينة: بتاعة أخويا.. كان معانا اتنين واحدة لونها رمادي اللي هي بتاعتي وهو السودا على لون عيونا.. بس بدلناهم. أشفق عليه وهمس بأسف: والله أنا أهبل.. كل شوية بفكرك بالحادثة. ابتسم يحيى وحدث نفسه وعيناه على السقف:
وحشني أوي.. كنا ديماً بنلعب مع بعض.. كان أخويا وصاحبي.. نفسي أشوفه ولو مرة واحدة. ربت فارس على كتفه ونهض ثم قال ليحيى: نام يا يحيى بكرة ورانا شغل كتير. ثم أطفأ النور المشتعل وأغلق الباب خلفه، مازال يحيى شارد بالماضي لا إرادياً افتكر مكية التي كذبت عليه أقسم أنه سينتصر عليها ويفعل بها ما شياء بالشهر التي ستخدمه فيه. في منزل (سيف الأديب)
مرت الأيام وعاد يوسف من رحلته فذهب ميسرة لولدها، حاول سيف إبقائها ولكنها رفضت ووعدته بأنها ستأتي لزيارته. خرج فارس من الحمام بعد أن اغتسل كان مرتدي بنطال وأكمل ارتداء قميصه بالخارج، دلف لغرفته وبحث بعينيه على زوجته ثم نظر بالمرآة وبدأ في تمشيط شعره ولكن رأى بأنعكاس المرآة بعد الصور ملقية على الأرض عند الدولاب، أدار جسده وأقترب منها ثم أنحنى وبادر في جمعهم. أوقفته صورة عزيزة على قلبه رفعها أمام عينيه وأبتسم بحزن.
كانت صورته عندما كان صغير مع رفيقه بالملجأ، طفلين ملابسهم غير مهندمة ولكن الابتسامة التي هم بها ومحتضنين بعضهم البعض جعلت سيف يبتسم وهمس بحزن: يا ترى أنت فين؟ .. وحشتني أوي يا حبيبي.. كنت فرحان إن في عيلة هتخدني وهتبعدني من ذل الملجأ وتعذيبه لينا. ثم شمر عن ساعده ليرى بعض من أثر إطفاء السجائر منقوشة كالوشم عليه، تنهد بحزن وهو يسترجع بذكرياته المؤلمة البائسة.
بداخل إحدى دور الأيتام الحكومية حيث الأطفال اليتامى ومجهولي الأبوين، يتم التعامل معهم على أنهم مجرمين وما هم إلا أطفال بريئة. بعد وفاة والديه بحادثة سير مدبرة من عمه قام بإلقاء سيف في دار للأيتام واستولى على الأموال. لم يدرك سيف على صاحب واحد فقط والذي اعتبره أخاه كان دائماً يدافع عنه من مديرة الدار.
كان سيف يلعب مع رفاقه من نفس الدار وتمت مشاجرة أدت إلى استدعاء المشرفين حتى مديرة الدار "علوية" التي غضبت وقامت بمعاقبة سيف. صرخت علوية بغضب: أنت قليل الأدب وماتربتش بتضرب زميلك ليه. ألفتت للجانب الآخر وحملت عصاتها وهوت بها على جسد سيف الصغير ذو التسع سنوات. كان سيهرب منها لولا المشرفات اللاتي أمسكن به وأحكمن تقيده لتستمر علوية بالضرب على أجزاء مبعثرة في جسده، ألقت العصا جانباً وقالت بحدة:
لو عرفت إنك زعلت حد في الدار أنا هضربك تاني وهطفي السجاير في إيدك زي آخر مرة انت والزفت صاحبك.. غور من وشي. خرج سيف من مكتبها بألم في جسده ثم توكأ على الحائط حتى خرج وسار ليجلس أسفل السلم المتهالك المتسخ يبكي، اقترب من فتى آخر بنفس عمره ووضع يده على كتفه وقال بقلق طفولي: انت صح ضربت عصام؟ ولا هو اللي ضربك؟ طب مين عمل فيك كده؟ رفع رأسه وعبراته تتدحرج على وجنتيه وقال ببكاء:
أنا ما ضربتش حد.. أنا وعصام اتخانقنا وماما علوية ضربتني. جلس بجواره واحتضن رفيقه ثم قال بتوعد: انت وعصام اتخانقتوا ليه؟ واصل سيف حديثه ببكاء وتوجس: سرق حظاظتي. تلقائياً خلع الحظاظة من رسغه وأعطاها لرفيقه وقال بجدية طفولية: خد بتاعتي وأنا هجيب الحظاظة من وليد وهشوف ماما علوية. ثم سار على مهل حتى خرج للفناء ووجد الأطفال يلعبون، اقترب من وليد وحدثه بحدة: فين الحظاظة بتاعة سيف؟ دفعه وليد ثم أخرج من جيبه حظاظة طفولية ولوح
بها في وجهه وقال بأستفزاز: أهي.. بس مش هتاخدها دي بقت بتاعتي. ألقى بنفسه على وليد ليختل توازنهما ويقعا، ضربه على وجه وسحب الحظاظة منه ونهض وقال بغضب طفولي: مالكش دعوة بسيف. والتفت بجسده وتوجه إلى مكتب علوية، كانت منهكة ومريحة ظهرها للخلف وواضعة كفها على وجهها، سمعت بأقدام تدلف لها فأبعدت يدها وقالت بملل: عاوز إيه انت كمان؟ أجابها بشجاعة عالية: أنتِ بتضربي سيف ليه يا ماما علوية؟ لوت علوية فمها بضيق وردت
عليه بنفس النبرة الباردة: عشان أنا مش ماما حد فيكم ومش هكون أحن عليكم من أهلكم اللي ماتوا أو اللي رموكم هنا، وامشي عشان أنا مخنوقة لاحسن أطلع غلي كله فيك. غمغم ببعض الكلمات الحانقة فسمعته وقالت بحدة بعد أن اعتدلت: تعالى هنا ياض.. أنت قلت إيه؟ عاد إليها وق بشجاعة طفولية: بقول إنك ست ظالمة. وقفت علوية ثم اقتربت منه وأردفت بغضب في وجه الطفل: بقا أنا اللي ظالمة؟!
.. مش أمك وأبوك يعني اللي جابوك بالحرام وأول ما ولدتك رمتك في الشارع وكانوا هيحرقوك والكلاب تكون أحن منهم ويحموك. لم يفهم حديثها الدائم تعيده له فقال بعدم فهم طفولي: يعني إيه ابن حرام اللي ديما بتقوليهالي ومش بتقوليها لحد غيري؟ ابتسمت علوية بتهكم وقالت بسخرية: عشان دي الحقيقة اللي هتفهمها لما تكبر.. إنك ابن حرام أبوك وأمك رمووك في الشارع عشان عاوزين يخلصوا منك لكن من رحمة ربنا الكلاب هي اللي نجدتك.
عارف أكيد أبوك وأمك عايشين وأحلى عيشة وانت اللي بتدفع التمن هنا وهتعيش طول عمرك بالعار مفيش حد هيحبك ولا واحدة هتقبل تتجوزك. مين بقا الظالم أنا اللي أخدك وربيتك في الدار ولا أبوك وأمك اللي رمووك في الشارع؟ لم يستوعب حديثها وصرخت به في عصبية: اخرج برا. خرج من المكتب وهو في حالة صدمة عالية، عاود لصديقه المتألم ليخرج الحظاظة من جيبه ويضعها حول رسغه وقال بشرود: أنا هاخد بتاعتك وأنت خد بتاعتي. أومأ سيف رأسه
ثم سأله بفضول ممزوج بتوجس: هي أخطبوط البحر ضربتك؟ نظر له وقال بشرود ممزوج بتساؤل: يعني إيه ابن حرام؟ اللي ديما بتقولها لي. مط سيف شفتيه بحيرة ثم قال ببراءة طفولية: ممكن قصدها إن باباك ومامتك حرام إنهم جابوك في الزمن ده أو البلد دي.. كان المفروض إنهم يجيبوك في زمن غير الزمن ده أو بلد تانية غير البلد دي. ابتلع ريقه وشعر بهزة في يديه ليحاول أن يتحكم بنفسه ولكن ظل جسده يتحرك وسيف متعجب وقلق عليه، أمسكه
من يديه وهو يقول بقلق: انت بتعمل كده.. رد عليا. استمر جسد الطفل بالأرتعاش حتى توقف وكأنه جماد ليغشى عليه ويستكين. أفاق سيف من ذكرياته ثم لملم الصور لتدخل سوزان الغرفة وقالت بتعب: سوري يا سيف ابنك المستفز جه وكركب كل حاجة.. أنا هلمهم. اقتربت سوزان من زوجها وجثت على ركبتيها ولكن كان سيف بالأسرع وأمسكهم وأدخلهم داخل الدرج وأردف بجدية: عادي يا سوزي أنا دخلتهم. ثم نهض وهو ممسك بها وقال بلؤم:
ماله بقا ابني المستفز هو كان ابني لوحدي.. يخسر ويكسر براحته.. أنا بفكر أخاويه. وضعت سوزان يديها على صدره ثم قالت بدلال: من دلوقتي.. ده أنا لسه فطمة. دفعها على الفراش ثم جثى عليها وقال بنبرة تأكيد: ما أنا عاوز أخلف عيال كتير صبيان وبنات عاوز يبقا عندي عزوة كبيرة. قبلها بعشق وهيام ولم يلاحظ بأبنه الصغير الذي تسلل ودلف للغرفة ليقول بتعلثم كبير: بابا. ابتعد سيف عن زوجته وظل يجوب برأسه لكي يرى ابنه فقال بنفاذ صبر:
عاوز إيه يا قدر بابا؟ أمسك بقدم أبيه وتابع حديثه: بابا. انحنى سيف ليصل لمستواه ثم رفعه وجلس به على الفراش وقال بسخرية: هادم اللذات ومفرق الجماعات يا حبيبي. ثم نظر لزوجته وقال بغيظ: سُكي على موضوع الخلفه يا قلبي.. كفاية الباشا مقطع عليا العيشة. تمدد سيف على الفراش وابنه فوقه ثم قال بابتسامة: تعالي في حضني يا قلبي.. هنام. تمددت هي الأخرى بجانب زوجها وقالت بحب وهي تلف يدها فوق ابنها: ربنا يحفظكم ليا.
قبل وجنتها ولكن الصغير وضع يده على فم أبيه وأستاء وآجهش بالبكاء، اعتدلت سوزان وحملت طفلها ونهرت زوجها: عاجبك كده أهو زعل. ابتسم سيف وقال بسخرية: دي بوسة بريئة. ليعتدل ويقبل ابنه ثم أردف بتذمر مصطنع: ما تزعلش يا حبيبي.. ده أنا بدي الدوا لماما. وتمدد مجدداً كذلك زوجته نامت بجواره ووضعت ابنها في المنتصف. في صباح اليوم التالي استيقظ يحيى على صوت فارس باهتياج والعصبية: اصحى يا يحيى في مصيبة. فتح يحيى
مقلتيه وأردف بسخرية أكبر: عاوز أنام وبطل كدب. هتف فارس بسخرية وهو يجلس بجواره: حبيبك قدم بلاغ فيك والشرطة مستنياك في المزرعة. انتصب يحيى وردد بعصبية: مين؟ تثائب فارس ثم قال بنبرة استفزاز: الدكتور سيف. دفع يحيى فارس لكي يقف وتوعد في نبرته: ده لعب في عداد عمره.. أنت بارد كده ليه ما تعمل حاجة. التقط يحيى ثيابه وأرتداها على عجالة وتوجه إلى المزرعة هو وفارس.
صف يحيى سيارته وأسرع للدلوف للداخل وخلفه فارس ليجدوا ضابط وسيف جالسين، هتف يحيى بغضب عندما اقترب من سيف: أنت فاكر نفسك مين عشان تـ... وقفه الضابط بنبرة رسمية: أنا جاي هنا عشان عارف إن ليكم وضع ومش عاوز أعمل شوشرة.. بس اسمعني الدكتور سيف ما غلطش. تحدث يحيى ومسلط أنظاره على سيف بغضب: لا غلط لما بيتهم المزرعة بحاجة مش موجودة. أومأ الضابط رأسه بتفهم ليقول بجدية:
وأنا مع حضرتك طالما حضرتك متأكد بكده احنا هناخد عينة من الزرع للمعلم وهو اللي هيحكم. أردف فارس بجدية: اتفضل حضرتك أحنا موافقين. أشار الضباط للمهندسان الزراعيان وهو خلفهم وسار فارس أمامهم، ظل يحيى وسيف يرمقون بعضهم بغضب. فابتسم يحيى وقال بسخرية ممزوجة بأستفزاز: تصدق وتؤمن بالله.. أنا كنت عاوز أعتذر لمراتك بس بعد اللي حصل هعمل حركة ماتعجبكش.. تاخد كام وتحل عن سمايا. أصطنع سيف الصدمة ثم واصل حديثه بغيظ:
أنا هفضل زي عملك الردي لحد مانطهر البلد من الأشكال دي. صاح يحيى يغضب: وأنت ماااالك.. خليك في حالك.. أنت مش دكتور بشري خليك في البنأدمين مالك ومالك الزرع. ربع سيف ذراعيه ورد عليه بتلقائية: ماهو أنا اللي هعالجهم يا جاهل. جز على أسنانه وتناسى كل شيء عندما قال بتحذير: لا فوق واعدل نفسك أنت بتكلم الدكتور يحيى القاضي اخصائي تنمية بشرية. رد عليه سيف بنبرة جدية:
طب خاف على الناس اللي هتتضر لما تاكل الفواكه والخضار.. وأتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله. اقترب يحيى منه وأجابه بسخرية أكبر: وأنت مش راجع معانا ولا إيه؟ بادله سيف نظرات سخط ولم يتحدث وأستمر شجار العيون بينهم إلى ان جاء فارس وقال بجدية: الظابط والباشمهندسين مشيوا. أردف يحيى بسخرية: مستني إيه يا دكتور يا بشري يا حشري ماتمشي ولا نحضر فطار. ابتسم سيف في وجهه باصطناع وغادر أمام عينيه، فقال فارس برضا:
الحمد لله، منعنا كل المواد المسرطنة كان زمانا بناكل عيش وحلاوة. جلس يحيى على المقعد بوجه متهجم وظل يفكر في أشياء كثيرة وأهمها مكية فاليوم الاتفاق ثم همس لنفسه بوعيد: أنا هعلمك إزاي تتجرأي وتفكري إنك تتحديني إزاي يا أم وحمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!