ابتسمت له براء بحزن، ثم خرج هو من الغرفة وترك لها بعض المساحة حتى تقرأ الرسالة براحة. تنهدت هي بحرارة وفتحت الرسالة وبدأت في قراءتها.
"براء .. صديقة طفولتي .. عارفة إنك دوختيني طول السنين اللي فاتت، قلبت عليكِ القاهرة كلها وللأسف ما كنتش بوصل لحاجة في الآخر. ما كنتش متخيل إني ألاقيكي في إسكندرية. أنا مش عارف هتجمع بيكي في الدنيا ولا لأ، أنا بكتبلك الرسالة دي دلوقتي ومش عارف قدري مخبي إيه. بس لو جرالي حاجة من قبل ما أشوفك هتكوني بتقري الرسالة دي دلوقتي. كان نفسي أكون قاعد بتكلم معاكي دلوقتي بدل الرسالة دي، بس القدر مدانيش فرصة إني أعمل كده.
تعرفي إني فرحت أوي لما عرفت إنك ناجحة وإنك عملتي لنفسك حياة جديدة برغم كل اللي حصلك. واتصدمت لما عرفت قد إيه كنت قريبة مني وأنا مش شايفك. مش مسامح نفسي إني معرفتش صوتك يومها في الموبايل، بس النصيب. أنا عارف إنك دلوقتي عندك علم بوصيتي لأني قولت لياسر إنه يديكي الرسالة دي بعد ما تعرفي الوصية وبس. وأنا عارف إنك اتضايقتي ورفضتي، بس أنا مش هقولك غير حاجة واحدة. بنتي أمانة في رقبتك يا براء. أنا مش عايز أضغط عليكِ، بس أنا مش عايز بنتي تتبهدل من بعدي. مش عايزها تفقد الأمان والاستقرار، عايزها تحس بحنية الأم وخوف الأب. أنتِ أكتر واحدة عارفة شعور الحرمان من كل ده إيه يا براء. لو تقبلي بنتي تعيش نفس اللي عشتيه، ارفضي، وساعتها هتتحط في ملجأ.
وطلبي الأخير منك إنك تشوفي ملك مرة واحدة بس، بعدها قرري. بس أنا عندي ثقة إنك هتحافظي على بنتي. وأخر حاجة عايزك تعرفيها هي إن يامن ما تخلاش عنك. يومها والدته حبسته في البيت عشان كده معرفش يجيلك، وأنا ما كنتش أعرف كده. ولما خرج كنتِ اختفيتي. هو كمان اتظلم وعاش أسوأ سنين حياته خلال السبع سنين دول. أنتوا الاتنين اتظلمتوا والدنيا كانت قاسية عليكم، بلاش تكونوا أنتوا كمان قساة على بعض. كانت الدموع تنسال على وجه براء بغزارة.
طرق الباب وقالت فاطمة: "براء أنتِ صاحية؟ مسحت براء دموعها بسرعة وقالت: "أيوه يا ماما اتفضلي." دخلت فاطمة إلى الغرفة وانتفض قلبها حين وجدت آثار الدموع ما زالت على وجهها. ابتسمت لها بحنان وقالت: "أنا عارفة إنه اختبار صعب عليكِ، بس لازم تفكري صح. بعيداً عن خالد وعن يامن، افتكري إن في بنت صغيرة حياتها متوقفة على قرارك."
"كله بيرمي الحِمل عليا ويضغطني ومحدش فكر فيا. محدش فكر أنا حاسة بإيه دلوقتي ولا إيه النار اللي جوايا. حتى وأنا صغيرة كان كله بيجي عليا وبيحطوا الذنب عليا في كل حاجة. وفي اللحظة اللي كنت فاكرة فيها إني اتخطيت اللي فات لقيتني رجعت لمكاني. للدرجادي قدري مش راحمني." "مش قصدي أضغطك يا بنتي، بس أنا لازم أقولك كده عشان أكون عملت اللي عليا. أقولك حاجة بس متزعليش مني." نظرت لها براء بتساؤل، فأكملت فاطمة:
"أمبارح لما شوفت يامن، قلبي ارتاحله. زي ما ارتاحلك من سبع سنين. أنا عارفة إنك رفضتي عشانه، بس ليه ما تديهوش هو كمان فرصة تانية؟ أنا معاكي إنه غلط في حقك وظلمك، بس متنسيش إنه هو كمان اتظلم. يكفي بُعدك عنه السنين دي كلها. لو ما كانش حُبه ليكي حقيقي ما كانش استناكي كل السنين دي." "طب وخالد؟ "سيبك من خالد دلوقتي، فكري في حياتك." نظرت لها براء بصمت وفكرت في كلامها، وبالفعل بدأت فاطمة في إقناعها. أردفت فاطمة:
"أنا هسيبك تفكري في كلامي وقوليلي قرارك في الآخر." وجاءت لتنهض من مكانها، ولكن براء أمسكت يدها لتمنعها وقالت: "أنا هسافر بكرة القاهرة. هروح أشوف ملك وهسيب قلبي اللي يقرر." ابتسمت لها فاطمة وقبلتها من جبينها وقالت: "أنا بنتي أطيب بنت في الدنيا." ابتسمت لها براء وخرجت فاطمة من الغرفة، وتركت براء لتغرق في أفكارها مرة أخرى.
وبعد أن رحل يامن من بيت براء في الأمس، ذهب إلى أحد الشقق الذي استأجرها حتى يقيم فيها تلك الفترة حتى يقنع براء. جلس بشرود وكان ياسر بجانبه، فقال يامن: "أنا مش مرتاح للي اسمه خالد ده." "دي غيرة؟ "لا مش غيرة. شكله مش غريب عليا، حاسس إن وراه حاجة." نظر له ياسر بتساؤل وقال: "ليه بتقول كده؟ "مش عارف. ياسر، تعرف تدور وراه." "أكيد." "تمام." صمت يامن، وأخرج ياسر رسالة كريم إليه وأعطاه إياها وقال:
"دي رسالة كريم ليك. هسيبك تقرأها عن إذنك." ثم نهض من مكانه وتركه بمفرده حتى يقرأ تلك الرسالة. تنهد يامن بضيق، ثم فتح رسالة كريم له وبدأ في قراءتها. "صديق طفولتي ومراهقتي وشبابي. مش عايز زعلك عليا ينسيك أيامنا الحلوة. حظي في الدنيا كان أنت، إن يكون عندي صاحب جدع زيك." أبعد يامن عنه الرسالة وانفجر في البكاء. لم يحتمل أن يقرأ كلمة أخرى. انتظر حتى يهدأ قليلاً ثم عاد إلى الرسالة مرة أخرى.
"أوعى في يوم تعيط لما تفتكرني. افتكر إن دموعك دي ما كنتش بتنزل وأنا عايش. خليك زي ما انت وأنا معاك وعمري ما هسيبك. عايزك تعرف إن الدنيا مش مستاهلة نبعد عن بعض، وإن خلافاتنا تعمي عيوننا وقلوبنا على الحقيقة، وهي إننا مش دايمين فيها. عايزك تصلح كل حاجة غلط في حياتك وأنا فتحتلك الباب. بنتي أمانة في رقبتك يا يامن، وأنا مش هقلق عليها طول ما هي معاك. ومش هقلق على براء كمان طول ما هي معاك. بلاش تضيعها من إيدك تاني. أنا مش هعرف إذا كانت رسالتي ليها هتوصل ولا لا، بس في كل الحالات أنا قولت لياسر إنه يقولك عنوانها وأنت اللي تروحلها. وتخليها تعرف الوصية وتحققوها انتوا الاتنين. أنا واثق فيك يا يامن. خلي بالك من نفسك يا صاحبي."
وضع يامن الرسالة بجانبه وظل يبكي بقهرته على صديقه، حتى تذكر كلماته وابتسامته الدائمة لتهون عليه الذكريات نوعاً ما وتطفئ النار المشتعلة داخل قلبه. أنت لا تعرف ما هو شعور أن تخسر شخصاً ما كان بمثابة النور بعينيك. *** في المساء.. دلفت حنين إلى براء الجالسة بمفردها، جلست بجانبها بهدوء وقالت: "مفيش أخبار عن خالد؟ "لا. من ساعة ما مشى وقت كتب الكتاب وهو مش بيرد عليا." "أحسن برضه." نظرت لها براء فجأة وقالت:
"أنتِ مبسوطة إن فرحتي اتكسرت؟ "دي كانت فرحة كدابة يا براء. فرحتك الحقيقة وصلت امبارح في كتب الكتاب." تنهدت براء بضيق، فقالت حنين بابتسامة: "طب بزمتك مفرحتيش إنك شوفتيه. ده بقى زي القمر يا براء، بقى شبه الأتراك كده. عارفة الواد اللي كان في مسلسل الحب الأعمى ده تقريباً. كنت شغالة عند واحدة بنتها بتموت في المسلسل ده، من ساعتها البطل معلق معايا." ضحكت براء رغماً عنها وقالت:
"أنا في إيه وأنتِ بتتكلمي في إيه يا بنتي، ارحميني." "ضحكتي يبقى فرحتي يا لئيمة." صمتت براء وهي لا تنكر، فقد شعرت بسعادة خفية من كل ما يحدث حولها، ولكن كبريائها يمنعها من إظهار تلك الفرحة. قالت حنين: "هتعملي إيه دلوقتي؟ "هروح بكرة القاهرة أشوف البنت." "طب وأنتِ تعرفي مكانها أصلاً؟ "لا." "طيب هتروحي إزاي؟ ياسر ويامن لسه في إسكندرية." سكتت براء قليلاً ثم قالت: "وأنتِ عرفتي منين؟ أنا ليه حاسة إنك كنتِ عارفة إنهم جايين."
صمتت حنين، فقالت براء: "ردي عليا." "بصراحة كده، قبل ما يدخلوا الأوضة عندك، يامن عرفني وقالي كل حاجة وأنا شجعته جداً." "كل ده وأنا معرفش! "يا براء بطلي عنادك ده بقى." "ده مش عِناد! ده اللي المفروض يحصل." "طيب وبنت كريم، هتقدري تسيبيها تتحط في ملجأ؟ صمتت براء بحيرة، فقالت حنين: "عموماً، شوفي أنتِ هتعملي إيه وأنا معاكي." ثم نهضت من مكانها. زفرت براء بضيق، وفي تلك اللحظة صدع هاتفها رنيناً برقم خالد فردت عليه:
"خالد.. ما كنتش بترد عليا ليه؟ "معلش كنت مضايق شوية." "أنت كويس يعني؟ "آه. براء، أنا عايز أعرف إيه آخرة قصتنا دي." "أنت عايز آخرها يكون إيه؟ "أنا عايز أرتاح وبس. وبعد وصية امبارح دي أنا مش عارف ردك عليا هيكون إيه." "أنا مش عارفه يا خالد وبجد تعبت، مش عارفه أعمل إيه." "أفهم من كلامك إيه؟ "أنا عايزه وقت أفكر كويس." "اللي يريحك يا براء. أعملي اللي أنتِ عايزاه."
ثم أنهى المكالمة في وجهها، وزفرت هي بضيق. فكرت للحظات ثم نهضت من مكانها وذهبت إلى حنين وقالت: "تعرفي فين يامن؟ "أيوه، هو وياسر قاعدين في شقة الفترة دي." "طيب، أنا عايزه أشوف ياسر." نظرت لها حنين بتساؤل وقالت: "ماشي، نروح بكرة." "تمام." في اليوم التالي.. استيقظ يامن من نومه بقلق وخرج من الغرفة وجلس على الأريكة بتعب وظل يفكر في براء وفي قدرهم الغير معروف. أستيقظ ياسر أيضاً وحضر لهم بعض الطعام وجلس مع يامن وتناقشوا في
بعض الأمور حتى قال يامن: "مادام ده اللي كان شاغل كريم الفترة اللي فاتت، إيه موضوع التقارير اللي في خزنة مكتبه دي؟ قال ياسر بتوتر: "أنت عرفت موضوع التقارير دي منين؟ "السكرتيرة قالتلي. عموماً، الخزنة مش عايزة تتفتح أصلاً. لما أفوق من موضوع الوصية هبقى أشوفها." صمت ياسر بتوتر، وصدع هاتف يامن رنيناً وكانت عالية والدته. رد عليها فقالت: "عامل إيه؟ "الحمدالله." صمتت عالية للحظات ثم قالت: "هتتأخر عندك؟
"مش عارف. لحد ما أخلص اللي جاي عشانه." "وهي كان رد فعلها إيه؟ "رفضت. هي مش راضية توافق بسبب اللي أنتِ عملتيه زمان، مش عايزة تعيش نفس التجربة تاني." "كنت عايزني أعمل إيه يعني؟ أي أم في مكاني كانت هتعمل كده! "لا مش أي أم. أنتِ مش بس بعدتيني عنها، أنتِ كسرتيها! "خلاص يا يامن، مش وقت الكلام ده. ياريت." أثناء حديثهم هذا، طرق أحدهم على الباب، فنهض يامن من مكانه وترك هاتفه مفتوح. فتح الباب ليجد براء أمامه تطالعه بثبات!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!