صدع جرس المنزل. ذهب جمال وفتح الباب ليامن، وقد أخبرته براء أنه سوف يأتي لها في وجود خالد. ولكن يامن لم يكن بمفرده! دخل يامن وخلفه شخص ما. وعندما دخل عليهما، نظر خالد إلى الشخص الواقف خلف يامن بصدمة كبيرة. وقفت براء مكانها ونظرت إلى يامن بتساؤل. ابتعد يامن عن تلك الفتاة التي تقف خلفه وقال: "أكيد يا خالد عارف مين مريم مش كده؟ تقدم خالد منها وظل ينظر لها بصدمة وعدم تصديق. وبدون أي مقدمات، أخذها في أحضانه!
نظرت له براء بدهشة. فقال خالد بخوف: "إنتِ كنتِ فين كل السنين دي؟ ابتعدت عنه مريم قليلاً وقالت: "والله؟ ما أنت اللي اتخليت عني بمزاجك." قالت براء بعدم فهم: "هو في إيه أنا مش فاهمه حاجة." قال يامن: "مريم بعد أذنك ممكن تحكي كل حاجة." تنهدت مريم ثم قالت: "أقول إيه بس." ثم نظرت إلى خالد وصاحت به: "إنت ليه عملت كده؟! كل السنين دي أنا وبنتي بنعاني بسببك! قال خالد بصدمة: "بنتك؟! أنا مش فاهم حاجة." قالت براء:
"ممكن تفهميني أكتر قصدك إيه." قالت مريم: "أنا وخالد كنا زمايل في الجامعة، هو كان أكبر مني بسنتين.. اتعرفت عليه في أول سنة ليا. كنت مغتربة عن أهلي عشان الجامعة بتاعتي كانت في إسكندرية.. وفي أول سنة احنا الاتنين حبينا بعض جداً وخالد كان كويس أوي معايا.. أنا مش عارفة ليه حكايتنا قفلت على كده." قالت براء: "كملي."
-"وفي آخر سنة ليا وعدني أنه هيطلب أيدي من بابا خلاص لأنه مكنش عنده جيش، هو وحيد أهله. وأنا صدقته.. كنت بثق فيه لدرجة أني مكنتش بفكر في نفسي وأنا معاه.. وبعد ما اتخرج جالي حالة وفاة وكان لازم أرجع للبلد تاني. ومن بعدها وهو اختفى. حاولت أوصله بكل الطرق معرفتش.. اتصالات ورسايل ولا كان ليها لازمة. والمصيبة لما اكتشفت بعدها أني حامل." شهقت براء بفزع. فأكملت مريم:
"لما أهلي عرفوا كانوا هيقتلوني وده كان هيحصل فعلاً لولا ابن عمي هو اللي هربني من هناك. ومكملتش الكلية بتاعتي بسبب الحمل.. وابن عمي ده صاحب يامن. وقتها كلمه وسفرني القاهرة وخلاني أشتغل في الشركة عنده لحد ما ولدت بنتي نور. ومن ساعتها وأنا عايشة ليها ودلوقتي هي عندها ٦ سنين! قال خالد بصدمة: "أنا عندي بنت!! بس أنا متخليتش عنك يا مريم. أنا جيتلك البلد وعزيت خالك التاني!
ووقتها هو قالي أنك مخطوبة لابنه وهددني وأنا اللي حاولت أوصلك واتصلت بيكي كتير معرفتش وبقيت أروحلك الجامعة كل يوم على أمل أني أشوفك ده محصلش! نظرت له مريم بتساؤل: "محدش قالي أنك جيت! طيب قولي أي إمارة عشان أصدقك." -"يومها حصلت حالة وفاة تانية في البلد وطفل صغير اللي اتوفى." نظرت له مريم بدهشة وقالت: "طب وخالي هيعمل كده ليه؟!
-"مش عارف.. بس أنا متخليتش عنك. ربنا يعلم أني فضلت أدور عليكِ.. أنا عندي ٣٠ سنة ولحد دلوقتي متجوزتش. كنت خايف بعد ما أخد الخطوة دي ألاقيكي. وفجأة براء ظهرت قدامي وحسيت أني اتشدت ليها وأنا عمري بيجري.. لكن أنا مش وحش يا مريم! نظر له يامن بتعجب. فقال خالد إليه: "انت إزاي عرفت بالموضوع ده."
-"مرة مريم ورتني صورة ليك معاها أيام الجامعة. ولما شوفتك يوم كتب الكتاب كنت حاسس أني شوفتك قبل كده بس مش عارف فين.. ولما ركزت افتكرت وروحت لمريم." أقترب خالد من مريم وقال: "مريم أنا مش وحش.. وأنتِ عارفه أني مش وحش. كل اللي حصل ده كان غصب عننا." نظرت له مريم بدموع وقالت: "أنا اتبهدلت واتهانت أوي طول السنين دي.. بقوا يقولوا عليا واحدة معندهاش شرف.. كنت بواجه كل ده لوحدي وكان ذنبي بس أني حبيتك."
-"أنا آسف.. أنا عارف أنها مش هتعمل حاجة بس أرجوكي سامحيني ده كان غصب عني." ثم صمت للحظات وقال: "أنا عايز أشوف بنتي." مسحت مريم دموعها وقالت: "نور تحت في العربية." ثم نظرت إلى يامن فأومأ برأسه ونزل. وبعد لحظات دخل الغرفة ومعه بنت صغيرة تشبه أباها جداً. تنظر حولها بتعجب وتساؤل كبير. وعندما وقع بصرها على أمها ركضت نحوها سريعاً وقالت: "إنتِ روحتي فين يا ماما.. خوفت لما لقيتني لوحدي."
نظر لها خالد برهبة وعيون متسعة. تلك هي ابنته! نزلت مريم إلى قامتها وقالت: "حبيبتي متخافيش.. فاكرة لما سألتيني عن بابا امبارح." -"أيوه.. ماله؟ -"فاكرة أنا قولتلك أيه؟ -"أيوه.. قولتي أنه مسافر عشان يجيبلي حاجة حلوة كتييير." -"بابا رجع دلوقتي يا روحي." نظرت لها نور بصدمة وقالت: "إيه!! هو فين ده واحشني أوي." -"أهو واقف قدامك." نظرت لها نور حولها بتعجب وقالت: "هو فين.. ده عمو يامن وده.."
وتوقفت فجأة حين نظرت إلى خالد. كان يطالعها بصدمة وعيون قد ترقرق بها الدموع. اتجهت إليه فنزل إلى قامتها وقالت وهي تتفحص وجهه: "ده أنا طلعت شبهه فعلاً زي ما قولتيلي يا ماما.. أكني خالد صغير." ثم احتضنته الفتاة الصغيرة بحب واشتياق. تنهد خالد بدموع وحملها بين يديه. فقالت نور: "إنت كنت فين كل السنين دي يا بابا. عارف إني زعلانه منك أوي.. الشغل مش أهم مننا عشان تفضل معانا.. بس خلاص أنا مسامحاك بس أوعدني متبعدش عننا تاني."
أنزلها خالد وأخذتها مريم بين يديها وقالت: "لو مش عايز تعترف بينا أنا مش هجبرك على حاجة.. لكن أنا كده خلصت ضميري." مسح خالد دموعه وأبتسم بقلة حيلة. ثم نظر إلى براء وقال: "براء.. أنا آسف لو كنت وعدتك بأي حاجة بس أنا مش هقدر اتخلى عن عيلتي اللي ظهرت من الفراغ ولا هقدر أظلمك معايا.. يامن بيحبك وكده كل واحد بقى مع نصيبه خلاص." نظرت له براء بدهشة وقالت: "يعني إيه؟
-"يعني أنا مش هكمل في الجوازة دي.. ربنا بعتلي هدية من عنده نور بنتي ومريم هحاول اعوضهم حتى لو جزء صغير من اللي فات منهم ومني.. الدنيا فرقتنا مرة بس مش هتفرقنا تاني." ثم أتجه إلى مريم وأمسك يدها وقال: "حقك عليا من أي حاجة شوفتيها.. أول حاجة أحنا هنتجوز على سنة الله ورسوله وبنتي تتكتب على اسمي بعدين نسافر البلد عندك.. أنا معاكي ومش هسيبك حقك عليا." بكت مريم بقهرة وقالت:
"عارف أن نور فاتها السنة دي من المدرسة عشان مش عارفها أقدملها ورق. أنا تعبت اوي يا خالد والله." -"مفيش تعب تاني والله خلاص أنا معاكي." أتجه إليه يامن وقال: "واضح أني كنت فاهمك غلط.. بس سوء التفاهم ده جه بفائدة على الأقل اتجمعت ببنتك.. الدنيا دي غريبة يا أخويا." قالت براء:
"الدنيا مكنتش قاسية علينا احنا بس.. كانت قاسية عليكم انتوا كمان. أنا عمري ما ممكن اتخيل إحساس مريم وقت ما عرفت أنها حامل وهي لوحدها.. إنك تربي بنت لوحدك لمدة سبع سنين ده نفسه حاجة صعبة.. حتى خالد إحساسك إنك مش عارف توصلها صعب.. زي يامن.. اقدارنا كانت من غير رحمة معانا.. لكن في الآخر ربنا عوض صبر مريم خير وجمعها بخالد." قاطعها يامن وقال: "وجمعني بيكي." تنهدت براء بضيق. فقال:
"براء أرجوكي بقى خلاص.. كفاية كل البُعد ده." قال خالد: "أنا قولت اللي عندي وآسف جداً يا براء.. عن اذنكم." ثم أخذ مريم وابنته وخرج من البيت. كانت مريم تنظر له بابتسامة فرحة وعيون متفائلة وشعرت براحة كبيرة جداً في قلبها. وأخيراً عوضها الله عن كل حزنها وقسوة الدنيا معها. قال يامن إلى براء: "أعتقد مفيش عندك حجة تاني.. دلوقتي أنتِ مش مخطوبة." -"يامن أنت ليه مصمم تصعب كل حاجة عليا." أنفعل يامن قليلاً ليقول:
"لا أنا مش بصعب حاجة عليكِ أنتِ اللي مصممة تبقي عنيدة يا براء! -"مامتك والمجتمع يا يامن." صرخ بها يامن بغضب عارم: "في داهية كل حاجة!! محدش منهم فادني لما قلبي اتكسر عليكِ!! محدش فيهم فادني وأنا إحساسي بيقتلني كل يوم بسبب اللي حصل بينا. أنا مش فارق معايا حد غيرك! تنهدت براء بضيق. فقال: "براء وافقي بس أرجوكي.. وأوعدك عمري ما هتخلي عنك والله." قالت براء بدموع: "خايفة.. خايفة اتعشم تاني وتخذلني." أمسك يدها وقال:
"والله عمري.. عمري ما هعمل كده. ثقي فيا المرة دي بس.. أرجوكي." وفي تلك اللحظة دلف جمال وكان فاطمه وحنين. وقال: "المرة دي أنتِ مش لوحدك يا بنتي.. أنا وماما وحنين معاكي. أحنا عيلتك وهنفضل طول عمرنا جمبك ومش هنسمح أنه حد يقل منك تاني.. مش كده ولا إيه." قالت حنين: "أيوه طبعاً.. وافقي بقى يا براء عشان خاطري." صمتت براء للحظات. ثم قال يامن:
"براء.. والله العظيم لو موافقتيش هخرجك من هنا أرمي نفسي قدام أي عربية عشان أخلص بقى." قالت بسرعة: "بعد الشر! أبتسم يامن. فصمتت هي للحظات ثم قالت: "يعني أنت عايز فرصة بس؟ -"أيوه واحدة بس." -"ولو خذلتني؟ -"ساعتها أنا اللي مش هوريلك وشي تاني." -"ماشي يا يامن.. أنا هديك فرصة." ضحك يامن بفرحة. فقالت هي: "بس سيبني فترة لحد ما أتقبل الوضع." -"خدي الوقت اللي أنتِ عايزاه."
تجهت اليها حنين واحتضنتها بحب. وكذلك فاطمة. ثم انسحبوا جميعاً. وتركتهم وذهبت حنين إلى غرفتها وأخرجت هاتفها. ثم اتصلت بشخصاً ما. قال يامن إلى براء بحب: "طلعتي عيني معاكي.. لو كنت أعرف أن البنت الصغيرة اللي شوفتها من كام سنة دي هحبها وتطلع عيني كده.." -"كنت هتعمل إيه يعني؟ أبتسم يامن وقال: "كنت هحبها برضو." أبتسمت براء ثم قالت: "طيب أحنا لو اتجوزنا كده هنعيش فين؟ -"القاهرة طبعاً." نظرت له براء بصدمة ثم باعتراض:
"بس أنا مش هقدر أسافر وأسيب إسكندرية بعد كل السنين دي.. مش هقدر أسافر وأسيب بابا وماما. أنا ما صدقت أني أحس أن ليا عيلة.. كمان شغلي كله هنا والاتيليه مين هيمشيه من بعدي.. أنا مش هقدر أسافر وأسيب كل ده ورايا." ثم خرجت ونادت على جمال وفاطمة حتى يشاركوهم الحوار. وقالت لهم أنها لم تقدر على فراقهم. فقال جمال: "متشيليش هم حاجة يا بنتي أهم حاجة سعادتك وبس." -"أنا سعادتي معاكم! مش هقدر أسيبكم." صمت جمال وانتظر رد يامن.
حتى قال: "وأنا اللي يهمني سعادتك برضو.. أكيد أنا مش هقدر ابعدك عن اهلك ولا عن كيانك وشغلك. بالنسبة لعمي جمال وماما فاطمه أنتوا هتيجوا معايا القاهرة وأنا هشتري بيت كبير لينا. وحنين ناخدلها شقة قريبة مننا. وبالنسبة للاتيليه أنا هفتحلك فرع ليه هناك وكمان عشان تكون ملك قريبة من جدتها.. منقدرش نبعدها عنها كده." قالت براء: "أنا معنديش مانع.. أنا كل اللي يهمني أن أهلي يكونوا معايا." نظرت لها فاطمه وقالت:
"يا براء أحنا مش عايزين نبقي حِمل عليكِ يا بنتي.. عيشي حياتك بقى أنتِ تعبتي كتير." أتجه إليها يامن وقال: "عيب تقولي كده.. أنا كمان هبقى زي ابنك. وأنا من أول ما دخلت البيت هنا وأنا حبيتكم وهيبقى من حظي أني أعيش معاكم.. كلنا هنبقى عيلة واحدة مع بعض على الحلوة والمُرة." صمتت فاطمه ونظرت إلي جمال. فقالت براء: "أرجوكم بلاش تسبوني.. ولو أنتوا مش هتوافقوا أنا مش هسافر واسيبكم." فكر جمال للحظات. ثم قال:
"أحنا ممكن ناخد شقة جنبكم لكن مش عايزين نتقل عليكم والله." قالت براء بسرعة: "ناخد دور كامل في عمارة. أحنا شقة وأنتم جنبنا إيه رأيكم." قال يامن: "أنا شايف أنها فكرة كويسة بس نسمع رأي عمي برضه." وقال جمال بابتسامه: "توكلنا على الله." ضحك الأربعة ومر اليوم عليهم بسعادة. وظل يامن طوال اليوم معهم. ومر اليوم وسط ضحكات فاطمه ومرح جمال وخجل براء وسعادة يامن ومشاكسة حنين.
وفي اليوم التالي قرر يامن أن يسافر إلى والدته حتى يخبرها أنه سوف يتزوج براء وأخيراً. ترى ماذا سوف يكون رد فعلها؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!