دلف إلى البيت بسرعة وبحث بجنون ليجد عاليا بجانب هذا الرجل وتنظره بصدمة. قالت عاليا: -علاء! بلاش تفهمني غلط، أنا هفهمك كل حاجة. اتجه إليها علاء وقال بهدوء مرعب: -اخرسي! مش عايز أسمع صوتك لحد ما نخرج من هنا.
صمتت عاليا بتوتر. نظر علاء إلى الرجل الذي يقف بجانبها وتحولت نظراته إلى العصبية ليعطيه لكمة قوية في وجهه. وقع على الأرض بقوة وانفجرت الدماء من أنفه. أمسك علاء زوجته من ذراعها وخرج بها من هذا المكان وسط دموعها. استقلوا السيارة بدون أن ينطق بكلمة واحدة. بعد فترة مرت بصعوبة عليها، وصلوا إلى بيتهم. دلفوا إليه ووقفت هي أمامه بدموع. وبدون أي مقدمات صفعها على وجهها بقوة وأمسكها من ذراعها بعنف وصرخ بها: -ليه! ليه عملتي كده؟
أنا قدمت لك كل حاجة، دي آخرتها بتخونيني يا عاليا! -هو اللي ضحك عليا وكان بيبتزني عشان ياخد مني فلوس. -اسكتي بقى كفاية كدب! انتِ متستاهليش كل اللي أنتِ فيه، أنا غلطان من البداية إني حبيتك ولا فكرت أتجوزك، ناس كتير حذرتني وقالت لي إنك مش بتحبيني، انتِ بتحبي فلوسي، زي ما اديتك كل حاجة، هاخد منك كل حاجة! -لا صدقني. -أصدقك؟ صمت علاء للحظات ثم قال: -في خلال يومين ورقة طلاقك هتكون عندك، أنا مش هقدر أشوف وشك أكتر من كده.
قال تلك الجملة ثم خرج من البيت. مرت يومين كان مختفي فيهما تمامًا. وبدلاً من وصول أخبار الطلاق إليها، وصل إليها خبر وفاة علاء! حيث أنهم وجدوه متوفيًا في اليخت الخاص به بسبب أزمة قلبية حادة. كان هذا الخبر صادمًا لكل من عاليا ويامن. أحست عاليا أنها السبب في موته، ولكنها أقنعت نفسها أن هذا قدره ونصيبه. وبعد وفاته انتقلت كل الأملاك إلى عاليا ويامن لأنهما عائلته الوحيدة ولم يكن له إخوة.
أما يامن فقد ابتعد في تلك الفترة عن كل الناس بما فيهم كريم ودخل في فترة اكتئاب لتعلقه الشديد بوالده. وكان الحل الوحيد لحالته تلك هو سفره ليكمل تعليمه في الخارج. في بداية الأمر رفض بشدة لأنه سوف يبتعد عن براء وكريم، ولكن بسبب إصرار والدته سافر في النهاية حتى يأخذ شهادة الثانوية بالخارج.
حاول هذا الرجل الرجوع إلى عاليا مرة أخرى، وخصوصًا بعد وفاة زوجها، ولكنها رفضت وبشدة. لقد زاد غرورها كثيرًا، وخصوصًا عندما أيقنت أن كل الخيوط توصل إليها في النهاية وأنها المالكة لكل تلك الثروة. أنانيتها أقنعتها أن تتخلى عن كل الناس وتكتفي بثروتها وابنها. وسافر يامن في النهاية. بعد مرور ثلاثة أعوام، وخصوصًا في جنينة الملجأ، كان يامن يتحرك بتوتر. قال له كريم: -أنت متوتر كده ليه؟ أهدى شوية.
-أنت متخيل إني هشوف براء لأول مرة بعد ٣ سنين! ضحك كريم وقال: -دي أول ما عرفت إنك رجعت من السفر فرحت جدًا، أحمد ربنا إنك صممت تخش الجامعة هنا وإلا كان زمانك هتقضي الأربع سنين هناك كمان. -هي اتأخرت كده ليه؟
ضحك عليه كريم. وفي تلك اللحظة انتبه يامن للقادمة نحوهم وكانت براء التي تغيرت كثيرًا عن آخر مرة رآها بها. حجابها الرقيق الذي زين وجهها الصافي وعيونها البندقيه ذات الرموش الكثيفة وملامح وجهها الرقيقة مع شفتيها الممتلئة ذات اللون الوردي الطبيعي. اتجهت إليهم بخطواتها الهادئة وأنفاسها المتسارعة بتوتر عندما وقع بصره عليها. أردفت: -حمد الله على سلامتك، عاش من شافك يا سيدي. -فين براء؟ نظر له كريم بتعجب وقال:
-ما هي قدامك أهي يا ابني. سرح يامن بها للحظات حتى قال بدون تركيز: -شكلك اتغير جدًا، بقيتي جميلة جدًا يا براء! ضربه كريم في كتفه بخفة. وهنا انتبه يامن إلى كلماته ولوجه براء الذي كساه اللون الأحمر من الخجل. حاول يامن أن يغير الموضوع فقال: -النهاردة هنقضي اليوم كله مع بعض زي زمان ونتجمع مع كل أخواتنا في الدار، إيه رأيكم؟ نظرت له براء وقالت: -بس النهاردة عندي شغل كتير في الدار. -مليش دعوة بكل ده، أنا ظبطت كل حاجة خلاص.
صمت الاثنان وانتظروا رأي براء حتى ابتسمت هي ووافقت. وبدأ يامن وكريم بتجميع كل أطفال الدار ولعبوا سويا طوال اليوم وقد استمتعوا بكل لحظة فيه. وأثناء لعبهم لاحظ يامن تلك السلسلة المعلقة برقبة براء، فقال لها: -معقول لسه محتفظة بالسلسلة دي! نظرت له براء بخجل وقالت: -علشان كل ما تشوفها تعرف إني لسه فاكراك.
ابتسم لها يامن ثم رجعوا إلى بقية الأطفال. ومن بعد هذا اليوم اقترب يامن من براء أكثر وقد تعلق بها كثيرًا وهي أيضًا، ولكنها فضلت أن تخبئ شعورها بداخلها. وبعد فترة طويلة كان يامن قد أكمل العشرين من عمره. وفي إحدى المرات أثناء زيارته لها قالت له وهي غارقة في أفكارها: -أنا خايفة. -خايفة من إيه؟ -فاضل شهرين وأكمل الـ ١٨ سنة، وساعتها هخرج من الدار هنا. انتبه لها يامن أكثر لينتفض من مكانه. لقد نسي تمامًا هذا الأمر!
صمت بقلق. فنظرت له براء بابتسامة وقالت: -أنا بقول لك عشان تخليني أطمن مش عشان تقلق أنت كمان. نظر لها يامن للحظات حتى قال: -براء أنا لازم أقول لك حاجة مهمة. نظرت له براء بتساؤل وأردفت: -حاجة إيه؟ -أنا... وكاد أن يعترف لها ولكن أوقفه هاتفه الذي صدع رنينًا وكان كريم. نظر أمامه للحظات وشعر أنه بحاجة لترتيب أفكاره فقال: -براء أنا لازم أمشي دلوقتي، هاجي أشوفك بكرة، خليكي فاكرة.
نظرت له براء بعدم فهم ولم يترك لها فرصة حتى ترد لأنه نهض سريعًا من مكانه وخرج من الملجأ. وظلت هي تطالعه بتعجب حتى نهضت من مكانها هي الأخرى وذهبت لتتابع عملها. وفي طريقها للداخل قابلتها صديقتها سلمى وقد غمزت لها بإحدى عينيها. نظرت لها براء بعدم فهم وقالت: -في إيه بتبصيلي كده ليه؟ -مش ملاحظة أن قربك من يامن زاد أوي الفترة دي. -وإيه الجديد؟ إحنا صحاب من زمان جدًا. -أيوه بس دلوقتي الوضع اتغير. نظرت
لها براء للحظات ثم قالت: -اتغير إزاي يعني مش فاهمه؟ -يعني أنتوا مبقتوش صغيرين يا براء، العمر بيجري وهو دلوقتي بقى عنده عشرين سنة يعني لا أنتِ صغيرة ولا هو عيل، أعتقد فاهمين. نظرت لها براء بثبات وقالت: -اللي في دماغك ده مستحيل يحصل يا سلمى، اطمني أنا عارفة حدودي كويس وعارفة أنا فين وهو فين، مع معنى أننا صحاب ده هيخليني أتعشم بحاجة مستحيل تحصل. ثم تركتها ورحلت سريعًا. وطالعتها سلمى للحظات حتى ذهبت هي الأخرى.
وقفت براء في إحدى الأركان وكأن قلبها يدق بصوت عالٍ. وبعد لحظات تحركت من مكانها لتصطدم بحنين إحدى أخواتها في الدار وكانت بعمر الخمسة عشر عامًا. قالت عندما رأتها: -براء.. كنت بدور عليكي، كنتي فين؟ -معلش يا حنين كنت مشغولة شوية. طالعتها حنين بحزن وقالت: -كل ما افتكر أنه فاضل شهرين وأمشي قلبي بيتقطع، عايزة أقضي كل لحظة معاكي، أوعي تنسيني يا براء. -اخس عليكي يا حنين أنساكي إزاي بس، ده أنتِ أختي الصغيرة. -بجد؟
يعني هتبقي تيجي تزوريني وأشوفك. -أكيد طبعًا. احتضنتها حنين بفرحة وذهبوا لينهوا عملهم في الدار. وفي اليوم التالي كان يامن يقف في جنينة الملجأ في انتظار براء وبجانبه كريم. وكان يبدو على يامن التوتر الشديد. فقال كريم: -مكنش اعتراف ده يا سيدي. نظر له يامن بتهكم وقال: -خايف يا كريم، أنت عارف أن براء حساسة جدًا، خايف متتقبلش مشاعري دي وساعتها هكون خسرتها حتى كصديقة عمر. نظر له كريم وظهرت ابتسامة صغيرة على
جانب شفتيه وقال ليطمئنه: -متقلقش، اتكل على الله وقولها اللي في قلبك، بس الأهم من كل ده، أنت قدرت تقنع طنط عاليا بمشاعرك دي؟ براء فاضلها شهرين وتخرج من الدار، هتقدر في الوقت ده تظبط كل حاجة؟ زفر يامن بضيق وقال: -لسه مقولتلهاش على الموضوع، بس أنا مش صغير يا كريم، غير كده هي مش هتقولي لا لو عرفت إني بحبها، من صغري كانت بتعملي كل اللي أنا عايزه، معتقدش ترفض المرة دي.
كان يامن يقول تلك الكلمات ولكن بداخله كان يكمن قلق خفي من رد فعل والدته حين تعرف أنه قد وقع بحب تلك الفتاة البسيطة التي اقتحمت حياته منذ عدة سنوات. أنه يتذكر ذلك اليوم الذي وقعت عيناه عليها، تلك الفتاة الصغيرة ذات الشعر الغير مرتب ودموعها التي تغرق عيونها ونظرات الضياع والحزن التي قد خيمت في عينيها. كل هذا تجمع في طفلة بعمر الـ ٦ أعوام، لم تكن تعرف أي شيء سوى اسمها فقط، براء. وفي تلك اللحظة دخلت عليهم
براء وقالت حين رأتهم: -عاملين إيه؟ كريم شكلك تعبان كده ليه؟ قال كريم: -الكلية مطلعة عيني. -ربنا يقويك، أنا كمان مشغولة جدًا في الدار، بدأت أعلم أخواتي الصغيرين الخياطة والكتابة. وهنا لاحظت سكوت يامن لتنظر له بعيون لامعة. أردفت: -ساكت ليه؟ -ها.. لا مفيش. ثم نظر إلى كريم بنظرة ذات مغزى ليبتسم كريم ثم ابتعد عنهم قليلاً. أردف يامن:
-براء كنت عايز أسألك على حاجة ممكن تستغربي شوية بس عندي فضول أعرف، ويمكن دي أول مرة أسألك السؤال ده. ابتسمت براء وقالت بمزاح وقد حاولت أن تلطف الأجواء قليلاً: -أنت متوتر كده ليه؟ مش عوايدك يعني. -أرجوكي اسمعيني دلوقتي بس. -ماشي اسأل. أخذ يامن نفسًا عميقًا ثم قال: -أنتِ وصلتي للملجأ ده إزاي؟ أقصد يعني أنتِ مش فاكرة أي حاجة عن أهلك؟
وكانت كلماته تلك كفيلة حتى تزيل تلك الابتسامة عن وجهها وقد عادت نظرة الحزن إلى عيونها مرة أخرى. ولمعت عيونها ولكن بطريقة مختلفة هذه المرة. -يهمك تعرف؟ -أكيد. تنهدت براء بضيق ثم قالت: -من يوم ما اتولدت وأنا علاقتي مش كويسة مع بابا، يمكن كنت صغيرة آه بس فاكرة كل حاجة بالتفاصيل، فاكرة الزعيق والخناق والضرب اللي كنت بشوفه بعيني بس عشان أنا بنت مش ولد زي ما بابا كان عايز. صمتت للحظات ثم أكملت:
-وبعدها بابا وماماطلقوا وفجأة بقيت أنا مصدر التعاسة لماما وكل ما تشوفني تفتكر إني السبب في طلاقها، مش فاكرة إيه اللي حصل بعدها غير إني فتحت الباب ونزلت الشارع وبعدها حد لقاني ووصلني للملجأ هنا، بس هي دي حكايتي. نظر لها يامن بأسف وقال: -أنا آسف إني فكرتك بكل ده. -كنت عايز تعرف ليا أهل ولا لا، أنا ليا أهل يا يامن بس للأسف مكنش ليا نصيب أعيش معاهم ولا أحس إني بنتهم بجد. -أنا مكنش قصدي أجرحك بسؤالي، بس من حقي أعرف.
-من حقك ليه؟ تنهد يامن بحرارة ثم نظر لها وأمسك يدها وأردف بهدوء: -أنا بحبك يا براء. نظرت له براء بعيون متسعة من الصدمة ثم سحبت يدها عنه بسرعة وابتعادت عنه بخطوات وقالت: -إيه اللي انت بتقوله ده! -أنا بحبك، ومش حب صديق أو أخ لا، أنا بحبك يا براء وعايز أكمل حياتي معاكي. -أنت مستوعب أنت بتقول إيه! وأنت متخيل إني حتى لو وافقت بالعلاقة دي المجتمع هيوافق؟ والدتك نفسها هتوافق؟ -المجتمع؟
وأنا مالي بكل ده، أنا بقولك إني بحبك أنا مليش دعوة بكل التعقيدات دي. تنهدت براء بحزن وقالت: -عارفه وفاهماك، بس صدقني كلامك ده هيفتح علينا باب صعب أوي يتقفل تاني. اقترب يامن منها قليلاً ولكن ترك مسافة حتى لا تنزعج وقال بهدوء وهو ينظر إلى عيونها مباشرة: -هرجع أقولك إني مليش دعوة بكل ده، أنا قولت كلمة واحدة ومستني ردك عليها. نظرت له براء بتوتر وقد خانها قلبها ليخفق بشدة وقد احمرت وجنتيها بخجل وتسربت ابتسامة هادئة إلى
شفتيها ثم تنهدت وأردفت: -أنا مليش غيرك يا يامن، أنا بس خايفة، خايفة تتخلي عني في يوم زي ما أهلي عملوا، وأنا قلبي مبقاش حمل فراق تاني. -هو أنا اتخليت عنك في يوم لحد دلوقتي؟ -لا. -طيب ليه بتقولي كده؟ -خايفة يا يامن. ابتسم يامن حتى يطمئنها قليلاً وقال: -مش عايزك تخافي من حاجة، أنا معاك وعمري ما هسيبك، خليكي فاكرة ده. ابتسمت براء بحب وأردفت: -وأنا واثقة فيك. هنا اتجه كريم إليهم وابتسامته المرحة على وجهه وقال:
-أيوه يا عم وأخيرًا، لو شوفتيه من شوية يا بنتي كان خايف ومتوتر وأنا ضحكت، لأني كنت عارف إنك هتوافقي. -ليه يعني وانت عرفت منين؟ -يا حبايبي أنتوا الاتنين واقعين. ضحك يامن على كلام كريم و خجلت براء قليلاً. وبعد أن انتهت ضحكاتهم تلك نظر يامن إلى براء بعيون تشع بالحب وقال:
-أنا هروح أبلغ ماما بقراري ده، وبإذن الله لما توافق قبل ما تتمي الـ ١٨ سنة وتخرجي من هنا هتكوني على اسمي، أنا عارف إنه فاضل كام شهر خلاص بس مش عايزك تقلقي. نظرت له براء بعيون متسعة ترسل له نظرات بألف معنى وكأنها تريد أن تقول له إنني أثق بك، أرجوك لا تقتل قلبي وتخذله بك. -أنا واثقة فيك، متتأخرش عليا. ابتسم لها يامن ثم خرج من المكان مع كريم واتجه إلى منزله حتى يقول لوالدته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!