توقف كريم بسيارته أمام منزل يامن. طالعه يامن بتوتر، وكالعادة كان كريم يشجعه بشدة وحاول أن يزيح هذا التوتر عنه، فقال له كريم: -ليه القلق ده كله؟ أنت مش قلت إن طول ما أنت عايز الحاجة والدتك مش هترفض. -عارف، بس فيه قلق جوايا.. حاسس إن الأمور مش هتمشي زي ما أنا عايز. -متقلقش وخليك واثق في ربنا واتكل على الله. يلا.
أخذ يامن نفسًا عميقًا ثم ترجل من السيارة واتجه إلى بيته تاركًا كريم بداخلها. دلف إلى بيته وظل يبحث عن والدته للحظات حتى وجدها بغرفتها وكان حولها الكثير من الناس، ومن الواضح أنها تجهز نفسها لحدث ما. -في إيه يا ماما؟ إيه كل الناس دي؟ -حبيبي أنت وصلت. أنت نسيت إن النهاردة عندي تكريم ولا إيه؟ ضرب يامن رأسه بخفة وقال: -آسف جدًا نسيت. -إيه اللي شاغل بالك للدرجادي خلاك تنسى؟ -ده اللي كنت عايز أكلمك فيه.
-أنت شايف ده الوقت المناسب؟ طيب ألغي أي كلام دلوقتي. -لا مش هينفع ألغي الكلام يا ماما.. أنا عايز أكلمك على انفراد. يا إما هتكلم دلوقتي في وجود الناس برضه. نظرت له عاليا بحدة ثم أمرت الجميع أن يخرجوا من الغرفة قليلًا. وبعد لحظات كانوا وحدهم في الغرفة، أردفت: -عايز إيه يا يامن؟ نظرت له يامن للحظات وبدون أي مقدمات قال: -أنا بحب براء وعايز أتزوجها. نظرت له عاليا بعدم فهم وقالت: -براء مين؟ نظر لها يامن وقال بتوتر:
-وهو أنا أعرف كام براء يا ماما؟ نظرت له عاليا للحظات ثم ضحكت ضحكة عالية وقالت: -أنت شايف ده وقت هزار؟ طيب مش معقول يا يامن، أنت لسه مخك صغير كده؟ -أنا مش بهزر! أنا فعلاً بحب براء وعايز أكمل معاها. نظرت له عاليا بحدة ثم انتفضت من مكانها بفزع وأردفت: -ده إللي هو إزاي يعني؟ أبني أنا يحب تربية الملاجئ دي؟ أنت عايز تفضحني! -أفضحك؟ -أيوه تفضحني. أنت إزاي سمحت لنفسك تحس بكده تجاه البنت دي أصلًا؟ -وفيها إيه؟ مش فاهم.
-فيها إنها من ملجأ يا يامن. فيها إنها مش من نفس مستوانا. تعرف إيه أنت عنها ولا عن عيلتها دي؟ دي ممكن يكون وراها مصيبة. -وهو من أمتى الملجأ كان عار يا ماما؟ غير كده مش أنتِ طول عمرك مخلياني أعاملهم كويس وبتقولي إنك ضد العنصرية؟ إيه كلامك ده؟ -تعاملهم كويس آه عشان شكلي قدام الناس، لكن تروح تحب منهم لا. وكمان عايز تتجوزها؟ مستحيل أسمح إن ده يحصل. -بس أنا بحبها. لو مش هتكون ليا مش هيبقى في غيرها في حياتي.
-أنت لسه صغير على الحاجات دي. وده مجرد إعجاب، بلاش تدي الموضوع أكبر من حجمه، بكرة تنساها لما تشوف الأحسن منها. -مستحيل! -أفهم من كده إيه يعني؟ هتقف في وشي عشانها؟ -أنا عمري ما أقف في وشك لأنك أمي. بس أرجوكي فكري فيا ولو للحظة. أنا بحبها ومش هقدر أشوف غيرها في حياتي. نظرت له عاليا بتكبر وعقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت: -وأنا قلت اللي عندي. نظر له يامن بعناد وإصرار أكثر وقال:
-وأنا كمان قلت اللي عندي. ولو أنتِ مش موافقة بيها أنا هسيب البيت ده. نظرت له عاليا بسخرية وضحكت باستهزاء وقالت: -والله؟ ولما تسيب البيت ده هتروح فين أصلًا؟ لو أنت فاكر إنك ممكن تعمل حاجة غصب عني تبقى غلطان. من اليوم اللي أبوك فيه اتوفى أنا اللي بقيت ماسكة كل حاجة. ولو فاكر إنك هتقدر تبني حياتك بعيد عني تبقى غلطان. نظر لها يامن بحدة وصرخ: -أنتِ ليه بتعملي فيا كده!! -أنا قلت اللي عندي. واتفضل على الأوضة بتاعتك يلا.
-وأنا مش موافق بالكلام ده! مينفعش تمنعيني أنا مش صغير. -لا صغير! ولو البنت دي أقنعتك بالكلام اللي أنت بتقوله ده على أساس إني أقتنع تبقى غلطان. صحيح، هستنى إيه من واحدة زي دي؟ -بلاش تتكلمي عنها بالطريقة دي. هي متستاهلش كده منك. -أنا مش عارفة إزاي عيلة زي دي تضحك عليك. لو فاكر أنها بتحبك بجد تبقى غلطان. كل اللي هي بتعمله ده عشان فلوسك ومركزك! -يا ماما لا.. براء مش كده. أنتِ غلطانة. نظرت له عاليا بحدة وقالت بنبرة تهديد:
-يامن.. بلاش تعصبني أكتر من كده بدل ما أستخدم معاك طريقة أنت مش هتحبها. -أنا ميهمنيش كل ده. عن إذنك. قال تلك الجملة ثم خرج من الغرفة بسرعة. زفرت عاليا بعصبية ثم أمسكت هاتفها واتصلت بالأمن حتى يمنعوه من الخروج. وبالفعل بمجرد أن نزل إلى الأسفل أمسكوا به قبل أن يصل لكريم الذي كان ينتظره في السيارة وحبسوه في غرفته. ظل كريم مكانه حتى أحس بتأخر صديقه فترجل من السيارة واتجه إلى البيت. وقبل أن يصعد اتجهت إليه
عاليا وقالت بنبرة قاطعة: -تروح تقول للبنت دي إنها أحسن لها تبعد عن حياة ابني. وإلا هيكون ليا تصرف تاني معاها. مفهوم؟ -هو يامن قالك؟ -أيوه قالي. وأعتقد قراري واضح. -طيب هو فين؟ -في الأوضة بتاعته. هو اتضايق من كلامي جدًا بس مش عارف إن كل ده لمصلحته. ومش عايز يخرج منها. -بس أنا لازم أشوفه. -هو قالي إنه مش عايز يشوف حد. -بس.. -مفيش بس. تروح تبلغها بالكلام ده بدل ما أنا اللي أبلغها بنفسي. -حاضر.
قال تلك الكلمة ثم خرج من البيت بحزن شديد واتجه إلى الملجأ ولا يعلم ماذا يفعل. وبعد أن خرج من المكان رفعت عاليا هاتفها واتصلت بمديرة الملجأ. وبمجرد أن ردت عليها حتى صرخت بوجهها: -أنتِ نايمة على ودنك ولا كان عاجبك اللي بيحصل؟ -نعم؟ أنا مش فاهمة حاجة. -ابني أنا اللي أول مرة يتعصب عليا يكون بسبب البنت دي. -ممكن تفهميني براحة إيه اللي حصل طيب؟ -براء. -مالها براء دي؟ هادية وطيبة، عمرها ما عملت مشاكل.
-آه ما هي دي طريقتها في السيطرة على الناس. بس الكلام ده مش هيدخل دماغي. هي مش البنت دي كملت الـ 18 سنة خلاص؟ يعني المفروض تخرج من الملجأ. -لسه كمان شهرين. -البنت دي تخرج بكرة من الملجأ. أنتِ فاهمة؟ -إزاي بس؟ مينفعش. -لو كلامي ما اتنفذش التبرعات اللي بتجيلك كل شهر انسيها. بكرة البنت دي تكون برا الملجأ. ويا ريت لو أخبارها تتقطع خالص. صمتت المديرة للحظات ثم قالت بحزن:
-حرام عليكي دي يتيمة. بلاش تيجي عليها، هيبقى انتِ والدنيا. زفرت عاليا بضيق وقالت: -أنا كلامي واضح. البنت دي تطرد من الملجأ بكرة، وإلا أنتِ عارفة أنا ممكن أعمل إيه. ثم أنهت المكالمة في وجهها. لتقول المديرة بقلة حيلة: -حتى اليتيم مش بيرحموه. عملتي إيه يا براء في حياتك عشان تقابلي كل الحاجات دي؟ سامحيني يا بنتي بس مفيش قدامي حل تاني. يارب أنت كريم وعادل. وقفلها ولاد الحلال.
قالت المديرة تلك الجملة ثم خرجت من مكتبها واتجهت إلى غرفة الخياطة حيث تتواجد براء. ودلفت إليها لتجدها تصمم إحدى الفساتين. تنحنحت المديرة لتنتبه لها براء ونهضت من مكانها بسرعة احترامًا لها. فقالت لها المديرة: -ارتاحي يا بنتي. -كنت لسه جاية لحضرتك. أنا عملت شوية فساتين للبنات من القماش اللي كنتي جايباه بدل ما نشتري جديد. أنا حاولت أوفرلك شوية. ابتسمت المديرة بحزن وقد ظهرت بعض الدموع في عيونها. أردفت براء:
-مالك بتعيطي ليه؟ في حاجة حصلت؟ -بعيط عشان هتوحشيني. ابتسمت براء وقالت: -لسه فاضل شهرين. معقول بتعيطي من دلوقتي؟ -جهزي هدومك يا براء عشان هتمشي بكرة. -بكره! -أيوه. العدد زاد أوي وأنا مش هستحمل شهرين في الزحمة دي. -بس أنا لسه مش مستعدة. أنا قلت في خلال الشهرين دول كنت هحاول أظبط دنيتي. لكن بكرة صعب أوي. -أنا مش باخد رأيك. أنا جاية أبلغك. ابدأي لمي حاجتك يلا. نظرت لها براء برجاء وقد تكونت بعض الدموع في عيونها لتقول:
-اديني فرصة أسبوع طب. -لا يا براء. بلاش تضيعي وقت. قالت تلك الجملة ثم خرجت من الغرفة بحزن لتترك براء في حالة يرثى لها. وبعد لحظات وصل كريم إلى الملجأ. وعندما رأته براء اتجهت إليه سريعا وكانت الدموع تغرق عيونها ليفزع هو حين يراها بتلك الحالة. قال: -في إيه؟ -المديرة جت بلغتني إني هسيب الملجأ بكرة. -إزاي؟ مش لسه فاضل شهرين!! -مش عارفة إيه اللي حصل. شرد كريم قليلًا وقال: -يبقى أكيد قالتلها حاجة! نظرت
له براء بعدم فهم وقالت: -هي مين؟ وفين يامن؟ هو مجاش معاك؟ طالعها كريم بحزن وأردف: -والدة يامن. للأسف هو قالها على حبه ليكي وهي رفضت وعملت مشاكل. ابتسمت براء بقهرة وقد خانتها دموعها المعلقة بعيونها لتتساقط وقالت: -كنت عارفة إن ده هيحصل وإنها مش هتوافق بيا. بس هو وعدني. -أنا طلبت أشوفه بس هو مش عايز. حابس نفسه في الأوضة بتاعته ومش عايز يشوف حد. قالت براء وكأنها لم تسمع كلماته تلك:
-هو وعدني إنه مش هيتخلي عني ومش هيسبني. أنا وثقت فيه وقولتله إني مليش غيره. معقول كل ده ملهوش قيمة عنده؟ حتى مش قادر يجي يبص في عيني؟ اختار إنه يهرب. -بلاش تظلميه يا براء. متعرفيش إيه اللي جواه وهو حاسس بأيه. -وأنا إيه؟ أنا مين يحس بيا ويحس بقلبي اللي اتكسر وكرامتي اللي اتداس عليها بس علشان من ملجأ؟ ذنبي إيه إن أهلي يتخلوا عني والشخص الوحيد اللي وثقت فيه وحبيته برضه يتخلي عني؟ أنا بريئة من كل الظلم ده. صمتت
للحظات ثم أكملت بدموع: -أنا كنت عارفة إن ده هيحصل. بس كان عندي أمل إنه ميسبنيش. -أنا مش عايزك تفقدي الأمل. أوعدك إني هجمعك بيه في يوم من الأيام. صدقيني. -كفاية وعود بقى. أنا مش عايزة حاجة. -مهما تقولي هفضل عند وعدي. وأنتوا الاتنين هتتجمعوا في يوم بسببي! نظرت له براء بدموع ثم التفتت لتعود إلى الملجأ. ولكنها وقفت أمامها فمنعها من السير: -هتخرجي بكرة الساعة كام؟ فكرت براء للحظات ثم قالت: -الساعة 3 العصر.
-تمام. أنا هكون موجود قدام الملجأ هنا. أنا مش هسمح إنك تفضلي في الشارع لحد ما نلاقي حل تاني. هتعيشي مع الدادة بتاعتي في بيتها الفترة دي. هي عايشة لوحدها لحد ما تنتقلي لمكان تاني. -ماشي يا كريم. شكراً على كل اللي بتعمله معايا. -إحنا أخوات. بلاش الكلام ده.
نظرت له براء بابتسامة حزينة ثم دخلت إلى الملجأ وذهب كريم إلى بيته. كان يامن في غرفته يطالع الفراغ بعدم اهتمام. وقد وعد نفسه أنه إذا خرج من هذا البيت لن يعود له مرة أخرى. وقال بصوت مسموع: -سامحيني يا براء. أنا مكنتش قد الوعد اللي وعدتهولك. أنا مكنتش قد ثقتك بيا. بس كل اللي عايزك تعرفيه إنك لو مكنتيش ليا محدش هيقدر ياخد مكانك. أنا شوفت نفسي زي عيون الناس عيل صغير. بس لما مقدرتش أحافظ عليكي. سامحيني. في اليوم التالي..
الساعة الثالثة عصرًا. ذهب كريم إلى الملجأ وانتظر براء حتى تخرج. ولكنها تأخرت كثيرًا حتى اتجهت إليه مديرة الملجأ. -خير يا ابني؟ -مستني براء. مش المفروض كانت تخرج الساعة تلاته؟ -براء خرجت من الساعة 1. -نعم! إزاي يعني دي قالتلي هتخرج الساعة 3. -زي ما بقولك كده. هي خرجت الساعة 1. -هتكون راحت فين دي؟ ملهاش حد!! نظر حوله بعدم تركيز وقلق ثم نظر إلى السماء وقال: -أنتِ فين يا براء..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!