الفصل 1 | من 14 فصل

رواية آخر نفس الفصل الأول 1 - بقلم رشا روميه

المشاهدات
16
كلمة
2,639
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 7%
حجم الخط: 18

جذبها نحوه بح حركة فجائية حين أمسكها من معصمها لتدنو منه بقبضته القوية الحانية بذات الوقت، ليسبل بداخل عينيها الواسعتان بقاتمتيه المتلهفتين، ليهمس بصوت حالم عاشق حتى النخاع. ومازالت عيناه تبحر بعينيها العسليتان صارخة بعشق، معترفة بحبه المتيم لتلك الفراشة. "بحبك يا أجمل فراشة." تعالت ضربات قلبها وهي تتمعن بملامحه السمراء الخشنة، تشعر بقوته وجسارته وضآلتها بجسدها الصغير إلى جواره.

"وأنا كمان بحبك يا 'زيد'. مش عارفة إزاي مكنتش واخدة بالي من حبك ده." رفعه إصبعيه متلمساً خصلة شعرها المتمرّدة، غير مصدق أنه اعترف لها أخيراً بعذاب عشقه لها منذ سنوات. "أنا اللي مش مصدق إنك معايا دلوقتي." نظرت نحو قدميها بتخوّف، ثم عادت بنظراتها القلقة نحوه مردفة بتخوّف. "إلحق يا 'زيد' إنت بتقع. خد بالك... خد باااااااالك."

سقط فجأة لينتفض بقوة معتدلاً بجلسته أرضاً، محاولاً فهم ما حدث له بالضبط. ليزفر بقوة بما يحمله قلبه من غيظ، فقد كان يحلم. مسح رأسه بكفه محاولاً تهدئة أعصابه وتنفسه المضطرب، فقد أوشك على فقدان عقله أيضاً بعشق تلك الفراشة. ذلك العشق المستحيل أن يخرج من بين ضلوعه أو حتى يظهره.

وقف متمللاً وهو ينظر لساعته، فمازال الوقت مبكراً للغاية على الاستعداد لرحلته، ليجلس سانداً وجهه بكفيه متذكراً وجهها الجميل وحديثهما بهذا الحلم، فهذا كل ما يستطيع فعله أن يحلم. *** في تمام الساعة السادسة صباحاً. "ياسمين مش هتقومي تروحي الرحلة بتاعتك؟ قفزت من فوق فراشها في صحوة مفاجئة. "أووف... ده أنا اتأخرت. 'زينة' نص ساعة وتيجي." بعد مرور دقائق حاولت بهم التجهز للسفر بتلك الرحلة التي تمنتها كثيراً.

أخذت تقلب بعشوائية بداخل أحد الأدراج باحثة عن مشبك شعرها ذي الفراشة الوردية، مصدرة صوت ضجيجها المعتاد، لتهتف بسعادة طفولية بعد وقت قصير. "أخيراً لقيتك يا مدوخني." رفعت خصلات شعرها بفوضوية لتدب المشبك بين تلك الخصلات المتساقطة بين ملساء وعشوائية، أكسبتها مظهراً مميزاً وجمالاً إغريقياً لافتاً للنظر. تحسست بأصابعها النحيلة قلادتها المعلقة برقبتها، تتلمس شكل أجنحة الفراشة بهدوء لتطمئن بوجودها أولاً.

تلك هي "ياسمين" بفوضويتها وأفكارها العنيدة وجمالها الملفت، فتاة تشعر بجمالها الفاتن أكسبها ذلك ثقة وعزة نفس أيضاً، كما كانت على غير تلك الفكرة المعتادة تتمتع مع جمالها بذكاء ملحوظ لتسيطر هي على الأوضاع من حولها وليس العكس. خرجت من غرفتها وهي تسند هاتفها بين أذنها وكتفها الأيمن، تستقبل تلك المكالمة التي صدح رنينها منذ قليل، وهي تقفز على ساق واحدة تلو الأخرى بالتبادل، تستكمل ارتداء حذائها الرياضي قائلة.

"أيوة يا 'زينة'. خلاص أهو جهزت خلاص. عشر دقايق وحكون عندك. سلام." أنهت مكالمتها وهي تسحب تلك الحقيبة الملقاة فوق أحد المقاعد والتي قامت بتجهيزها منذ الأمس، متخذة خطوات متعجلة نحو باب الشقة، وهي تناظر والدتها التي تجلس تزم شفتيها بتهكم من تصرفات ابنتها غير المتزنة كالعادة حين قالت. "أنا ماشية يا ماما. 'زينة' جايه أهي في الطريق."

تنهدت والدتها بقله حيلة وهي تغمض عينيها بتملل قبل أن تجيب ابنتها تنبه عليها أن تتعقل قليلاً. "خدي بالك من نفسك يا 'ياسمين'. وإعقلي كدة متقلقنيش عليكي. وكلميني كل شوية عشان أطمن عليكي." ثم نهضت من جلستها قائلة بنوع من التذمر الطفيف. "أنا مش فاهمة بس لازمتها إيه الرحلة دي؟ حركت "ياسمين" حاجبيها بمزاح لطيف. "متخافيش يا ست الكل. اعتبريها تدريب شغل. مش أنا خريجة سياحة وفنادق؟

أكيد حتعلم حاجات كتير في الرحلة دي. دي كفاية إنها رحلة مجانية." "عموماً برضه خدي بالك من نفسك. وطمنيني عليكي." أرادت "ياسمين" إنهاء تلك الوصايا التي لن تنتهي، لترفع كفها ملوحة به وهي تسحب باب الشقة من خلفها. "حاضر حاضر. سلام يا ماما." خرجت "ياسمين" مسرعة لمقابلة صديقتها "زينة" التي اتفقت معها بالمرور بها للذهاب سوياً لمكان تجمع رحلتهم المنشودة. ***

تطلعت للمرة الأخيرة بإنعكاس صورتها بالمرآة، وهي تعدل من حجابها الذي يلتف حول معظم وجهها المستدير، قبل أن ترتدي نظارتها الطبية التي أخفت تماماً حُسن عينيها البنيتان كفنجان قهوة بمساء هادئ. لم تلقِ نظرة إعجاب لنفسها، بل كانت مجرد نظرة رضا عن نفسها وملبسها، حين ارتدت هذا البنطال الواسع من الجينز الأزرق يعلوه كنزة رياضية من اللون الأبيض. لم تكن ملفتة للنظر بل عادية وربما أقل من عادية بنظر البعض.

حملت حقيبتها الخاصة بالرحلات فوق ظهرها، قبل أن تخرج من غرفتها متجهة نحو الخارج. مرت بإخوانها أولاً، حيث جلسوا بهذا البهو يتحدثون دون الاهتمام بمرورها كالعادة، فهي كالهواء لا يكترث لها أحد بالمرة. استكملت خطواتها للخارج لتمر بوالدتها الجالسة برفقة والدها بالحديقة، كل منهم يلتهى بهاتفه غير عابئ بما يدور من حولهما.

تقدمت نحوهما تلتمس ولو بصيص من الاهتمام الذي لا تناله مطلقاً، تتمنى لو أن يكترث أي شخص لوجودها أو حتى لغيابها، لكنها دوماً مهملة كما لو لم يكن لها وجود من الأساس. تصنعت ابتسامة لطالما رسمتها فوق شفاهها الصغيرة، وهي تلقي بتحية الصباح لوالديها. "صباح الخير." كان الرد بمنتهى الفتور الذي اعتادته بالطبع. "صباح الخير يا 'يارا'."

تعمدت الوقوف أمامهم لبعض الوقت، لربما يتساءل أحدهما لم تجهزت منذ الصباح الباكر ولم تحمل حقيبة الرحلات الكبيرة خلف ظهرها، لكن لم يكن هذا الاهتمام من نصيبها كالعادة، لتهمس بغصة موارية ضيقتها بداخلها خلف صوتها الحنون. "أنا مسافرة في رحلة. مش عاوزين مني حاجة؟

أرادت ولو بالكذب الحصول على انتباههم وحرصهم عليها، ربما انتظرت سؤالهم حتى عن مكان تلك الرحلة وكم من الوقت ستغيب عنهم، لكن كان ردهم فاتراً للغاية، حين أجابتها والدتها. "ميرسي يا 'يارا'. ابقي بلغي الدادة متعملش حسابك في الغدا." أهذا كل ما تكترث له؟ حصتها بالطعام؟ نكست "يارا" وجهها بإحباط تام، خارجة من بيتهم الكبير متجهة لمكان التجمع لرحلتهم. ***

وقفت تلك السمراء تلوح بكفها للحصول على نسمة هواء خفيف، لما تشعر به من حرارة بالأجواء بذلك الصباح المشمس من تلك الصيفية، أثناء انتظارها لصديقتها التي دوماً ما تتأخر عليها. أعدلت من وضع نظارتها الشمسية الجديدة التي ابتاعتها خصيصاً لرحلة اليوم، لتظهر بمظهر أنيق وسط أصدقائها وزملائها.

بخيلاء شديد لاحظت إنعكاس صورتها بزجاج أحد المحال التجارية، لتشعر بحسنها وقوامها الممشوق، فهي أطول صديقاتها كلهن، ذات جاذبية خاصة وشخصية متفردة. لاحظت قدوم "ياسمين" نحوها وسط ملاحقة بعض الأعين لتلك الجميلة، فهي لا تنكر أنها أجملهم على الإطلاق، تستحوذ دوماً على الاهتمام والانتباه. ابتسمت "زينة" نحو صديقتها قائلة. "إيه القمر ده على الصبح. بس لو كنتي تزودي الروج ده شوية... كنتي هتبقى جنان يا قلبي."

ضاقت "ياسمين" بين حاجبيها متسائلة. "معقول... أكتر من كده؟ ده كده يبقى أوفر قوي." عقصت "زينة" أنفها بلا اكتراث، معقبة على حديث صديقتها. "ولا أوفر ولا حاجة. بالعكس هتبقى قمر. حتى عشان يليق باللبس بتاعك ده. وتعجبي اللي بالي بالك."

هزت "ياسمين" رأسها إيجاباً لنصيحة صديقتها، فهي من اختارت لها تلك الملابس من الأساس للسفر بها اليوم برحلتهم، فهي ترتدي بنطال ضيق للغاية من الجينز السماوي وكنزة قطنية حمراء ملفتة للغاية، لتردف بالموافقة. "أوك... نبقى نظبط الروج ده في الطريق قبل ما نوصل." حملت كل منهما حقيبتها متجهات لموضع التجمع، فالموعد أوشك للغاية. ***

توقفت إحدى الحافلات الكبيرة بالمكان المتفق عليه، وقد فُتح باب الحافلة في انتظار حضور بقية أفراد الرحلة. وصلت "يارا" أولاً، لتضع حقيبتها الكبيرة بمخزن الحافلة، وقفت بإنتظار بقية أصدقائها الذين لم يحضروا بعد. توافد بعد دقائق قليلة بعض الأشخاص المنضمين لتلك الرحلة، بينهما ثلاث شباب اقتربوا من "يارا" يلقون تحية الصباح بصورة آلية للغاية، كما لو كانوا مجبرين عليها بحكم اللياقة لا أكثر. "صباح الخير يا 'يارا'."

أجابتهم "يارا" بنفس الآلية، فهي تدرك تماماً سبب انتظارهم بالقرب منها، ذلك السبب بعيد كل البعد عن التقرب إليها. "صباح الخير." تنحنح أحدهم قبل أن يسألها بإهتمام. "هو... ااا... مفيش حد جه ولا إيه؟ ابتسمت "يارا" بخفة لإدراكها من يقصد بسؤاله، مجيبة إياه بإقتضاب. "لسه زمانهم جايين."

نظرت نحوه بطرف عينيها، ملاحظة هذا الشاب مهندم الطلعة، يبدو عليه الهدوء والرزانة، له شعر بني وبشرة بيضاء ذو وجه طويل نوعاً ما، هي تدرك تماماً من هو، فهو زميلها بالجامعة أيضاً، لكنها تتيقن أنه كل ما يعرفه عنها هو أنها أصبحت رفيقة جديدة لـ"ياسمين" و"زينة" لهذا يعرف اسمها لا أكثر ولا أقل من ذلك. أومئ لها "عامر" بآلية مرة أخرى، ليقف بالإنتظار برفقة أقرانه مرة أخرى.

تطلع "هادي" نحو "يارا"، ليظهر وجهه الوسيم للغاية كعارضي أزياء، منمق لحد بعيد، كانت أعين الفتيات تتبعه أين ما كان. أمال "هادي" هامساً بأذن "عامر" يسخر من "يارا" وهيئتها. "أنا مش عارف دي صاحبة 'ياسمين' و 'زينة' إزاي. دي حاجة قفل خالص." لكزه "عامر" بمرفقه ليصمت حتى لا تسمعه، فهي قريبة منهم للغاية. "بس يا 'هادي'. أحسن تسمعنا. وبعدين هي مالها يعني. ما هي حلوة أهي." رد "هادي" اللكزة لـ"عامر" وهو يردف بغضب من بين أسنانه.

"هو أنا قلت حاجة؟ وقف "زيد" بمجابهتهم، ليظهر طوله الفارع ومنكبيه العريضين لشاب رياضي قوي أسمر البشرة مملوح الوجه، بالطبع لا يتمتع بوسامة طاغية كـ"هادي"، لكن له سحره الخاص. عقد "زيد" ذراعيه أمام صدره، وهو يرمقهم بإستياء من حركاتهم الطفولية الظاهرة للغاية، ليهمس بنبرة حادة ينهرهما عن تصرفاتهم الصبيانية. "بس إنت وهو. الله." استدار "هادي" بالإتجاه المقابل فجأة، لتضيء عيناه ببريق متلهف قائلاً. "بس بس. 'ياسمين' جت أهي."

استدار "زيد" على الفور يتابع إقتراب "ياسمين" و"زينة" نحوهما، وقد طار عقله بتلك الفراشة التي تخطو نحوهم بإبتسامتها العريضة التي أظهرت غمازتيها الرائعتين التي سلبته عقله تماماً. لكنه تدارك نفسه على الفور منكساً عيناه عنها، حين قفز "هادي" بخطواته نحوها مهللاً بقدومها. "إتأخرتي قوي يا 'ياسمين'. يلا تعالي نقعد سوا في الباص." همست "زينة" بأذن صديقتها قبل أن تقترب منهم.

"خليكي تقيلة. عشان 'هادي' يفضل يلف كدة وراكي وميزهقش منك." بعفويتها وشقاوتها أخرجت "ياسمين" لسانها تجاه "هادي" قبل أن تجيبه. "ده بُعدك. أنا هقعد جنب 'زينة'." تخطته "ياسمين" لتدنو من "يارا" تسلم عليها أولاً قبل صعودها للحافلة، وهي تستمع لتذمر "هادي" قائلاً. "هي بقت كده. طب يلا يا أخويا قدامي. ناس لها حظ وناس لها 'عامر'."

ثم دفع بـ"عامر" نحو باب الحافلة ليصعد، "أولاً وقد رسمت ابتسامة شامته فوق ثغره تجاه صديقه الذي خذلته جميلته للتو." صعد "عامر" يتلوه "هادي" في حين استرق "زيد" نظرات مختلسة نحو تلك الفراشة التي سرقت قلبه منذ أول لقاء بينهم، لكن مع اعتراف صديقه بحبه لها، اكتفى "زيد" بحبس تلك العاطفة التي تعصف بقلبه تجاهها بداخل ضلوعه دون إخبار أحد عما يعتمل بقلبه.

كانت شقية. متمردة. لكنها لم تكن عديمة الذوق والإحساس على الإطلاق. هي تعلم أن الجميع ينفر من "يارا"، فهي مثال للفتاة ضعيفة الشخصية منعدمة التواصل الاجتماعي، لا تتمتع بقدر عال من الجمال كما يراها البعض، لكنها وجدت بداخلها فتاة طيبة للغاية حنونة لأقصى حد، فكانت تسعد بصحبتها لتبقى صديقتها الوحيدة بالجامعة. وجهت "ياسمين" سؤالها لـ"يارا" تدفعها به للتقدم نحو الحافلة. "مش يلا ولا إيه؟

أومأت "يارا" رأسها بخفة، وقد لاحت ابتسامة خفيفة على محياها، فهي بالفعل تحب تلك الفتاة، لتتحرك نحو الحافلة صاعدة للأعلى لتتخذ أحد المقاعد بإنتظار التحرك. زَمّت "زينة" شفاهها بإشمئزاز من وجود "يارا" معهم بالرحلة، لتهمس بأذن "ياسمين". "أنا مش عارفة بس هي طالعة معانا ليه. الواحد ما صدق خلصنا الكلية عشان مشوفش وشها." اتسعت عينا "ياسمين" بإندهاش لتجيبها مداعبة عن تلك الضعيفة. "حرام عليكي يا 'زينة' دي غلبانة خالص."

"والله ما موديكى في داهية إلا طيبة قلبك دي. يلا تعالي نركب الباص." تقدمت "ياسمين" بخطواتها الرشيقة لتصعد نحو الحافلة، لتسرق أنظار الجالسين جميعاً، فمنهم المعجب ومنهم الحاقد ومنهم المشمئز من ملابسها الضيقة وألوانها الصارخة. جلست بمقعدها لتجاورها "زينة" إلى جانبها، لينتهي صعود الجميع الحافلة بصعود "زيد" مغلقاً الباب من خلفه كما طلب منه مشرف الرحلة.

مر "زيد" بخطواته ناظراً نحو فراشته، ثم تقدم نحو المقعد الوحيد الشاغر بالحافلة، إلى جوار "يارا".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...