هادي ... اتخذ موضعاً لنفسه بعيداً عن تلك الحادثة المثيرة خوفاً من لدغة هذا الثعبان وآثر الابتعاد حرصاً على نفسه. لم يهتم بالذهاب إلى "ياسمين" والاطمئنان عليها الآن، فسلامته أهم وأعظم بالنسبة إليه، وما سيفيده الذهاب إليها إذا لدغته الأفعى بسمها. بعد انتهاء "زيد" من مناوشته مع "ياسمين"، اتجه نحو "هادي" موبخاً إياه على تقاعسه وابتعده عن مساعدة "ياسمين". "ده انت طلعت ندل ندالة...
كده تسيب التعبان في خيمة "ياسمين" وتهرب كده؟ لوح "هادي" بكفه باستنكار ليجيب بصراحة في غير محلها. "أروح أنقذها وأموت أنا؟ "هادي، انت بجد بتحب "ياسمين"؟ انت إزاي كده؟ "أحبها آه، بس مش أكتر من نفسي... أضيع نفسي مهما كان عشان واحدة بحبها."
اندش "زيد" للغاية من منطق "هادي" العجيب. فمن يحب يضحي بروحه فداء لحبيبه. من يحب لا يكترث لنفسه فقط، بل ينصب تفكيره على حبيبه بكل نبض ينبض به قلبه وبكل روح تملأ كيانه. كم هو أناني للغاية. اتخذ "زيد" طريقه للخيمة مشمئزاً من صديقه الأناني. فيا ليته بموضعه لكان أغلق عليها جدران قلبه يحميها من كل ما يحيط بها. بأحد أحياء القاهرة القديمة...
وقف شاب تجاوز الثلاثين ببضعة أعوام يقضم شفاهه من الغيظ، محاولاً التحكم بأعصابه المنفلتة من أن تخونه وتزداد ثورته وانفعاله. ضغط بكفه بقوة فوق لحيته السوداء القصيرة يكظم غيظه، قبل أن يردف بلوم شديد. "شفتوا بقى... إيه العمل دلوقتي؟ ابتلعت والدته ريقها بحسرة وهي تنظر نحو زوجها، تريد الاستشفاف منه بسبب يرضي ضميرهم ولو بالكذب، لكنها لم تجد سوى نظرات الحسرة على وجهه هو أيضاً. لتردف بخضوع. "مش عارفة يا "عمرو"...
مكنتش فاكرة الموضوع هيوصل للدرجة دي." انتظر "عمرو" رداً شافياً من والده، لكنه التزم الصمت تماماً. ليزفر بقوة ظهرت جلياً على صدره المتعب حين استكمل. "ضغطكم عليه كان زيادة عن اللزوم بصراحة وقلت لكم وحذرتكم قبل كده... أهو طفش... خد الفلوس من وراكم وساب لكم البيت... راضيين كده؟ ذرفت والدته الدموع ندماً، لتستجديه برجاء. "بالله عليك اتصرف يا "عمرو"... ده أخوك الوحيد... "عامر" طول عمره طيب وفي حاله...
مش عارفة عمل ليه كده بس؟ رفع "عمرو" حاجبيه باستغراب، لتتسع عيناه بقوة. فما تلك المغالطات التي تتفوه بها والدته؟ ليردف بنبرة متهكمة متسائلة. "مش عارفة عمل كده ليه؟ انتي بتتكلمي جد؟ مش انتوا اللي قعدتوا تضغطوا عليه لازم يعمل اللي في دماغكم ده، يا إما ملوش مكان في البيت ده... مش انتوا اللي اهتميتوا بالمظاهر، وكأنه بني آدم وله أفكار وكيان؟
امتعض وجه والده كثيراً وهو يحاول إيجاد المرادفات المناسبة حتى لا يظهر بهيئة المخطئ لتلك الدرجة. تنحنح أولاً، قبل أن تخرج الكلمات المتحشرجة من فمه والتي بالفعل تدينه لما وصل إليه "عامر". "إحم... طب... ااا... شوف كده نوصل لأخوك إزاي." كتف "عمرو" ذراعيه بقوة عاقدهما أمام صدره، وهو يلوح برأسه بقله حيلة. "والله ما عارف... تليفونه مقفول ومحدش عارف له طريق ولا راح فين... عموماً، خلي الكلام ده لما يرجع الأول...
ملوش فايدة دلوقتي... أنا مروح ولو عرفت حاجة هكلمكم." ترك "عمرو" والديه يأكلهما الندم، فبيديهم وأفكارهم سيضيعون ابنهم من بين أيديهم. بينما اتجه "عمرو" لبيته مبتعداً عن والديه، اللذان لا يملأ أنانيتهما ولا يفكران سوا بما ينفعهما فقط، حتى كادا يخسرانهما معاً.
تمنى بداخله أن يكون أخيه الأصغر على ما يرام، فهو بطبيعته الهادئة الخجولة لا يحسن التصرف ولا يدري فيما أقحم نفسه بتركه المنزل بتلك الصورة دون أن يعلم أي منهم بمكانه مطلقاً. عامر... بهدوء طبعه الشديد كان يتخذ زاوية متطرفة بعيداً عن كل تلك الأحداث، ظل يراقب بها "زيد" و "ياسمين" من جانب، وهروب "هادي" من جانب آخر.
تابع تحرك "ياسمين" إلى داخل الخيمة، لحقتها على الفور صديقتها المقربة "زينة"، ليبقيا هو و "يارا" فقط خارج الخيام. تقدم نحوها ببطء وهو يتلكأ بتردد. أيتقدم نحوها أم يتخذ طريقه مبتعداً عنها كما اعتاد دوماً؟ صامت.. هادئ.. منزوي. ليفاجئ نفسه أولاً بقراره للتقدم والتحلي ببعض الجرأة المتأخرة. تحشرجت بحلقه الكلمات وهو يطالعها باضطراب، حين بدأ حديثه بنبرة منخفضة. "مساء الخير يا آنسة... "يارا"... صح؟
رفعت "يارا" رأسها بتفاجؤ يزيد على تفاجؤ "عامر". أيحدثها أحدهم؟ أيخصها أحدهم بحديث من تلقاء نفسه؟ علا وجهها اضطراب ملحوظ، لتومئ بخفة وهي تعدل من وضع نظارتها الطبية فوق أنفها كحركة متوترة. لتجيبه بخجل. "أيوه... "يارا"." أشار "عامر" لتلك البقعة الشاغرة إلى مقربة منها، مستأذناً. "تسمحيلي أقعد معاكي؟ سحبت أنفاسها بقوة من شدة خجلها وتوترها، لتومئ له مرة أخرى بالموافقة وهي تسمح له بذلك. "اتفضل."
جلس "عامر" بهدوء ليبدأ حديثه معها، وقد تحلى ببعض الثقة والاريحية بالحديث. فتوترها وخجلها أشعره بجرأته واضمحل تماماً إحساسه بالتوتر. "أنا "عامر"، لو مش واخدة بالك مني." "آه طبعاً عارفاك." سألها بفضول وربما بإسقاط لما يشعر به بذاته. "ليه دايماً قاعدة لوحدك؟ ليه مش مع بقية البنات؟ ابتسمت "يارا" ابتسامة باهتة وهي تجيبه بصدق. لقد احتاجت حقاً لمن يتحدث معها ويسألها، فهي دوماً المهمشة، غير المرئية، وغير المرغوب فيها.
"لأن ده العادي... أنا تقريباً عندهم زي الخيال... مش متشافة أبداً... عمر ما واحدة فيهم اهتمت إنها تقرب مني أو تتكلم معايا... يمكن "ياسمين" شوية... عشان كده بحبها أوي... لكن الباقي... ولا بيهتم... ولا حتى حاسين إني موجودة أصلاً." أمال "عامر" فمه جانبياً بتهكم من حاله وهو يطالع ضوء القمر. "ومين سمعك... أنا لا ليا وجود مع أصحابي ولا حتى أهلي... حاجة كده نكرة... ماليش وجود."
بتلك اللحظة لاحت ضحكة من "يارا"، لتهتف به مازحة. "يبقى أهلاً بيك معايا في المنبوذين." ابتسم "عامر" لضحكة "يارا" قائلاً. "على فكرة... أنا واخد بالي منك كويس بقالي فترة... وشفت قد إيه انتي بنت محترمة وطيبة... مالكيش في السكك بتاعة البنات المعوجيين دول... انتي مميزة مش منبوذة." كلمات إطراء جعلتها تشعر بقيمة نفسها، فتلك أول مرة يمدحها أحدهم. لتنتبه لهذا الشاب بقوة وهي تشكره على تعبيراته الرقيقة. "بجد...
شكراً يا "عامر" على مجاملتك الرقيقة دي." ليصدمها برده الذي أشعل وجنتيها بحمرة خجل فجأة. "دي مش مجاملة أبداً... دي حقيقة... أنا من زمان أوي كان نفسي أقرب منك وأكلمك." نكست "يارا" رأسها بخجل، وقد تعالت ضربات قلبها النابض. أيغازلها حقاً؟ أهناك من يعجب بها وينتظر فرصته للتقرب إليها مثل جميع الفتيات؟ أهي مقبولة عند أحدهم؟ لتسعد للحظات، ثم سرعان ما تشك بالأمر. فربما وجدها وحيدة فقرر التلاعب بها لغرض ما. ولم لا...
فهي صيد سهل له ولأمثاله. تجهمت مرة أخرى لتنظر نحوه بتفحص تريد استكشاف نواياه، قائلة. "وإشمعنى أنا... ما البنات الحلوة على قفا مين يشيل... ليه اخترت واحدة غريبة زيي... عادية أوي.. ولا جميلة ولا متكلمة ولا حاجة أبداً؟ فهم "عامر" مقصدها وشكوكها نحوه، ل يجيبها بصدق ليريح بالها وظنونها. "لأني شبهك... حسيت إني أنا وانتي شبه بعض... طول عمري لوحدي... زيك... عمر ما حد اهتم بيا ولا بوجودي... زيك...
وبعدين مين قالك إنك بنت عادية ومش جميلة... بالعكس... أنا شايف إنك بنت رقيقة وجميلة جداً." لا تدري إن كان صادقاً أم كذاباً، لكنها شعرت بالسعادة والإطراء لأول مرة بحياتها. هذا الإحساس كان كفيل بحد ذاته لإسعادها حتى لو كان مؤقتاً أو مجرد كذبة. ابتسمت برقة لتتجاذب معه أطراف الحديث بمواضيع مختلفة، قضيا بها الوقت الطويل ليكتشفا به عن أنفسهما خبايا لم تكن ظاهرة لكل منهما. داخل الخيمة...
تقربت "زينة" من صديقتها تشاكسها قليلاً، فيبدو أن "ياسمين" مضطربة قليلاً بعد تلك الأحداث المتوالية. "مالك سرحانة في إيه... انتي لسه خايفة من التعبان؟ اعتدلت "ياسمين" وهي تعيد خصلات شعرها خلف أذنيها، وهي تعقد ساقيها أسفلها قائلة بجدية. "يا بنتي بقولك السلسلة اللي ضاعت دي كارثة... انتوا مش مصدقيني ليه؟ تفكّرت "زينة" لبعض الوقت وهي تفرك ذقنها بإصبعيها، ضاغطة عينيها بشكل كبير. "تفتكري؟ "يعني السلسلة تضيع...
وكاوتش الباص يفرقع ونلاقي تعبان في الخيمة... والله أعلم إيه اللي جاي كمان! رفعت "زينة" حاجبيها باستغراب كبداية لتصديق ما تتوهمه "ياسمين". "تصدقي صح... ليه لأ... ده سحر أسود بقى؟ "أنا عارفة أسود ولا أخضر... المهم... أنا اتشأمت من الرحلة دي." بدت بعض ملامح التخوف على وجه "زينة" وهي تردف. "متخوفينيش بقى... الدنيا ماشية فل أهى." التفتت "زينة" حولها تتأكد بأنه ليس هناك من يسترق السمع إليهم، ثم بدأت بسؤال "ياسمين".
"مقولتليش... "هادي" مقالكش هييجي يخطبك إمتى؟ حركت "ياسمين" كتفها برقة وهي تقلب شفتيها المصبوغة بحمرتهما الصارخة. "مقالش... يمكن مستني لما نرجع من الرحلة دي." "حقه دي تبقى اتفتحت لك طاقة القدر." امتعضت "ياسمين" قليلاً ثم أردفت بتخوف. "ولو عرف أننا على قد حالنا ومش أغنيا زي ما قلنا له... تفتكري هيوافق؟ رفعت "زينة" هامتها بغرور قائلة. "أمال أنا مخلياكي تلبسي وتتزوقي كده ليه...
ما عشان يقع على بوزه وميقدرش يستغنى عنك ولا يبعد عنك، ولما يعرف حقيقتك عمره ما حيبعد... صدقيني أنا." "هاه... يمكن." ضيقت "ياسمين" عيناها الواسعتان ثم تسائلت. "الله... أمال فين "يارا"... مش هتيجي ننام ولا إيه؟ مطت "زينة" شفتيها بتملل وهي تلوح بأصابعها نحو "ياسمين" للتغاضي عن سؤالها والتوجه للنوم. "يا شيخة افتكري لنا حاجة عدلة... تلاقيها هنا ولا هنا هتروح فين الخيبة دي... نامي نامي... ورانا بكرة مشوار طويل."
اعتدلت "ياسمين" متخذة وضع النوم بفراشها الخاص بالتخييم، تبعتها "زينة" أيضاً لتخدا للنوم مباشرة، فاليوم كان طويلاً وشاقاً للغاية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!