مر وقت جعل الجميع رغماً عنهم يهدأوا، بعضهم ينزوى بصمت متفكراً بحل، والبعض اتخذ سبيل الاستسلام للمصير. قلب "زيد" نظره بين الجالسين بيأس على كل جانب ليقف مبادراً بجسارة. "إلى إحنا بنعمله ده مينفعش يا جماعة... مش لازم نستسلم بالسهولة دي... لازم نحاول نعمل حاجة ونخرج من هنا." استرعى حديثه انتباههم جميعاً ليعم الصمت والإنصات التام بين المتفرقين اليائسين. كان أول من استجاب لحديثه هو "عامر" حين تسائل باهتمام.
"يعني نعمل إيه يا زيد... أطلق "زيد" زفيراً قصيراً استعداداً لحديث جاد للغاية يتوقف عليه حياتهم جميعاً. "إحنا لازم نقسم نفسنا مجموعات... مجموعة تحاول تفتح لنا مدخل الكهف، يمكن ساعتها نقدر نزيح الصخرة دي ونخرج. ومجموعات تتحرك في الدهاليز، يمكن يكون فيه مخرج تاني نقدر نخرج منه. واللي يوصل لحاجة يرجع ينادي الباقي." استحسن الجميع فكرة "زيد" لتزيد الهمهمات كمن يتفق مع ذلك ليردف أحدهم. "تمام...
إحنا حنحاول في المخرج، يمكن نقدر نفتح أي فتحة في الصخور دي." "تمام." لحقه آخر وهو يشير على بعض أصدقائه. "وإحنا حنأخذ الدهليز ده ومعانا شعلة، يمكن يكون فيه مخرج تاني." أومأ "زيد" بالموافقة حين أردف بقرار دون حتى الرجوع لبقية المجموعة، ففي مثل تلك الظروف تستوجب قائد قوي عليه اتخاذ القرار بأسرع وقت. "كويس جداً... وإحنا العشرة حنأخذ الدهليز ده، يمكن نوصل لحاجة. بس خدوا بالكم إحنا مش عارفين ممكن نقابل إيه جوه...
خلي الشعلة دايماً قدامكم، الحيوانات والحشرات بيخافوا من النار." بدأ تحرك الجميع ليبقى مجموعته التي ما زالوا ينظرون له بذهول دون معرفة ما يتوجب عليهم فعله. أشار إليهم "زيد" بالتحرك نحو الداخل متقدماً المجموعة حاملاً لشعلة اللهب التي أعطاها لهم المشرف قبل انغلاق الكهف.
وقفت "ياسمين" كالمغيبة تماماً تتبع "زيد" بدون تفكير، ومعها "زينة" و"يارا" واثنتان أخريات، بينما تحرك شابان خلفهم ليتبقى "هادي" الذي استوقف "عامر" متذمراً بتخوف مما قد يلاقونه بداخل الكهف. "نروح وراه فين ده... مش يمكن نلاقي أسد ولا أي حيوان جوه ياكلنا." رمقه "عامر" بتعجب واستهزاء من أفكاره السطحية وجبنه الشديد. "أسد.... !!!! أسد إيه.. هو هنا فيه أسود...
امشِ يا هادي، خلينا نلحقهم بدل ما نتوه منهم ومنلاقيش حد ونقعد أنا وأنت لوحدنا. قال أسد قال.... !!!! تركه "عامر" لاحقاً بالمجموعة حين أسرع "هادي" مهرولاً بخطواته ليلحق بـ"عامر" خوفاً من أن يبقى بمفرده. ***** لم تمر دقائق بل ساعات طويلة وسط هذا الظلام والجو الخانق بداخل الكهف، وما زال "زيد" ومجموعته يتحركون للبحث عن أي بريق أمل يخرجهم من هذا المكان.
وبعد إنهاك طويل من حملهم تلك الحقائب الثقيلة فوق ظهورهم، توقف "زيد" ملتفتاً إليهم قائلاً. "الظاهر لسه الدهليز ده طويل أوي... خلينا نقعد نرتاح شوية وبعدين نكمل." كانت تلك فرصة جيدة لهم فقد أنهمكوا بالفعل من حمل الحقائب والبحث عن مخرج. التف الشباب بعضهم البعض لتجلس الفتيات أيضاً إلى جانب آخر يلتقطن أنفاسهن قليلاً، وضع "زيد" الشعلة النارية تتوسط جلستهم جميعاً لتنير لهم المحيط من حولهم ليجلسوا جميعاً على مقربة منها.
أخرج "هادي" هاتفه لمرة أخيرة يحاول التقاط أي إشارة، لكن ذلك كان صعباً للغاية بل ومستحيلاً أيضاً، فكيف يلتقط الهاتف إشارة وهم على بعد أقدام عديدة لداخل الكهف. أخذ "هادي" يتمتم بسخط قائلاً. "رحلة زفت... إيه الحظ ده... !!!! انتبهت "ياسمين" لكلمة (حظ) التي نطق بها "هادي" حين أردفت إحدى الفتيات. "كله منك ومن سلسلتك على فكرة... جبتي لنا اللعنة وحنموت كلنا."
كانت كلمة الفتاة كفيلة بفتح النيران على "ياسمين" وكأنها هي السبب في كل ما يحدث إليهم. "أيوة صح إنتِ السبب." "يعني كان لازم تضيعيها... أدينا حنضيع كلنا." مع تزايد اللوم لـ"ياسمين" التي بدأ وجهها الأبيض يتحول للون الأحمر ويزداد توهجاً وانفعالاً حتى أصبحت على وشك البكاء، ليقف "زيد" بانفعال هاتفاً بهم بحدة ألجمت ألسنتهم جميعاً على الصمت. "جرى إيه... ؟!! التخاريف أكلت مخكم ولا إيه... وهي مالها...
ده قضاء ربنا ملهوش دعوة إطلاقاً بالكلام الفارغ ده... مش معنى إن مخكم الضيق ده ربط حاجات حصلت بموضوع السلسلة يبقى ده فعلاً السبب... سيبوا 'ياسمين' في حالها... هي كمان محبوسة معانا هنا زيها زينا... بلاش كلام لا حيودي ولا حيأخر... خلينا نشوف طريقة نخرج بيها بدل ما تبقى دي آخر أيامنا." مع التزام الجميع الصمت، رمق "زيد" "هادي" بغيظ متسائلاً بداخله (لم لا يدافع عنها ولو لمرة واحدة حتى لو كان كذباً...
لم يتقاعس دوماً عن مساعدتها والبقاء إلى جوارها... ياله من حبيب مزيف) تنفست "ياسمين" ببعض الراحة بعد دفاع "زيد" عنها ليقطع تلك الألسنة الساخطه عنها، لكنها تعلم أن ما زال بداخلهم اقتناع أنها السبب لما حدث، ولم لا فهي بنفسها تظن ذلك أيضاً بل تتوقع الأسوأ من ذلك. ابتسمت "يارا" بهدوء بوجه "ياسمين" وهي تربت على ذراعها قائلة. "متزعليش."
رسمت "ياسمين" ابتسامة دبلوماسية باهته على ثغرها الملون، سرعان ما تلاشت لتتجهم ملامحها، فما زال الوضع كما هو لم ولن يتغير. أمالت "زينة" فمها جانبياً بتهكم ثم همست بأذن "ياسمين". "هو ماله ده... عمل فيها ريس علينا وعمال يزعق... هو فاكر نفسه إيه ده حتة واد فلاح... !!!
ضاقت "ياسمين" بين حاجبيها باستنكار من تطاول "زينة" على "زيد" الزائد، هي تعلم أن "زينة" لا تستلطفه ولا تعنيه بالمرة، فهو فقير مثلهم وهي تحب الأغنياء وسيم الطلعة كـ"هادي"، لكن هذا لا يعطيها الحق لهذا التطاول على "زيد"، فهو شاب قوي ذو شخصية جسورة، فليكفيه دفاعه عنها منذ قليل. "بس يا 'زينة'... ماله 'زيد'... بلاش فلاح دي... ده كفاية دافع عني." أحنت "زينة" رأسها قليلاً وهي تتطلع بـ"ياسمين" بتعجب لتردف بنبرة بها بعض التهكم.
"والله... إيه عاجبك.... ؟؟! أظبطي كدة أمال... ده 'هادي' مفيش منه إتنين." بانفعال بالغ، لكنها استكملت بنبرة منخفضة من بين أسنانها حتى لا يستمع إليها أحد. "إنتِ بتقولي إيه... !!! إيه إللي جاب الكلام ده دلوقتي... الله.... ضحكت "زينة" على صديقتها المنفعلة قائلة. "خلاص.. خلاص.. متزعليش كدة.. بهزر معاكي." دارت "ياسمين" بوجهها تجاه "زيد" و"مصطفى" فما أعظم الاختلاف حقاً بينهم. ***** بيت ياسمين.
كمحاولة أخيرة دقت "أم ياسمين" بهاتف ابنتها لعلها تتوصل إليها، لكن كالعادة الهاتف خارج التغطية، لتصمت لوهلة متفكرة بطريقة لتطمئن قلبها. لتضيء شاشة الهاتف باسم "مندور"، ترى أيكون هذا هو المخرج والحل أم عبء إضافي فوق كاهلها. أمسكت بالهاتف لتجيب هذا الاتصال. "ألو... أيوة يا 'مندور'." "مالك يا 'سعاد'... زعلانة تاني ولا إيه؟
زفرت "أم ياسمين" بقوة تزيح ذلك الثقل من فوق قلبها لتجد نفسها تخرج ما في جعبتها كسيل من الكلمات التي خرجت من فمها دون تفكير. "أنا تعبت... منك لله... رامى حمل تقيل على كتافي وأنا خلاص معدتش قادرة... فيها إيه لو كنت أب زي بقية الناس... فيها إيه لو كنت جيت على نفسك وشلت معايا الحمل."
بلحظات استطاعت التأثير به، فقد كان دوماً يشعر بالتقاعس والهروب من مسؤوليته تجاه ابنته الوحيدة، لكنه كان ينكر ذلك، لكنه الآن شعر حقاً بألم "سعاد" وحملها الثقيل. "حقك عليا." كلمتان فقط لم تكن لتتوقعها مطلقاً منه، هو الذي يعارض رأيها ويتهرب من اللوم والعتاب، لم يعترف يوماً بتقصيره، ها هو يسكب البرد فوق جرحها الغائر بكلمتان كانت تتمنى لو تسمعهما منه منذ زمن بعيد. صمتت للحظات تتأكد مما سمعته لتردف باندهاش. "إيه...
قولت إيه... "حقك عليا... بس لو تديني فرصة تانية!! لم تنطق مطلقاً لا بموافقته ولا بمعارضته، وكان ذلك إشارة له ليستطرد بمكنون صدره الذي أخفاه لسنوات وسنوات. "سعاد... أنا عارف إني مش أحسن واحد في الدنيا وإني غلطت كتير... بس يا ريت لو تديني بس فرصة أعوضك بيها إنتي و'ياسمين'... أنا تعبت لوحدي... وإنتي كمان تعبتي... ليه منحاولش ننسى وندي بعض فرصة جديدة."
حيرة شديدة وقعت بها، أترضخ له وتخفف حمل عن كتفيها ويبقى لها ونيس ورفيق مرة أخرى، أم تكتفي ببقائها أم عزباء تتحمل كل شيء بمفردها. ***** الكهف. لم يعد هناك فرق بين ليل ونهار، فكلاهما مظلم، تماماً كطريقهم يتخبطون بين أفكارهم دون إدراك للصحيح والمخطئ، ينظرون للأمور بسطحية ويتشبثون بأرائهم حتى لو أنها تسير على طريق الخطأ.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!