لم يعد هناك فرق بين ليل ونهار، فكلاهما مظلم، تماماً كطريق هؤلاء الشباب. يتخبطون بين أفكارهم دون إدراك للصحيح والمخطئ. ينظرون للأمور بسطحية ويتشبثون بآرائهم حتى لو أنها تسير على طريق الخطأ. بعد ما مرت ساعات، أخرج كل منهم فراشه المرتحل من حقائب ظهورهم لينالوا قسطاً من النوم بعد هذا العناء. خاصة وقد بدأ يومهم مبكراً للغاية وانتهى باحتجازهم بداخل كهف. لكن من أين يأتي النوم؟ ومن أين تأتي الراحة؟
فقد استيقظوا مرة أخرى على صرخة هلعة دقت بقلوبهم تخوفاً. اتسعت عيونهم بفزع واندهاش حين رأوا لهيب النار المشتعل. تلك النيران التي لم تأتِ من الشعلة خاصتهم، بل كانت تلتهم ساق "ياسمين" بشراسة وهي تصرخ متألمة. "اااااااه... إلحقووونى... أنا بتحرق...
انتفض الجميع من نومهم إثر صرخة "ياسمين" الهلعة المتألمة. حاولت "يارا" بتشتت إنقاذ "ياسمين" التي تصرخ وتتلوى من الألم وقد اشتعلت النيران بساقها بشكل مفزع، لكنها لم تقدر على فعل شيء.
لم ينتظر "زيد" الكثير هذه المرة، فقد أسرع باتجاه "ياسمين" خالعاً قميصه الأزرق ليلقي به على الفور فوق النيران التي تزداد اشتعالاً لإخمادها، وهذا ما نجح به بالفعل. صرخات قلبه كانت أقوى وأشد من تألم "ياسمين" وبكائها، فكم يتحمل من الألم لرؤيتها تتوجع وتتأوه بتلك الصورة.
سقطت "ياسمين" أرضاً تتأوه بقوة، لكن عينيها اللتان صعدتا للأعلى لتقابل عيناه المتلهفتان بتخوف. صدره المضطرب صعوداً وهبوطاً بقلق على "ياسمين"، وهي تحمل شكر وامتنان على إنقاذها قبل أن تلتهمها النار بأكملها. لحظات قصيرة جمعت عيناهما بحديث صامت، قبل أن تقترب "زينة" من "ياسمين" وهي تخرج من حقيبتها أحد عبوات الأدوية، ملوحة به بوجه "ياسمين" قائلة: "معايا مرهم للحروق أهو... خدي يا 'ياسمين' ادهني منه رجلك حبيبتي...
أنا مش عارفه النار مسكت في رجلك إزاي بس... عادت "ياسمين" لتأوهاتها وهي تمسك بتلك العلبة من يد "زينة" قائلة: "مش عارفه يا 'زينة'، أنا كنت نايمه قمت لقيت النار ماسكه في رجلي... ااااااه... بتوجعني أوى... "تلاقيكي حطيتي رجلك ناحية الشعله بتاعة النار اللي في النص دي... معلش حبيبتي ألف سلامة... إن شاء الله مايكونش الحرق كبير...
حاولت "ياسمين" نزع بقية بنطالها بعد انزواء الشباب جانباً لوضع هذا المرهم فوق موضع الحرق، قبل أن تضطر لإخراج فستان بسيط من حقيبتها لتبديل ملابسها الضيقة بأخرى فضفاضة حتى لا تحتك بتلك المنطقة التي احترقت. وعلى الرغم من أن الجزء الذي تضرر من تلك النيران بساق "ياسمين" جزء بسيط للغاية، فقد لحقها "زيد" بالبداية، إلا أنه كان مؤلماً للغاية.
وضعت "ياسمين" هذا الحادث ضمن إطار الحظ السيء لفقدان السلسال كالعادة، لتزيد من توهم البقية أن ما يحدث بالفعل إثر ضياعه حقاً. بعد انتهاء كل تلك الاضطرابات، اقترب "هادي" من "ياسمين" يطمئن عليها مثله مثل أي غريب. أثار ذلك غصة بنفس "ياسمين"، فكم كانت تتمنى أنه هو من يسرع لإنقاذها وليس "زيد". بابتسامة دبلوماسية شديدة، سأل "هادي" لـ"ياسمين": "أحسن دلوقتي...
أومأت رأسها بالإيجاب، وقد دار بعقلها سؤال مستنكرة به رد فعله المتباطئ. (هو ليه محاولش ينقذني من النار؟ ليه مكانش قلقان وملهوف عليا كده؟ ليه معملش زي 'زيد'؟ بتجول هذه الأسئلة بداخلها، لم تشعر بنفسها حين تطلعت بـ"زيد" تلقائياً، لتجد نظراته القلقة المثبتة نحوها هي من كانت تبتغيها بالفعل من "هادي" وليس منه.
لفت انتباهها جسده الرياضي بعد خلعه لقميصه الذي أخمد بها النار، لتراه بصورة أخرى ليس بتلك الصورة السيئة كما اعتادت رؤيته، لكنها سرعان ما أخفت فضولها نحوه بالتحدث مع "يارا" و"زينة" هاربة من كشفه لها حين أخذت تحدق به. تطلعها به جعله يشعر بالنشوة ولو لوقت قصير، قبل أن ينهر نفسه على ما بدر منه، فهي مازالت حبيبة صديقه. لينحِ عينيه مبتعداً عنها باحثاً عن "هادي" و"عامر". *** بيت ياسمين...
بجلستها القلقة، استمعت لدق الباب. فهمت لرؤية من قد أتى إليها، لكنها كانت متوقعة على الأغلب من ستجد. لم يخيب ظنها، وربما لأول مرة يحدث عكس توقعها، فها هو طليقها يقف بالباب بانتظارها. كم طلبت منه ولم يلبِ طلبها مطلقاً، لكنه اليوم عندما طلبت مساعدته حضر على الفور دون تقاعس كعادته. زفرت بنهج متضايق حين استقبلته قائلة: "أهلاً يا مندور... اتفضل... دوماً كان يتوقعها معارضة شرسة، لكنها قلقة حزينة. أشفق عليها حقاً.
"مالك يا 'سعاد'... إيه اللي قالقك كده؟ دي رحلة... وأكيد مبسوطة وكله تمام... حركت رأسها بالنفي قبل أن تجيبه بنبرة مهتزة: "لا يا 'مندور'... قلبي واكلني عليها قوي... حاسة إن فيها حاجة... ربنا يستر... "اطمني يا 'سعاد'، أنا معاكي وهفضل جنبك لحد ما نطمن عليها... إحساس غريب اجتاحها، المساندة... إحساس لم تشعر به يوماً معه. ترى هل سيكمل معها حقاً أم إنها مجرد كلمات عابرة وليدة الموقف وسيعود كما كان؟
تفاجأت من داخلها بطريقته الجديدة وكم تتمنى أن يبقى هكذا، فالطالما تمنته مهتماً مؤازراً منذ معرفتها به. أخذت تتابع "مندور" وهو يحاول الاتصال ببعضاً من أصدقائه ومعارفه للوصول للمسؤولين عن تلك الرحلة والمنظمين لها للوصول لمكان ابنته الوحيدة "ياسمين". *** الكهف.... كبحور من الظلمات المتتالية، من خندق لخندق ومن ممر لممر، سارت المجموعة تستكشف المكان من حولهم دون جدوى.
زاغت عينا "زيد" قليلاً وهو ينظر بجانب عيناه العاشقتان لتلك الفراشة المتألمة، ليلتفت نحو الجميع قائلاً: "تعبنا قوي النهارده... كفاية كده ونقعد نرتاح شوية... أنا تعبت قوي...
ربما لم يكن هو من يشعر بالإرهاق والتعب، لكنه لم يصرح أن هذا الوقت المستقطع للراحة فقط لها هي. هي لم تطلب ذلك، لكنه شعر بقلبه ما تود أن تقول. فإحساسها بالذنب وأنها سبب لما وقعوا به جعلها تتحمل الألم بداخلها وتسير وفق المجموعة بصمت بحثاً عن مخرج، لكنها كانت تود فعلاً السكون والراحة، فألم الحرق مازال ملتهباً مؤلماً للغاية.
ليس من العشق أن تتحدث كثيراً عنه، لكن العشق من يشعر بمن يحب دون التفوه بكلمة ألم، أن يشغل فكرك وأولوياتك واهتمامك. فـ"زيد" طوال الوقت عيناه معلقتان بفراشته، يود لو يركض تجاهها يحملها بين ذراعيه القويتين حتى لا تتألم وهي تتبعهم بساقها المتألمة. لكنه لا يقدر. عقصت "ياسمين" وجهها بتألم وهي تهتف براحة: "ياااه... كنت مش قادرة أكمل...
إحساس بداخلها جعلها تشعر أن "زيد" توقف من أجلها، لترفع ببصرها تجاهها وهي تتسند للجلوس، لتتلاقى عيناهما بحديث صامت جعلها تنتفض من داخلها لما شعرت به وجعلها تنهَر نفسها وتنعت نفسها من داخلها بالخائنة لـ"هادي". هذا الأخير الذي انتهز فرصة تلك الراحة واقترب نحو "ياسمين" جالساً إلى جوارها قائلاً: "رجلك لسه وجعاكي...
أجابته "ياسمين" وقد بدا على وجهها ارتباك شديد حاولت إخفائه وهي تخطف نظرات بين الحين والآخر تجاه "زيد" الذي لم يثنِ عينيه عنها للحظة. "اا... أيوه... يعني شوية... ضم "هادي" شفتيه بتملل قائلاً: "أصل بصراحة اللبس الواسع ده عليكي مش حلو أبداً... البسي هدومك التانية أحلى بكتير وبتخليكي مالكيش حل... نحتت "ياسمين" عيناها عن "زيد" ونظرت بتمعن تجاه "هادي" متسائلة بضيق:
"يعني إنت عاوزني في حالتي دي ألبس بنطلون ضيق تاني وأنا رجلي محروقة؟ مش هامك يعني اللي أنا بحس بيه؟ المهم أبقى حلوة جنبك عشان عايزني حلوة قدام الناس... كان رده صادماً وهو يعقب بلا مبالاة وأنانية شديدة للغاية: "مش للدرجة دي يعني... متزوديهاش... ده مش حرق كبير... وإنتي ماشية معانا من بدري أهو مش واجعك يعني... أيستخف بألمها لهذا الحد؟ ألا يشعر بوجعها وتألمها؟ لتصدمه هي بردها الغاضب المشمئز منه: "لأ... كبير...
وواخد جزء كبير أوي من رجلي... وأنا بس ساكتة عشان كلكم محسسيني إني أنا السبب في كل المصايب دي... أعاد "هادي" جزعه للخلف ولم يهتم سوى لنقطة واحدة فقط بحديثها، أن هذا الحرق كبير ولابد أنه ظاهراً للغاية. إنها مشوهة الآن، لم تعد جميلة نقية كما يظن، ليردف بتقزز: "إيه... ؟!! حرق كبير... !!! يعني إيه حتفضلي مشوهة كده... رفعت حاجبيها باندهاش مما اهتم به دوناً عنها، لتتسع عيناها العسليتان بصدمة من حديثه المستفز،
لتجيبه بغيظ شديد: "آه... حفضل كده... إيه... بقيت معيوبة... منفعتش... ازدرد "هادي" ريقه بتخوف من انفعال "ياسمين"، لترتسم ابتسامة مهتزة كاذبة للغاية فوق محياه قائلاً: "لأ... طبعاً... ااا... معلش... 'زيد' كان عاوزني... حروح أشوفه... تابعت "ياسمين" ابتعاده عنها بضيق منه، لتدرك كم كانت مخطئة باختيارها لـ"هادي". هو يريدها فقط تمثالاً جميلاً يتباهى به أمام أعين الناس ولا يهتم لها مطلقاً. لقد أعجب بما ظهر منها وليس بحقيقتها.
ولم لا؟ فهي دوماً تخفي حقيقتها وراء كذبها مع "زينة" بأنها من الأثرياء المنعمين، تخفي ملامحها بمستحضرات تجميل قوية للغاية، تخفي حيائها بملابس ضيقة مكشوفة للغاية. ولأجل من؟
لأجل من يتباهى بها أمام أعين الناس، لكن لو حدث لها مكروه، ينفر منها ويشمئز من قربه لها. لا تدري لماذا هتف بداخلها هذا الهاتف، لتفتح حقيبتها مخرجة منها بعض المناديل الورقية ومزيلات المكياج لتمسح كل ما قد خطته بوجهها تماماً ويصفى وجهها بهدوء وجمال طبيعي. لا تدري أهي ترتاح أم تعاقب نفسها أم تعاقبه هو.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!