الفصل 12 | من 14 فصل

رواية آخر نفس الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رشا روميه

المشاهدات
16
كلمة
1,625
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 86%
حجم الخط: 18

انطلقت سيارات أهالي هؤلاء المرتحلين بطريقهم نحو الواحات، تلك وجهة رحلة أبنائهم للبحث عن الحافلة التي كانوا يستقلونها، بعدما علموا من الشركة أنه قد فُقد أثر هؤلاء الشباب ولا يعلمون أين هم الآن. حل سكون الليل وتعالت أصوات ساكني الطبيعة بهذا المكان المقفر. توقفت السيارات إلى جانب الطريق لأخذ بعض ساعات الراحة واستكمال الرحلة عندما تشرق الشمس.

وبين موافق ومعارض، رضخ الجميع لنيل بعض الراحة، فيا له من سفر مرهق للغاية قاموا به وقام به أبناؤهم من قبلهم. لبعض الوقت، لم يغلب النعاس على بعض العيون لتبقى يتسامرون بصوت هامس حتى لا يستيقظ البقية. قال "مندور" بجدية تامة: "سعاد... إيه رأيك نرجع وناخد بالنا من بنتنا وسطنا؟ لم تنتظر "سعاد" الكثير من الوقت، فهذا الشعور قد غلبها بالفعل منذ بداية تلك الأزمة، الأمان. شعرت بالأمان وهو معها، شعرت بالسند وقت الشدة.

ابتسمت "سعاد" بخفة وهي تجيبه: "ماشي يا مندور... ده بس عشان لقيتك مستجدع معايا وإحنا بندور على ياسمين." استنكر "مندور" تلك الفكرة الدائمة التي تسيطر على عقل زوجته. "أنا مش وحش أوي كده يا سعاد... أنا والله بحب ياسمين وعايز مصلحتها... وحتى العريس اللي جاي لها ده... فعلاً راجل محترم وميتفوتش." بنبرة مصدقة له تماماً أجابته "سعاد" بهدوء: "عارفة يا أخويا... نخلص بس من مصيبتها دي ونطمن عليها ودغري نعمل اللي إنت شايفه."

"إن شاء الله... وساعتها الفرح يبقى فرحين." طأطأت رأسها بخجل ليغمض "مندور" عيناه براحة، فكل الأمور سوف تتعدل أخيراً. *** الكهف... اتخذ الجميع موضعاً للنوم، لكن بعد ما حدث من "هادي"، لم يكن نوماً مطمئناً إطلاقاً. *** مع إشراقة الشمس وحلول الصباح، اتخذ الأهالي وجهتهم بالبحث عن الحافلة تجاه كهف "الجارة" كما كان مخطط ببرنامج الرحلة. الكهف...

بدأوا في الاستيقاظ واحداً تلو الآخر، لكن الصدمة كانت عند نظرهم لآخر زجاجة مياه لديهم، فمنذ تلك اللحظة سيعانون العطش وضيق النفس. كانت بالفعل الأجواء داخل مغارة الكهف خانقة للغاية وبدأ المرتحلون يشعرون بذلك. بدأ الانهيار ببكاء إحدى الفتيات التي لم تعد تتحمل وتشعر باقتراب الموت منهم. أخذت تهتف بانفعال ويأس شديد: "مفيش نقطة مياه... ونفسي مخنوق... خلاص كده... هاموت... أنا دايخة أوي مش قادرة أستحمل... هاموووت... هاموووت...

أنا مش عايزة أموووت... أنا لسه صغيرة... عايزة أعيش." كان أسرع رد لها هو رد "يارا": "اهدّي شوية... كل واحد فينا له نصيب وعمر... ربنا قادر يخرجنا من محنتنا دي." رفعت الفتاة وجهها للأعلى وقد أغرورقت عيناها بالدموع تدعي بتضرع: "يااااااارب... يا رب طلعني من هنا ومش هقول لماما (لأ) أبداً... أنا عارفة إني كنت بعاملها وحش ودايماً بعارضها... بس فهمت الدرس بجد... يا رب أطلع بس من هنا وأسمع كل كلامها."

كان اعتراف تلك الفتاة هو بوابة العبور بالنسبة للبقية، ظناً منهم أن بإعترافهم بأخطائهم سيسامحهم الله ويعفو عنهم ويخرجهم من الكهف. بدأت سلسلة من الاعترافات بذنوب وأسباب ظنوا أنها هي السبب فيما وقعوا فيه.

كانت كلها تتأرجح ما بين عدم الإنصياع لأهلهم أو فعل أمر يندمون عليه، لكن كله كان في الإطار الذي يقوم به الناس عادة، ليس به ما يسبب أزمة مثل تلك التي وقعوا بها، لكن إحساسهم باقتراف جرم كبير جعلهم يشعرون بالذنب بما إقترفوه. لكن بقى هؤلاء الستة لم ينبسوا ببنت شفة، بل ظلوا يتابعون الاعترافات وطلب الغفران من الله على مرأى ومسمع منهم. *** بالطريق...

توقفت السيارات أمام الحافلة المتوقفة بيمين الطريق، وقد دون عليها بخطوط إعلانية مميزة اسم شركة الرحلات التي استقلها أولادهم. دب الأمل بقلوبهم، فقط وصلوا إليهم أخيراً، ليترجل الجميع مهرولين بقلق وتلهف تجاه الحافلة. كمن بدأ السباق للتو، حاول الجميع الوصول أولاً للحافلة لرؤية أولادهم والإطمئنان عليهم.

وقفت والدة "يارا" ووالدها، وقد امتلأت قلوبهم بإحساس متفاقم بالذنب لإهمال ابنتهم الوحيدة طوال كل تلك السنوات دون الإهتمام إليها ومعرفة ما يحدث معها طوال الوقت. أيمكن أن يكون ما حدث لها مؤشراً لهم ليشعروا بقيمة ابنتهم الغالية وخوفهم من فقدانها؟ نادت والدة "يارا" بصوتها الناعم، لكنها جاهدت أن يخرج قوياً حتى يستمع إليها من بداخل الحافلة: "يا ااااا... يا أسطى... يا عم... فيه حد هنا...

تلاحقت النداءات منهم حتى ظهر أحدهم من نافذة الحافلة وقد ظهر عليه التوجس، فمن سيأتي إليه بهذا المكان المقفر؟ "أيوة مين... "إنت سواق الباص ده... "أيوة... عايزين إيه... "فين الشباب اللي كانوا في الرحلة... وفين المشرف... بوجه ممتعض تماماً كمن أقلق راحته، أجابهم على عجل ليكمل نومته مرة أخرى: "نزلوا أديلهم كام يوم يكملوا الرحلة في الكهف مشي... وأنا بستناهم هنا منين ما يرجعوا." "كهف... كهف إيه...

"أهو كهف كده جوه في الواحة." تفكر "مندور" قليلاً ليلقي بفكرته التي كانت بالفعل تدور برؤوسهم، لكنه أراد أن يستكمل دور الرجل المهتم ذو الأفكار: "يبقى لازم نمشي نروح لهم طالما العربيات مش هتنفع." أومأ الجميع بالموافقة ليغلقوا سيارتهم تاركين إياها بالقرب من الحافلة متجهين نحو كهف الجارة بحثاً عن أولادهم. *** داخل الكهف...

زادت حدة الاختناق قليلاً، فقد بدأ الأكسجين يقل بالفعل داخل الكهف، وشعورهم بأن تلك هي أنفاسهم الأخيرة جعلهم يشعرون بأن هناك أثقالاً فوق صدورهم يريدون التخلص منها قبل مفارقة الحياة. بدأها "زيد" بإعترافه بعدما انتهى الجميع من اعترافاته البسيطة: "أنا عارف إن طموحي هو سبب عذابي... كان نفسي أعمل حاجة كبيرة في حياتي بس للأسف كل حاجة بتضيع مني...

حتى الرحلة اللي كنت فاكرها حتفتح لي باب شغل وجالي واحد يعرض عليا الشغل معاه بس أطلع الرحلة دي عشان هقوم بالإرشاد على نفس الطريق... طمعي في المرتب الكبير عمّاني ومشيت وراه من غير تفكير وسبت أمي وإخواتي اللي أنا مش عارف هيعملوا إيه من غيري... الراجل خلف بوعده معايا بس أنا طلعت عشان... عشان... عشان أبقى قريب."

وصل لتلك النقطة ولم يستطع الاعتراف بعشقه لـ"ياسمين" وأنها سبب بقائه في الرحلة، لكن عيونه قد فضحته تماماً وقد تعلقت عيناه بها. فهمت "ياسمين" ضمنياً ما يقصده، ذلك الشعور الذي تتهرب منه بداخلها منذ فترة طويلة لارتباطها بـ"هادي" الذي كان يعدها بالتقدم رسمياً لوالدتها حين يعودوا من رحلتهم تلك. تركت كل تلك الأحاسيس المضطربة جانباً لتهيئ نفسها هي أيضاً للإعتراف، فربما ينقذها الله مما وقعت به.

"أنا كمان عايزة أعترف بالحقيقة... الحقيقة أنا بنت عادية جداً... ولا غنية ولا أي حاجة... أنا بنت بسيطة من منطقة شعبية... كنت فاكرة إني حكون أحسن لو اتظاهرت إني غنية و... لم تكمل حديثها حينما قاطعها "هادي" غاضباً بحدة: "إيه إيه إيه.... !!!!!! يعني إنتي ضحكتي عليا... ؟!!! بنت فقيرة زيك تعمل عليا أنا الفيلم ده... ؟!!!

تراقص قلب "زيد" فرحاً بمعرفته أن "ياسمين" لا تختلف عن بيئته الفقيرة شيئاً، وربما هذا شيء يقربه منها بعدما كانت الفجوات بينهم كبيرة للغاية، لكن ثورة "هادي" أثارت غيظه الشديد، فكيف يتعامل معها بهذه الطريقة وهو يعلم تماماً أنه يرفضها ولا يود إكمال خطبته لها، ليقف مدافعاً عن "ياسمين". "جري إيه يا هادي إنت مش قلت خلاص... مش عايز تكمل مع ياسمين فارقة معاك إيه غنية بقى ولا فقيرة... !!!!

نظرت نحوه "ياسمين" بذهول حين فغرت فاها بعدم فهم مقصد "زيد". "مش عايز يكمل معايا... ؟!! هو قال كده... ؟!! ثم اتجهت ببصرها تجاه "هادي" قائلة: "إنت قلت مش عايز تكمل معايا... ؟!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...