الكهف بعد مرور وقت طويل على هذا الاضطراب الذي زلزل كيانهم، أصبحوا أمام حقيقة واقعة واحدة، أنهم سيقضون بقية أيامهم هنا. نفوسهم المهترئة جعلتهم متحجرين للتفكير تماماً، كلٌ يفكر بنهايته فحسب، حتى انتبهوا لـ"زيد" كالعادة، فكان أقواهم تحملاً وجلداً ورضا بقضاء الله.
"يا جماعة، إحنا ما فيش قدامنا إلا الانتظار، يمكن حد يساعدنا ونطلع من هنا. عشان كده لازم نشوف معانا أكل ومياه تكفينا قد إيه ويبقى استخدامنا فيهم قليل جداً عشان نقدر نستحمل." كان "هادي" أول المعقبين على حديث "زيد"، حين هتف بإنفعال ويأس بالغ نابع من نفسه الضعيفة. "إحنا كده كده ميتين يا 'زيد'، حتفرق إيه متنا بعد يوم ولا تلات أيام." "لازم يكون عندنا أمل، حد عارف إيه اللي ممكن يحصل."
لوح "هادي" بكفه متمللاً من "زيد" وحالميته، غير مقتنع بحديثه بالمرة، فما يقوم به "زيد" الآن ما هو إلا حلاوة روح كما يقولون، لكن الواقع يثبت أن تلك هي نهايتهم. لم يعر "زيد" انتباه ليأس "هادي"، ليحث المرتحلون معه بالبحث بحقائبهم عن بقية الطعام والماء ليكفي للجميع أطول فترة ممكنة. *** بيت هادي
آخر المطاف بين الأهالي جميعاً هو بيت "هادي"، ذلك الشاب الثري الذي يختلف وضعه عن بقية أقرانه، فهو له عمل مستقل يدر عليه الكثير من المال يخصه وحده، لا لأهله ولا لشريك يقاسمه أرباحه. توقف الجميع أمام بيته الفخم للغاية، والذي بُني على أحدث طراز، له إمكانيات تكنولوجية وتصميم فريد للغاية بتعجب يزيد عن الاندهاش، فمن أين استطاع تكوين هذا المال لعمل ذلك، وهل مجال الإعلان مربح لتلك الدرجة.
لكن الإنبهار لم يدم طويلاً، فبعد زيارة بيت "يارا" لم يعد الثراء والفخامة مقياس، فربما أهله كأهل "يارا" لم يكترثوا ولم يهتموا، بل جاء هذا الحادث كصدمة تفيقهم مما هم فيه ويشعرون بقيمة ابنتهم. لكن ما حدث كان على النقيض تماماً، فبيت "هادي" لم يكن به سوى والدته وبعض الخادمات، فعلى ما يبدو أنه وحيد ليس له إخوة ولا أخوات. كانت والدته سيدة رقيقة هادئة من ذوات الطبقة المخملية الأرستقراطية.
لم تكد "سعاد" تعرفها بنفسها وسبب مجيئها إلى هنا، حتى انهارت قوى والدة "هادي" تماماً، حتى أنه قد أُغشي عليها من الصدمة. رد فعل قوي لم تكن لتتخيله "سعاد"، فيبدو أن تلك السيدة تتأثر بسهولة للغاية. علمت من الخادمة التي أسرعت لتفيق سيدتها أن السيدة "ألفت" والدة "هادي" لا تتحمل الضغوط والمؤثرات الصادمة إطلاقاً، كما أن ولدها "هادي" هو وحيدها مدللها ولا تتحمل أن يمسه الهواء، فكانت تلك الحادثة صادمة لها للغاية.
شعرت "سعاد" كم أن هناك أناس مرفّهون للغاية، هي حتى لا تستطيع تخيل مدى رفاهية حياتهم، بخلاف المال فإن الرفاهية أسلوب حياة، فكم من أصحاب المال لا يستطيعون الترفيه عن أنفسهم مطلقاً، بل أن هناك من يتخذ من الدنيا بوابة للراحة بكل السبل.
حقاً لقد قابلت اليوم كل الفئات وحياتهم المختلفة، فمنهم الكادح المتعب، ومنهم الفقير الذي لا يهتم، ومنهم الذي يتشبث بطرف الدنيا ليمر اليوم وينتظر الغد، ومنهم المترف وغير المكترث، ومنهم المنعم الذي لا يتحمل الصدمات فيقع بأول اختبار. **** الكهف تجمعت الفتيات حول بعضهن البعض، بينما تجمع الشباب بالجانب الآخر، ولم يكن عليهم سوى الانتظار، لا يدركون ماذا ينتظرون، لكنهم مجبرون على ذلك.
كان الأمر بالبداية استسلاماً للواقع المرير، حتى بدأ تفكيرهم يتبدل وإلقاء اللوم على الآخرين فيما حدث تهرباً من أن يكونوا هم السبب لما آل إليه الحال. تفاجأ الجميع بعد فترة طويلة ساد الصمت بها بـ"هادي" يصرخ انفعالاً ويخرج عن صمته وصبره بانهيار شديد، حين نهض من جلسته بقوة متجهاً نحو "ياسمين" قائلاً بحدة. "إنتِ السبب... إنتِ السبب... جبتي لنا النحس بسلسلتك دي... إنتِ السبب...
نظرات لوم علت أعين البعض مصدقين لما تفوه به "هادي"، فيما حاول آخرون تهدئته وأن ما يفعله لن ينفع بشيء الآن. حتى تطور الأمر وأخرج "هادي" سلاحاً نارياً صغيراً من جيبه يوجهه نحو "ياسمين"، وقد إتقدت عيناه بشرر قائلاً من بين أسنانه. "لازم نخلص منك... ده الحل الوحيد عشان نطلع من هنا... إنتِ النحس اللي وقعنا في المصيبة دي." اتسعت عينا "ياسمين" بهلع وهي ترى "هادي" يشهر مسدسه تجاهها يود التخلص منها وقتلها. لتصرخ بقوة.
"لااااااااااااااااااااااااااا" لحظات تجمدت بها بموضعها، لم تدرِ ماذا تفعل، شلت كل أفكارها وتحركاتها، هي لم تقصد أن ينالهم سوء حظها، لكن الصدفة هي من جمعتهم بها وحدث ما حدث. لحظات فارقة بين انفعال "هادي" وإطلاق النار، لكن لم تصب تلك الطلقة النارية "ياسمين" مطلقاً، على الرغم من أنها سمعت دوي إطلاق النار جيداً.
فوجئوا بـ"زيد" يلقي بنفسه حائلاً بين "هادي" و"ياسمين" المذهولة، ليصاب بجرح سطحي بكتفه، فلحسن حظه أن الرصاصة لم تخترق جسده، بل مرت حارقة بحافة ذراعه لينهمر منها الدماء دون اختراق الجسد. أمسك "زيد" بكتفه المصاب بكفه القوي محاولاً كتم أنفاسه وتحمل هذا الألم العظيم، لم يكن كما كان يرى تلك المشاهد بالأفلام، بل كان مؤلماً للغاية.
جلس "زيد" ببطء متحاملاً على نفسه هذا الألم، ليلتف البعض حول "هادي" يقاومونه ويسحبون هذا السلاح الناري من يده حتى لا يصيب أحد آخر وسط ذهوله من قدرته على الضغط على الزناد لأول مرة بحياته. بينما أفاقت "ياسمين" من ذهولها لتسرع نحو "زيد" الذي كاد يفقد حياته بدلاً منها، تطمئن على جرحه ونزفه للدماء. بينما وقفت بقية الفتيات في ارتعاب مما حدث للتو، فلم يتوقع أحد أن يصل انهيارهم لهذا الحد.
دنت "ياسمين" من "زيد" وقد زاغت عيناها حول الجرح بتهدج أنفاس شديد. "إنت كويس... ؟!! ثبتت عيناه على فراشته الملهوفة، تكاد نظراته تصرخ "أحبك"، لو فقط رفعت عيناها تجاه عيناه العاشقتان، أتسأل عنه وتقلق عليه، أهذا حقيقة الآن. ليته أُطلق عليه النار من قبل ليرى لهفتها وقربها منه لتلك الدرجة، كم هي جميلة، رقيقة عن قرب، بالفعل تستحق أن يخسر حياته كلها فداء لها.
ابتلع ريقه باضطراب وارتجف جسده بقوة حين رفعت أناملها الرقيقة نحو جرحه الغائر، احتراق جسده لا يساوي رجفة مثل تلك التي شعر بها بلمسة منها. صمت "زيد" عن الرد، جعل "ياسمين" ترفع وجهها تجاهه متسائلة بتلهف. "زيد... إنت كويس... ؟!! تهدجت أنفاسه وعلت ضربات قلبه بقوة وهو يومئ بالإيجاب مردفاً بهمس لم تستطع "ياسمين" تمييز ما يقول. "كويس أوي... كفاية إنك جنبي.... مالت "ياسمين" بوجهها للأمام قليلاً وهي تضيق من عينيها باستفهام.
"بتقول إيه... ؟!! ابتلع ريقه بقوة مردفاً. "كويس... متقلقيش.... دارت بعينيها تجاه "هادي" الذي حاوطه بقية زملائهم يقيدون حركته حتى لا يقوم بتصرف أهوج مرة أخرى، لتصرخ به بحدة. "إنت مجنون... كنت حتموته.... ضم "هادي" شفتيه بحركة عصبية وهو يصرخ بها. "إنتِ السبب... إنتِ السبب.... هنا صرخ بهم "زيد" ومازال يضغط على جرحه الغائر. "ما تفوق بقى... هي السبب في إيه؟ ما تفكر شوية... ومش إنت بس... لأ...
كلنا لازم نفكر ونعيد حساباتنا... ربنا عمل فينا كده ليه؟ أكيد فيه حاجات غلط عملناها وهي السبب في اللي إحنا فيه... مش 'ياسمين' ولا سلسلتها هي السبب... صمت الجميع لوهلة، أ يمكن ذلك؟ أهم هنا باختبار لما فعلوه وكان سبباً بنهاية حياتهم بتلك الطريقة. بالطبع كانت الإجابات المتهربة أسرع من الاعتراف بالحقيقة، لتتعالى الكلمات برفض ما يتفوه به "زيد". "إنت بتقول إيه... "لأ طبعاً... إحنا معملناش حاجة... "أيوة أكيد...
حنعمل إيه يعني يكون عقابنا فيه الموت... "إنت بتخرف... كل ده عشان بتدافع عنها... تعددت العبارات الناكرة لذلك، ليرفع "زيد" كتفه بلا اكتراث قائلاً. "زي ما تشوفوا... عموماً إحنا حنروح من بعض فين... أدينا قاعدين لحد ما شوية الأكسجين اللي في الكهف يخلصوا ونفسنا يتقطع ونموت كلنا... كناقوس يدق برأس كل منهم، ليلتزموا بعدها الصمت ما بين شعور بالذنب وآخر خائف ينكر أن ما حل بهم بسبب أفعالهم.
أخذ "عامر" يضمد جرح "زيد" بما يحملونه من بعض الإسعافات الأولية التي يحملونها، ليجلس الجميع في الانتظار مرة أخرى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!