الفصل 41 | من 66 فصل

رواية اخر نساء العالمين الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم سهيلة عاشور

المشاهدات
14
كلمة
1,210
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 62%
حجم الخط: 18

بعد مرور سبعة أشهر. ساد الحزن في قلوبهم جميعًا، فمن رحل ليسوا مجرد أفراد من العائلة، فهم العمود والوتد

القائم لهذه العائلة: أب وأم وأشقاء وأحباب على قلوبهم جميعًا. لطالما كانوا سندًا للجميع ومحبوبين، ومن كثرة الحب المتدفقة بينهم لم يتوقعوا أبدًا في يوم أن يرحلوا عنهم. ساد البكاء والعويل والحزن الدفين في قلوب كل الأحباب، وخاصة يونس ومصطفى، اللذان أصبحت حالتهم يرثى لها من شدة الحزن. فامتنعا عن الطعام والحياة تقريبًا. نسي مصطفى سعادته بزواجه الذي انتظره كل هذه المدة، ويونس الذي أصابته النحافة والعجز المبكر، فقد كُسرت شوكة ظهره الآن، فالأكبر يشب ويقوى بوجود الوالدين دائمًا.

*** في صباح يوم جديد.

في إحدى العمارات السكنية في حي السيدة زينب، استيقظت زهرة مبكرًا كعادتها حتى تحضر زوجها قبل نزوله لعمله. ارتدت عباءتها المنزلية الفضفاضة وحجابها وذهبت نحو المطبخ في هدوء لكي لا تزعج يونس، فهو أصبح مثل ضائع الطريق، لا تزوره عيناه النوم إلا قليلاً، ويعقبه نوم إغماء من كثرة التدخين وارتشاف الكافيين. ولكن ما إن تركت هي الفراش حتى استيقظ فورًا، ولكنه لم يشعرها حتى لا تحمل همًا أكثر من ذلك. أدى فرضه وارتدى ملابس العمل، والتي كانت يغطيها الزيوت والشحوم. ففتح يونس ورشة صغيرة في جراج أسفل العمارة السكنية وأصبح يعمل بها ميكانيكي.

*** في غرفة سمية ومصطفى.

لم يزر عينيها النوم طوال الليل، وهي تجلس بجواره على الفراش يملأ رأسها التفكير. تنظر له تارة ولحالهم تارة أخرى. تنظر لبطنها المنتفخة أثر حملها، فقد أراد الله أن يمن عليهم بطفل، وهي الآن في شهرها الرابع. استيقظ يتقلب في نومه بإرهاق من أثر العمل الشاق. صدم عندما رآها تجلس بتلك الهيئة وعيناها محمرة من أثر عدم النوم. تعجب كثيرًا وقلق أن يكون أصابها هي أو الطفل مكروه. اعتدل سريعًا وأخذ ينفحصها بحنان وهو يضع يده على بطنها المنتفخة.

مصطفى بنبرة حنونة: "كويسة يا سمية؟ في حاجة وجعاكي؟ نظرت نحوه وشردت به لوهلة، ومن ثم تهجم وجهها بغضب: "دماغي وجعتني وزهقت يا مصطفى من القرف اللي إحنا بقينا فيه ده. ما قلتلك نعيش عند أمي وأبويا مش أحسن من إننا مزنوقين هنا ومش عارفين نتنفس، وياريت حتى شقة بتاعتك." ثم أكملت بسخرية: "لأ دي بتاعة يونس."

تأفف منها بملل، فمنذ أسابيع وهي تردد هذا الكلام، وهو يحاول السيطرة على نفسه وعدم إزعاجها. فهو يضع حجة حملها وهرموناتها المتقلبة، ولا يريد زيادة همها. نظر نحوها بعتاب، ومن ثم ارتدى ملابسه سريعًا وخرج من الغرفة، صافعها خلفه بغضب. *** في المطبخ.

كانت تعد زهرة طعام الإفطار ومعه بعض العصائر، فهي تعطيها ليونس ومصطفى أثناء خروجهم من المنزل لكي تعطيهم بعض الطاقة. وفي أثناء انشغالها، دلف إليها مصطفى ووجهه محتقن من الغضب، يرتشف بعض المياه وصوت أنفاسه مرتفعة من كثرة الضيق. زهرة بخوف عليه: "مالك يا مصطفى؟ أنت كويس؟ في إيه؟ مصطفى بغضب وهو يصفع باب الثلاجة: "هيكون إيه يعني غيرها؟ أنا مش عارف مالها، أعمل إيه تاني عشان أرضيها؟ إيه اللي غيرها وفرقعها علينا كده؟

مش عارف على إنها ناقصاها يعني." قال آخر كلماته وهو يخرج مسرعًا من المنزل. حزنت بشدة من أجله، ويونس الذي كان يراقب الحدث من بعيد. زهرة بحزن: "يونس... مصطفى! يونس بحزن دفين: "متخافيش، أنا هروح وراه." تركها وذهب خلف أخيه، أما هي فجلست على كرسي طاولة المطبخ الصغيرة، واضعة كف يدها على خديها بخيبة أمل، فرت من عينيها دمعة هاربة وهي تتذكر آخر أحداث الشهور الماضية. **Flash Back:**

عندما زارهم هذا الخبر المدمر، امتلأ البيت ولأول مرة بعد وفاة والد زهرة بالحزن المرير على الجميع. حيث تجمع كل الأهالي والأقارب والجيران والأصدقاء، وأيضًا والدي سمية ووالدة زهرة التي فضلت البقاء معهم في هذا الوقت الصعب. مرت الليالي ويونس يرفض فتح وصية والده، حيث كان في عالم غير عالمنا، عالم من التوهان وعدم القدرة على التفكير أو الحركة أو حتى التعامل مع أي شخص. فكان هادئًا تمامًا، ينظر أمامه في فراغ من اللون الأسود

القاتم الذي سحبه بداخله ولم يترك له مفرًا من مواجهته. حتى وإن كان مصطفى متأثرًا، فدائمًا العبء الأكبر بقدر كبره، وأكثر آلاف السيناريوهات تتدفق أمامه. قاطعته يد زهرة التي كانت تربت عليه بحنان، وعيناها لا تزال منتفخة من كثرة الدموع، وجسدها الذي هزُلت سريعًا بعد رحيلهم، فهم كانوا أكثر من أهل لها.

زهرة ببكاء: "يونس... واحد اسمه عم وهدان بيقول عاوزك أنت ومصطفى في حاجة ضرورية." يونس بزفر: "طيب... تركها وذهب نحو مكان استقبال الضيوف، ورحب بالضيف وجلس أمامه. وعندها وجده يظهر بعض الأوراق، حتى زفر بضيق وشعر بالغضب يتسلل أمامه، ولكن هدأه مصطفى الذي انضم إليهم حديثًا. يونس بضيق: "وبعدين معاك يا عم وهدان؟ ما قلتلك مش وقته الكلام ده." وهدان بحزن: "معلش يا بني، بس ده لمصلحتكم، لأن الموضوع ميستناش."

في النهاية انصاع له، فهو ليس في حالة تسمح للمجادلة. جلسوا ينظرون إليه، وأذانهم تصغي بعدم اهتمام، تحول لصدمة جامحة عندما سمعوا حديثه الذي بات لهم وكأنه طرفة ليست في محلها. يونس بانهيار: "يعني إيه اللي أنت بتقوله ده يا عم وهدان؟ يعني إيه أبويا كتب كل ما يملك لضاحي؟ إزاي يعني؟ وهدان بحزن: "للأسف يا بني، دي الوصية وقدامك أهي. ربنا يسامحك يا مهران على العمل ده." مصطفى بصراخ: "أنت كداب والناس دي كلها كدابة!

أبويا مستحيل يعمل فينا كده." زهرة ببكاء: "مستحيل عمي يعمل كده، أكيد في حاجة غلط." سمية ببكاء: "هو اللي بيحصلنا ده بس يارب، ده إحنا ملحقناش نزعل عليهم." يونس بعدم استيعاب: "عم وهدان... إحنا كده هنترمي في الشارع صح؟ وهدان بألم: "للأسف يا بني... حتى البيت ده بقى باسم ضاحي." يونس بغضب أعمى: "وتعبي وشقايا طول السنين دي هيترمي على الأرض؟ هنعيش فين وهنروح فين؟ هنشرد على آخر الزمن." مصطفى

وهو يحاول تمالك أعصابه: "طول ما إحنا مع بعض، أكيد هنلاقي ليها حل يا أخويا، هدي نفسك مش كده." قطع حزنهم وصدمتهم دخول هذا البغيض عليهم، ومن خلفه رجاله أشبهين بالذئاب. يمشي يتبختر بتفاخر وانتصار: "مش قلتلك يا ابن مهران هجيب مناخيرك في الأرض." **Back:**

فاقت من ذكرياتها وهي تتذكر خروجهم من المنزل وما حدث بزوجها وأخيه، فقد رفضوا تمامًا المساعدة من الجميع. حيث عرض عليهم أهل سمية العيش معهم، وأيضًا وفاء والدة زهرة، حيث إن لديها شقة كبيرة وتعيش بها وحدها، ولكن يونس رفض تمامًا. وحمد ربه وشكره أنه كان لديه شقة ذات مساحة ممتازة، فقد اشتراها لنفسه منذ فترة طويلة، حتى أنه كان ينسى أمره، وبدأ بفتح مشروع الورشة هذا حتى يكسب قوت يومه، وأيضًا مصطفى الذي كان يعمل في دكان للحدادة.

عملهم أصبح شاقًا كثيرًا، ولكنهم يأكلون طعامهم من مجهودهم الشخصي والمال الحلال، وهذا يهدئ من روعهم قليلاً. فاقت من اضطراب عقلها على صوت سمية، والذي كان صاخبًا للغاية. ركضت نحو صالة المنزل الصغيرة، فوجدت سمية تقف وقد حزمت أمتعتها وتقف بثبات وبرود تام وهي تنظر نحو مصطفى.

مصطفى بصدمة: "يعني إيه يا سمية؟ هتسيبي البيت وتمشي؟ أنت اتجننتي؟ سمية بقسوة: "لأ، أنا فوقت من الوهم اللي أنا فيه يا مصطفى. أنا إيه اللي يجبرني على العيشة المرار دي؟ شغالة في سوبر ماركت بتجيب ملاليم كل آخر شهر. أنا بيت أخويا أولى بيا، على الأقل هعيش فيه مستورة." مصطفى بخزي وغضب: "وأنا هنا معرّكِ ولا مجوّعك يا سمية؟ أنا شغال ليل نهار عشانك وبعمل كل اللي أقدر عليه عشان أجيبلك كل حاجة نفسك فيها، إيه اللي أنت بتقوليه ده؟

سمية بقوة: "والله بقا ده اللي عندي، ورقتي توصلني." ثم قالت بسخرية: "على قصر أخويا مش الحُق اللي أنت مقعدني فيه مع أخوك ومراته." جرت حقيبتها خلفها وذهبت دون أن تلتفت إليه، قاسية باردة، تركته في وقت ضعفه وانهياره، شاب قد صدمته الدنيا آلاف الصدمات التي توالت خلف بعضها دون رحمة أو رأفة بقلبه اللين الضعيف. جلس أرضًا فلم تحمله قدماه أكثر من هذا، ينظر في ظلها بشرود، لا يزال عقله لا يستوعب ما حدث منذ قليل. ***

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...