الفصل 40 | من 66 فصل

رواية اخر نساء العالمين الفصل الأربعون 40 - بقلم سهيلة عاشور

المشاهدات
18
كلمة
1,899
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 61%
حجم الخط: 18

في صباح اليوم التالي، استيقظت زهرة وهي تتقلب بإرهاق، فأمس كان يومًا شاقًا عليهم جميعًا، وخصوصًا نهايته. نظرت أمامها لتجد يونس يجلس على إحدى الكراسي يدخن سيجاره بشراهة. راقبته بحزن، وهي تعلم خوفه عليهم وتعلم قلقه وانشغال باله بكل ما يحدث، فعلى كتفيه كل الهموم، ولا أحد يستطيع التخفيف عنه. اقتربت منه وجثَت على ركبتيها أمامه، تمسك يده، تضعها على خديها الناعمتين، وهي تنظر له بحزن وعينيها ترغرغ بالدموع.

زهرة بحزن من أجله: يونس... أنا عارفة إنك زعلان، وأنا بجد نفسي أشيل عنك شوية، على الأقل احكيلي مالك. أنا معرفش حاجة عن ضاحي ده غير إن بينكم مشاكل، إزاي يطلع أخو سمية؟ أنا مش فاهمة حاجة، فهمني يا يونس... أنا مش قادرة أفضل قاعدة وأنا سايباك كده. يونس بغصة في حلقه، وهو يربت على رأسها بحنان وينفث آخر دخان من سيجاره: بلاش تعرفي أحسن يا زهرة... أنتِ رقيقة أوي، متتحمليش كل ده. زهرة بدموع: لا، أنا عايزة أعرف. مش أنت جوزي؟

أنا وانت واحد يا يونس، لو أنا مشلتش همك مين يشيله؟ لو ليا غلاوة عندك اتكلم بقى. أراح جسده للخلف وهو ينظر لها بتفحص، ومن ثم أمسك يدها وجلس أرضًا بجوارها، ينظر لها بتردد، ولكنه في النهاية تحدث وأخيرًا: شوفي يا زهرة، إحنا مكنش عندنا فلوس أوي ولا حالنا متيسر أوي كده...

آه، كنا الحمد لله عايشين كويس وعندنا أرض وكل حاجة، بس مش كل ده. أبويا لما أنا كنت لسه عيل صغير، كان بيشتغل هو وأبو ضاحي وناس كتير عند واحد خواجة يوناني. الراجل ده كان ذكي وغني جدًا، عنده فلوس ملهاش أول من آخر، بيشتغل في كل حاجة، حلال وحرام كمان. لما جه عندنا هنا مصر، أبويا وأبو ضاحي كانوا صحاب أوي، كأنهم إخوات. كانت معزة أبو ضاحي من معزة عمي (والد زهرة)

الله يرحمه، ويمكن أكتر كمان. راحوا اشتغلوا عند الخواجة ده، وقتها كان عندنا بيت صغير وأرض صغيرة هنا في البلد. أبويا اشتغل مع الخواجة ده سنين وكسب ثقته جدًا وبقى دراعه اليمين. وزي ما بيقولوا، النفوس بتتغير. لما أبو ضاحي لقى إن أبويا بقى ياخد فلوس ومكانة أكتر منه بكتير، غار منه وبدأ يدبر له مشاكل كبيرة علشان الخواجة يطرده. بس وقتها الخواجة عرف وطرد أبو ضاحي من الشغل. وطبعًا وقتها كنا إحنا بقينا من أغنى الناس في البلد.

بعدها بسنين، أبو ضاحي مات من القهرة اللي كان فيها والغل اللي جواه، ومن وقتها ضاحي اختفى. وقتها كان عندنا حوالي 18 سنة، وبعدها سمعنا من ناس كتير إنه راح لمطاريد الجبل وإنه بيسرق وبيبهدل معاهم. وقتها أم ضاحي اتجوزت، كانت لسه صغيرة أوي وقتها اتجوزت وخلفت سمية، ومن وقتها وضاحي لما عرف إن ليه أخت، وهو كان بيحوم حواليها في كل مكان علشان يضمها في صفه، علشان من زمان وهو ناوي ينتقم.

زهرة بتعجب: ينتقم من إيه؟ يونس بسخرية: مقتنع إننا السبب في موت أبوه، وإن الفلوس والأراضي اللي عندنا دي من حقه، بما إن أبوه وأبويا كانوا متشاركين زمان. زهرة بصدمة: إيه الجنان ده... يونس بزفر: للأسف الجنان ده حقيقة، وبعاني منها بقالي سنين. حاولت كذا مرة أفهمه، وحتى بعت له ناس كانت شاهدة على الفلوس والشغل اللي أبويا تعب فيهم وجمعهم علشان نقدر نعيش زي ما إحنا عايشين دلوقتي، بس زي ما تقول، الشيطان عامي قلبه.

زهرة بتوهان: طب وهو ممكن يعمل إيه يا يونس؟ يونس بقلة حيلة: مش عارف... بس اللي بيتربى وسط المطاريد ويرجع بكل الرجالة والقوة دي، ممكن يعمل أي حاجة للأسف. ثم أكمل بزفر: لو كان ليه أي حق كنت هديهوله أكيد، بس أنا متأكد إنه ملهوش أي حاجة. تمسكت بيده وهي تنظر له، والدموع بدأت تتساقط من عينيها بضعف، مما جعله يقربها إليه يحتضنها بحنان، فهو يحتاجها أكثر مما هي تحتاجه من الأساس، ولكن هذه الرقيقة لا تستطيع تحمل كل تلك الهموم.

يونس بتعجب: بتعيطي لي دلوقتي طيب؟ زهرة ببكاء: علشان أنت زعلان وأنا مش عارفة أعمل حاجة. يونس بزفر: خليكي جنبي وبس. المهم يلا قومي البسي، أنتِ نسيتي الجامعة خالص يا هانم، ها؟ زهرة بابتسامة: حاضر. ***

في غرفة سمية ومصطفى، ظلت تبكي طوال الليل على حالها هذا. طالما لم تكتمل لها أي لحظة سعيدة أو شيء قد تمنته، فهي فتاة عادية، أحلامها عادية وبسيطة جدًا، وهي أن تحظى بحياة هادئة بعيدة عن المشاكل، ولكن ها هي سخرية القدر، فصاحب هموم ووصمة العار في حياتها هو شقيقها الوحيد. تتذكر اللحظة التي علمت فيها من والدتها أن لديها أخًا، كانت تشعر بالسعادة، فهي فتاة وحيدة وبالطبع تريد السند والحب وشعور الأخوة. ولكن خاب أملها تمامًا عندما علمت بما يفعله وما يعيش فيه. حاولت جاهدة هي ووالدتها إيضاح الفكرة السيئة التي تتركز في رأسه، ولمن بالطبع دون جدوى، فأصبح الطفل الصغير وحشًا قد غُسل عقله بالأفكار الشنيعة. خُربت الليلة التي حلموا بها طويلاً.

استيقظ مصطفى بعد محاربته للنوم، ولكنه في النهاية غفى من كثرة الإرهاق. نظر لها بحزن وغضب من هذا الضاحي. اقترب منها واحتضنها بحب وهو يربت على ظهرها بحنان. مصطفى بضيق: دموعك غالية عليا أوي يا سمية، بلاش تعملي كده. أنا عارف إنه حقك تزعلي وتضايقي، ومفيش حد يتحمل اللي أنتِ فيه دلوقتي، بس أنتِ عندي أهم من كل حاجة يا سمية. أنتِ دلوقتي مراتي وحبيبتي وفي حمايتي، لي الزعل والعياط ده كله؟ هو يعني ضاحي اللي عمله جديد عليه؟

ما سنين طويلة وهو كل شوية يعملنا مشكلة جديدة لحد ما اتعودنا. سمية ببكاء: في الآخر ده أخويا. أنا خايفة تكرهوني والناس تكرهني بسببه. وبعدين كفايا إنه بيعمل كده وهو أخويا يا مصطفى، دي حاجة تضايق أوي بجد. قربها إليه أكثر وهو يبثها بكلمات مطمئنة محاولًا التخفيف عنها، فهي مسكينة في النهاية ومن حقها الحزن. ***

في صالة المنزل، دلف للأسفل زهرة ويونس وقد تجهزت زهرة للذهاب للجامعة، وسمية ومصطفى يجلسون يشاهدون التلفاز ويضحكون بصوت صاخب. زهرة بضحك: والله مجانين! عرسان النهارده الصباحية بتاعتهم إيه اللي مقعدهم في نص الصالة قدام التلفزيون؟ يونس بضحك: مش هعلق عليهم كتير بجد. طول عمري بقول محدش هيجيب لنا الفضيحة إلا مصطفى. مصطفى بمرح: بتجيب في سيرتي لي على الصبح؟

ما تصبح كده، إحنا خلاص بقينا فرقتين قدام بعض، أنا مش لوحدي، أنا قلت أهو. يونس بضحك مفرط: ده بيتحامى في مراته، قلت لك هيفضحني. في تلك الأثناء، قطع حديثهم خروج نواره ومهران من غرفتهم وهم يحملون حقائب السفر، مما جعل الجميع ينظرون إليهم في تعجب. مهران بابتسامة: كنا عاملينها مفاجأة السفر بتاعنا دلوقتي مش بعد أسبوع. خبينا عليكم علشان لو كنتوا عرفتوا كنتوا هتعترضوا. مصطفى بتعجب: طيب وليه الاستعجال؟ ده أنا لسه متجوز إمبارح.

نواره بفرحة: خلاص بقى علقوا كتير وسيبونا براحتنا، إحنا خلاص اطمنا عليكم، ودلوقتي بقى جه وقت إننا نرتاح شوية. سمية بحب: هتوحشوني لحد ما تيجوا. يونس بهدوء: طالما أنتوا مبسوطين أنا مش عايز حاجة تانية. يلا عشان أوصلكم. مهران باعتراض: لا، إحنا هنروح بالأتوبيس اللي هيوصل الناس. أنت عارف بنحب اللمة يا يونس، خلينا مع الناس أحسن. يونس بحب: اللي يريحكم يا حج. زهرة بسعادة: تروحوا وتيجوا بالسلامة إن شاء الله.

بدأ تبادل الوداع بينهم بالأحضان الدافئة والدموع الصادقة من الفتيات، فهذان الاثنان بمثابة الأب والأم الحقيقيين لهم، يغمرونهم بالحب والحنان والعطاء، فنعم الأهل. ولكن كان في وداع مهران ليونس جملة تعجب منها قليلاً ولكنه لم يبالي كثيرًا. مهران بغموض: أنت الكبير في غيابي يا يونس. أوعى تتفرقوا أبدًا، أنتوا مع بعض في بعض يا يونس، وجودكم مع بعض يخوف أي حد. يونس بعدم فهم: عنيا يا حج، متقلقش.

ذهبوا في وسيلة المواصلات المخصصة لنقل من سيذهبون للعمرة من هذه المنطقة وانطلقوا سريعًا، ومن بعدها استقل يونس وزهرة السيارة لتوصيلها للجامعة. *** بعد مرور سبع ساعات، وقد أنهت زهرة يومها الدراسي واستقلت السيارة بجوار يونس لكي يذهبوا للمنزل سويًا، ولكن ما إن أغلق يونس باب السيارة استعدادًا للذهاب، وجد أنه متلقي مكالمة هاتفية من حسام. يونس: أيوه يا حسام... لحقت أوحشك. حسام بتردد: يونس... في حاجة حصلت، أنت لازم تعرفها.

يونس بقلق: خير، في إيه؟ حسام بحزن: عمي مهران وعمتي نواره... تعيش أنت. يونس بصدمة: إيه؟ ...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...