عندما سمع كلمات هذا الصوت الخشن وقد غلت دماؤه، ولوهلة شعر بدوار في رأسه، وستارة سوداء غشت على عينيه فجعلته أعمى تمامًا، ولا ينطق. وقف صامتًا لبضعة دقائق، ومن ثم أفاق على حاله وركض سريعًا خارج هذا الشارع ليصل للسارع الرئيسي لهذا الحي، ومصطفى خلفه يحاول أن يفهم منه ماذا يحدث، ولكن بالطبع هو لا يعطيه فرصة. مصطفى بقلق: يا بني قلي في أي... ما تنطق يا يونس علشان نتصرف. يونس بخوف وغضب: سمعت صوت واحد...
زهرة كانت خايفة، أنا حاسس بيها، زهرة خايفة يا مصطفى.
صرخ في آخر كلماته بطريقة مخيفة، مما جعل مصطفى يزدرق ريقه بتوتر وهو يهز رأسه بهدوء. ومن ثم ركض يونس نحو سيارة المعلم حسن، والذي كان يصفها أمام الورشة حيث انتهى من إصلاحها، وخلفه مصطفى، والذي أتى في باله سريعًا أن يهاتف حسام؛ لأنه يعلم حق العلم أنه لن يستطيع السيطرة على يونس، وخصوصًا أنه غاضب بشدة وقد عمت عينيه، ولن يرى أي أحد سواها الآن. انطلق يونس بسرعة جنونية نحو جامعة زهرة، وحاول مصطفى أن يهدئه، ولكن لا فائدة بالطبع.
في منزل بسيط وصغير، كان يجلس هبه وحسام مع عائلة العم مدني وهم يحتسون الشاي بعد تناول الطعام ويضحكون بشدة. وقد لاحظت هبه الألفة معهم، وكم يحبونه ويريدونه وكأنه أحد أفراد هذه العائلة. العم مدني بضحك: الله يحفظك يا بني... طول عمرك دمك خفيف. حسام بمرح: قولها يا عم مدني... على الله ننول الرضا بس. هبه بخجل: وأنا كنت قلت أي بس... أم سلوى وقد وكزته بخفة: بس يا واد متكسفهاش أمك...
بس بسم الله ما شاء الله يا حسام، عرفت تنقي يا حبيبي زي القمر، وشكلها طيبة وبنت حلال، ربنا يخلف عليكم بالصالح يا رب.
نظر لها بابتسامة حلوة وهو يتمنى من الله أن تكون خيرًا له، فلا ينكر أبدًا أنها مختلفة تمامًا عن كل ما عرفهم في الصعيد أو المدينة. هي دائمًا كانت مختلفة، هادئة ولطيفة، ذات قلب رقيق للغاية، وأيضًا راضية تمامًا، كما أنها جميلة بطريقة تجعل قلبه يرتاح عندما يراها أمامه، وهذا ما كان يبحث عنه. قاطع شروده سلوى، والتي كانت تتحدث بحماس عن مشروع التخرج خاصتها. سلوى بحماس: ها أي رأيك يا أبيه... هيبقى كويس؟
حسام بحب أخوي: أي حاجة سلوى بتعملها حلوة... أنتِ عارفة أنا بثق في رأيك. تدخلت خديجة تتحدث بمرح: يا سلام يا أبيه، طب وخديجة ملهاش من الحب جانب خالص؟ حسام بضحك: دا أنتِ الحب كله... طول عمرك لسانك عايز قطعه. مدني بضحك: أنت بتقول فيها... غلبنا فيها يا بني والله، بس هنقول إيه، هي كده. ابتسم بحب لمدني، ومن ثم مال برأسه على هبه التي كانت تجلس بجواره وقال بعبث: غيرانة يا بيبه.
هبه بتلعثم فقد لاحظ نظرات الغيرة في عينيها التي كانت تتابعه وهو يتحدث إليهم: لا هغير لي. عدل من وضعه وهو يبتسم بتلاعب، ومن ثم أمسك بيدها ووقفا سويًا وقال بحب صادق: والله قعدتكم مش بعرف أشبع منها... بس لازم أروح، مفيش هنا شبكة، وزمان يونس قالب الدنيا علينا. أم سلوى: بس هتيجي تاني... مش هتغيب علينا يا حسام. حسام بابتسامة: مقدرش. توجه
للفتيات وهو يتحدث بصدق: أي حاجة تعوزوها تتصلوا عليا، مش لازم أنا اللي أتصل وأسأل يعني، ولا إيه؟
أومئوا له براحة، فهذا الشاب دائمًا ما يشعرهم أن لديهم سند في هذه الحياة، لطالما كان حنونًا، متفهمًا، ومرحًا، ومحبًا لهذه العائلة البسيطة، ويقدم الكثير والكثير، وهم لا يستطيعون توفية هذا، ولكنهم سعداء. وبعد وداع طال قليلاً، أخيرًا يسيرون بجانب بعضهم في الشارع متجهين للمنزل. نظر لها بتلاعب وهو يعبث بيدها التي لازال يمسك بقوة. حسام بغمزة: مش غيرانة ها. هبه بإحراج: خلاص بقى... أنت ما بتصدق بجد. حسام بضحك: بصراحة اه.
هبه بفضول: حسام... هو أنا ممكن أسألك سؤال؟ انحنى نحوها وهو يضرب مقدم رأسه في مقدمة رأسها بطريقة لطيفة: ممكن أوي. شعرت بالخجل من قربه، فهذا اليوم قد غير كثيرًا، وكسرت الكثير من الحواجز بينهم. ثم قالت بتوتر: هو أنت مكمل معايا ليه؟ حسام بصدمة فلم يتوقع أبدًا هذا السؤال: يعني إيه؟ هبه بتلعثم: يعني ليه إحنا لحد دلوقتي متجوزين... ثم أكملت بإحراج: مع إنه يعني محصلش بينا حاجة، ولا في سبب يخلينا نكمل... ليه مكمل؟
أخذ نفسًا عميقًا وهو ينظر بتدقيق: علشان... قاطعه رنين الهاتف، فزفرت هي بضيق: أيوه يا مصطفى. حسام بقلق: طب اهدى... انتوا فين دلوقتي؟ أنا جاي حالًا، أهم حاجة أوعى تخليه يأذي حد، أنا جاي. هبه بقلق: في إيه يا حسام؟ أمسكها حسام وهو يركض في اتجاه المنزل: زهرة معاها مشكلة في الجامعة، وواضح إن يونس مش هيعديها على خير... اطلعي فوق يا هبه، ومتروحيش في حتة، ولا تفتحي لحد ما أجي، فاهمه.
هزت رأسها له وهي في صدمة وخوف أن يصيب أحد مكروه. أما حسام فأستقل سيارته وذهب سريعًا نحو مكانهم. في الجامعة. كانت زهرة تسير بجوار منى متجهين نحو الباب الرئيسي؛ حيث انتهوا من أداء الامتحان ويهمون بالرحيل، ولكن قاطعهم صوت أحد زملائهم وهو يسير خلفهم ويقصد زهرة بالحديث. الشاب: أي القمر دا... استني، أنتِ مين؟ أنا أول مرة أشوفك، إزاي البطل دا معداش عليا قبل كده؟
تلعثمت زهرة في خطواتها، وخصوصًا أنه كان يحوم حولها ويحاول إيقافها. سحبتها منى وسارت من جهة أخرى، ولكنه ذهب أيضًا ووقف أمامهم وهو ينظر لزهرة نظرة شهوانية مريضة. منى بقوة (فمن صفاتها أنها جريئة للغاية ولا تهاب أحد) : غور يلا من هنا... وإلا هروح لمكتب العميد وهتزعل أوي. الشاب بضحك: إيه بس يا شبح، براحة علينا، وبعدين أنا مجتش ناحيتك...
أنا عاوز القمر التركي دي، تعالي بس نتعرف، اديني فرصة، دا أنا هعجبك أوي. قال آخر كلماته بغمزة بطريقة غير لائقة وهو لازال يمشط جسدها بعينيه. منى بغضب وصوت عالٍ: أقسم بالله العلي العظيم... لو مغورتش في داهية دلوقتي لأخلي اليوم دا أسود يوم في عمرك، أنت متعرفنيش، ولا تعرف اللي ورايا، ممكن يعملوا فيك يا عم الطري أنت.
قالت آخر حديثها بسخرية وهي تقف بثبات تنظر له باشمئزاز وكره. أثارت غضبه، فإذا به يمسك زهرة من معصمها بقوة وهو يجذبها خلفه، ومنى تحاول جذبها، وزهرة بدأت تصرخ بضعف. منى بصراخ: أنت مجنون... إزاي تمسكها كده... سيبها حالا، سيبها بقلك. الشاب بتلذذ: لا بتاعتي النهارده... أوعي من وشي بقى، دا أنت صداع. لم يمشي خطوة أخرى حيث وجد لكمة قوية تقابل وجهه، فإذا به ملقى على الأرض يتأوه بألم. يونس بغضب: إيه...
أنت من أولها وقعت على الأرض؟ لا اجمد كده، أنا لسه بسخن. ارتمت زهرة بين أحضانه وهي تبكي بقوة وتتشبث به بضعف. أما هو فأغلق عينيه لثوانٍ معدودة يتشم رائحتها ويضمها إليه لكي يقنع نفسه أنها موجودة وأن الله حفظها له من جديد. ولكنه بعدها عنها برفق لتأخذه منى، والتي ابتعدت بها قليلاً وهي تربت على كتفها بحنان. أما يونس فتقدم بسرعة وأخذ الشاب من مصطفى، الذي كان يمسكه حتى لا يهرب، فحاول مصطفى أن يبعده عنه.
مصطفى بحديث ذات مغزى: مش هينفع هنا يا يونس... كده هتجبلنا مصيبة، بلاش علشان خاطري، علشان خاطر زهرة، أنت مش شايف حالتها عاملة إزاي. زفر بضيق وهو يغلق عينيه بقوة ويكور يده بغضب. وابتعد عنه بعدما أقنع نفسه بصعوبة أنه لا يريد أن تهابه. الشاب بغضب وهو بين يدي مصطفى: ما أنتي حلوة وبتتحضني أهو عادي، ولا هي جات عليا... وعملالي فيها ستنا الشيخة.
اسمع أحدكم بركان ينفجر الآن. في أقل من الثانية كان يونس يعتليه على الأرض وهو يلقنه اللكمات والضربات، ويقول له أبشع الألفاظ في أذنه، والشاب يصرخ بألم ويطالب بالنجدة، وقد اجتمع جميع من في الحرم الجامعي، منهم من يراقب بصدمة مما يحدث، ومنهم من اقترب ويحاول فك هذا الشجار، وبالطبع مصطفى الذي كان يحاول أن يجذبه، ولكن فارق القوة بينهم لم يساعد. ولكن مع قدوم حسام راكضًا وبكل قوته هو ومصطفى، حملوه للخلف من على الشاب، والذي وإن تركوه قليلاً لكان أصبح جثة هامدة.
حسام بحدة: يونس.... اهدى، حقك هيجيلك، بس اهدى أبوس إيدك. يونس بغضب جامح: سيبني يا حسام... خليني أخلص عليه، سيبني. مصطفى بقلق: أبوس إيدك خلاص بقى. قاطعهم صوت جهوري ويسير خلفه الكثير من أمن الجامعة: إيه اللي بيحصل هما بالظبط، أنتو مفكرين نفسكوا في الشارع؟ دا حرم جامعي محترم. يونس بغضب: محترم... محترم إيه يا راجل... كان سيكمل، ولكن وضع مصطفى يده على فمه بقوة وهو متسع العينين: هوس هوس... رايح فين دا عميد الجامعة؟
يخربيتك. نظر حسام في اتجاه يونس بحدة، ومن ثم تقدم بثبات في اتجاه المعيد وهو يعطيه الكارت الخاص به، ليزدرق الرجل ريقه بخوف: تحت أمرك يا حسام... اتفضلوا معايا في المكتب، إن شاء الله سوء تفاهم بسيط وهنحله يعني. سار يونس بعد إلحاح من حسام، والذي لم يهدأ انشغال واحد منه، ومعه الباقي نحو مكتب عميد الجامعة. في قصر عائلة يونس. كانت سمية تفكر في آخر خطوات تحقيق هدفها، شارده بما تخطط له،
وخطر ببالها: أبهذه الطريقة تظلم أخيها الوحيد؟
إنها تنفر ممن وصفه بهذه الكلمة، ولكنها الحقيقة والتي لا يمكن أن تهرب منها أبدًا. ولكنها عزمت أمرها وجلبت ملابس الصلاة خاصتها وأدت صلاتها تناجي ربها أن يعاونها حتى تعود لهم الحياة من جديد. انتهت وهي تجفف دموعها عندما تذكرت زوجها وحبيب روحها، فقد اشتاقت له كثيرًا. هبطت للأسفل تتحرك بثبات وهدوء، واتجهت نحو المكتب الذي يقنط به، والذي كان يجلس به بالساعات، فكان في الأساس خاصًا بيونس. ولكن قبل أن تدلف، جذب عينيها شيء ما
أمامها يقوم بفردة على طبق معدني صغير ومعه قطعة من الزجاج. لا تستطيع التدقيق لمعرفة ما هذا الشيء، ولكنه كان تراب أبيض وكثيف. قرب أنفه منه يتشمه بنهم، وقد لاحظت ارتخائه بعدما انتهى منها، فأرجع جسدها لأهلها براحة وهو يخرج هاتفه على إحدى الصور الخاصة بزهرة، وقد رأتها سمية في انعكاس المرآة الصغيرة، فعرفت أنها زهرة على الفور، فطالما كانت زهرة مميزة شكليًا ويستطيع الإنسان أن يلاحظها من وسط الآلاف، فما أدراك إن كانت صديقتها
وحبيبة قلبها. تصلب جسدها وتشنجت عندما سمعته يتحدث بلسان ثقيل.
ضاحي بحقد: أحسن مني في إيه... أنا بقا معايا كل حاجة، وأنت برضو معاه، فيه إيه أحسن مني؟ هاخدك يا زهرة من جوه عينه، هتبقي بتاعتي لوحدي، ابن مهران مش هياخد مني حاجة تاني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!