كانوا يجلسون في ألفة واضحة بينهم وهم يحتسون أكواب الشاي الدافئة التي تشبه قلوب أفراد هذه العائلة. كانوا يتحدثون ويمرحون، وتغمرهم طيبة قلب العم مدني وزوجته. وأثناء هذه الجلسة، قفزت هبة فرحًا وهي تصرخ ضاحكة من قلبها، حيث تلقت رسالة عبر برنامج واتساب تحمل الصورة التي التقطتها زهرة لاختبار الحمل الخاص بها. تعجب حسام كثيراً منها، وخصوصًا أن لديه بعض الخفايا التي جعلته متوتراً ومضغوطاً قليلاً. تحدث إليها
وهو يحاول إخفاء توتره: "خير يا هبة، في إيه؟ نظرت له وهي ترفع الهاتف أمامه بابتسامة واسعة وصادقة: "زهرة حامل يا حسام... ربنا بيحن علينا عشان نفرح شوية، عقبال لما الحق يرجع لأصحابه يا رب." نظر لها وقد سعد بشدة من أجل صديقه وأخيه الروحي، ومن أجل زهرة أيضاً، فهو يعدها بمثابة أخته. تحدث مدني بحب صادق: "مبروك يا بني، ربنا يكملها على خير وعقبالكم يا ولاد." تحدثت زوجته بوجهها البشوش:
"دي أنا يومها هفرق شربات على الحارة كلها، ده يبقى يوم المنى لما يجيلنا حتة عيل يملى علينا حياتنا ويبقى ابنك يا حسام." نظر لهم بحب كبير، فهم مثال للعائلة الطيبة. لو كان الأمر بيده لكان ظل معهم دائماً، فهم دائماً ما يشعروه بأنهم عائلته الثانية. قاطع فرحتهم دق هاتف حسام، ليتعجب من رقم المتصل، وتمنى أن يكون ما يدور في رأسه ليس صحيحاً، فأجاب بتردد: "أيوه يا بني، خير." "الحق يا حسام باشا...
ضاحي خد سمية هانم ومش عارفين رايح بيها فين." "يعني إيه خدها مش فاهم... وإزاي مش عارف رايح بيها فين، وأنت لازمتك إيه بوقفتك عندك دي؟ "والله يا باشا أنا بعمل اللي عليا، وأنت عارف رقبتي فداكوا... بس إحنا لقيناه فجأة شايلها وركب بيها عربيته، ومحدش أي حد منا معاه. أنا لحم كتافي من خيركم يا باشا، عمري ما أخون أبداً."
زفر حسام بضيق وهو يحاول تمالك أعصابه، حيث إنه يعلم حق العلم أن الرجال الذين زرعهم وسط رجال ضاحي على قدر عالٍ من الثقة، ودائماً ما كان يونس يقف بجوارهم وكانوا يعملون لديه، ودائماً ما كان يغمرهم بالعطايا والمال. تحدث إليه وهو يضغط على أسنانه من الغضب: "طيب اقفل دلوقتي... ولو عرفت أي حاجة تعرفني على طول."
أثناء تحدثه في الهاتف، كانت هبة تحاول لأكثر من مرة الاتصال بزهرة ولكن لا رد، مما زرع القلق في قلبها، فهي منذ دقائق فقط كانت تهاتفها. "حسام... زهرة مش بترد، ما تكلم يونس كده تشوفها معاه ولا إيه؟ بقالي كتير برن، قلقت عليها." "أنا كده كده رايح دلوقتي." "طب يلا... استنى هاخد حاجتي." ازدرق ريقه بصعوبة وهو يقول لها بصوت متخشّرج: "أنتِ هتفضلي هنا، مش هتيجي معايا يا هبة... المشوار اللي أنا رايحه مينفعش تكوني فيه معايا."
امتلك الرعب قلبها، فنبرته كانت لا توحي بالخير أبداً: "يعني إيه يا حسام؟ مش أنت رايح ليونس؟ أنا كمان هاجي معاك أطمن على زهرة... هو في إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة." أمسك يدها بلطف، يربت عليها بحنان، ومن ثم جذبها بين أحضانه يبث فيها الطمأنينة قائلاً: "معنديش وقت أشرح لك، بس كل اللي عاوزه منك تدعي لنا يا هبة... وعشان خاطري لو بتحبيني، أوعي تسيبي بيت عم مدني، حتى لو غبت عنك شهور."
أظلمت عينيها بتيه وهي لا تفهم أي شيء مما يقوله. وضعت يدها على وجهه وبدأت عيناها تتجمع بها الدموع: "أنت بتقول إيه يا حسام؟ يعني إيه هتغيب عني؟ وأدعي لمين؟ أنا مش فاهمة حاجة يا حسام، عشان خاطري فهمني في إيه؟ أغمض عينيه بقوة، فبدأت الأمور تزداد سوءاً، ويجب عليه الرحيل قبل إيذاء سمية أو أي من البقية. قربها أكثر إليه يحتضنها بقوة وهو يأخذ أنفاسه بقوة: "ثقي فيا يا هبة، أرجوكي ثقي فيا، وبس، تمام؟ أومأت برأسها من بين
دموعها الغزيرة وهي تقول: "واثقة فيك يا حسام... أنت أول شخص يحسسني بالأمان في حياتي، ربنا يردك ليا بالسلامة يا حبيبي." مد يده يمسح دموعها وقلبه يعتصر ألماً، فهو يعلم أن ذلك اليوم سيكون صعباً للغاية على الجميع. قبل مقدمة رأسها وهو يزفر أنفاسه بضيق، ومن ثم مد يده يخرج ورقة مطوية من جيبه ويعطيها لها: "دي عشانك يا هبة... افتحيها بعدين، بلاش دلوقتي، فيها كلام مهم أوي، أكيد هيفرحك جداً." أنهى حديثه وهو ينظر للعم مدني
وزوجته بابتسامته المعتادة: "مراتي أمانة عندك يا عم مدني، وزي ما وصيتك يا راجل يا طيب، أشوفكم بخير." ودعه الجميع بحرارة وهم يدعون له ويرجون الله أن يعود لهم سالماً. أما هبة، فكانت تلوح بيدها له وعيناها تزرف الدمع. وما أن أُغلق الباب، حتى ارتمت بين أحضان زوجة مدني تبكي بحرقة من شدة الخوف على زوجها وهول الصدمة التي تعرضت إليها. ********************************** في الحارة
كان يونس ومصطفى وأحمد يعملون بجد، فقد كان لديهم الكثير من الأعمال المتراكمة أثناء يوم عرس المعلم حسن. كان يونس شارد الذهن بما فعله وخطط له، وفي نفس الوقت يشعر بشعور عدم الراحة، لا يعلم ما سببه. وإذ فجأة، وجد هاتفه يصدح بالرنين، فأمسكه بتكاسل من ضغط الأفكار لديه، ووجده رقم غير مسجل بالهاتف. زفر بحنق وهو يجيب، فأتته صوت لم يود أبداً أن يستمع إليه، وكان صوت هذا البغيض ضاحي قائلاً بانتصار: "إزيكم يا ابن مهران...
وحشتني أوي، قلت أسمع صوتك كده وأطمن عليك. آخر أخبار سمعتها عنك إنك بقيت ميكانيكي مش لاقي تاكل." زفر وهو يسبه بأبشع الألفاظ، والآخر يقهقه على نفس حالة البرود التي يملكها: "إيه يا بس يا عم يونس... أنت لي تعرف اللي ليك معايا دلوقتي؟ مش هتتكلم كده خالص، دا أنت هتقلي يا أبيه." زاد غضبه بشدة وهو يكور قبضة يده، ضاغطاً عليها بقوة: "عايز إيه... لخص." أجابه الآخر بمكر ونبرة بغيضة يملؤها الشهوة:
"تعرف، طلعت تستحق كل اللي بتعمله عشانها دي... أنا طول عمري بقول عليك حظك حلو. إيه الجمال ده؟ حتى في الفقر والطحن اللي أنتو فيه زي القمر، سبحان اللي خلقها، ملكة جمال." اصفر لون يونس، وهو فهم ما يرمي عليه ذلك اللعين، داعياً في نفسه أن يكون ظنه خاطئاً. أظهر البرود والتماسك أمامه قائلاً: "أنت بتقول إيه يا جدع أنت، ما تتكلم زي الناس." ضحك ضاحي بشر وهو يقول: "طب بقولك إيه، هرن عليك فيديو كده أوريك حاجة هتعجبك أوي...
افتح كده." بالفعل، لم تمر إلا ثوانٍ قليلة، وصدح صوت الهاتف من جديد معلناً عن هذه المكالمة. فضغط يونس على زر الإجابة، فإذا بهذا المدعو ضاحي يجلس أرضاً وهو يرجع رأسه للخلف براحة كبيرة، ويبتسم بمكر وعينيه على ما بجانبه بلذة وشهوة ظاهرة على ملامح وجهه. ومن ثم نظر ليونس، والذي بدأ القلق الحقيقي يظهر جلياً على وجهه، قائلاً بابتسامة لزجة: "ها يا يونس، جاهز... واحد... اتنين... ثلاثة."
ومع نطقه لآخر رقم، وجه كاميرا الهاتف المحمول على وجه زهرة، والتي كانت نائمة بملابس الصلاة الخاصة بها، لا حول لها ولا قوة، ولا تشعر بأي شيء من حولها. وما أن رأى يونس ذلك، حتى اسودت عيناه من القلق والغضب، وبدأت عروق وجهه ويديه أن تبرز بطريقة غريبة ومخيفة، وبدأ يصرخ باسمها لدقائق، ولكن دون جدوى. فأتته صوت الضاحك اللعين هذا: "إيه يا يونس...
يا راجل، الحب بهدله برضه، بس تصدق، أنا عندي استعداد أتهبدل عمري كله، بس أصحى على الوش ده كل يوم. أهدي كده ليطق لك عرق ولا حاجة... أنا قلت أطمنك عليها، اطمنوا خالص، زهرة معايا، وسمية معايا. آه صحيح، قول لمصطفى سمية كده شكلها هتموت ولا إيه؟ بقالها ساعة عمالة تقول بطني بطني دي، في السابع لسه مش شهر ولادة يعني... مع السلامة يا يويو."
ومن ثم أغلق المكالمة في وجه هذا الذي، وبالمعنى الحرفي، هربت الدماء من عروقه ثانية واثنتين وثلاث، ووقع الهاتف من يده التي شلت حركتها فجأة، ونظر أمامه بضياع. كان يتابع كل هذا مصطفى والصبي أحمد، اللذان كان حالهما لم يختلف كثيراً عنه، فهذه الصدمة عليهم ليست بالقليل أبداً. ولكنهم أفاقوا على صوت ذلك الكسر، فقد ركل يونس إحدى الآلات الحديدية على اللوح الزجاجي الكبير بقوة، فوقع أرضاً متحولاً لفتات صغير، أصبح مظهره حقاً يرعب أي حد.
أخذ مفاتيح سيارته والتقط هاتفه من الأرض، وذهب راكضاً نحو المنزل. فهم مصطفى سريعاً باللحاق به، والغضب يكسو وجهه هو الآخر. فعلى الرغم من موقفه من سمية، إلا أنها زوجته وحبيبته وأم طفله القادم، وزهرة ابنة عمه وزوجة أخيه وأخته الروحية، فكيف لذلك الدنيء ذا اليد الملوثة بأن يفعل ذلك بهم. "اقفل الورشة يا أحمد، وخلي المفاتيح معاك."
نفذ أحمد ما طُلب منه بجسد مرتجف من الخوف على تلك العائلة التي أوته ومدت له يد العون والمسانده. ومن ثم قرر أن يعاونه الآخر، فخطر في باله الذهاب للمعلم حسن، فهو يعلم بأمر الصداقة القديمة بينه وبين والدهم المرحوم مهران. **********************************
دلف للبيت بطريقة همجية وهو يدفع الباب بقوة، ومن ثم دلف لغرفته، ومصطفى يحاول تهدئته ولكن دون جدوى. فتح إحدى الأدراج وأخرج منها سلاحه الناري وبدأ في ملئه بالطلقات بهوجائية وغضب، وسار متوجهاً نحو الباب. فوقف مصطفى أمامه كحائل حتى لا يذهب. "أنت رايح فين؟ ممكن تهدى بقا عشان نعرف نتصرف." ضغط على أسنانه بغيظ وهو يزيح مصطفى من أمامه بقوة: "ابعد من وشي يا مصطفى أحسن لك... سيبني في حالي وملكش دعوة خالص، أنت فاهم."
لم يهتم مصطفى لحديثه، فهو يعرف مدى جماحة غضب أخيه وأنه بالفعل ممكن أن يقتل أحدهم وهو بهذه الحال. زفر بحنق وهو يحاول المرور من جوار مصطفى ولكن دون جدوى، مما جعله يصرخ في وجهه بقوة ومعالم الوعي تظهر على وجهه: "هو أنا بكلم نفسي؟ بقلك ابعد من وشي السعادي غور." "مش هبعد... لازم تهدى، أنت كده هتضيع نفسك وتضيعهم معاك، أهدي يا يونس."
أمسكه يونس من تلابيب ملابسه بعينيه تكسوها الحمرة القانية، وبدأ في الضغط عليه، وكلما ضغط كلما زاد وجهه حمرة وبرزت عروقه أكثر وأكثر، حتى بدأ مصطفى في الاختناق. ومن كثرة غضب يونس لم يلاحظ، فكل ما يراه الآن هو أن زهرة بيد هذا المعتوه. ولكن مع إرادة الله، جاء حسام في آخر لحظة، وعندما وجد هذا المنظر أمامه حتى تدخل سريعاً وحاول جاهداً إبعاد يونس عن مصطفى، هادراً به بغضب: "أنت اتجننت يا يونس؟ إيه اللي انت بتعمله دا؟
طفح به الكيل، فهؤلاء يتساءلون ويتحاكون، وهو قلبه تغلي الدماء خوفاً على حبيبته روحه. فهم بالذهاب مرة، ولكن صده حسام بقوة ليرجع خطوات للوراء وهو ينظر له بغيظ، ليتحدث حسام موضحاً الموقف: "أنا مستني مكالمة عشان أعرف مكان سمية وزهرة فين." لان حتى سميه نفسها ضاحي نقلها من القصر النهارده من كام ساعه والعيون اللي ليا ميعرفوش حاجه. تحدث مصطفي وقد ظهرت على وجهه علامات الضياع: العيون اللي ليك! .... هو في اي بالظبط؟
تنفس حسام بقوه: في كتير اوي... ولازم نتكلم علشان نعرف هنتصرف ازاي وكمان جه الوقت اللي تعرفوا تطورات القضيه الحقيقه علشان خلاص النهايه قربت.... نظر ليونس برجاء وهو يقول: يونس ارجوك اتوسل ليك لازم تقعد وتسمعني يا صاحبي ارجوك......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!