حجم الخط:
18
في صباح يوم جديد،
تلك الفتاة التي أصبحت الآن تشعر وكأنها تملك كنوز الدنيا بأسرها، فمن أسر قلبها ينام بجوارها بعدما تم زواجهم بعد كل هذه المدة. متيقنة تمامًا من داخلها أن الله من عليها بفضله بالرجل الصحيح. تتذكر كيف كان هادئًا، مراعيًا، حنونًا، ومقدرًا لكل ما مرت به. أخذها فقيرة، بالية، ومشوهة نفسيًا وجسديًا من كثرة ما تعرضت إليه في حياتها، ولكنه لم ينظر أو يفكر بما يظهر عليها، بل دقق في جوهرها الداخلي. كان مختلفًا، وحتى ما حدث بينهما ليلة أمس كان مختلفًا. تتذكر كلماته الحنونة لها حتى يزيل تلك الرهبة والتوتر الذي حل بها، عندما طالبها بأن يتمم زواجهم أمام الله سبحانه، وأنه يريد ذلك وبشدة.
نظرت له بتعمق وهي تأخذ نفسًا عميقًا، وتلك الابتسامة الهادئة على وجهها البشوش. تتأمل ملامحه الرجولية الهادئة الواثقة، تقسم بداخلها أنه لا بد أن يكون طبيبًا للأطفال من فرط الطبع الحنون الذي يملكه.
قاطع شرودها هذا رنين هاتف حسام، مما جعله يفتح عينيه ببطء فوجدها أمامه. ابتسم ثغره لا إراديًا وهو يُملي عليها تحية الصباح.
"صباح الخير يا هبة."
ثم مال في اتجاهها قليلاً، يطبع على جبينها قبلة هادئة مما جعلها تبتسم في سعادة وخجل.
"صباح النور. موبايلك بيرن من بدري، أكيد في حاجة مهمة."
"الحاجات المهمة كترت أوي اليومين دول."
مال بجزعه لجواره وجذب الهاتف ليرى الكثير من الرسائل، والتي بعثها سيد وبعض الرجال الذي يعمل معهم في الشرطة. قرأها بتركيز، ومن ثم ردد بعض الأدعية ليبث الله في قلبه الطمأنينة. ومن ثم نظر لتلك التي كانت تتابع ملامح وجهه باهتمام، وابتسم بهدوء وهو يداعب أرنبة أنفها بخاصته، قائلاً بنبرة هادئة ولكنها غريبة بعض الشيء.
"قومي غيري هدومك علشان هنروح لعم مدني."
"اشمعنى يعني؟ دا حتى امبارح تعبنا أوي في الفرح، خلينا نريح النهارده في البيت."
"معلش يا هبة. بس وحشني أوي، مش انت حبيتيهم ولا إيه؟"
"أيوه طبعًا. دول طيبين أوي، بس أنا كنت بقول نرتاح مش أكتر."
نظر لها بحب، وعيونه يملؤها الكثير من الهم. لاحظتها بقوة، ولكنها حاولت أن تكذب إحساسها هذا، وخصوصًا وأنهم كانوا يقضون سويًا أفضل الأوقات، ولم يمر الكثير حتى تحدث المصائب. قاطع تفكيرها عندما قال بهدوء.
"أنا هقوم أجهز، وياريت انت كمان تجهزي. صحيح، قليلي زهرة كويسة؟"
"آه كويسة. أنا رحت لها امبارح، هي هرموناتها متلخبطة شوية بس..."
ثم أكملت بابتسامة فرحة: "شكلها كده إن شاء الله هتكون حامل ونفرح شوية بقا."
نظر لها بابتسامة قائلاً بنبرة تمني: "يارب يا هبة."
ثم قال وتلك الغصة متشكّلة في حلقه: "نفسي نرتاح شوية ونفرح بقا."
تحدثت برضا وإيمان كبير: "أنا واثقة في ربنا يا حسام. ربنا عالم بنيتنا واللي مرينا بيه، وكمان مش هيرضى بالظلم، اطمن."
نظر بفخر لزوجته وارتاح قلبه قليلاً بعد هذا الحديث المعسول: "إن شاء الله. يلا اجهزي بسرعة."
تابعته وهو يرحل من الغرفة، وابتسامتها لن تفارقها لحظة واحدة. قلبها يشعر بالسعادة بشكل كبير. فلأول مرة في حياتها تشعر بهذا الشعور الذي يغمر قلبها ويملأ بدنها حتى أظافرها. تشعر بالراحة اليوم، فلعل هذا يدوم.
***
لم يزر النوم عينيها طوال الليل، فبعدما أخبرتها زينب بما سمعته، وظل عقلها يفكر ولم تغفل لحظة. لا تعلم من فعل هذا أو ماذا سيحدث بعد تلك الواقعة الشنيعة التي حتمًا ستقلب كل الموازين عليها. فكانت تخطط أن تجعل من ضاحي فأرًا لمصيدتها، وهو يأكل سم تلك المصيدة على مهل ومن دون أي شعور منه. ولكن مع ذلك الحادث الذي وقعت به ناهد، لا تعلم إلى أين سوف يأخذها ويأخذهم جميعًا. فناهد تعتبر أقوى شاهد لتلك القضية، وإن حاول قتلها أو إجبارها على أن تتحدث بغير حق، سوف يضيع أمل كبير لها. تذكرت كيف قصت زينب عليها ما حدث.
**Flash Back:**
عندما أخبرتها زينب بما حدث، تعجبت سمية كثيرًا. فناهد الآن تعيش تحت حماية أخيها، والذي له الكثير والكثير من علية القوم، والذين يعملون على حمايته هو ومن حوله من كل سوء.
"إيه اللي بتقوليه دا يا زينب؟ حصل إمتى وعرفتي إزاي؟"
تحدثت الفتاة وهي تحاول جاهدة في أخذ أنفاسها: "أصل يا هانم..." تحدثت بحرج وتقزز، واغرورقت عينيها بالدموع: "البيه ضاحي نداني علشان كان عاوزني، وقبل ما يحصل حاجة بينا موبايله رن، ولما رد كان صوت راجل من رجاله بيقوله إن الست ناهد وقفها ظابط في كمين، وكشف على البطاقة المزورة اللي معاها، وكمان فتش العربية ولقى فيها مخدرات بكمية كبيرة، وقبضوا عليها. وقاله كمان إنها في الغالب هتبقى قضية تجارة في المخدرات، مش مجرد تعاطي، لأن اللي معاها كانت كمية كبيرة. وقتها هو لبس بسرعة ومشى. معرفش راح فين. أنا من فرحتي جيت عليكي جري يا هانم أقولك، ربنا قادر على كل شيء."
**Back:**
فاقت من شرودها على يد زينب، والتي قد امتدت لها بالطعام. نظرت نحوها سمية بهدوء، عكس براكين التفكير والفضول التي بداخلها. أخذت منها قطعة الطعام، وربتت على يدها بامتنان، وهي تتحدث بخفوت.
"بتقرفي منه أوي كده يا زينب؟"
نظرت لها الفتاة بعدم فهم، فتحدثت سمية موضحة لها: "أقصد ضاحي. فرحة عينك امبارح وأنتِ بتقولي موبايله رن قبل ما يحصل حاجة بينا كانت باينة أوي. بتقرفي منه أوي كده؟"
اغرورقت عينيها بالدموع وهي تنظر لها، وعلى وجهها ابتسامة منكسرة: "لا يا هانم. أنا بس بقرف من نفسي، مع إن ربنا وحده عالم إني مليش ذنب أبدًا في اللي أنا فيه دا. أهلي هما السبب، منهم لله باعوني علشان شوية فلوس."
تحدثت بقهر واضح، مما جعل قلب سمية يحزن بشدة من أجلها: "والله يا هانم ساعات كتير وأنا بصلي، بتكسف من نفسي. اللي هو إزاي أركع لربنا، طالبة رضاه وستره عليا، وأنا عارفة إنه ضاحي هينادي عليا علشان أغضب ربنا معاه. والله يا هانم، أنا أول ما جابني كنت بدافع عن نفسي بس، ما كنتش بقدر. حاولت كتير أوي انتحر، بس برضه ما كنتش بقدر."
تحدثت وبدأت دموعها في الهطول بشكل غزير: "بشوف نظرات الحرس ليا وعيونهم اللي بتاكل في جسمي، وهما شايفني رخيصة. بتصعب عليا نفسي أوي، لأني مش كده. ليه أتحط في مكان مش مكاني."
نظرت لها سمية بحزن واشفاق كبير، فتلك الفتاة الصغيرة تحمل كل هذا الهم والغم في قلبها الرقيق، ولا أحد يعلم به. نهرت نفسها بشدة، فحتى هي عندما رأتها أول مرة، ظنتها إحدى فتيات الليل التي كان يجلبهم أخاها اللعين. فتحت ذراعيها لترتمي زينب بينهم، تبكي بقوة وقهر على حالها، وسمية تغمض عينيها بألم وإرهاق، وهي تربت على ظهرها محاولة بث الأمان بها.
"إن شاء الله يا زينب نخرج من السجن دا، إحنا الاتنين. ووقتها أوعدك هخليكي تدرسي، وربنا هيعوض عليكي براجل يخليكي أسعد واحدة في الدنيا، وأنا هكون أختك وأكتر. وعندي أهل مفيش أحن من قلبهم، هيعاملوكي أكتر من بنتهم."
تحدثت من بين دموعها بقهر ونبرة من السخرية على حالها: "أديكي قلتيها يا سمية هانم، راجل. هو في راجل هيقبل على نفسه ياخد واحدة زيي."
ابتسمت سمية بثقة: "هتشوفي بكرة هيحصل إيه. ربنا شايلك حاجة كبيرة أوي لبكرة، انت بس قولي يارب."
جففت دموعها وهي تنظر لها بامتنان: "يارب يا هانم، يارب."
قاطع حديثهم أصوات عالية في الخارج، مما جعل زينب تفزع من مكانها، واقفة تحاول أن تفهم ما يجري. ولكن قبل أن تعرف أي شيء، فُتح باب تلك الغرفة بقوة، وظهر منه تلك الهالة القوية، وهو يتحدث بنبرة فظة غليظة مثل الأفعى.
"إيه يا سمية هانم، مالك اتخضيتي كده؟ دا أنا النهارده عاملك مفاجأة جميلة أوي. تعالي يلا علشان وصلت وهتحتاج تشوفك."
***
صدحت أصوات المارة ووسائل المواصلات من حوله، وهو يرتب أدواته الخاصة بعمله، ويبتسم بمكر على غير العادة، مما جعل مصطفى يتعجب بشدة لأمر أخيه. ولكنه كان يصب تركيزه تجاه هذا العاشق الصغير المراهق، الذي يأتي وعلى وجهه ابتسامة واسعة بلهاء، يتقدم منهم وهو يحمل بعض الشطائر الذي أحضرها من أجل طعام الإفطار. قال بهيام وهو يضع الشطائر على تلك الطاولة الصغيرة.
"صباح الخير يا معلم مصطفى. يسعد صباحك يا يونس باشا، أحلى ميكانيكي في مصر كلها."
تعجبوا كثيرًا لتلك الحال التي هو بها، مما جعل مصطفى يجذبه سريعًا ليجلس بجواره، وهو ينظر في عينيه بطريقة غريبة: "انطق يلا، فيه إيه؟ أوعى تكون كلمت بنت المعلم حسن دي تاني، إحنا مش ناقصين، انطق."
ابتسم يونس وهو يحرك رأسه بيأس من ذلك الثنائي، فأخيرًا وجد مصطفى من يشبهه في ذلك المخ اللعين وطريقة التفكير. تحدث بضحكة طفيفة: "خلاص يا مصطفى، سيبه. أحمد راجل، وهو كان واعدنا مش هيقرب ليها إلا في الحلال، اطمن، أنا واثق فيه."
زفر أحمد بارتياح وهو يقول بسرعة: "آه والله يا معلم، أنا عند وعدي." ثم تحدث بحرج: "أنا بس شفتها من شوية، كانت وحشاني أوي يا معلم، زي القمر دايماً. إمتى بقا العمر يعدي بسرعة علشان أكون معاها."
أشفق مصطفى على حاله، وخصوصًا أنه يعتبره أخيه الصغير. ربت على كتفه بحنان: "طالما نيتك خير، إن شاء الله ربنا يجعلها من نصيبك."
قاطعهم يونس وهو يمثل الصرامة: "إيه يا أخويا أنت وهو، هنقضيها كلام؟ مش نقوم بقا نشوف شغلنا."
أومأوا له وهم يضحكون كالعادة، وبدأوا في تناول فطروهم، وهو يعملون بجد.
***
تململت بطلتنا في نومها بعدما شعرت بفراغ السرير من حولها، فعلمت عندما فتحت عينيها أن يوتس قد رحل للعمل. نعم، تعجبت من ذلك وغضبت أيضًا، فتلك تقريبًا أول مرة يرحل من المنزل دون أن يتناول طعام الإفطار معها أو يودعها على الأقل. فقد أيقنت الآن أنه بالفعل غاضب بشدة منها. بدأت تعيد ذاكرتها لكل ما فعلته معه في الآونة الأخيرة، واعترفت لنفسها أنها وبالفعل أخطأت كثيرًا، وأنه حقًا تحمل الكثير. وبدأت تتذكر حديث هبه لها، وأنه من المحتمل أن يكون كل هذا بفعل اضطرابات هرموناتها بفعل الحمل. فهبت سريعة تفتح إحدى الأدراج وتخرج منه هذا الجهاز الصغير، والمدعو باختبار الحمل، وبدأت تقرأ كيف يتم استعماله لجهلها التام بتلك الأمور، ولكنها في النهاية فهمت. ودلفت للمرحاض، وبدأت في عمل الاختبار، ولكنها لم تفهم نتيجته لعدم خبرتها، فقررت الاتصال على هبه.
"الو... أيوه يا هبه، بقلك أنا عملت اختبار الحمل دا، بس مش عارفة أنا كده حامل ولا لا."
تحدثت هبه عبر الهاتف: "طب قليلي، ظهر لك إيه؟ أو ابعتيلي صورة."
"حاضر... هبعتلك صورة دلوقتي."
أغلقت المكالمة، والتقطت صورة لنتيجة الجهاز وأرسلتها لهبه عبر تطبيق واتساب. وما إن أرسلتها حتى سمعت صوت رنين جرس الباب. فذهبت سريعًا وارتدت إسدال الصلاة الخاص بها، وهمت بفتح الباب، ولكن اعتلت الصدمة وكست الرهبة وجهها عندما رأت الطارق.
ولكن قبل ان تُظهر اي ردت فعل كانت تقع ارضا معشيا عليها............
**********************************
•
ابق قريبًا من جديدنا
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!