في مكتب عميد الجامعة كان يجلس العميد وهو يوزع أنظاره بتوتر بين حسام الذي يجلس بثبات، ومصطفى الذي يجلس قبالته وعيناه على يونس الذي أبى أن يجلس ويقف بجوار حسام. ووجهه يكاد أن يوصف بأنه يغلي من ضخ الدم به، وعروق وجهه ويديه بارزة، ونظره مسلط على هذا الشاب الذي يقف أمامهم ويظهر الألم وأنفه تنزف بشدة. وعلى أريكة صغيرة تجلس زهره في أحضان منى التي ابت أن تتركها وتجلس معها تبث بها الاطمئنان.
العميد بتوتر: أنا تحت أمركم يا حسام باشا ويونس بيه، غني عن التعريف، والده المرحوم كان راجل محترم واسمه يونس بيه مسمع في كل مكان.... ثم أكمل حتى يخفف توتر الأجواء قليلاً: وأنتم الصعايدة معروفين في كل مكان، مش محتاجين حاجة يعني. ابتلع ريقه بصعوبة وخوف عندما أطبق كف يونس بقوة على مكتبه حتى انتفض بفزع: هو أنت هتكتب موضوع تعبير؟
الواد ده يتفصل وإحنا مش محتاجين نحكي حاجة، الكاميرات عندك راجعها، وأنا هعمل فيه محضر كمان وهسجنه. العميد بسرعة وتلجلج: حضرتك أكيد في حل... محمد ده يبقى ابن ناس محترمين، والده ووالدته دكاترة مشهورين جداً ومتدينين، وده طيش شباب، وأكيد حضرتك عارف يعني، وهو مش هيتعرض للهانم تاني، أكيد هو اتعلم الدرس. يونس وقد عمى الغضب عينيه: هو إحنا في حضانة؟ ولا هو وقع كتبها وهو معدي؟ ده حاول يتحرش بمراتي، أنا فاهم دي يعني إيه؟
وبعدين أنا بضيع وقتي معاك ليه أساساً. ذهب سرياً، مسك بتلابيب الشاب المدعو محمد والذي كان جسده بالكامل يرتجف بشدة من الخوف. فهرع سريعاً مصطفى وحسام يجذبونه بعيداً وحاولوا تهدئته بصعوبة. حسام بنظرات ذات مغزى: خلاص يا يونس.... ثم نظر للعميد ببرود: إيه رأيك في اللي بيحصل ده؟ هتتصرف أنت ولا نتصرف إحنا. العميد بسرعة: لا يا فندم...
هيتحرم من دخول الامتحانات السنة دي وكمان هنعمل محضر حالا بالفيديو الموجود في كاميرات المراقبة. حسام بهدوء: لا كفاية عليه يتفصل... ده عيل صغير وإحنا برضو مش عاوزين ليه البهدلة. يونس بغضب: أنت بتقول إيه يا حسام؟ الكل -ب ده لازم يتحبس. حسام بنظرات ذات مغزى: لا يا يونس... إحنا عندنا عيال برضو أهله محترمين ملهمش ذنب يجروا وراه في السجون. ثم تقدم من الشاب ببرود وهو يصفعه على مؤخرة رأسه بحدة: مش عاوز أشوف وشك تاني...
لأحسن المرة الجاية أنا اللي هحبسك بإيدي. نظر يونس لحسام نظرات عتاب ولكنه رمش له بعينه بمعنى فيما بعد سوف تفهم. مرت بضعة ساعات حتى صدر قرار موثق من الجامعة بحرمان هذا الطالب من الامتحانات لمدة سنة كاملة. وبعدما اطمئنوا بنفسهم من هذا، ذهبوا سوياً حيث استقل سيارة المعلم حسن. مصطفى والذي تولى القيادة وبجواره يونس، وفي الخلف الفتيات. وفي سيارة حسام كان يستقلها وحيداً. *** سيارة المعلم حسن
كانت زهره لا تزال تخفي وجهها في أحضان منى والتي أشفقت عليها بشدة، فقد تعرفت عليها مؤخراً ولاحظت كم هي فتاة رقيقة ولطيفة للغاية، وقلبها لا يتحمل أبسط الأشياء، وتدرك تماماً أنها لن تمر من هذا الموقف سريعاً. ولكنها ابتسمت بفرحة من أجل صديقتها عندما لاحظت نظرات يونس لها كل ثانية تقريباً ينظر لها وعيونه تعبر عن مدى شوقه وخوفه عليها، وهذا جعلها تطمئن وتفرح من أجلها. *** في منزل عائلة يونس
استغلت سميه عدم وجود ناهد وضاحي في المنزل. فناهد منذ أن خرجت من المنزل وهي ترتدي تلك الملابس الخليعة وتضع على وجهها رطل من مستحضرات التجميل، وانتظرتها سيارة فخمة أمام المنزل وهي لم تعُد. ومنذ قليل ذهب ضاحي وكان متعجل بشدة. دلفت للمكتب الخاص به وعبثت في بعض الأوراق وزفرت بضيق فلم تستطع إيجاد مرادها. فتحت الكمبيوتر المحمول الخاص به، فاحتلت الصدمة وجهها وبدأت الدموع تتجمع في عينيها، ولكنها تحاملت على نفسها وهي تخرج إحدى وحدات التخزين الخارجية وبدأت في نقل كل ما تستطيع عليها. وحاولت أن تقوي نفسها وهي تدق بأحد الأرقام وذهبت في اتجاه الحديقة الخلفية للمنزل، فإذا به ينتظرها وهو ينظر حوله بحرص أن يراه أحد.
سميه وهي تأخذ أنفاسها بقوة: خد الشريحة دي عليها بلاوي لقيتها على الاب توب بتاع ضاحي... أعتقد هتساعدنا أوي يا سيد. سيد (ابن خالة يونس) : تمام... أنت كويسة يا سميه. سميه وكادت أن تنهار: لا يا سيد مش كويسة...
قول لحسام سميه مبقتش قادرة تتنفس هنا، وده بدأ يأثر على الحمل، أنا خايفة ابني يحصله حاجة قبل ما أشوفه، وخصوصاً أنا عارفة إن الشيطان ضاحي ده مش مصدقني، وواثقة إنه عارف إني هنا عشان أحاول أساعدهم. خليه يستعجل يا سيد... ثم أكملت بمرح مصطنع وعيونها تزرف دمعة متمرده: مش عاوزة آخرتي تبقى على إيد أخويا.... ثم أكملت بمرارة: وكمان بقالي كتير مشفتش مصطفى وأمي وأبويا، لازم يسامحوني...
راعي أبويا وأمي يا سيد أمانة عليك، ولو حصلي حاجة، فهم مصطفى إني بعمل كل ده عشان مشوفش الكسرة والحزن في عينه... امشي دلوقتي عشان محدش يشوفك. نظر لها بحزن، فهو يعدها أختًا له، ولكنه طمأنها بأن خلاصها وخلاصهم قريب. واقترب من إحدى الأبواب الصغيرة الخفية في جدار سور الحديقة وخرج سريعاً دون أن يراه أحد.
لتجلس سميه أرضاً تبكي بقهر، وقدماها لم تعد تحملها. ففي هذا الوقت تحتاج المرأة للراحة ووجود من تحبهم حولها، وخصوصاً زوجها تكون مرتاحة ومرفهة. أما هذه تقنط في منزل رجل يتاجر في الممنوعات، وربما يكون سافك لدماء البشر. رجل دمر حياتها وحياة زوجها وسلب منهم السعادة، وهي لم تكن إلا عروس تريد أن تسعد بأيامها.
رفعت عينيها للسماء تناجي ربها بقلب مرتجف وعيناها محمرتان من أثر البكاء، وحجابها الذي انزلق من على رأسها حيث كانت تضعه بإهمال. يارب ارجوك ساعدني وعني يارب... أنا تعبت يارب. سميه... أنت بتعملي إيه هنا؟ *** أمام منزل الإخوة توقفت السيارتان، فهرولت في اتجاههم هبه والتي كانت خائفة بشدة أن يكون أصاب زهره مكروه. تدلف زهره من السيارة ومنى تمسك يدها تعاونها. وهبه احتضنتها بقوة وهي تطمئن عليها.
مصطفى: طلعوها يا بنات وخلوها ترتاح. أومأت له الفتيات في هدوء وهم يتجهون بها نحو السلم. وتسير ببطء ووجهها بالكامل تكسوه الحمرة وعيناها متورمتان من أثر البكاء الذي استمرت به لساعات. فإذا بحسنات تفتح باب شقتها بقوة وسرعة كالعادة وهي تنظر لزهره بزعر من مظهرها. حسنات بشهقة: لا إله إلا الله. في إيه... مالك يا بت. نظرت لها الفتيات بغضب مما جعلها تضع يدها في خصرها بغنج وهي تحرك شفتيها يميناً ويساراً: الحق عليا قلقت عليها...
هو كده خير تعمل شرا تلقى. ومن ثم دلفت لمنزلها من جديد وأغلقت الباب بقوة مثل عاداتها، مما جعل الرجال ينظرون لها بتعجب. تلك المرأة غريبة الأطوار كما يطلقون عليها.
ومن ثم سحبوا يونس ليذهبوا على مقهى الحارة بعد اعتراضه وأجلسوه على إحدى الكراسي إكراهاً. وسحبوا كرسيين وجلسوا قبالته ونظروا له بعتاب يعرفه. فزفر بضيق وملل ومد يده في جيب بنطاله يخرج علبة سجائره ويبدأ في إشعال إحداها ويدخنها بشراهة. ليأخذها حسام منه بغضب ويقوم بإخمادها في الطبق الدائري الصغير الرخامي الذي أمامهم على الطاولة الصغيرة. يونس بضيق: حسام أنا مش ناقصك.... قوم أنت وهو شوفوا حالكم.
حسام بحدة طفيفة: يونس أنت غلطان... حرام عليك، ده أنت كنت هتموت الواد، من إمتى وأنت بتتصرف بقلة عقل كده. يونس بغضب وغيره: وأنت كنت عاوزني أشوف واحد ماسك إيد مراتي وبيقربها منه وأعمل إيه؟ أقف أتفرج ولا أسقف... ولا أتحزم وأرقص. ضحك مصطفى على آخر كلماته بشكل تلقائي، فكان يونس يفعل حركات بيده مثيرة للضحك. فنظروا له الاثنين بضيق مما جعله يسكت سريعاً. مصطفى بهدوء: حسام معاه حق يا يونس...
وكمان أنت كان ممكن تلبس نفسك تهمة، يعني يبقى هو اللي غلطان وأنت اللي تتحبس، دا أنت فعلاً كنت بتموته، ده أنا وحسام وشباب الجامعة مكنتش قادرين عليك، كنت عامل زي الثور الهائج محدش عارف يوقفك. حسام بتنهيدة حارة: لو مكنش موجودين يا صاحبي كنت هترتكب جناية، ده أنت أكتر حد فينا براعي ربنا يا يونس.... يا سيدي بلاش عشانك مشفتش مراتك كانت عاملة إزاي، أنت خوفتها أوي، حرام عليك دي مبطلتش عياط، كانت هتموت من الخوف.
تنهد يونس بضيق وهو يضع رأسه بين كفيه ويهزها يميناً ويساراً بقلة حيلة: مش عارف أنا عملت كده إزاي... أنا عمري ما استقويت على حد أبداً وانتو عارفين، بس لما شفته قريب منها كده أنا مقدرتش أستحمل. محدش فيكم حاسس باللي جوايا... أنا جوايا نار بتغلي، مكنتش أعرف إني حبي صعب كده، مكنتش أعرف إن غيرتي قاسية كده...
غضبي كان عاميني، مكنتش شايف أي حاجة غير إنه لمسها، حتى مشفتش دموعها، أنا مشفتش غير صورته قدامي وأنا بكسر إيده اللي لمسها بيها. حسام بحزن من أجل صديقه: عارف يا صاحبي وحاسس بيك... بس لازم تحاول تتحكم في غضبك، على الأقل عشانها هي. مصطفى بزفر وقد لاحظ منى وهي تسير في اتجاه منزلها: قوم منى نزلت أهي... أكيد سابوها ترتاح، قوم روح لها يا يونس، هي محتجاك أكتر من أي حد. أوعى تتعصب عليها، أنا عارفك.
أومأ له في هدوء، وهو لم يعد يقدر على الحديث من الأسى، واتجه بجسد متثاقل في اتجاه منزله. *** في منزل الإخوة
كانت تجلس هبه بجوار زهره والتي أبدلت ملابسها لمنامة وردية اللون وفكت ربطة شعرها وبدأت تدلك باطن رأسها بحنان. وزهره تغلق عينيها بألم وهي تتخيل منظر الدماء التي تغطي وجه هذا الشاب، ومظهر يونس الذي وبالفعل بث في قلبها الرعب أن يصيبه مكروه وهو في هذه الحالة، أو أن يلقنها صفعة أو لكمة وهو لا يشعر، فكان مثل المصارع وهو في ذروة غضبه. قاطعهم رنين جرس الباب، فهمت هبه بالفتح لتجده يونس، لينظر للأسفل بإحترام.
يونس بهدوء: زهره عاملة إيه. هبه بابتسامة: أحسن دلوقتي... تعالي ادخل ليها، أنا كنت هطلع عشان أحضر الغداء لحسام بعد إذنك. ابتعدت عن طريقها لتصعد لمنزلها، ودلف يونس ينظر نحو غرفتهم بحيرة، ومن ثم دلف إليها ينظر لنومها المتهالكة ووجهها المحتقن من شدة البكاء، شفتيها منتفختين وعينيها متورمتين بشدة. اقترب منها وهو حزين بشدة من أجلها وبدأ يؤنب نفسه أنه السبب بما هي فيه. يونس بصوت متخشرج: زهره....
حبيبتي ردي عليا علشان خاطري بلاش تعملي فيا كده. فتحت عينيها تنظر له بعتاب، ومن ثم أشاحت بنظرها بعيداً وعيناها تذرف الدموع. فأقترب منها يجلس بجوارها وهو يسلط نظره عليها بحب. يهون عليكي يونس يا قلب يونس.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!