نظرت زهره له تتابع أفعاله وقد بدأ وجهه تكسوه الحمرة. عروق وجهه التي قد برزت وعيونه مثبتة نحو باب المنزل وقد سادها السواد القاتم. يكور يديه بغضب ويضغط عليها بقوة. قلقت زهره عليه بشدة. من الأساس لم تكن تستوعب الذي يحدث حولها ولا تعرف كيف تتصرف وماذا عليها أن تفعل. قام مصطفى من أمامها متجها نحو غرفته وأغلق الباب مما زادها قلقاً. فأسرعت لتهاتف يونس وتخبره سريعاً. زهره بخوف: الو يا يونس. الحقني والنبي.
يونس بخضة: في إيه يا زهره؟ انت كويسة؟ أي اللي حصل؟ قصت عليه كل ما حدث مما جعله يستعجب بشدة ويقلق من أجل أخيه. فترك ما بيده وصعد سريعاً نحو المنزل. وفي نفس الوقت استمعت زهره لصوت تكسير عالٍ. فققلقت بشدة. اتجهت نحو الغرفة وفتحتها سريعاً. وجدت مصطفى قد حطم جميع الصور التي تجمعه مع سمية والتي كانت موجودة داخل الإطار الزجاجي. نظرت لحالته بصدمة وهو يتنفس بقوة وصوت مسموع ووجهه يشع حرارة.
اقتربت منه وحاولت أن تهدئه ولكنه ثار بشدة لدرجة أنها خافت منه. زهره بقلق: مصطفى متعملش في نفسك كده. هتلاقيها بس تعبانة من الحمل. مصطفى بصوت عالٍ: معملش في نفسي كده! دي سابتني ومشيت. مراتي وحبيبتي واللي بعت عشانها الدنيا كلها سابتني. سابتني في وقت كان لازم تسيب الكل وتبيع أي حاجة علشاني. ثم أكمل بغضب: راحت لأخوها. راحت للك** اللي بتسميه أخوها. اللي بسببه إحنا مرميين هنا وبسببه أمي وأبويا ما -توا.
زهره ببكاء وقد ألَمَها قلبها على حالته: طب أهدي يا مصطفى كده هيحصلك حاجة. مصطفى بسخرية: وهيحصل إيه أكتر من اللي حصل يا زهره؟ دا أنا صحتي راحت ونفسي اتكس -رت من كتر الشغل عند اللي يسوى واللي ميسواش عشان أعيشها مرتاحة. وبعد كل دا عملت إيه؟ دي خدت ابني ومشيت. صرخ في آخر كلماته مما جعلها تبكي بحرقة وتنظر له بألم. فهو محق في كل كلماته. نظرت خلفها فوجدت يونس يقف والحزن يكسو وجهه.
فأشار لها بالخروج وخطى داخل الغرفة، وأحكم إغلاقها. وزع نظره بين أرجاء الغرفة وقد وجدها مبعثرة والزجاج يملأ الأرض وأخيه يجلس على السرير والغضب يكسوه ويسيطر عليه. اقترب منه فمد مصطفى يديه في جيب أخيه وأخرج علبة السجائر وأخذ منها واحدة أشعلها وأخذ ينفثها بشراهة وخبث واضح. يونس بتعجب: انت بقالك قد إيه بتشرب سجاير؟ مصطفى: ... يونس بغيظ: هو أنا مش بكلمك؟ ما ترد. مصطفى بغضب: انت عاوز إيه دلوقتي يا يونس؟ حل عني أنا مش ناقصك.
اقترب منه يونس وأخذ منه تلك السيجارة ورماها أرضاً ودعس عليها بقوة وغضب وهو ينظر داخل عيني أخيه بتحدي. مصطفى بغضب: إيه يا عم؟ بتاخدها لي؟ يونس بغضب: أنا أخويا ميشربش سجاير. انت فاهم. مصطفى بغضب جامح: لا مش فاهم. انت مش وصي عليا ولا أنا عيل صغير ومحتاج منك النصيحة. وبعدين إيه يا عم الشيخ؟ انت بتحلل وبتحرم على مزاجك. حلال ليك وحرام ليا. اقترب منه يونس بغضب يجذبه من تلابيب ملابسه ويلكمه بشدة مما جعل أنفه تنزف الد -ماء.
فغضب مصطفى أكثر ورد له تلك اللكمة بقوة أكبر مما جعل وجهه تصيبه الزُرقة. وظلوا هكذا يتشاجرون بصوت عالٍ ويسددون لبعضهم اللكمات. مما جعل زهره تهرع نحو الباب وتحاول فتحه ولكن قد أغلقه يونس من الداخل بإحكام. كانت تصرخ بأسمائهم ولكن دون جدوى فالآن غضبهم هو المتحكم وليس هم. مصطفى بغضب: انت عاوز مني إيه انت كمان هاا؟ عاوز تخلص عليا عشان تعيش حياتك؟ منتى نسيت الـ*ـتار ونسيت حقنا. بقيت جبان وضعيف أوي يا يونس. أنا قرفان منك.
يونس بصراخ: طول عمري شايل ومش بنطق. طول عمري متحمل كل حاجة. انت فاكر إني بعرف أنام الليل؟ حتى أنا مبقتش بشوف حاجة حلوة في الدنيا من بعد أبوك وأمك غيرك. وانت بتعمل إيه دلوقتي؟ بص لنفسك في المراية يا مصطفى. انت خلاص انتهيت. ابتعد مصطفى عنه وهو ينظر له وحوله بضياع وذهب نحو الباب فتحه وخرج من المنزل سريعاً. نادت عليه زهره كثيراً وهي تبكي بحرقة ولكن دون جدوى. نظرت نحو يونس بعتاب ولكنها ركضت نحوه بخوف تحتضنه ولا تزال تبكي.
فقلبها الرقيق لم يعد يستطيع التحمل. زهره بصدق وبكاء: أول مرة أخاف بجد. مش اليوم اللي عمي ومرات عمي ما -توا فيه. لا دا النهارده يا يونس. مكنتش أعرف إن قوتي فيكم يا يونس. ثم ابتعدت عنه ونظرت في عينيه بضياع: رجع مصطفى يا يونس عشان خاطري. أوعى تسيب مصطفى دا وصية عمي ومرات عمي ليك. نظر لها بحزن وقد تلمس العقلانية في حديثها. فتركها وركض كي يلحق بأخيه. *** في منزل عائلة حسام. كان يجلس وهو ينفث سيجاره بضيق.
يشغله ما حدث مع صديقه وأخيه الروحي. ملامحه الحزينة المنكسرة لا تفارقه. يتذكر صمته واصفرار وجهه. يتذكر نبرة صوته عندما هاتفه ليطمئن عليه فأخبره بالجائحة التي حدثت. تراهبه هبة وقد أشفق عليه بشدة وخصوصاً أنها تعلقت به كثيراً. فبعد حادثة الوفاة قرر الوالدين أن يسافروا عند الأقارب في دولة الأردن الشقيقة. فبقوا في المنزل وحدهم وشاهدت طبعه الحنون اللطيف. لم تكن تعرف أنها سوف تحبه بهذه الطريقة.
أصبحت مدمنة على رؤيته صباحاً وهو يستعد للذهاب للعمل أو مساءً عندما يتناولون الطعام سوياً ويغمرها بنظراته وأفعاله الحنونة. فمن مثلها لم يذق طعم الحنان. بالنسبة إليها حسام هذا أفضل ما رأت عينينا حتى الآن. رأته يجلس وحيداً مهموماً قررت أن تذهب إليه. جلست أمامه وهي تنظر له بملامحها التي تريحه عند النظر إليها وابتسمت كعادتها منذ أسابيع. هبه بنبرة هادئة: لسه بتفكر في يونس؟
حسام بضيق: أيوه لسه. أنا زعلان أوي إني مش معاه يا هبة. اللي هو فيه صعب أوي وأنا مش عارف أساعده. دا حتى مرضاش يجي يقعد معانا ولا رضي ياخد مني فلوس. متبهدل هناك وشغال في ورشة ومصطفى اللي بيشتغل طول اليوم. اتبهدلوا أوي طول عمرهم ولاد كبير البلد مش سهل عليهم أبداً.
هبه بثقة: بس كمان يونس ومصطفى رجالة وجدعان وربنا بيختبرهم يا حسام. أنا واثقة من دا. أنا عارفة إنه ظلم وإنه زي ما انت بتقول أكيد في حاجة غلط حصلت. بس لحد ما دا يتحل هما لازم يعيشوا اليوم بيومه واحنا معاهم. إيه رأيك لو نروح ليهم ونرخم عليهم شوية؟ مش انت ليك شقة في نفس العمارة اللي عرضت عليهم ياخدوها؟ حسام بإيماء: أيوه ورفضوا ياخدوها. كنت أنا ويونس شارينها مع بعض.
هبه بابتسامة: خلاص نروح نقعد فيها وانت كنت بتقول عاوز تاخد إجازة. وأهو تقف جنبهم. إيه رأيك؟ نظر لها بفخر ومد يده يضعها على خدها بحنان يربت عليه بلطف مما أصابها بالخجل. حسام: ربنا يخليكي يا هبه. انت هدية ربنا ليا بجد. هبه بخجل: وانت كمان ربنا يخليك ليا. حسام بضحك: ماشي يا ستي. أنا نازل وهاجي على الغداء مش هتأخر. هبه بابتسامة: تروح وتيجي بالسلامة. ودعته بحرارة ولم تخلُ من مغازلاته التي تفتك بها من الخجل.
أغلقت الباب وذهبت متجهة نحو المطبخ ولكن لم تكمل طريقها بسبب دق الباب. فرجعت سريعاً ظناً منها أنه حسام وقد نسي شيئاً. ولكنها صدمت وتلجم لسانها وبدأ سُكرها في الانخفاض عندما فتحت الباب ورأت الطارق. هبه بتلعثم: ان... انت... *** أمام منزل أهل يونس. والذي أصبح مؤخراً ملكاً لضاحي. فعلى الرغم من امتلاكه قصراً فخماً إلا أنه صمم على البقاء في هذا المنزل والذي حلم به طوال تلك السنوات.
تقف سمية وفي يدها حقيبتها تمشي نحو البوابة في هدوء. وما إن رآها الحرس حتى انحنوا نحوها يحملون الحقيبة ويرحبون بها بشدة وينحنون في احترام ويسيرون معها نحو الداخل. فُتح باب المنزل الكبير لتجد ضاحي يقف بإنتظارها والابتسامة على وجهه وهو يفتح ذراعيه لها لترتمي في أحضانه. ضاحي بثقة وابتسامة: قلتلك هترجعي ليا أنا في الآخر. سمية بهدوء: أنا قلت أخويا أولى بيا. ربت على ظهرها ولا تزال ابتسامته موجودة على وجهه.
وأشار لها نحو إحدى الغرف والتي فُتحت وخرجت منها إحداهن مما جعلت الصدمة والتعجب يعتلون وجه سمية بشدة. ضاحي بثبات: أحب أقدم لك يا سمية.... مراتي. سمية بصدمة: ناهد!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!