أنت طالق. شهقت من داخل قلبها قبل حنجرتها. وبين بكائها المكتوم وعيونها الجاحظة، حاولت إظهار صوتها قويًا حتى لا تظهر ضعف موقفها أمامه. فهي مقتنعة تمام الاقتناع أن موقفها ليس بضعيف، بل قوي. هذا زوجها وبيتها، ويجب الحفاظ عليه بكل الطرق والأساليب. فقالت له بنبرة حانية تحاول استعطافه وتذكيره بما بينهما: "بتطلقني يا آسر؟ بتطلقني عشان واحدة زي دي عايزة تاخدك مني؟ عايزة تهدم الحب اللي بينا؟ طب أنا عملت إيه؟
كل ده عشان حبيت أكشفها قدامك؟ تحدث بكل برود، وكأنه كان يتوقع كل ما قالته. وكيف لا يتوقعه وهو يحفظها عن ظهر غيب. فهي حبيبته السابقة، والتي علمها كل شيء على يده. آسر: "جودي لو سمحت، مش عايزين ندخل في تفاصيل ملهاش لازمة. ومحبكيش تتكلمي عن اللي هتجوزها كده، زي ما محبيتش إنها تجيب سيرتك بأي وحش. ويا ستي، طلاقنا مش عشان الموقف اللي عملتيه. آه، ممكن تكوني سرعتي منه، بس كان في كل الحالات هيحصل."
هدرت فيه بصوتها العالي، وكأنها تريد هز قلبه قبل جدران المنزل. "لييييييه؟ ليييه في كل الحالات هيحصل؟ أنا عملت إيه؟ بدأت تنهار في البكاء. لم تعد تقدر على الثبات، وخصوصًا أمامه، فهو من ملك قلبها. فأكملت تستعطفه وتذكره بما كانت تفعله من أجله. "أنا كنت مهتمية بيك في كل حاجة. أنا مقصرتش معاك. حتى أهلك كنت بحاول أتغاضى عن أسلوبهم معايا عشان خاطرك بس. كنت بحاول أعمل كل حاجة تفرحك." ثم اقتربت منه وأخذت تتحسس على وجهه
وتنظر لعينيه وهي تقول: "أنا مكنتش بعرف أنام إلا لما تيجي. فاكر لما كنت بستناك؟ وأنت كنت تقولي منمتيش ليه؟ فاكر؟ ... فاكر؟ قطع استرسالها عندما مسك يدها وأنزلها من على وجهه. وبكل هدوء وبرود، وكأنه بكاءها ونحيبها لم يهز به شعرة واحدة. آسر: "أنا عارف إنك مقصرتيش. بس تعالي كده نفتكر مع بعض، بعد ما برجع، كنتي بتعملي إيه؟
بتقوليلي حمدالله على السلامة يا حبيبي من غير أي مشاعر. ده اللي كنت بسمعه منك. وتحطي الأكل وتدخلي تنامي. مبقتش بلاقي مراتي اللي نفسي فيها. مبقناش نقعد مع بعض، مبقناش نسهر زي زمان، مبقناش نتكلم. حتى الجمعة، إجازتك وإجازتي، بتخديها في الترويق والتنضيف. تفتكري ده طبيعي؟ كل هذا وهي تنتحب من البكاء. وهو يكمل عليها ليس لها.
"أنا عايز واحدة ست، مش مجرد واحدة تروق وتطبخ وتحطلي الأكل وتربي العيال وتعامل أهلي كويس. عايز واحدة ست، فهمتي ولا أقول كمان؟ كل هذا وهي تقف مذهولة، تفتح عينيها على وسعها ودموعها تنهار أمامه من كم القسوة الذي أصبح عليها. هذا ليس بحبيبها، هذا ليس من أحبته وآمنت روحها بين يداه. ظلوا ينظرون لبعض، وكل منهم يحمل للآخر نظرة مختلفة. هي تنظر له بعين الذهول ولسان حالها يقول له: كيف تغيرت كل هذا؟
وهو ينظر لها نظرة أن لا فائدة، مهما فعلتي فقد اتخذت قراري. ثم بدأت تسترجع الموقف مرة أخرى، وتمسك بيده تحاول أن تستجديه وتجعله يتراجع عن ما وصل إليه. جودي بصوت متقطع: "طب خلينا... نحاول تاني... إحنا بينا عشرة سنين مش يوم ولا اتنين... خلينا نرجع اللي بينا... وأخذت تمسح دموعها وتكمل: "وأنا أوعدك هحاول أعمل اللي أنت عاوزه." بكل جحود، أفلت يده منها وكأنه يفلت شعرة من العجين.
آسر بكل جمود: "آسف يا جودي. أنا وعدت فتنة بالجواز. وبصراحة، أنا كده هرتاح أكتر. مكنتش قادر أكدب أكتر من كده إني أحاول أتغاضى عن أحاسيسي وأحاول محسسكيش بضيقتي. خلاص يا جودي، اللي بينا خلص لحد كده. وكل حقوقك هتاخديها. وابننا أي حاجة يعوزها أنا موجود، متقلقيش، مش هسيبكم." على ذكر سيرة ابنهم، وقد طفح الكيل بها، فانفجرت تسدد له كم من التهم والتي كانت تتغاضى عنها. وبصوتها العالي قالت له: "ابننا؟
ابننا اللي مبتشوفوش غير وهو نايم، ابننا اللي بتحضر عيد ميلاده بالعافية، ابننا اللي متعرفش عنه حاجة. لو تعب، أجري بيه أنا وأمي. لو احتاج لبس، أخرج بيه برضه. قولي هنا، أنت تعرف حضانة ابنك فين؟ أنت متعرفش عن ابنك حاااااجة. وكنت بقول معذور عشان الشغل، بس لو بتتهمني في الإهمال فيك، فأنت كمان أهملت فينا كلنا. أنت مكنتش بتعرف عني حاجة كويسة ولا مضايقة؟ مضغوطة ولا مرتاحة؟ وأهملت في ابنك، مبتسألش عنه ولا عارف عنه حاجة."
ثم أخذت تنظر له بعين متهمة، وتنهج من كم ثورانها. وبهذه التهم كأنها أيقظت ضميره النائم الذي لطالما أخمدة. واتخذ وضع الهجوم بكل برود، وهو يعلم ما سيقوله لها وما سيتهمها به حتى يقف في موضع القوة الذي اتخذه. ولكن وجد نفسه في وضع الدفاع. وجد نفسه المقصر، ويجب عليه إيجاد المبررات. ما هذا؟ فقد انقلب الموقف نهائيًا عن ما كان يرسمه. فاتخذ أسلوبًا آخر وهو التشويش والعصبية. وبعد هدوئه أصبح عصبياً وبصوت عالٍ أفزع الطفل.
آسر: "بااااااس خلاااااص. خلصتي؟ خلتيني مقصر وأنا الوحش؟ طيب يا ستي، عشان أنا وحش، وعشان جاي عليكي، ومستحملا ني، هسيبك ترتاحي مني. همشي دلوقتي، وأنتي شوفي هتدبري حالك إزاي وبلغيني." واستدار يمشي من أمامها، ولكن في الواقع كان يهرب من هذه المواجهة. وأغلق الباب خلفه، وكأنه يفرغ غضبه به من قوة صوت غلقه للباب.
انتفضت هي على صوت الباب، وحينها أدركت صوت بكاء طفلها ذو الخمس سنوات. وذهبت إليه وأخذته في أحضانها. لا تعرف هل لتطمئنه أم لتطمئن قلبها قبله. أن لازال معها وقت ومعها كارت ابنها الذي لربما تفوز به باستعادة روحها من جديد. أخذت تهدهد في الطفل، ومع سؤال الطفل عن أبيه، جعلها تردد كلمة واحدة وكأنها تتخذ قرارها. لا مجرد تهدئته. أزالت دموعها وقالت جودي بإصرار: "بابا راجع يا حبيبي، متخافش. راجع قريب أوي."
ثم استقامت تحضر الهاتف وتتصل على والدها ووالدتها، لعلها تجد الحل عندهم. فل طالما كانت تقتنع برأي والدها، وهو دائمًا على حق في كل المواقف التي حاولت أخذ رأيه بها. أخذت تضرب بيدها على مفاتيح الهاتف وتطلب رقم والدها، وتحاول جاهدة الثبات. ولكن مع نطق كلمة "الو" من والدها، لم تستطع إمساك روحها وانهارت في البكاء وهي تحاول تجميع بعض الكلمات بين شهقاتها. جودي: "بـ... ـبـ... ـا... عـ... ـايـ... ـز... ـاك... ضـ... ـروري...
تـ... ـجـ... ـي... أ... ـمـ... ـا... ـمـ... ـي... على الجهة الأخرى، انتفض والدها من مكانه يحاول تهدئتها وفهم ما تقوله ابنته. أشرف: "براحة يا جودي... مالك يا حبيبتي؟؟ مالك يا بت؟؟ حصل حاجة لأنس؟؟ طب أهدي وفهميني مالك؟؟ طب حبيبتي أهدي، أنا هجيب مامتك وجاي حالا. أهدي بقي.... وبدورها والدتها فزعت من صوت زوجها وسألت سمية بقلق: "مالها جودي يا حج؟ إيه اللي حصل؟ تنهد أشرف وقال لها:
"معرفش. البنت منهارة خالص ومش عارف أجمع منها ولا كلمة. كل اللي فهمته، عايزاك يا بابا أنت وماما." شهقت سمية وخبطت على صدرها وبقلق عالٍ وتوتر نطقت: "بنتي حبيبتي، اسم الله عليها. طب يالا يا حاج نروح نطمن على البنت، ليكون جوزها عمل حاجة فيها. يالا بسرعة." بكل رزانة واحتواء الموقف رد أشرف عليها وهو يهم لتغيير ملابسه قائلاً: "يا ساتر عليكي. مفيش حاجة إن شاء الله، وآسر جوز بنتك ابن حلال، هيكون عمل إيه يعني؟
هتلاقيهم بس مختلفين في حاجة بسيطة. هتصل أطمن منه." سمية بخطف الهاتف من يده: "تتصل بمين؟ مش هنتصل بحد. أنا أروح أشوف بنتي الأول وأسمع منها، يالا بس بسرعة. لما نشوف، والله لو زعلها لأوريه. أنا خلصت لبس، يالا بسرعة." نزلوا كلاهما وذهبوا إلى بيت ابنتهم. *** في الجانب الآخر، بعد خروج آسر من منزله، استقل سيارته وأخذ يدور في الشوارع بغير هدف وهو يفكر كيف تحولت الضفة عليه. ألم يكن هو من يمسك بأطراف الحديث؟
كيف لم يتوقع أنها من الممكن أن تواجهه بأخطائه؟ أم أنه كان يعتقد أنه كامل بلا أخطاء؟ لا، هو يعرف جيدًا خطأه، ولكن كان يعتقد أنها ستلهي في مشكلتها أو ربما تتفاجأ فلم تقدر أن تفكر. كان يرتب كل الفعل ورد الفعل، فكان يعلم أنها ستحاول استعطافه، وكان يرتب كلماته بعناية بحيث أن يصل بها لمرحلة أنها من قصرت فتسكت.
يعلم أنها من ملكت فؤاده، ولكن انشغالها عنه من أطفأ الحب بداخله، وجاءت من أشعلته مرة أخرى. وعلى ذكراها، أمسك الهاتف وأخذ يطلبها، فهي من تخفف عنه في مثل هذا الوقت. وانتظر أن ترد عليه حتى سمع صوتها اللعوب والذي يوقظ به ما كان أعتقد أنه خامد. فتنة بوله وتنهيدة قوية: "حبيبي، وحشتني. فينك؟ آسر بتنهيدة: "وانتي كمان يا حبيبتي. أنا محتاجلك حالا. فاضية؟ فتنة: "حبيبي، أفضي لك. لو مش فاضية، عدي عليا هتلاقيني جاهزة. هنروح فين؟
آسر بعد تغير مسار السيارة: "تمام، أنا جاي حالا. المكان اللي تؤمري بيه. وعلى فكرة، أنا طلقت جودي." فتنة بفرحة ظاهرة: "حبيبي حبيبي حبيبي. والله بحبك أوي. يااااه، أخيرًا هنبقى مع بعض. يالا بسرعة، مستنياك عشان نحتفل. باي يا قلبي عشان ألبس." آسر بنبرة حزينة وتنهيدة حارة: "ماشي يا جميل. عشر دقائق وأكون عندك." ثم أغلق الهاتف وهو يبحث بداخله، لما هذا الحزن عند نطق سيرة طلاق زوجته؟ ألم يرتب لذلك؟ ألم يسع له؟ فلما الحزن الآن؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!