استيقظت جودي في الصباح الباكر مع انبعاث أول ضوء للنهار قبل استيقاظ الجميع. فقد باتت ليلتها في أرق وتوتر، فلم يتسن للنوم أن يكحل عيونها. أعدت كوبًا من النسكافيه لتستعيد نشاطها بعد ليلة مؤرقة، وجلست ترتشف منه وعيونها وذهنها سارح. لتتذكر حوارها مع صديقتها نهى بعد أن خرجوا سويا من القاعة. نهى بتساؤل واستغراب من حالة جودي: "مالك يا جودي؟ شكلك مش مبسوطة بالرغم إني كنت شايفاكي طايرة من الفرحة وانتِ مع آسر." جودي بتشتت واضح:
"مش عارفة يا نهى، محتارة قوي ومش عارفة أعمل إيه. فعلاً مش هكدب عليكي، كنت طايرة من الفرحة وأنا مع آسر، ويمكن أكتر من الطيران كمان. مقولكيش قالي إيه… ده كأنه مسح كل اللي فات باستيكة. ده غير إنه تقريبًا خرص كل الألسن عني اللي كانوا بيتكلموا عليا واللي كانوا شماتانين. وبصراحة حسيت صدقه في كل كلمة قالها. آه، منستش خيانته ليا، بس اعتبرتها غلطة ومين فينا مبيغلطش!؟
بس عشان أتأكد إنه مش هيغلط تاني لازم أديله الأمان. وعشان أديله الأمان لازم أتأكد من حاجة مهمة قوي مش قادرة أشيلها من بالي. انتي فاهمة حاجة يا نهى؟ كانت نهى تضع يدها أسفل وجهها مستندة على المنضدة وتنظر لجودي بعيون هائمة، ثم قالت: "هيييييييح، والله يا أختي بعد اللي سمعته ده ما عدت فاهمة حاجة غير إنك بتدوبي في آسر بس بتعاندي." جودي بتوهة تنهدت ثم قالت: "مش عارفة، مش عارفة أقولك إيه؟ ثم تحولت نبرة صوتها للاستفسار
قائلة لنهى بتعجب: "صحيح يا نهى، خدتي بالك مني إزاي إذا كنت مبسوطة مع آسر ولا لأ؟ وانتي كنتي مع يزن في عالم تاني خالص." ما زالت نهى في هيمانها فقالت بصوت حانٍ ورقيق للغاية: "ياااه يا جودي، ده أنا كنت في دنيا مشفتهاش قبل كده. ده يزن ده طلع حنين قوي وعرف إزاي يحتويني وينسيني المكان والناس والعالم كله. مسيطر جامد قوي ابن الـ…."
تحرك جودي رأسها يمينًا وتنظر لنهى، ثم تعود وتحرك رأسها يسارًا تحاول رؤية نهى من زاوية أخرى وهي بهذه الحالة، ثم قالت: "مين اللي بيتكلم قدامي؟ انتي نهى اللي مبتحبش حد يسيطر عليها خالص؟ تستفيق نهى من هيمانها وتتنحنح وتعتدل بجلستها وتنظر لجودي محاولة تغيير الموضوع لتتسأل باستغراب: "آه صحيح، بتقولي عايزة تتأكدي من حاجة. حاجة إيه ده وهتتأكدي منها إزاي؟
تعود جودي لواقعها، فتقرر إنهاء حيرتها تلك بأن تتأكد بنفسها وتقطع الشك باليقين وتجيب بنفسها عن السؤال الذي يؤرق ذهنها، فإما أن تثبت عليه التهمة أو لتبرئه قطعياً. فاستقامت من جلستها وبدأت بارتداء ملابسها لتنهي من حالة تشتتها، مقررة القيام بالمواجهة المؤجلة التي لم تحبذ إطلاقاً القيام بها، ولكن عليها أن تصل للحقيقة الكاملة حتى لو استلزم الأمر إنقاص بعض الشيء من كرامتها كأنثى.
وصل معتز إلى المكتب ليرى مهرة جالسة مكانها، فابتسم وذهب إليها قائلاً: "يا صباح الفل يا صباح الجمال يا…" اقتطعت استرساله مهرة قائلة وهي تقف مكانها: "لو سمحت يا أستاذ معتز، إحنا في شغل وأنا جيت هنا عشان وعدتك وأنا متعودتش أخلف وعدي." ليقترب معتز ولكن أوقفته مهرة قائلة بنبرة حادة: "لو سمحت يا أستاذ معتز، لو قربت أكتر من كده أنا همشي وربنا وأسيب الشغل خالص." ليتراجع معتز خطوتين للخلف، رافعًا يده لأعلى قائلاً:
"لأ خلاص، زي ما تحبي. أنا بس افتكرتك قلقتي عليا لما نزلت من الشباك امبارح وقولت يعني هتتصلي بيا تطمني عليا ولا حاجة، أو على الأقل تسأليني لما أجي دلوقتي." نظرت مهرة للأسفل ورمشت بأهدابها، محدثة نفسها: "ومين قالك إني مقلقتش؟ بس مينفعش أتصل." وجدها معتز صامتة ناظرة للأسفل، فقال لها: "تمام يا مهرة، أنا مش هضغط عليكي أكتر من كده. أنا يكفيني إنك رجعتي الشغل وإني أصبح بوشك كل يوم حتى لو مرة واحدة. أسيبك لشغلك، عن إذنك."
ثم اتجه حيث مكتبه، بينما هي سقطت كورقة الشجر هاوية على مقعدها، ثم تنهدت قائلة لنفسها: "ربنا يسترها، مش عارفة أعمل إيه معاك بس بجد ده آخر فرصة. لو مأثبتليش إنك عايزني بالحلال ومستغني بيا عن أي حاجة، هخنق قلبي بإيدي يا معتز." ثم انتفضت فور صدوح رنين هاتف المكتب الذي أمامها، واضعة يدها على صدرها قائلة: "خضتني يا أخي، عايز إيه ده كمان."
ثم رفعت سماعة الهاتف لترد على أحمد الذي طلب منها إبلاغ معتز أنه يريده بالمكتب لديه، فاغلقت الهاتف لترفعه مرة أخرى ضاغطة رقم مكتب معتز وقامت بإبلاغه بطلب أحمد له.
استيقظ آسر من نومه على إثر طرق على باب مكتبه، ليعتدل في جلسته فاركاً رقبته بيده محاولاً تهدئة الألم الذي بها. فهو ينام منذ فترة بـ "أريكـة" المكتب محاولاً الابتعاد عن أي مؤثر خارجي كوالدته التي يومياً تتصل به وتحثه على المبيت لديها، ولكنه كان يريد أن ينفرد بحاله، وكأنه قرر معاقبة نفسه بأنه لن يذهب إلى أي مكان أو يستريح بأي فراش إلا بعد أن يعود لزوجته. ولكن اليوم زاد ألم رقبته، فاستقام وذهب يفتح باب مكتبه الذي يغلقه
على نفسه قبل النوم وهو مائل الرأس للجانب حتى يريح عضلة رقبته، فوجد السكرتير يبلغه أن جميع الموظفين قد أتوا وهو ما زال نائماً، ليعتذر آسر ويتجه إلى حمام المكتب للاغتسال حتى يستعيد نشاطه ويغير من ملابسه. ولكن ظل ألم رقبته مستمراً، ليجلس خلف مكتبه يحاول البدء في عمله ولكنه لا يستطيع، فطلب من السكرتير جلب دهان من الصيدلية لتخفيف هذا الألم حتى يستطيع إنهاء ما لديه من أعمال قبل ميعاد خروج جودي من العمل، فقد قرر الذهاب
إليها لاستكمال محاولات إرضائها.
بمكتب نهى، بعد أن ردت على أحمد وأبلغته بعدم قدوم جودي أمس، أمسكت بهاتفها حينما صدح رنين رسالة، ففتحتها لتري أنها من يزن، انفرجت شفتاها لتفتح الرسالة التي ما كانت غير تحية صباح مع وردة حمراء اللون: "صباح الورد." لترد برسالة نصية: "صباح الخير." يزن: "ينفع تمشي امبارح من غير ما تقوليلي؟ نهى: "معلش الوقت اتأخر، فمشيت على طول." يزن: "ماشي، سماح المرة دي بس المرة الجاية هيكون في عقاب وجزاء واحتمال حبس انفرادي كمان."
لتبتسم نهى: "وهتحبسني انفرادي فين بقى يا حضرة الظابط؟ ليرد يزن عليها بكل بساطة: "في قلبي." نظرت نهى للرسالة وابتسمت ولم تستطع الرد، لتجد رسالة أخرى منه: "سكتي ليه؟ نهى: "أبدا، مبعرفش أرد على كلامك ده." يزن: "أنا لسه مقولتش حاجة، بس بصراحة نفسي قوي أقول كتيييييير. إيه رأيك لو أعدي عليكي بعد الشغل؟ نهى: "لأ مينفعش، أنا مقولتش لماما ومينفعش حتى أستأذنها دلوقتي. بتعتبر إنها حطتها في أمر واقع وهي مبتحبش كده."
ليبتسم يزن ويكتب: "عسل والله، حماتي دي." لتعقد نهى حاجبيها وكتبت له: "اشمعنى؟ يزن بهزاره المعتاد: "اشمعنى أني قولت حماتي ولا اشمعنا أني قولت عليها عسل؟ لتجد نهى نفسها في مأزق، فتخجل وتصمت، ليكتب هو:
"خلاص هعتبرك بتسألي اشمعنى أنها عسل، بما إنك فهمتي أنا أقصد إيه من كلمة حماتي. عشان يا ستي حماتي مبتحبش الأمر الواقع وأنا كمان كده. أحب قبل أي حاجة أكون عارف كل حاجة ونتناقش، مش ألاقي الموضوع أمر واقع. فانتي ما شاء الله متعودة من حماتي فمش هتعب معاكي كتير، كفاية كلامك الدبش." لترسل له نهى إيموجي غاضب وتكتب: "قصدك إيه بكلامي الدبش؟ يزن بوجهه مبتسم يكتب لها:
"قصدي إنك بنت جميلة جدا ورقيقة جدا وهشة جدا، بس بتحاولي تداري كل ده ورا نرفزتك وعصبيتك. بس أقولك على حاجة، أنا راضي. إيه رأيك بقى؟ لتبتسم نهى مرة أخرى وكأنه عرف كل مداخلها، فتكتب: "أفكر وأرد عليك." لتجد رسالة صوتية، لتفتحها لتجده يضحك بملء فمه، ضحكته التي تأسرها، ثم يقول: "وانتي هتلاقي زيي فين؟ واد مز وقمـر وظابط وطويل كمان، ليكي مواصفات لسه متحققتش." برغم من انشراح قلب نهى لضحكته، إلا أن شخصيتها المتمردة غلبت عليها،
لترد قائلة له: "آه، ميكنش مغرور." ثم أغلقت بيانات الهاتف ليظهر أمامه أنها مغلقة، ليضحك عليها يزن قائلاً: "يا بنت المجانين، هتجننيني معاكي وربنا، بتقلب في لحظة." تجه معتز إلى مكتب أحمد، وبدون أي تطاول اكتفى بأن يبتسم لمهرة، ابتسامته التي بالنسبة لها كانت حلماً بعيد المنال، لتبتسم له مهرة بخجل واضح، وتنظر للأوراق التي بيدها. ليدخل معتز لأحمد المكتب ويغلق خلفه الباب، ثم يجلس بالمقعد الذي أمامه، ليتحدث معتز:
"خير يا أحمد، كنت عايزني في إيه؟ أحمد بابتسامة سمجة وهو يهز المقعد يميناً ويساراً: "جيت على طول يعني؟ أنا قولت بدل ما أتصل بيك على طول أبلغك إني عايزك من ناحية مهرة… وعقبال ما تروح لك… وتبلغك إني عايزك… هتجيلي على آخر اليوم… إيه زهقت منها ولا إيه؟ ليعقد معتز حاجبيه تعبيراً عن ضيقه، قائلاً بنبرة حادة:
"لو سمحت يا أحمد، متتكلمش عن مهرة كده. أنا قولتلك قبل كده إن البنت دي نضيفة واحتمال كبير كمان أطلبها للجواز، بس هي ترضى." ليستقيم أحمد من مجلسه ويذهب بالمقعد الذي أمام معتز قائلاً: "لأ مش ممكن؟ هتعتزل الملاعب؟ ولا البت مستعصية معاك وملهاش سكة إلا الحلال؟ … قولي لو مستعصية أجبهالك لحد عندك وتبوس إيدك كمان بطريقتي الخاصة." لينتفض معتز من مقعده قائلاً بصوت أقرب للتهديد مشيراً له بإصبعه:
"أحمد، لحد هنا وتقف… قولتلك ملكش دعوة بيها خالص… وإلا ده هيبقى آخر حاجة بيني وبينك… سامع؟ ليستقيم أحمد ويضع يده على كتف معتز محاولاً تهدئته قائلاً: "طب خلاص يا عم… أنا قولت أساعد مش أكتر… ومبروك يا سيدي مقدماً وبراحتك يا صاحبي، ويوم ما تحب تغير أنا موجود. المهم اقعد عشان عايزك في حوار كده." ليزفر معتز أنفاسه ثم يجلس مرة أخرى سائلاً: "استغفر الله العظيم، خير يا أحمد؟ عايز إيه؟
ليبدأ أحمد يسرد له خطته في توقيع آسر وماذا أعد له من وقيعة محكمة لينهي بها حكايته من جودي. ليغضب معتز ناطقاً: "انت لسه بتحاول تنخور بينهم؟ ما خلاص يا أخي سيبهم في حالهم وشوفلك واحدة تانية لو عايز فعلاً تستقر. مش لازم جودي يعني. وكمان مفكرتش إنها ممكن تكون مبتحبكش؟ مفكرتش إنها ممكن بعد ما تطلق متتجوزش تاني خالص؟ أحمد، أنا رأيي تسيبك من الموضوع ده واقفل عليه." ليزفر أحمد أنفاسه ناطقاً بنبرة بغض وكره شديد:
"لأ يا معتز، هاخدها يعني هاخدها. البت دي استعصت عليا في الأول، وحتى دلوقتي، فأنا لااااااازم أطولها بأي شكل. وبالنسبة إذا كانت بتحبني ولا لأ مش فارقة، المهم أنا عايز إيه. وبالنسبة للجواز بقى إذا كانت هتتجوز بعد ما تطلق ولا لأ؟ ليطلق ضحكة ثم يستطرد قائلاً: "ده لها ترتيب تاني. كسر الست مفيش أسهل منه… وحياتك لأخليها تجيلي راكعة وتعيط وتتمنى إني أتجوزها وساعتها مش هخذلها، هتجوزها عشان أنا قلبي رهيف."
ثم أطلق ضحكته، ومعتز بدا على وجهه الاشمئزاز وكأنه يراه للمرة الأولى، فاستشعر أن أي حديث معه لا يجدي، فاستقام من مجلسه قائلاً: "تمام يا أحمد، براحتك، اعمل اللي انت عايزه. ولو احتجتني أنا موجود، بس عن إذنك عشان عندي شغل مهم هخلصه وأكون معاك." أومأ أحمد برأسه، ليخرج معتز من مكتبه مهرولاً وكأنه لدغ من عقرب، ثم أغلق باب المكتب خلفه واستند برأسه عليه محاولاً تهدئة أنفاسه المضطربة. لتلاحظه مهرة بهذا الشكل،
فتتوقف وتذهب إليه تسأله: "خير يا أستاذ معتز، فيك حاجة؟ بعد الشر؟ جاء صوتها بالنسبة له كالنجدة، كما دخلت حياته لتنجده من كل ما كان بها. ليرفع رأسه من على الباب وينظر لها، وبدون أن ينطق بكلمة واحدة، أمسك بمعصمها وأخذ يسحبها خلفه في طريقه إلى مكتبه، وهي تحاول وتعافر أن تفلت يدها من قبضته، ولكن كل محاولاتها باءت بالفشل، حتى وصلا إلى مكتبه ليدخل ساحباً إياها لداخل المكتب ويغلق الباب ويقف أمامه من الداخل مواجهاً لها.
خرجت جودي من منزلها وأوقفت تاكسي واستقلته وأخبرته بوجهتها، ليقود بها التاكسي. بينما هي منذ أن دخلت التاكسي وضعت رأسها على نافذة السيارة وهي تتخيل بعض الصور التي ربما تجدها بالمكان التي ستذهب إليه، ومع كل سيناريو يدور برأسها تحاول إيجاد له حلاً، ولكن كان عقلها يتوقف تماماً ما أن تتخيل هذه المشاهد. حاولت الرجوع عن قرارها في أكثر من مرة، ولكنها تتراجع لتكمل طريقاً بدأته. فقد قررت أنها لن تعود لآسر إلا وهي مطمئنة قلباً وعقلاً، وإلا فلن تعود نهائياً. حتى فاقت على صوت سائق التاكسي وهو يخبرها بوصولهم للمكان المنشود. فهبطت من سيارته بعد أن أعطته أجرته، وتقدمت بأقدام خاوية من الرغبة وكأنها تجرها جراً.
وصلت جودي للبناية المقصودة وحاولت صعود الدرج، الذي مع كل سلمه كان يهبط قلبها بأقدامها، حتى وصلت للشقة وأغمضت عينيها وسحبت أنفاسها استعداداً لما ستراه، ثم دقت الجرس. لينفرج الباب لتصدم جودي مما تراه وتجحظ عيناها، محاولة إنقاذ الموقف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!