خرجت أركض هارباً من تلك الحديقة تاركاً أختي وفطيرتها اللعينة على ذلك المقعد الخشبي العتيق. ثم بدأتُ أجوب المدينة بحثاً عن تفسير لكل ما يحدث. وصلت إلى الشارع الرئيسي الذي كان مكتظاً بالناس. كنت أبحث عن أي شيء يخرجني من تلك الأجواء الشيطانية، ولكنني بعد بحث لا جدوى منه وقعت يائساً أبكي على حافة الطريق بين المارة. وما أقسى المارة حين لا يكترثون لمجنون مثلي.
وبين بكاء منهمر وخوف دفين شعرت بكف سيدة عجوز قد انحنت تواسي حالتي اليائسة. نظرت في وجه تلك العجوز فكانت ملامحها مألوفة لي وكأنني قد رأيتها من قبل. انحنت العجوز لي ممسكة بعكازها الخشبي ثم أردفت تقول: "انهض يا جون". كنت أنظر لها بشيء من الاستغراب. نهضت من مكاني متسائلاً في ذهني عمن تكون هذه العجوز وكيف عرفت اسمي رغم أنني غريب عن هذه المدينة. ورغم الخوف الذي احتل كياني إلا أنني سرت مع تلك العجوز بكامل إرادتي.
أدخلتني العجوز إلى بيتها الواقع على أطراف تلك المدينة ثم ذهبت تصنع لي كوباً من النعناع الساخن. كان في ذهني آلاف الأسئلة التي لم أجد لها جواباً واحداً منذ انتقالي إلى هذه المدينة. ولعل هذه العجوز تنقذني مما أنا فيه وليتها فعلت ذلك. بعد قليل من الوقت عادت تلك العجوز ممسكة بكوب النعناع وطلبت مني الجلوس على الطاولة الرخامية الواقعة في منتصف ذلك البيت الضخم. جلسنا على الطاولة وكان سؤالي
الأول لتلك العجوز هو: "كيف عرفت اسمي؟ تنهدت العجوز وكأنها تنفث من زفيرها تاريخاً من الألم ثم قالت: "أنا عمتك يا جون، أنا الأخت الكبرى لوالدك ريمون". نظرت إلى تلك العجوز وإلى تجاعيد وجهها التي تحكي سنين العذاب الذي تعرضت له. كنت في صدمة مما أسمعه حتى أنني نسيت كل ما كان يخزنه عقلي من أسئلة مكتفياً بسؤال واحد وهو: "لماذا أخفى عني أبي أمرك يا عمة؟ كانت ليلة مليئة بالصدمات بالنسبة لي.
أخبرتني عمتي كل الأسرار التي تتعلق بموت أختي الصغيرة وكم كان صعباً عليّ معرفة بأن قاتل أختي هو أبي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!