والله كان هيبقي أحسنله إنه يعرف إنك بتكلمي واحد عليه. بعد مرور ثلاث أسابيع. في يوم ذا طقس بديع. سماء صافية وشمس طاغية. ليت كان يومهم مثل طقسهم. استيقظت سلمى على صوت خراب إن كان للخراب صوت. صوت تحطم كل شيء، والجدير بالذكر صوت تحطم قلب أنس للمرة التي لا يعرف كم عددها من ذات الشخص. استيقظت سلمى على فجعة تحشرج صوت أنس من كثرة البكاء وهو يجلس على الأرض وسط الصالون الذي انتهى للتو من تحطيمه.
كادت سلمى أن تقترب من أنس، ولكنه فور ملاحظة قربها صرخ بها أن تبتعد. سكنت سلمى وهي في مكانها في حالة دهشة. فاعترف أنس منهاراً يبكي قلبه: أنا اتجوزتك عشانها.. عشان أحسسها بالغيرة أو عشان أنا أحس إنها مهتمة. ثم صمت قليلاً مبتسماً بسخرية وهو يبكي: بعد ما اتبرعت برحمها عشان مش عاوزة تخلف تاني. ابتلعت سلمى مرارة كلماته ثم أمعنت السمع: دي كانت كدابة.. باعته عشان تاخد فلوسه وتُهجرني.. عمرها ما حبتني! صمت
يبتلع نيران جوفه ثم أكمل: تعرفي إن مايا مكنتش بنتي ومع ذلك قبلت أكون أبوها! تعرفي إنها نصابة وطماعة وأنانية! تعرفي أنا دافعت عنها قد إيه! تعرفي تكلفة حمايتها كانت إيه؟ كانت كرامتي!
أنا بعدت عن أهلي بسببها.. خسرت أعز صحابي عشانها.. قبلت خيانتها ليا بس المهم متسبنيش.. وفقت أكون أب لبنت مش بنتي عشان مزعلهاش.. بنتي ماتت بسبب إهمالها ومتكلمتش.. تنازلت عن شغلي بره البلد ومستقبلي عشان أبقى جنبها.. بوظتلي شغلي هنا ودخلت الحبس ومقدرتش أدافع عن نفسي؟ أقولهم إيه حبيبتي هي اللي عملت كده عشان عاوزة تطلق مني وتتجوز واحد تاني! صمت أنس وأخذ يهز رأسه نافياً كلامه بينما دموعه تسبقه:
وبعد ده كله تقولي إنها هجرتني.. إزاي قدرت تعمل فيا كده.. أنا حبيتها أكتر من كل حاجة. كانت سلمى تقف عند باب غرفتها تتابع انهياره واعترافاته المتتالية وبداخلها مزيج من الاشمئزاز والعطف، فحالة أنس كان يرثى لها.
تقدمت سلمى عدة خطوات حتى التقطت الورقة الملقاة بجانب أنس والتي كانت على هيئة رسالة تعترف فيها شروق بأنها لم تحب أنس يوماً، وأنها قررت هجره بعد إمضاء أنس لها على ورق طلاقهم، وإن كان لا يعلم فإنه أمام القانون طليقها. وأخيراً أخبرته بألا يحاول البحث عنها فهي لا تريد رؤيته مرة أخرى. تحدثت سلمى أخيراً: انت عامل زي المؤمن المصمم يتدلع من نفس الحفرة، ولو كانت حفرتك لسه موجودة كنت هتوافق تتلدع منها تاني.
نظر أنس لها بتيه، فلم تشعر بالشفقة عليه فهو من لم يشعر بالشفقة على نفسه من قبل: كل التضحيات اللي انت عملتها دي مكنتش عشان شروق، كانت عشانك انت، عشان... : عشان بحبها. : عشان عاوزها! يا ريت متجبش سيرة الحب في المرض بتاعكوا ده، الحب أعلى وأنضف بكتير من إنه يدخل علاقة سامة زي دي! جلست جواره وهي تتحدث بصراحة وتشتت:
عيني اللي كانت شايفاك حاجة كبيرة من بعيد هي نفسها عيني اللي بقت شايفاك أصغر بكتير من خانت البطولة اللي كنت حطاك فيها دلوقتي.. برغم جوازنا إلا إنك كنت لطيف معايا فخلتني أبقى حكم وأقف أتفرج على أدائك في مسرحيتك مع شروق. : وحكمتي؟ : شروق كان معاها حق لما سبتك.. زي ما أنا هسيبك. وقفت سلمى بكل كبرياء ناظرة إلى أنس باشمئزاز: طلقني.. لو باقي عندك شوية كرامة تطلقني دلوقتي. وقف أنس مترجياً إياها: ممكن تديني فرصة؟
هتغير وأبقى زي ما انتي عاوزة.. بلاش تبعدي عني انتي كمان! ابتسامة جانبية ساخرة ظهرت على فم سلمى وهي تلقي سهام صراحتها: بالظبط ده اللي كنت هتقوله لو شروق طلبت منك الطلاق بشكل مباشر، عشان كده طلبت الطلاق منك بأفعالها ولما لقت إن مفيش أمل إنك تسبها اضطرت تهجرك بالشكل ده. دخلت سلمى إلى غرفتها متجاهلة الضجيج الذي يشكله أنس بالخارج، مرتدية عبائتها ولفت خمارها بطريقة عشوائية. ولم تنس حقيبتها الصغيرة وخرجت مواجهة أنس بقوة:
زي ما قولت لنفسي قبل كده أنا أحسن وأقوى من شروق عشان كده هواجهك.. عاوزة ورقة طلاقي توصلني في أسرع وقت ممكن.. أحسن ما أخلي أخواتي يتصرفوا معاك. اتجهت سلمى للباب مغادرة. فناداها أنس وفور التفاتها إليه أصابتها رصاصة من عياره الناري قرب صدرها، فوقعت سلمى بأرضها تنظر لأنس الذي اقترب منها ببطء هامساً بطريقة مرعبة: ده اللي كان هيحصل لشروق لو طلبت مني الطلاق بشكل مباشر. : في حاجة؟
قالها يوسف ممسكاً بيد شروق وهم بالطائرة فور ملاحظة لون شفتيها الأزرق وملامحها الباهتة. : إيدك متلجة مالك؟ : مش عارفة. قالتها شروق بصوت مرتعش ثم ضمت معدتها الصغيرة بقوة صائحة: "نوع سم". هتف يوسف مرتعباً: يعني إيه اللي بتقوليه ده؟ حد من طاقم الطيران يلحقنا هنا؟ قالت إحدى المضيفات: دي حالة تسمم؟ ملهاش علاج على الطيارة، إحنا في الجو. صاح يوسف متوتراً: اتصرفوا. أمسك بكتف شروق التي كانت تتلوى بمقعدها كما هي الحية:
متقلقيش هنتصرف، هنتصرف. جاءت مضيفتان ليوسف من جهتين مختلفتين، كل منهما تحمل خبر أسوأ من الآخر: مفيش دكاترة على الطيارة. إحنا في منطقة مطبات هوائية محتاجين على الأقل ساعة للهبوط. وقبل سكون حركة شروق كلياً اقترب يوسف هامساً بأذنها: أنس بعتلك السلام وبيقولك كنتي المفروض تفضلي على مبدئك ومتكليش أكل مش انتي اللي عملاه!
جحظت عيني شروق لا نعرف أمن هول المفاجأة أو من خروج روحها.. فتبع جحوظ عينيها شهقة عنيفة والجدير بالذكر أنها الأخيرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!