وقف مسرعاً عندما وجد إحداهم تشير إليه بترحيب من بعيد، حتى اقتربت منه ورأى ملامحها بوضوح، فظهر على وجهه علامات المفاجأة: شروق! استدارت شروق نصف استدارة وهي تخبره: تحب أمشي؟ : لا، ده أنا لما صدقت قابلتك بعد السنين دي كلها! لسه حلوة وشيك زي ما إنتِ متغيرتيش. : من بعض ما عندكم يا جواه. استرخى يوسف في كرسيه ثم تذكر: تحبي تطلبي إيه؟ : شاي بنعناع سكر دايت! ابتسمت شروق: لسه فاكر؟
أومأ موافقاً وهو ينادي على العامل ويُملي عليه الطلبات، ثم قال مستفهماً: هو إنتِ اتطلقتي؟ نظرت على مكان خاتم الزواج الفارغ وأخبرته: من فترة. قال وهو يُقلب فنجان القهوة خاصته متصنعاً انشغاله: سمعت إنكم كنتوا متجوزين عن حب! إيه سبب الطلاق؟ أخبرته شروق متصنعة الأسف: تخيل بعد ما بنتنا ماتت وشلت الرحم بسبب ورم فيه، وبعد ما عرف إني مش هقدر أخلف تاني، اتجوز عليا واجبرني إني أنا اللي أخطبلهاله وأحضر الفرح!
وبعد كده جابها الشقة يفرسني ويعايرني قدامه وهو ساكت! : وإيه اللي فكرك بيا بعد الوقت ده كله؟ أجابت ببراءة مصطنعة: كنت أول واحد ييجي في بالي بعد محنة طلاقي دي، وفي نفس الوقت مقدرتش أكلمك بصفتي شروق عشان رقية! : وإنتي عايشة فين دلوقتي؟ رجعتي لمامتك تاني؟ ردت شروق وهي تبكي قهراً مستعطفة دموع التماسيح خاصتها لتنزل:
ماما اتجوزت يا يوسف، مكنش ينفع أرجع أقعد معاها تاني. ولما ملقتش حد أروحله اضطريت إني أتكلم مع طليقي ووافق إني آخد أوضة من الشقة وحالياً قاعدة فيها وشغالة بلقمتي. إنت متخيل المعاملة إزاي من البنت اللي اتجوزها دي؟ ربت يوسف على كتفها متفهماً، فأخذت تبكي أكثر شارحة معاناتها الكاذبة مع الذل والإهانة، والتي كانت تعتبر نقطة حساسة عند يوسف. : أنا عندي حل. رفعت عينيها الدامعة ماسحة دموعها بظهر يدها: وإيه هو بقى؟
: عندي شقة في المعادي مش بستخدمها كتير، يعني أقدر أستغنى عنها. ممكن تاخديها تقعدي فيها معززة محدش هييجي جنبك. : مقدرش طبعاً، والناس هتقول عليا إيه لما يلاقوني عايشة في شقة واحد غريب؟ أرسل إليها ابتسامة: مش هبقى راجل غريب لو قولتلي اتطلقتي إمتى؟ فهمت شروق مقصده فاصفر وجهها ولكنها تصنعت الغباء: قصدك إيه؟ : نكتب بعد شهور عدتك ما تخلص، إيه رأيك؟ ونخطب النهاردة لو تحبي؟ خديلي معاد مع جوز مامتك. ابتلعت
شروق ريقها وهي تجيب بتوتر: اكيد مش بالسرعة دي، إحنا لسه… قطع كلامها: إحنا نعرف بعض من زمان، من أيام ما كنتي إنتِ ورقية صحاب. (“قبل ما نبعد عن بعض بسببك”) تكلمت شروق في عقلها غير منتبهة لما يقوله لها في محاولة إقناعها بالزواج في أقرب فرصة ممكنة: قولت إيه؟ : إحنا لسه بنتعافى من جواز فاشل. ندخل في جوازة جديدة كده على طول! لا استنى فترة. : يبقى نتخطب. حاولت شروق عدة مرات أن تخلفه عن طلبه ولكنه كان مُصر، فوافقت على
مضض ثم وقفت مودعة إياه: باي. : الأسبوع الجاي تجيبلي المعاد، يا هتكلم أنا مع مامتك. : أوك.. باي يا يوسف. : متقفليش الفون زي كل مرة، هتصل بيكي عشان نحدد معاد نروح الشقة. لم ترد عليه وأخذت تسرع في خروجها من المكان وهي تكلم نفسها: هعمل إيه دلوقتي في المصيبة دي؟ هنخلص منك إزاي يا أنس في الوقت ده؟ لازم قبل ما الشهر يخلص أكون مطلقة. مفيش غير ماما هي اللي هتحللي المشكلة دي.
عادت شروق إلى بيتها وقد دقت الثانية عشر بعد منتصف الليل، فأخذت تمشي على أطراف أصابعها حتى كادت تصل إلى غرفتها، ولكن أُضيء نور الصالون بشكل مباغت. وجاءها صوت أحدهم: ما لسه بدري يا شروق. هانم. زفرت بقوة وهي تدير وجهها إليه مستحضرة ابتسامة لطيفة: أنس حبيبي، إنت لسه صاحي لحد دلوقتي؟ أصل سلمى بتنام بدري! اقترب منها أنس وهو يمشطها من أعلاها لأسفلها ويهمس لها بنظرة غير مريحة: النهاردة يومك إنتِ. رفعت يدها
مداعبة وجنته برومانسية: معلش يا حبي… أمسك أنس بيدها صائحاً: فين دبلتك؟ ابتلعت ريقها محاولة تذكر أين وضعتها، ثم تحدثت بسرعة: معايا.. معايا في الشنطة. أكمل أنس بحنق: وقلعتيها ليه؟ أغمضت عينيها وقررت قلب الطاولة عليه لأنها لا تريد سماع المزيد من الكلمات والمحاضرات، فرأسها يؤلمها بما فيه الكفاية. فصاحت بنبرة عالية وهي تبتعد عنه:
هو تحقيق يا أنس.. ما قولتلك مليون مرة إنها ضاقت عليا وبقت بتوجعني. دي مبقتش عيشة دي. أنا داخلة أنام. تصبح على يوم زي وشك! دخلت إلى غرفتها غالقة الباب بقوة آملة أن يكون عند أنس ولو ذرة كرامة واحدة وألا يدخل ورائها، ولكن كالعادة تخيب أمانيها. دخل أنس معتذراً طالباً السماح. لم تتحدث معلنة رفضها، فتقدم أنس ونام بجانبها على السرير ساحباً إياها بأحضانه: آسف، متزعليش… إنتِ عارفة فال وحش لما تقلعى الدبلة.
تنهدت شروق بقوة وأدارت وجهها إليه. أسندت رأسها على صدره: أوك يا أنس، مسامحاك. بس مش هلبسها تاني. : هجبلك غيرها. : روحت المحل النهاردة، عجبني فيه دبلة بس أغلى بكتير، فاستنى لحد ما تظبط الشقة التانية وبعد كده تبقي تجبها لي. ورغم ضيقه إلا أنه تكلم بهدوء: ولحد ما أجبهالك هتفضلي من غير دبلة؟ طب البسي دي لحد ما… : خلاص بقي يا أنس، ده شرطي عشان أسامحك. مفيش دبلة هتدخل إيدي غير اللي عجبتني الغالية.
صمت أمام إصرارها، ثم أخذ يمسد على ظهرها بحنو مع ارتفاع لحرارة جسده وأخذ قلبه يقرع الطبول. فأحست هي بذلك وابتعدت عنه إلى طرف السرير. فاقترب منها لتخبره بصوت ناعس: أنس.. أنا عايزة أنام. عاد أنس أدراجه لطرف السرير الآخر بضيق متمتماً بضجر: أهو إنتِ من ساعة ما رجعتي من شهر العسل وإنتي عايزة تنامي. ♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
في صباح اليوم التالي، استيقظت شروق باكراً على غير عادتها. أعدت إفطاراً لثلاث أشخاص وأعادت ترتيب وتنظيف المنزل حتى لو لم يكونوا بحاجة إلى ذلك كعادتها. سقت الزرع على نافذتها بعد أن فتحتها ليستهدف ضوء الشمس عيون أنس البنية فيستيقظ مبتسماً: صباح الخير. لم ترد الصباح، ولكنها ردت بعملية: الفطار جاهز، اصحى سلمى وافطروا مع بعض. أنا هروح لماما، ولسه مقررتش هبات هناك ولا هاجي آخر اليوم.
تعكر صباح أنس دون أن يتحدث كعادته. فرد عليها ساخراً: مكنش لازم تقوليلي على فكرة. فهمت يا يرمي إليه. فأجابت ببرود: المرة الجاية مش هبقى أقولك. اتفقنا.. باي. خرجت من الغرفة ومن المنزل ذاهبة لبيت أمها، تاركة أنس بحالة شرود حتى دخلت عليه سلمى بعد أخذ الإذن بالدخول: مش هتفطر؟ وبرغم أنه لا يملك شهية للإفطار، ولكنه لم يُخجلها ملبياً دعوتها: إيه رأيك أخرجك النهاردة؟ : فين؟ : الملاهي وبعد كده نتعشى بره. أجابت سلمى بحماس:
موافقة طبعاً. : إنتي ممكن تخليه يعرف إنك بتكلمي واحد عليه، وهو أكيد هيطلقك. : أو يقتلني، أو يفضحني، أو يساومني على الشقة. يا الطلاق يا الشقة! ردت والدة شروق: بس أنس بيحبك، مش هيعمل كده. ده إنتِ كل المصايب اللي عملتيها من يوم ما اتجوزتوا وعرفها، معملكيش أي حاجة! : آه، بس كان ضامن إني هفضل معاه. كانت والدة شروق تضع يدها على رأسها تُفكر حتى أتت على بالها فكرة: طب إيه رأيك لو تخلي أنس يشاركك؟ استفهمت شروق: ده إزاي؟
: حاجة من اتنين، يا أنس يعرف إنك نصابة ويشتغل معاكي وهو يبقى في صفنا ومعانا. يا إما تحاولي تقنعي أنس إن يوسف ده كان يعرفك قبل كده وإنه مثلاً عنده مرض نفسي والمفروض نمشيه في اللي هو عايزه من غير ما نصدمه بحقيقة جوازك. أو أقولك تقولي له إن يوسف عنده فقدان ذاكرة جزئي وإنه لسه في أيام ما كنتوا مرتبطين زمان. نظرت شروق لوالدتها ببرود وهي تخبرها بفظاظة: إنتي شكلك الأفلام فرمطتلك الباقي من مُخك. ثم صمتت قليلاً مُفكرة:
طب ولو أنس اتقابل هو ويوسف هيكون بصفته إيه؟ يوسف عارف إنه طليقي، وده مش هقدر أغيره! طب افرضي يوسف كلمه عن جوازنا أو سبب طلاقنا، كده حواراتنا كترت. أنا اتلخبطت يا ماما، إيه الحوارات دي كلها؟ ساد الهدوء بينهما لدقائق حتى قطعه صوت أحد النساء بالشارع تصرخ وتطلب النجدة بأن يتصل أحدهم بالشرطة بعد أن تشابك بعض الشباب مع بعضهم البعض أسفل البناية. صاحت والدة شروق:
إنتي ممكن تلبسي الواد أنس مصيبة ويدخل السجن وتطلقي منه، وبكده يخلي لك الجواب. ابتسمت شروق بخبث راضية تماماً بفكرة والدتها ثم تحدثت: أنا ممكن أغير أوزان ومقاسات التصاميم اللي هو مسؤول عنها. : لا حرام، هنأذي ناس كتير في طريقنا. إحنا نحطله كام حتة سلاح مش مترخص. ححظت عيني شروق بفكرة أخرى: ماما، إحنا عندنا رمل وظلط في البلكونة! تساءلت والدة شروق: هتموتيه بالظلط يعني ولا إيه؟
: لا.. أروح أبلغ في جهاز أمن الدولة إنه بيحاول يصنع قنابل وأقولهم إنه بيتكلم كتير في السياسة. أحسن عشان مليون مرة أقوله يحلق دقنه اللي بقت عاملة زي دقن ياسر جلال في مسلسل رحيم. ثم صمتت قليلاً وتحدثت بحماس: تعرفي إن أنس مرة قالي إنه اتحبس ظُلم بسبب إنه كان في مظاهرة وهو كان قريب من مكانها واتاخد! صمتت كلتاهما لبضع دقائق أخرى حتى تكلمت والدة شروق بشرود: والله كان هيبقي أحسن له إنه يعرف إنك بتكلمي واحد عليه!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!