هي فتاة وردية ساذجة عشقت بجنون. تركت لجام العقل وتمسكت بلجام القلب. والنتيجة كان شرخ في قلبها قد يدوم للأبد. بينما هو يتوسل السماح طالباً فرصة أخرى. جل ما كانت تشعر به هو الشفقة على حالهما. لماذا حدث هذا لهما؟ لماذا لم يكن الأمر أفضل؟ هذا خطأ من... هل خطأ رائد الذي رفض أن يسمعها أو يثق بها؟ أو أنها تتحمل جزء من الخطأ كما تقول منال، عندما تزوجت برجل يعاني من ظلام روحه؟
رجل واجه أسوأ أنواع الخيانة نتجت عنها عقد لا تنتهي. هل كانت محقة أن تحب رجلاً كهذا؟ أم أن زواجها به كان أكبر خطأ ارتكبته؟ أسئلة كثيرة تدور بعقلها لا تجد لها إجابة. ولكن ما تعرفه أنها فقدت القدرة على الغفران. لأن الجرح الذي سببه رائد في قلبها لن يندمل أبداً. مسحت الدموع التي انسابت من عينيها وهي تنظر لرائد. قست قلبها وهي تقول بنبرة جامدة لا أثر للعاطفة فيها:
-أنا مستحيل أرجع لك يا رائد. خلاص أنت طلعت بـرة حياتي للأبد. أنا اكتفيت منك ومن هوسك وشكك ومرضك. ابتلع ريقه وهو يتلقى إهاناتها. وداخله يقر أنه يستحق أكثر من هذا بكثير. هو من أهان، وهو من ظلم. وما تفعله دعاء الآن سوف يتقبله برحابة صدر. نكس رأسه وهو يستمع لاهاناتها المتتالية. تنهدت دعاء وهي تنظر إليه وقالت بهدوء أخيراً: -أقول لك على نصيحة أخيرة. نصيحة لله يعني. اتعالج يا رائد لأنك فعلاً مريض.
ثم ذهبت وتركته يشعر بثقل في قلبه. أراد الصراخ، الانهيار. كان يشعر أن العالم يضيق به. ولكن هل يمكنه حتى أن يلومها؟ بالتأكيد لا. هي محقة في كل كلمة قالتها. هو مريض فعلاً، غير متزن نفسياً. وأن عادت وهو بتلك الحالة سوف يأذيها مجدداً. وهو حقاً لا يريد هذا. مسح دموعها ثم غادر وقد قرر شيئاً ما. ... -هتروح دكتور نفسي يا رائد؟ قالها لؤي بإستهجان لصديقه. ليهز رائد كتفه ويقول: -أيوه يا لؤي. ماله الدكتور النفسي يعني؟
-ملهوش أكيد بس... -من غير بس يا لؤي. أنا اتقبلت أني مش طبيعي. دي خطوة متأخرة جداً كمان. أنا اللي واجهته صعب وصعب أقدر أعديه لوحدي. لازم حد متخصص يساعدني. -زي ما تحب. قالها لؤي وهو يهز كتفيه. ... في المساء. جلس بتوتر أمام الطبيب. خطوة خطيرة أقدم عليها. فقط من أجلها قرر أن يتخلص من شياطين شكوكه. قرر أن يعود شخص آخر من أجلها. لعلها تغفر وتقبل به. ابتسم الطبيب برفق وهو يرى توتره وقال بلطف: -ها يا رائد حابب تتكلم؟
فرك رائد كفيه بتوتر. وفكر حقاً في الهروب. ولكنها تستحق. حبيبته تستحق أن يقاوم لأجلها. نظر للطبيب النفسي بتردد ثم بدأ بالكلام.
أبت الحروف أن تخرج من شفتيه ولكنه قاوم. تذكر أنها في سبيله ضحت كثيراً. وحان دوره هو ليضحي. أتي دوره لكي يكون إنسان متزن عقلياً من أجلها ومن أجل نفسه. أتي الوقت ليتخلص من الظلام القابع في روحه. وذكرياتها ستساعده على التحرر من الظلام. ولكي يتخلص من الظلام يجب أن يخبر الطبيب كل شئ. طفولته، عقده، وخيانة زوجته التي حولته لشخص آخر. فرك كفيه أكثر ثم نظر إلى الطبيب وقال وهو يرتجف: -أنا اتكسرت من أقرب ما ليا.
قالها ثم دون أن يدري انفجر في البكاء. ليعود ذلك المشهد الذي رأى زوجته وأخاه معاً في الفراش يطارده بقوة. ربت الطبيب على كفه وقال بهدوء: -لو مش عايز تتكلم دلوقتي مفيش مشكلة. نتكلم الجلسة اللي جاية. أي رأيك؟ هز رائد رأسه بالنفي وقال: -هاجي على نفسي. أنا لازم أتعالج عشانها. عايز أكون طبيعي عشان ترجعلي.
تنهد الطبيب بينما استفاض هو بالشرح للطبيب كأنه أراد أن ينفجر فجأة. سالت دموعه وهو يتذكر ما قام به. يتذكر كيف كسر قلبها. كيف أحبته وكيف هو خيّر هذا الحب فأصبح لا يرى في عينيها إلا كره عظيم له. انتهت الجلسة وخرج يشعر لأول مرة منذ زمن بالسلام. شعر كأنه ألقى جبلاً ثقيلاً من على قلبه وارتاح تماماً.
رن هاتفه عندما كاد أن يركب سيارته. فتحه وقد صدم ما سمعه. لقد هربت سميرة. أغلق الهاتف وشعر بعقله يدور. هذا يعني أن دعاء في خطر. فكر بخوف. ثم دون انتظار ركب سيارته وانطلق وهو يدعو أن يكون كل شيء على ما يرام.
كان يقود السيارة بأقصى سرعة لديه. قلبه يقصف بقوة داخل صدره. يخاف عليها. بل هو مرعوب أن تفعل تلك المجنونة بها شيئاً. استل الهاتف واتصل بدعاء ولكنها لم ترد. أغمض عينيه بإنفعال وهو يزيد من سرعة السيارة ليذهب إلى عملها. بعد عشر دقائق كان قد وصل أخيراً. نزل من السيارة ورأى من بعيد دعاء قادمة. كاد أن يبتسم بإطمئنان عندما رأى سميرة تقف من بعيد مصوبة المسدس عليها. -دعاااااء.
صرخ رائد ثم ركض ناحيتها. ضغطت سميرة على الزناد وأطلقت الرصاصة. بسرعة وقف رائد أمام دعاء وتلقى هو الرصاصة. -رائد. صرخت دعاء وهي تنظر إليها بفزع. أصبح المكان في حالة فوضى بينما ركضت سميرة بعيداً. لقد قتلته. قتلته وانتهى الأمر. أخذت تركض كالمجنونة وهي تضحك. بينما الناس ينظرون إليها بخوف. وصلت إلى مقبرة شقيقتها ووجدت والدتها تبكي هناك. وعندما رأتها والدتها صرخت بفزع وقالت:
-انت امتى هربتي من السجن ومن فين جبتي المسدس ده؟!! ضحكت سميرة بجنون وقالت: -اخدت حق نيرمين. قتلته. قتلته يا ماما. وجه دوري. لم تدرك والدتها قصدها إلا عندما رفعت السلاح وأطلقته على رأسها وسقطت ميتة. ...
في المشفي. كان الجميع في حالة ترقب. بينما دعاء جالسة على المقعد ودموعها تنزل دون إرادة منها. وعقلها يعيد ما حدث مراراً وتكراراً. جسدها يرتعش كلما تذكرت سميرة تمسك سلاح وتوجهه عليها. ولكن بسبب رائد تم إنقاذها. هو من أخذ تلك الرصاصة وهو الآن في حالة حرجة. نظرت لفوق وهي تتمتم بخفوت: -يارب ماليش غيرك انقذه يارب. ثم مسحت دموعها وهي تحاول ألا تفكر بالأسوأ. بل تفاؤلت خيراً سيخرج منها بإذن الله.
بعد ساعة ونصف. خرج الطبيب من حجرة العمليات. نهضت دعاء وقلبها يقصف في صدرها. وقفت بجوارها منال وامسكت كفها. بينما تقدم لؤي وقال بتوتر: -ها يا دكتور طمني. هز الطبيب رأسه وقال: -الحمدلله. هو نجا منها ومحصلش أي مضاعفات. تنهدت دعاء وهي تقول بإنهيار: -الحمدلله. الحمدلله. وقد شعرت أن الحياة عادت لقلبها. ...
في اليوم التالي. وفي غرفة المشفي حيث يمكث رائد. كانت دعاء جالسة بجواره تطعمه. بينما هو ينظر إليها مسحوراً. بعد كل ما حدث ما زالت تهتم به. ما زالت تحبه. وهذا جعله يتشجع. امسك كفها وقال بتوسل: -دعاء اديني فرصة. فرصة واحدة بس. نظرت إليه بحزن ليكمل هو بسرعة: -صدقيني المرة دي هننجح. أنا... أنا... أطرق وهو يكمل: -أنا بروح لدكتور نفسي وهو بيساعدني وهستمر معاه. -لو رجعت مش هيبقي زي الأول.
-مش مهم. أنا هعمل المستحيل ساعتها عشان أخليكي تسامحيني. -هحتاج وقت عشان أتقبلك. -خدي الوقت اللي انتِ عايزاه بس في بيتي تمام؟ بعد مرور سنة. تغيرت الأحوال كثيراً في تلك السنة. انتظم رائد في جلسات العلاج النفسي وكان يشعر بتحسن كبير. وكان من حين لآخر يزور والدة سميرة القابعة بأحد المصحات النفسية بعد ما فقدت عقلها عندما قالت سميرة نفسها أمام عينيها.
عادت دعاء إلى منزله. سمح لها بالعمل وشجعها على إكمال تعليمها. ولجعل الحياة أبسط بينهما ذهبا إلى أخصائية نفسية للمشاكل الزوجية كي يتعايشا بعد كل ما حدث. -حاسين أن دلوقتي انتوا أفضل مع بعض؟ قالتها الأخصائية النفسية وهي تبتسم لهما. هزّا رأسيهما فأكملت: -إيه الأخبار العلاقة الزوجية بينكم؟ أطرقت دعاء بخجل بينما قال رائد: -إحنا مش مست... -انتوا اللي مش مستعدين ولا دعاء اللي مش مستعدة؟ نظرت إليها دعاء وقالت:
-أنا اللي مش مستعدة يا دكتورة. لسه فيه حاجز برضه. -تمام. معلش يا رائد حابة أتكلم مع دعاء لوحدنا. ممكن؟ -أكيد. قالها رائد ثم انسحب. بينما نظرت الطبيبة لدعاء وقالت: -مر سنة. -عارفة. -مش قادرة تسامحيه صح؟ لمعت الدموع بعينيها وقالت: -اللي شفته صعب. -دعاء جوزك كان مريض بالبارانويا. واحد اتعرض لصدمة وغير متزن نفسياً. إنتِ كنتِ عارفة اللي حصله صح. هزت دعاء رأسها لتكمل: -ورغم كده اتجوزتيه. -كنت فاكرة...
قاطعتها الطبيبة وقالت: -كنتِ فاكرة إنك هتصلحيه مثلا وهتقدري تعالجيه. مشيتي بمبدأ I can fix him. بس أنتِ مش مصلحة اجتماعية ولا دكتورة نفسية ومش مطلوب منك تتجوزي واحد مش طبيعي وتعالجيه. لأنك أنتِ اللي هتتأذي الأول. حظك حلو لأن رائد بنفسه راح اتعالج. فيه حالات بترفض العلاج. مسحت دعاء دموعها. لتمسك الأخصائية كفها وتقول: -شوفي خدي وقتك براحتك. هو مش هيضغط عليكي لأنه متفهم. بس إحنا عايزين نتقدم شوية. ماشي؟
حسسيه أن فيه فايدة من محاولاته. تمام؟ هزت دعاء رأسها بالإيجاب. ... في الطريق للمنزل كانت صامتة كلياً. حاول رائد أن يتحدث معها ولكنها التزمت الصمت. لذلك احترم صمتها ولم يتكلم هو أيضاً. ... وفي المنزل التزمت غرفتها حتى قدوم الليل. نهضت واستحمت ثم ارتدت منامة حريرية حمراء وذهبت إلى غرفة رائد. وما أن رآها رائد حتى نهض بتوتر. اقتربت هي بخجل وقالت: -ممكن أنام جنبك النهاردة؟ ابتسم بسعادة وقد شعر أن قلبه سيخرج من صدره وقال:
-أكيد. ثم امسكها وتسطح على الفراش ضاماً إياها إلى صدره. وهي يتنهد بقوة ويقول: -ده أنتِ ربتيني من أول وجديد والله. ضحكت بقوة بينما ضمته أكثر مفكرة أن كل شيء سيكون على ما يرام. ثم راحت في النوم. نظر إليها رائد وقلبها يخفق بشكل غريب. لقد أحبها بطريقة لم يحب بها أحد من قبل. أصبح يشعر أنها الحياة. وبتلك المبادرة اليوم رأى الأمل لهما في حياة أفضل. رأى أنه سيكون سعيداً مجدداً. لقد عادت وجلبت الربيع لحياته. ابتسم بحب
ثم قبلها على شفتيها وقال:
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!