كانت تسير بجانب منعم وهي تعدل من وضع الشارب الصغير. نظرت إلى منعم وقالت: -أظن كده خلاص اتعدل. نظر إليها منعم بخوف وقال: -بصراحة أنا خايف.. ياريتني ما سمعت كلامك يا دعاء شكلك هتودينا ورا الشمس. نظرت إليه دعاء وقالت بتسلية: -متخافش يا أبو منال مش هيحصل حاجة... أنا اتنكرت كويس. ضحك منعم بسخرية وقال: -صحيح بدليل أن أم معتز بتاعة الخضار شكت فيكي؟ أنا عارف إني هجيب لنفسي المصايب...
رائد بيه لو اكتشف أنك بنت والله ليعلقني أنا وانتي في المروحة. -متقلقش إن شاء الله مش هياخد باله. قالتها دعاء لتطمئنه ليردد هو بخوف: -يارب ميخدش باله. بعد نصف ساعة كانا قد وصلا لمنزل عائلة غنيم. نظرت دعاء إلى الفيلا الصغيرة حجماً وقالت: -هو ده بيت المحروس... اومال ايه بقا رائد بيه راح رائد بيه رجع... وهو عايش في علبة كبريت... أنا افتكرت أنه عايش في قصر. أمسك منعم ذراعها وقال: -طب يالا يختي وبلاش لماضة قال قصر قال.
ولج كلا من دعاء ومنعم الفيلا. تخصرت دعاء وقالت: -اومال فين الب... انحشرت الكلمات في فمها عندما رأته ينزل الدرج. اتسعت عينيها وهي تمررها عليه بذهول. كان وسيم... وسيم كلمة قليلة عليه... كان يشبه تماماً أبطال الروايات التي كانت تقرأ عنهم... طويل وعريض... عيناه سوداء حادة يغلفها الجليد وشعره أسود كجناح الغراب... كان مثالياً بل أكثر من مثالي. لهثت وهي تمسك كف منعم وتقول: -مين الصاروخ ده يا عمي؟!! -الله يخربيتك اكتمي!
-يا أخويا ما تنطق مين القمر اللي طل علينا ده في عز النهار. كاد منعم أن يبكي بسبب غبائها. انحنى قليلاً ثم همس: -ده رائد بيه اللي هتشتغلي عنده خدامة. -يا دي الهنا اللي أنا فيه... أنا هشتغل عند الصاروخ ده. -يا يت اتهدي بقا هتفضحينا!! ضحكت دعاء وقالت: -ما هو بصراحة انت جايبني اشتغل عند واحد موز... هي الرجالة في مصر احلوت أمتي... ده أنا كنت مخطوبة لشبشب. كتم منعم ضحكته وقال: -في دي عندك حق.
نزل رائد ووقف أمام منعم وهو يرمق دعاء بنظرات غريبة متفحصة. -مين الشبر ونص اللي انت جايبهولي ده يا منعم. كاد منعم أن يرد إلا أن دعاء سبقته وقالت: -أنا دعاء... -ايه!!! قالها رائد مذهولاً لترد دعاء وتقول محاولة تخشين صوتها: -ايه!! أنا قلت ايه. -يخربيتك. همس منعم ليقول رائد بخشونة: -ازاي اسمك دعاء وأنت شاب! ازدرد منعم ريقه وهو يدعو الله أن يمر هذا اليوم على خير والا يقطع رائد رأسه. نظرت إليه دعاء وردت بسرعة:
-أقصد أن أسمي داوود وأنا الخدام الجديد... هو انت مش كنت طالب خدام راجل. -أيوة طلبت... بس مين دعاء بقا. قالها رائد بشك لترد دعاء بسرعة وهي تضحك: -أهلي كان نفسهم يسموني دعاء ولحد دلوقتي بينادوني بالاسم ده. -أهلك بينادوك بإسم بنت! -كان نفسهم يجيهم بنت ويسموها دعاء فجيت أنا للأسف. ظهر النفور على وجه رائد وقال: -ليه للأسف.... فيه حد عاقل يحب خلفة البنات.. كلهم صنف زبالة.
ضمت دعاء شفتيها بغضب وبإرادة من حديد سيطرت على الشتائم التي كادت تخرج من فمها. نظر رائد إلى منعم الشاحب وقال: -مالك يا منعم فيه حاجة. -لا يا بيه تعبان شوية. -لو حابب تروح... قاطعه منعم بسرعة: -لا يا بيه هبقي كويس. هز رائد رأسه وقال وهو ينظر إلى داوود: -يا تري داوود يعرف نظام الشغل يا منعم. هز منعم رأسه وقال: -أيوة يا بيه فهمته كل حاجة. -تمام...
بص يا داوود الفيلا صغيرة مش هتتعب كتير انت هتساعد عم كريم في ترتيبها بس كل أمور الأكل والمطبخ عليك عشان عم كريم مبيعرفش يطبخ... هتبدي شغل من تسعة الصبح عشان أنا بفطر الساعة عشرة بالضبط وهتخلص شغل الساعة عشرة بعد العشا بتاعي... هديك ألفين جنيه شاملة سكنك عندي والأكل أما بقا لو عندك شقة برة ومش عايز تسكن هنا هتأخد ألف زيادة تمام. تهللت أسارير دعاء وقالت بصوت حاولت جعله خشن: -أكيد تمام يا بيه... أنا عندي سكن برة.
-تمام كده اتفقنا على كل حاجة. -طيب تحب أحضرلك فطار يا بيه. هز رائد رأسه وقال: -لا يا داوود انا هفطر في الشركة.. يالا يا منعم عشان توصلني الشركة. وقفت سيارة رائد أمام الشركة وترجل رائد منها واتجه للشركة التي أصبحت له بالكامل بعد أن قتل شقيقه. كانت من بعيد تجلس هي بسيارتها تراقبه وعينيها السوداء يظللها الحقد. ابتسمت بشر وقالت بنبرة لا تخلو من الغل: -دورك قرب يا رائد.... نهايتك هتبقي علي أيدي.
ولج رائد إلى الشركة وسط همهمات العاملين بها ليتوقف فجأة وينظر إليهم ويقول مهدداً: -اللي بيحب يتكلم كتير ياريت يطلع برا شركتي ويتكلم هنا مكان شغل وبس. عاد الجميع إلى عمله بهدوء بينما قال لصديقه وسكرتيره الخاص: -تعالي يا لؤي وجيبلي ورق كل الصفقات اللي وقفت المرة اللي فاتت. هز لؤي رأسه وهو يلتقط الملفات ويدخل خلفه. جلس رائد على مكتبه بأريحية وقال: -هما هنا لسه بيتكلموا علي اللي حصل. هز لؤي رأسه وقال ضاحكاً:
-لا دلوقتي انشغلوا بموضوع المدير اللي مشى كل البنات اللي عنده في الشركة وشغل رجالة مكانهم. لم يبتسم رائد بل غرق في أفكاره مجدداً. يتذكر كيف كان إنسان محب وطيب وكيف تحول لهذا الوحش الذي قطع عيش فتيات كثيرات بسبب عقدة. هي من فعلت به هذا... هي من جعلته يكره جميع النساء... ينفر منهم ويحتقرهم. نظر لؤي إلى صديقه بشفقة وقال: -انسي يا رائد. اللمعت عينا رائد بالدموع وقال: -أنسي ايه يا لؤي.... أنسي الخيانة....
أنسي واحدة حقيرة فرشتلها الأرض ورد وراحت تخوني مع أخويا... أنا قتلت أخويا بإيدي عشانها يا لؤي... قتلت كريم بسببها. -كريم خانك يا رائد.... زيها بالضبط. مسح رائد دموعه وعاد الجليد مرة أخرى ليغلف عينيه وقال: -ممكن تقفل الموضوع ده لو سمحت يا لؤي. -حاضر هسيبك دلوقتي تراجع الملفات. ثم غادر دون أي كلمة. فتح رائد الملفات ثم أخذ يراجع الأوراق محاولاً أن يمحو من عقله مشهد زوجته وشقيقه. في الليل.
مسحت عرقها بعد أن انتهت من تحضير الطعام. ابتسمت برضا وهي تنظر إلى أصناف الطعام المختلفة وشعرت أن تعبها قد اختفي. كانت فخورة بنفسها. نزل رائد الدرج لتنحبس أنفاسها مرة أخرى وهي تراه. كان شعره مبللاً وقميصه الأسود مفتوحاً قليلاً. -عمار يا مصر. عقد رائد حاجبيه وقال: -بتقول حاجة يا داوود؟ هزت دعاء رأسها وقالت: -كنت بقول أن كده خلصت كل حاجة وعم كريم قالي أنه هيلم الأطباق حضرتك عايز مني حاجة قبل ما أمشي.
-آه استني. أخرج من جيبه مبلغاً من المال وقال: -خد دوول يا داوود. -بتوع ايه دوول يا بيه. ابتسم لها لأول مرة مما جعل قلبها يقفز في حلقها وقال: -اعتبرهم مكافأة أو هدية بمناسبة يومك الأول في الشغل. أخذتهم دعاء منه بخجل. رفعت عينيها البنية إليه عندما لمس كفها دون قصد واحمرت وجنتها. بإرتباك أخذت المال ثم هربت من أمامه. دخلت دعاء إحدى الحمامات العامة ثم أزالت الشارب وباروكة الشعر ليظهر شعرها القصير.
ثم خرجت وركبت سيارة أجرة لتعود للمنزل. دخلت دعاء الحارة وهي تحمل كعكة صغيرة لتحتفل مع منال وعم منعم وشقيقها بنجاح أول يوم لها عندما أوقفها علي. -دعاء. زفرت بضيق وهي تقول: -يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم... خير. ابتسم علي ونظر إليها وقال: -وحشتيني. -ما تخلصني يا عم روميو مش فاضية لمياعتك. حمحم علي وقال بثقة: -أنا شايف أن الموضوع بينا كبر... أنا مقدر أنك متضايقة شوية عشان كده هسامحك علي اللي قولتي ومستعد ارجعلك.
ضحكت بسخرية وقالت: -ايه الكرم ده بس أنا هعيط. -ده عشان خاطرك بس مع أن أمي حلفت إني مكلمكيش تاني بس أنا لأول مرة أقف قصادها علشانك. اغتاظت دعاء ثم أمسكت الكعكة ووضعتها على وجهه وقالت: -طيب روح لأمك يا روح أمي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!