بعد عنها و لف ضهره واتكلم بالنبرة اللي اتعودت عليها قبل الحادث: "أيوا عارف إنك مش هي." لفها تاني والمرة دي إيده كانت ورا ضهره وقرب منها جدا وهي خايفة من رد فعله وبتفكر هل هو فعلاً فاقد الذاكرة ولا لأ. كان بيتكلم وهو بيبص في عينيها، وهو ميعرفش إنها عندها تموت ولا تكونش قدامه دلوقتي. ابتسم بحب وقال: "عارف إنك مش هي الست اللي بتحب وقفة المطبخ أو الطبيخ."
حست بالراحة شوية، ومن توهانها مكنتش حاسة بيه وهو بيلبسها عقد من الألماس. حطت إيدها على العقد وافتكرت ذكرى بنفس اللي حصل معاها دلوقتي، ولكن الفرق هو اختلاف الحوار اللي دار بينهم. ونفس اللي حصل معاها زمان، رائد عمله لما حركها قدام المرايا وقال: "إيه رأيك يا حبيبتي؟ عجبك؟ كانت هتعترض وتقول إنه مش عاجبها، بس بلعت ريقها وقالت: "حلو يا رائد." بصلها بترقب وقال: "ليه حاسس إنك مش مبسوطة؟ ابتسمت بارتباك وقالت: "أنا...
لاء خالص، دا عجبني أوي وذوقه جميل." رائد: "الحمد لله يا حبيبتي إنه عجبك، يلا بقى هاخد شاور وأجي." سابها ودخل الحمام، وهي بصت للعقد تاني وبدأت دموعها تنزل على الماضي الحزين. ***
بقاله ساعة ماشي في الحارة الغريبة دي والجو الغير مألوف عليه. مش متعود يروح أماكن زي دي، والأغرب من كدا هو إن كل سكان المنطقة من أولهم لآخرهم بيبصوله بطريقة غريبة لدرجة حس إن شكله فيه شيء غلط. كان بيشتم نفسه عشان سمع من عمر وجه بنفسه، كان ممكن يبعت الظرف مع حد من رجّالته، بس دي أمانة ولازم يوصلها بنفسه. وأخيراً وصل قدام عمارة مايلة للسقوط، فوقف يسأل راجل عجوز بيبيع خضار قدامها:
"بعد إذنك يا حج، فين بيت العم مصباح السعدني؟ الراجل بصله من فوق لتحت وقاله وهو بيشاور على العمارة: "هي دي العمارة بتاعته، بس عايزه ليه؟ دا هو تعيش أنت." وليد: "ربنا يرحمه ويرحمنا جميعاً، أنا عارف إنه مات، أنا عايز بنته." الراجل بصله بشك وقال: "وعايزها ليه بقى؟ أنت تقربلها؟ وليد اتنهد بنفاذ صبر، ومن نظرات الراجل عرف إنه ممكن يفهمه غلط، فقال: "آه يا حج، أنا ابن خالها." الراجل باستغراب: "ابن خال مين؟
ليان، دول مقطوعين من شجرة وملهمش حد." وليد كان قرب ينفجر من التحقيق اللي انفتح على دماغه ومش عايز يخلص، فقال بابتسامة باردة: "لأ يا حاج، أنا ابن خالها، بس إحنا ووالدي كنا مسافرين برا ولسه راجعين لما عرفنا بموت عمي مصباح." راجل الخضار باستفسار: "انتوا مين يا ابني؟ وليد هنا اتعصب وجاب آخره، فقال بصوت عالٍ نسبياً: "ما تخلصنا يا حاج، هو دا تحقيق ولا إيه؟
ما قولتلك بنت خالي وعايز أشوفها، كل دي أسئلة. عارف العنوان قوللي، مش عارف سيبني اتكل على الله." راجل الخضار اتحرج من أسلوب وليد معاه وخاف من نبرته، فقال: "هي ساكنة يا ابني في الدور التاني."
قرب من باب الشقة ورن الجرس أكتر من مرة، لكن محدش فتح ولا رد. بص في ساعته، لاقى إنه فاضل نص ساعة قبل الاجتماع، فقرر يفضل شوية، ممكن تكون برا البيت وترجع بعد شوية. سند ضهره على الباب وطلع فونه يتصفح النت يسلي وقته على ما يخلص المهمة اللي عمر كلفه بيها. ***
اتطردت من الشغل وراجعة مش عالم بيها إلا ربنا. كانت على تكّة لو حد كلمها هتعيط، ومش عارفة هتسكت ولا لأ. كانت طالعة السلم بتكلم نفسها وبتأكد لنفسها إنها مش هي اللي غلطانة، وإن دا اللي كان المفروض يتعمل، ولو اتكرر الموقف دا تاني هتعمل نفس اللي عملته، بل يمكن أكتر من كدا كمان.
شافته واقف قدام باب الشقة، اتحرجت تقرب أكتر من كدا ولا حتى تكلمه وتطلب منه يميل عشان تدخل شقتها. رجعت على السلم وقفت وضهرها لوليد اللي كان بيلعب في فونه ومش واخد باله منها، وكل شوية يبص في الساعة. وقفت تتكلم مع نفسها وتتشاور: "يا ترى الشاب دا جاي لمين؟ معقول من عندهم من الحارة؟ بس لأ، بقالها هنا ٢٠ سنة، أول مرة تشوف واحد بيلبس كدا في منطقتها." فاقت على صوته بيحمحم وراها، فبصتله وقالت بعصبية: "نعم؟! عايز إيه مني؟ وليد
رفع حاجبه باستغراب وقال: "هعوز من سيادتك إيه يعني؟ عايز أنزل." ليان بغباء: "طب ما تنزل وأنا ماسكة فيك؟ وليد: "لو سمحتي يا آنسة، عايز أعدي." ليان: "يا سبحان الله، هو أنا ماسكة فيك؟ هل أنا ماسكة فيك؟ وليد بنفاذ صبر: "لأ حول ولا قوة إلا بالله، يا آنسة حضرتك واقفة على السلم، وسلمكم أصلاً صغير، هنزل إزاي وأنتِ واقفة؟ ليان قالت بهمس وهي بتضرب مقدمة رأسها: "يا دي نيلة، أكيد تأثير عاطف الأبل." وليد سمعها فابتسم، ولكن
خبى ابتسامته بسرعة وقال: "ها يا آنسة، في أمل أمشي النهارده؟ ولا الأخبار إيه؟ ابتسمت بسماجة وقالت وهي بتميل عشان يعدي: "لأ طبعاً، معندناش مكان عشان تبات فيه. اتفضل العب... قصدي اتخفى... يوووه، قصدي انزل روح على بيتك، ولتصحبك السلامة." ابتسم عليها وحرك رأسه بقلة حيلة ولبس نضارته ونزل. ***
كان قاعد سرحان في شكلها، ضحكتها، دمعتها، حركاتها، كل حاجة فيها بتعجبه، بس للأسف فات الأوان. معدش ينفع تكون ليه دلوقتي، هي على ذمة راجل تاني، ومش أي راجل، دا أقرب حد ليه. ندم إنه كدب مشاعره في البداية وخوفه من الحب. بيتمنى لو يرجع بيه الزمن، وهو كان هيمنع الجوازة دي تتم، وعمره ما كان هيشجعه إنه يتجوزها. خرج من شروده على صوتها بتقول: "إزيك يا عمر؟ ابتسم وقال: "الحمد لله يا عليا، إزيك أنتِ؟ اتنهدت وقالت:
"الحمد لله، الأمور بخير." عمر: "يا رب دايماً. بالمناسبة، رائد مفكر إن فهد عمره ٦ سنين مش ١٠، فأنا قولت إنه كان في غيبوبة من ٤ سنين، بعرفك عشان تاخدي بالك كويس، لازم هو اللي يفتكر لوحده، إحنا ممكن نساعده بس من غير ما نجيب الأمور مباشرة." عليا: "متخافش، أنا كمان كنت بفكر أقول كدا لو لاحظ حاجة زي كدا." عمر: "تمام، أنا هطلع أنام شوية عشان تعبان." عليا بقلق: "ليه؟ خير مالك؟ عمر: "ولا حاجة، بس بقالي كام يوم منمتش وفصلت."
عليا: "آها، خلاص تمام." *** فهد كان قاعد يحفظ قرآن في أوضته زي ما عليا طلبت منه، وبعد ما خلص حفظ قعد يستناها تيجي عشان يراجعوا سوا، بس غابت. ف راح على أوضتها اللي كانت قاعدة فيها قبل ما رائد يخرج من المشفى، ملقاش حد فيها، فقرر ينزل يشوفها تحت. بس سمع حركة في أوضة رائد، ففتح الباب ودخل على أساس إنها عليا، بس لقى رائد بيسرح شعره. كان هينزل من غير ما يتكلم، بس وقفه صوت رائد اللي شاف انعكاسه في المرايا. فجرى رائد
عليه وقال بحب وهو بيحضنه: "فهد حبيبي، وحشتني أوي." فهد كان واقف مش بيتكلم، مستغرب طريقة رائد معاه، متعودش منه على كدا. كمل رائد كلامه وهو بيخرجه من حضنه: "كبرت أوي يا حبيبي." *** دخلت اتأكدت من الخدم إن الأكل جاهز وطلبت منهم يجهزوا السفرة، وكانت طالعة تشوف فهد، بس وقفت لما لاقته بيندهلها وهو واقف على باب الصالون. بصتله وقالت بود: "أنا كنت هطلعلك أهو." فهد: "لما أنتِ اتأخرتي، قولت أنزل أشوفك." عليا:
"معلش يا حبيبي، كنت بشوف الأكل عشان بابا." كانت بتتكلم وهي بتتحرك لعنده وأخدت منه المصحف وقالت: "إيه رأيك نراجع في الجنينة؟ فهد: "آه يا ريت، وكمان عايز أقولك على حاجة محدش يسمعها." قال جملته الأخيرة بفرحة، وعليا استغربت، أول مرة تشوف اللمعة دي في عيونه، فقالت: "ماشي يا حبيبي، يلا بينا." *** في قصر وليد المصري.
بقاله أكتر من أسبوعين بتدور على المستندات ومش لاقياها، وكأن الأرض انشقت وبلعتها. خطر على بالها أوضة أمها وأبوها اللي مقفولة بقالها سنين، فقررت تدور فيها لعل وعسى تلاقي أي حاجة من اللي جت عشانها. بصت في ساعتها عشان تشوف قدامه قد إيه على ما يوصل، وكان من حظها إن لسه بدري على ما يرجع القصر. دخلت أوضة وليد، أخدت منها المفتاح وراحت بسرعة على الأوضة المقفولة، وهي بتتأكد كل شوية إن مفيش حد وراها أو مراقبها.
فتحت الباب ودخلت. لاقت الأوضة مترتبة ومتنضفة وكأن في حد قاعد فيها. دا زود الشك جواها إن أكيد اللي بتدور عليه موجود هنا. قربت من الدولاب وفتحته لتتفاجئ بكمية كبيرة من الأوراق والمستندات. ابتسمت بخبث على نجاحها وكأنها فعلاً لقت المستندات، ومتجاهلة تماماً هي بتلعب مع مين. متعرفش إنه ممكن بإشارة منه يوديها ورا الشمس. ***
رائد قرب منهم وهما قاعدين يقرأوا قرآن. وقف يتابعهم لدقايق في صمت وهو بيفكر في اللي جاي، وهل اللمة دي هتدوم ولا لأ. اتنهد بغلب وقرب منهم وهو بيبتسم وقال وهو بيقعد جنبهم: "متجمعين عند النبي."
ابتسمت عليا بمجاملة، بس آمنت وراه بصدق. مش عارفة ليه هي مش مرتاحاله. أحياناً بتفكر إنه عشان بيفكرها بالماضي، وأحياناً تانية بتعتقد إنه أول انطباع منه والطريقة اللي كان بيعاملها بيها هي السبب. وأحياناً بتحتار وتقول لنفسها إن دي مش أسباب كافية عشان مترتاحلوش. لما لقاها سكتت قال هو: "الأكل جاهز وأنتم قاعدين هنا؟ أنا هاكل لوحدي؟ عليا: "بصراحة إحنا مش بناكل دلوقتي." رائد باستفسار: "ليه بقى وإيه المانع؟ عليا:
"أبداً مفيش مانع، بس الموضوع إن فهد أكله بمواعيد وصمم إني آكل معاه، فـ أنا مش جعانة وأعتقد إن فهد كمان مش جعان." رائد: "لأ هتاكلوا معايا، ما أنا مش هاكل لوحدي." عليا سكتت شوية وبعدين قالت: "ما أصلاً مش هتاكل لوحدك عشان عمر لسه مأكلش." رائد: "وإنتِ عرفتي منين إنه لسه مأكلش؟ عليا: "طبيعي يعني، ما هو من الصبح معاك في المشفى ومش بيحب إلا أكل البيت، فأكيد لسه مأكلش." قبل ما يرد رائد، فهد قال: "ماما، أنا هطلع أكمل فوق."
عليا ابتسمت: "ماشي يا حبيبي." رائد استنى لحد ما فهد اختفى من قدامهم، وبعدين قرب أكتر من عليا وقال: "أنا عايز أقعد مع ملك حبيبتي لوحدنا زي الأول." عليا ارتبكت من قربه وقالت وهي بتبعد عنه: "أنا لازم أشوف فهد عشان... منعها تكمل كلامها لما حط صباعه على شفايفها وقال: "مفيش عشان يا ملك."
مكنش قدامها حل غير إنها توافق تتعشى معاه عشان تتخلص من قربه اللي بيزعجها وبيغضبها. حتى إنها طلبت منه ينادي عمر، ولكن اتحجج بإنه عدى عليه قبل ما ينزل ولقاه نايم. قعدت معاه على السفرة وهي بتتمنى تختفي من قدامه ومن نظراته وتركيزه معاها. كانت بتدعي جواها ربنا يعدي اليوم على خير. وفعلاً جه حد، فكرت إنه هينقذها من الوضع ده، ومتعرفش إنه ممكن يكون سواد لحياتها. الشغالة: "عذراً سيدتي، السيد ماهر هنا ومعه زوجته."
عليا كانت بتشرب ولما سمعت الكلام دا شرقت، ورائد استغرب رد فعلها واستغرب وجود ماهر وفاتن لأنه ميعرفش حد بالاسم دا، فقال: "ومين هما؟ الشغالة: "إنهم أصدقاء السيدة عليا." هنا كانت حاسة بارتباك وخوف شديد من إنه يكتشف هويتها، فردت بسرعة وقالت: "حسناً، اذهبي أنتِ وأنا قادمة." رائد باستفسار: "مين عليا دي يا حبيبتي؟ عليا بارتباك: "دي واحدة صاحبتي... خليك كمل أكلك وأنا هشوفهم."
مسبتش فرصة يرد عليها وسابته وخرجت. كانت الشغالة دخلتهم الصالون. دخلت سلمت عليهم، وبعد ما قعدت قال ماهر: "أومال فين زوجك... عمر؟ "زوجك عمر؟! " قالها رائد اللي واقف على باب الصالون. ماهر: "آه، عمر زوجها." -تحولت ملامحه تماماً وكانت غير مبشرة، وشد على إيده بغضب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!