منزل مريم: ما زال الجميع مصدومًا من حديث يحيي، وينظرون لبعضهم البعض ثم يعودون للنظر إلى فاطمة التي تنظر لهم بوجه خالٍ من أي تعبيرات. عادل: حضرتك بتقول إيه يا بابا؟ والدة فاطمة مسيحية؟ طب إزاي؟
يحيي: من 15 سنة كان عاصم في رحلة عمل للبنان، وهناك قابل سارة والدة فاطمة. اتعرفوا على بعض وجمعتهم علاقة صداقة، لكن مع الوقت تحولت الصداقة لإعجاب وحب كبير. وبقت سارة تتردد على مصر كتير عشان تشوف عاصم، والعكس. عاصم كان بيتحجج بالشغل والسفر للبنان كل شوية عشان يشوفها. خالد: قصد حضرتك إن والدة فاطمة لبنانية؟
يحيي: بالضبط كده. بعد كده عاصم وسارة أخذوا القرار إنهم يتجوزوا بعد ما اتأكدوا من مشاعرهم وإن حبهم لبعض كان حب حقيقي. وينظر لمريم مكملاً
حديثه: وأصر عاصم إنه يحول الحب ده لواقع وجواز رسمي يربطه بسارة. كان عارف إن الموضوع مش سهل، وإن إقناع أبوه الحاج إبراهيم الحديدي الصعيدي أمر مش سهل خالص، لكن حبه لسارة خلاه يتمسك بها، ويبقى مستعد يحارب عشانها أي حد. وفعلاً راح فاتح أبوه اللي وقف ضده ووبخه جامد، وهدده لو فضل مصر على اللي في دماغه هيعتبره مات ويحرمه من الميراث. عادل: وماما كان رأيها إيه؟
يحيي: الحقيقة والدتك رأيها ما اختلفش كتير عن رأي والدها، بس هي دايماً بتحب تصطاد في المية العكرة. وفضلت تسخن جدك على خالك وتزود النار اللي جواه بكلامها، عشان تفضل هي اللي على الحجر، ويغضب على عاصم. عاصم كان مستعد يسيب أي حاجة في سبيل إنه يتجوز سارة، وفعلاً سافر وطلبها من أهلها، اللي موقفهم ما اختلفش كتير عن موقف الحاج إبراهيم، لو ما كانش أعنف. خالد: رفضوا؟
يحيي: يا ريتها جت على الرفض بس. في الظاهر هما كانوا رافضين يجوزوا بنتهم لشخص مسلم، لكن الحقيقي إن أخو سارة هو كمان كان بيلعب لمصلحته، وكان طمعان في ورث سارة من أبوها. وعشان عارف إن سارة عنيدة وقف ضدها ورفض الجواز، وقوم عليها عيلتها كلها. فقررت سارة إنها تهرب مع عاصم. وفعلاً هربوا وسافروا سوريا، وهناك اتجوزوا وكانوا أسعد زوجين. لكن أخو سارة استخسر يشوف أخته سعيدة وفضل يدور عليها، خصوصًا لما عرف إنها خلفت بنت.
ينظر خالد لفاطمة قائلاً: فاطمة!
يحيي: كان مصر يخطف بنتها ويحرق قلبها عليها، يا إما تنفصل عن عاصم. وفضل عاصم وسارة ومعاهم فاطمة يتنقلوا من بلد لبلد، ومن مكان لمكان، عشان يهربوا من شر يوسف أخو سارة. لحد ما انتهى بيهم المطاف الإمارات، واستقروا هناك فترة، كان عاصم فيها بيحاول يدور على شغل، خصوصًا وإن الدنيا ضاقت بيه بعد ما أبوه منع عنه أي فلوس وسحب منه كل حاجة. وفعلاً لقى شغل واستقرت حياته هو وسارة وفاطمة، لحد من تلات سنين فاتوا، لما عرفوا بمرض سارة، بس للأسف كان الوقت متأخر أوي، وحالتها كانت متأخرة، وما لحقتش تتعالج، وماتت.
ينظر خالد لفاطمة التي بدأت دموعها تهبط على وجهها بعد أن تذكرت والدتها وعادت بالزمن ثلاث سنوات للوراء. في إحدى المستشفيات: ترقد سارة على السرير ويبدو عليها التعب. تنظر إليها فاطمة في قلق قائلة: انتي لسه تعبانة يا ماما؟ عارفة أنا صليت زي ما قولتيلي ودعيت ربنا كتير عشان تخفي، وتسيب المستشفى. سارة في ضعف: قربي يا فاطمة. تقترب منها فاطمة، فتمسك سارة يدها في ضعف قائلة: دعتيلي يا فاطمة؟ فاطمة: أيوا يا ماما، دعيت إنك تخفي.
سارة: عايزة *أكِ* لما تمشي دلوقتي يا فاطمة وتروحي البيت تصلي تاني وتدعيلى، بس تدعي ربنا وتقوليله يارب ارحم ماما. فاطمة: يعني إيه يا ماما؟ سارة: هتعرفي بعدين يا حبيبتي، المهم كل ما تفتكري ماما تدعي وتقولي ربنا يرحمك يا ماما. ينظر لها عاصم في ألم قائلاً: كفاية يا سارة، كده هتتعبي زيادة. سارة: خلاص يا عاصم، مفيش تعب تاني. وتعيد سارة النظر لفاطمة قائلة: فاطمة حبيبتي، فاكرة كلام ماما ليكي؟
فاطمة: أيوا يا ماما، لازم دايماً أصلي لربنا، عشان يحميني، ولازم أعرف إني بلدي مصر، وإني مصرية. سارة: شاطرة يا فاطمة، واعرفي كمان إن ماما محبتش أكتر من فاطمة وبابا. وهنا تشهق سارة مرة واحدة، وتسقط يدها من يد فاطمة، فتنظر فاطمة لوالدها الباكي قائلة: هي ماما مالها يا بابا؟ عاصم بصوت باكي: ماما ارتاحت يا فاطمة.
تعود فاطمة إلى الواقع وقد تصارعت الدموع الساخنة على وجنتيها، لتنتبه لهذا الذي ينظر إليها، وكأنه يحتويها ويضمها إليه دون أن يقترب منها. عادل: وإيه اللي حصل بعد كده؟ يحيي: اللي حصل بعد كده، فاطمة هي اللي تحكيه، هي تعرفه أكتر مني. ينظر الجميع لفاطمة، التي مسحت دموعها محاولة
استجماع نفسها قائلة: كل اللي أعرفه إن في واحد جالي بعد وفاة ماما قال إنه خالو، ساعتها اتخانق مع بابا كتير أوي، واتهمه إنه هو السبب في موت ماما، وسمعته وهو بيقول إنه عايز ياخدني من بابا، ساعتها أنا خوفت واستخبيت في أوضتي، لكن بابا وقف قصاده ورفض إنه ياخدني. وبعدها سافرنا الأردن عشان خايفين الراجل ده يجي ويخدني غصب عن بابا، لحد ما في يوم كنت قاعدة أنا وبابا معانا عم نوح صديق بابا. وتعود فاطمة بالزمن للوراء.
تجلس فاطمة وأمامها كتاب تقرأه، وفي الجهة الأخرى عاصم ومعه نوح يتحدثان في بعض الأمور. بعد قليل حدثت ضجة عالية في الخارج، نظر عاصم من نافذة المنزل فوجد عدة سيارات مجهزة، وفيها رجال يحملون سلاحًا يحاوطون المنزل. اقترب عاصم من فاطمة في خوف، وركض مسرعًا يحمل حقيبة كان يخبئها في الدولاب، وخرج من باب سري في المنزل إلى الشارع الخلفي. نظر عاصم لنوح في قلق قائلاً: أنا كنت متأكد إنهم هيعرفوا مكاني. نوح: طب وبعدين هتعمل إيه؟
عاصم: هنعمل اللي اتفقنا عليه يا نوح، هتاخد فاطمة وتهربها من الأردن زي ما اتفقنا، وأنا هفضل هنا عشان أشتتهم وأشغلهم عنكم. نوح: طب ما تهرب معانا أنت كمان؟ عاصم: مينفعش، لو هربت هيدوروا علينا كلنا، وهيلاقونا بسهولة قبل ما نسيب البلد، ويوسف مش هيسكت. هو هدفه فاطمة، عايز ياخدها ويقتلها عشان متكبرش وتطالب بميراث أمها، اسم كلامي يا نوح مفيش وقت. وينظر عاصم لفاطمة التي تنتفض في حضنه قائلة: فاطمة حبيبتي، انتي بتحبي بابا صح؟
تومئ فاطمة رأسها بالموافقة. عاصم: وعارفة إن بابا أكتر واحد بيحبك وبيخاف عليكي، مش كده؟ فاطمة: أيوا يا بابا. عاصم: هتروحي دلوقتي مع عمو نوح، هيوديكي لعمتو غالية وعمو يحيي أهلنا اللي في مصر، وأنا هخلص شوية شغل هنا، وهحصلك علطول. فاطمة: لا يا بابا، خليني معاك، أو تعالى أنت معايا، متسبنيش لوحدي، كفاية ماما سبتني.
يحاول عاصم منع دموعه من النزول، وينظر لإبنته قائلاً: فاطمة، بنتي حبيبتي شاطرة وبتسمع الكلام، وصدقيني أنا هجى علطول ومش هتأخر عليكي، وهناك هتلاقي ناس كتير بتحبك. نظر عاصم لنوح وهو يمد يده بالحقيبة إليه قائلاً: خد الشنطة دي، كنت محضرها بقالي فترة، دي فيها كل أوراق فاطمة اللي هتحتاجيها، عشان تكمل حياتها في مصر. خد بالك منها يا نوح. ونظر لفاطمة، ثم ضمها إليه في حب وشوق وكأنه يودعها لآخر مرة.
عاصم: يلا بسرعة يا نوح مفيش وقت. تعود فاطمة للواقع وقد كانت ما تحكيه من ذكريات بمثابة الخنجر الذي يمزق في القلوب، كان الجميع ينظر إلى تلك البريئة التي لطالما عانت، وفهم خالد ما كانت تعنيه من أنها صاحبة الخوف وأصبح رفيقه. تكمل فاطمة حديثها قائلة: والباقي بقى أنتوا عارفينه، عمو نوح جابني وسابني أدام الفيلا عند عمتي، ولقيتها بتشتمني وبتزعق فيا وبتطردني، من غير ما أعرف أنا غلطت في إيه.
يحيي: حقك عليا يا بنتي، لو أعرف إنك هتيجي مصر دلوقتي ما كنتش سافرت، بس على العموم ملحوقة. اسمعي يا فاطمة، انتي يا بنتي بنت أعز صديق ليا، مش بس صديقي دا أخويا وعشرة عمري، وهو كلمني قبل ما تنزلي ووصاني عليكي، يعني اعملي حسابك إنك هتبقي في حمايتي ومعايا، لحد ما أبوكي يرجع بالسلامة. مريم: وهتعمل معاها إيه يا يحيي؟ أوعى تقول لي إنك هترجعها لغالية.
يحيي: لا طبعًا، مستحيل بعد كل اللي حصل فاطمة ترجع تقعد مع غالية. أنا هجيب لها شقة تقعد فيها، وأجيب لها دادة وناس يبقوا تحت أمرها ياخدوا بالهم منها، وأنا كل يوم هعدي أطمن عليها وأخد بالي منها. مريم: أنت بتقول إيه يا يحيي؟ عايز البت تقعد لوحدها، وإحنا كلنا عايشين؟ دا لا يمكن يحصل أبدًا. يحيي: طب أعمل إيه يا مريم؟ ويقطع حديثهم صوت خالد قائلاً: بعد إذنك يا خالي، أنا عايز فاطمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!