الفصل 2 | من 20 فصل

رواية العبث الاخير الفصل الثاني 2 - بقلم روزان مصطفى

المشاهدات
29
كلمة
6,148
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

حدثته عن الظلام كما أراد بتساؤله، أخبرته أن أكثر الأماكن ظلمة معتمة داخل طفل تخبط يمينًا ويسارًا من قسوة لم يعهدها، لقد وهبه الله بريء ونقي كـ القُطنة لعائلته، دمرته العائلة والدنيا وكل ما يمر به يغرز داخله خنجر القسوة، بهت نوره وتلوث بالأسود وأصبح مظلمًا، محشو بالضغينة والشيطنة. المكان: عيادة الطبيب النفسي بالزمالك. التوقيت: منتصف الليل.

وصل كُلًا من منال وليث وخلفهم بقية أفراد الشرطة، بعد أن وصلت إخبارية أنه تم العثور على جثمان الطبيب الشاب مشطور الرأس لنصفين، وحتى العنق. تقدم ليث ناحية باب العيادة المفتوح على مصراعيه، ودخل الغرفة، وشاف المنظر والمصور الجنائي بيصور الجثمان، وبالطبع الدم منثور في كل مكان.

دخلت منال ورا ليث وهي شامة ريحة الدم بقوة، دخلت الغرفة ولأول مرة تصاب بالغثيان، حطت إيديها على بوقها وقعدت تكح جامد وهي حاطة إيديها على شفايفها. لفت ولقيت صندوق القمامة جنب باب الغرفة وتقيأت جواه. ليث وهو حاطط معصم إيده على بوقه ومناخيره وعينيه مبرقة بصدمة، تساءل باستغراب: إيه المجزرة اللي حصلت هنا دي؟ في إيه؟

كان المحقق الجنائي قاعد بالقرب من الجثة وبيدقق فيها، لو القاتل وقع منه شيء غير ملحوظ أو حاجة تفيده. لما سمع تساؤل ليث وقف على رجليه وتقدم منه وهو بيقول بتأفف أخرج معاه دخان الشتا: مساء الخير يافندم، مع حضرتك المحقق الجنائي عمر إبراهيم. ليث باحترام قال: نقيب ليث الصفتي، إيه انطباعك عن الجريمة؟ المحقق وهو بيعدل نظارته الطبية:

في الحقيقة أنا لسه واصل مسرح الجريمة حالًا، وأكيد أي تقارير هتخرج من عندنا هتتقدم لحضرتك بالتفاصيل الوافية، لكن كـ نظرة مبدئية في شخص اتقتل وشخص هرب. ليث بتضييق عين: في كاميرات؟ رفع عمر حواجبه الإثنين بمعنى لا وقال: في آثار كرسي متحرك على الأرض، بداية من الحتة دي (بيشاور على الأرض بجزمته) بعدها رفع رقبته وقال: لغاية برا، قبل السلم بخطوتين بالظبط. ليث وهو بيفكر قال: تقصد أن القاتل شخص مُعاق؟ منال بشرود:

أو ممثل على الطبيب النفسي إنه غير قادر على الحركة وعاجز. حرك عمر راسه يمين وشمال وقال:

مش هيستفاد حاجة لو عمل كدا، القاتل شخص تاني لإن واضح إن اللي مقعد على كرسي متحرك غير قادر على الحركة بالفعل مش تمثيل، أصل لو جاي بـ هدف القتل وبيمثل.. كان لما انتهى من الجريمة مشي على رجليه عادي مش على الكرسي، الغريب إن مفيش آثار رجلين القاتل، ودا معناه حاجة واحدة بس.. إحنا بنتعامل مع شخص واخد حذره واحتياطاته كويس جدًا، ومالوش أي بصمات حتى على الجثة.

بلعت منال ريقها وهي بتبص لليث اللي كان بيفكر في حاجة، لكن مش متأكد منها! *** المكان: فيلا بدر الكبير. التوقيت: صباح اليوم التالي. كانت قاعدة سيليا على الأنتريه وجنبها سيا على كرسي الأنتريه، حاطة سيا راسها على كف إيديها بصداع وإرهاق. بدر وهو رايح جاي قدامها: بصي يا بنتي أنا جبتك من أمريكا نزلتك مصر إنتِ وبنتك ومرضتش أضغط عليكِ عشان نفسيتك، عاوز أعرف أسباب الطلاق، مين طلبه وليه وعشان إيه!

بقالك أسبوعين ساكتة كل اللي بتعمليه إنك قافلة على نفسك وعلى بنتك أوضتك، طب إنتِ تعبانة نفسيًا حقك مقولتش حاجة لكن متأثريش على سيلا عشان دي طفلة! اسمعي أنا قولتلك أنا في ضهرك وأمانك، بس أفهم! سيليا وهي باصة قدامها بشرود قالت بصوت مبحوح: عاوز تفهم إيه يا بابي؟ إتطلقنا ليه؟ هو اللي طلقني.. عشان أنا عاتبته إنه مش قادر يحمينا أنا وبنتي. رفعت سيا راسها وبصتلها وقالت: وحياة أمك؟ بصتلها سيليا وقالت بعتاب: مامي! سيا بعصبية:

لا وحياة أمك كلميني زي ما بكلمك بلا مامي بلا رامي، أنا وأبوكي مش مولودين في جاردن سيتي يعني بس ربيناكم في عيشة البشوات، هو دا سبب يا بت يطلقك عشانه؟ سيليا وهي بتتشنج: يعني أفضل معاه لغاية ما بنتي يجرالها حاجة من ورا تصرفاته دا اللي إنتِ شيفاه صح يعني؟ سيا بصوت عالي: ما إحنا قولنالك من أولها خالص وأبوكِ وعمامك ريقهُم نشف معاكِ يقولولك هتتبهدلي، وإنتِ عارفة إن حياته خطر وافقتي ليه وخلفتي كمان بدر وسيلا!

سيليا بوجع في قلبها: عشان بحبه. سيا بضيق: وطالما بتحبيه مستحملتيش نتيجة اختيارك ليه؟ سيبتيه يمشي كدا عادي؟ سيليا وهي بتعيط قالت: ماما كرامتي فوق كل اعتبار، أنا كان خلاص فاض بيا من كل اللي حصلنا هناك، وعاتبته إنه السبب في كدا، طلقني عشان هو كمان زهق، زهق من كتر ما بقارنه بـ بابا. بدر بدفاع عن عزيز:

طب دا واد جدع وراجل، دا خلاني أنا وعمامك ناخدكم ونسافر الصعيد عشان مش متوقعين هيعمل إيه لا وجالنا على هناك، الواد دا أنا مستغرب إنه ابن توفيق، دماغه سم وإبن لذينة. سيا وهي بتخبط على رجلها: وبيـحبها، الواد لما بيبصلها بحسه مش عارف يشيل عينه من عليها. سيليا وهي بتبص للأرض بدموع: مبقاش يحبني، زهق وراح لست جايدا. سيا بغريزة الأمومة:

وماله ما هي أم ابنه برضو، الولد لازم يعيش بين أبوه وأمه زي ما بنتك حقها تعيش ما بينكم، إنتِ اللي خايبة. حطت سيليا إيديها الإتنين على ودانها وهي بتقول: أنا مش عاوزة أسمع كلام زي كدا، أنا مش مستحملة. بدر وهو بيتنهد قال: اللي فهمته منك إن الرايق خطف مراته وطار بيها في الهيليكوبتر.. وكدا بقى عدو طليقك والباقي. سيا وهي بتعدل قعدتها قالت: خطف مراته إزاي ما هي مراته لازم تكون مع جوزها في أي مكان يروحه. برق بدر وهو بيقول:

جوز إيه وبيت إيه إنتِ بتتكلمي كإنهُم زوجين حياتهُم طبيعية، دا مجنون إبن ستين في سبعين يعني ياريتُه ماشي شمال بس، دا احتمال يأذيها! سيليا وهي بتعيط: ماهو عزيز تعبان زي نوح برضو، إشمعنى خايفين على رفيف ومش خايفين عليا. بدر وهو بيسند راسه لورا قال: لا نوح دا حاجة تانية، اللي يعمل كل دا يبقى مريض بدرجة كبيرة مش هيتقبل علاج دا يتحجز في مصحة نفسية لغاية ما يموت. سيا بكلام ربات بيوت لسيليا: إنتِ سبتي جوزك وهو تعبان؟

طب أديكِ قولتي مجنون ومحتاج علاج تقومي تسيبيه مكونتيش وافقتي على الطلاق كُنتِ حاولتِ معاه وضللي على بيتك وبنتك. برق بدر وهو بيقول بنرفزة: أمك هتجلطني! أنا راجل عندي السكر ومش قادر أفهمها، يا ستي إنتِ كل تفكيرك عن البيت والطبيخ، بقولك طليق بنتك مجنون يعني ممكن يأذي بنتك ويأذي حفيدتك. سيا وعينيها بتطلع شرار: مين دا اللي يأذي بنتي وحفيدتي والله أكله بسناني. حضنت سيليا وهي بتطبطب عليها وبتقول:

إسم الله على بناتي الحلوين يا ناس. بدر وقف وقال: هروح شغلي أنا وبعد ما أخلص هحاول أوصل لإبن بياع الكبد والقوانص، هعاتبه على خفيف. بص لسيليا وقال بتساؤل: متأكدة إنه نزل مصر؟ سيليا وهي في حضنها مامتها: أيوه متأكدة. *** المكان: حارة المنيل.

نزل عيسى من عربيته وهو حاطط السلسلة بين سنانه بيعض فيها، رزع الباب وقلع نظارته الشمسية السودا وهو بيبص على دكان الغريبي.. السلسلة وقعت من بوقه ووشه اصفر وهو شايف القفل على الباب الكبير، غمض عينيه جامد وكإنه بيعصرها عشان ميشوفش ولا يعيط، حس بإيد على كتفه فـ فتح عينيه ببطء. كان يوسف أخوه مربي دقن خفيفة ولابس قميص بني وهو بيقول: حمدالله على السلامة يا عيسى. بصله عيسى بتأمل وهو بيسحبه لحضنه وبيخبط على ضهره وبيقول:

الوحيد اللي بشم فين ريحة أبويا هو إنت، إنت اللي اتربيت في ضله. يوسف وهو بيمسح عينيه: الله يرحمه ويغفرله، تعالى أمي مستنياك. عيسى وهو بيبتسم قال: أخبار نيللي مراتك إيه؟ رفع يوسف أكتافه وقال: بخير بتساعد أمي في المطبخ، تعالى تعالى. لف يوسف وجه يمشي مسك عيسى دراعه وقاله بتكشيرة بيحاول يداري نظرة الحنين وقال: مياسة جوة هي وقمر؟ بهتت ابتسامة يوسف وقال:

لا للأسف، أمي عرضت عليها تقعد في شقة أمل رفضت تمامًا، أجرت شقة في آخر الشارع هنا وقاعدة فيها. برق عيسى وقال بخوف: لوحدها!! إزاي تسيبوها تعمل كدا؟ خطر عليها وعلى بنتي! بلع يوسف ريقه وقال: هي مرضتش حاولنا معاها، متقلقش الحاجة خيرية حاطة الكرسي وقاعدة على مدخل العمارة محدش بيطلع ولا بينزل غير بإذنها ولما تحقق معاه ما إنت عارفها ولية صعبة. عيسى وهو بيضغط على سنانه بغيظ: خيرية إيه يا بني آدم إحنا كُلنا مهددين بالقتل!

دا أنا مرعوب عليكُم ومش راضي أجي كتير عشان متتأذوش! نزلت والدة عيسى وهي حاطة الشال الأسود على راسها ولابسة العباية السودا، قربت لعيسى وهي بتحضنه وبتشم ريحته وبتقول: يا حبيبي، يا أغلى من روحي إنت، ابني البكري الغالي. وبدأت تعيط، عيسى وهو بيطبطب على ظهرها وبيبص حواليه قال بهدوء: وحشتيني يما، تعالي طيب جوة عشان الناس. خدها ودخل مدخل العمارة وحضنها جامد وهي حضناه وبتعيط وبتقول بانهيار:

الحج الغريبي مات يا عيسى، كان نفسه يشوفك والله، كان نفسه يشوفك. عصر عيسى عينيه وهو بيطلع منه صوت رجولي من العياط حاول يكتمه، بعدت والدته عنه وهي بتحط إيديها على قلبه وبتقول باشتقاق: يا حبيبي كنت واحشني، إنت راجلنا دلوقتي يا عيسى، إنت راجلنا يا حبيبي، بركة إنك بخير وزين الشباب أهو. خد عيسى نفس عميق وهو بيقول بنبرة هادية: نياسة فين هي وقمر يما. رمشت والدته بعينيها وهي بتقول:

في شقتها في آخر الشارع، شوف والله عملت ما يعمل عشان تقعد في الشقة اللي قصادي شقة أمل، إنها ترضى أبدًا، وخدت البت في حضنها وراحت بيها.. أنا مقدرش قلبي ميطاوعنيش حتى بعد طلاقكم أقسي قلبي وأقول أعاملها وحش قولت لا، بروحلها كل يوم وساعات هي بتيجي أنا عاملة حساب إنها حامل منك برضو دا غير قمر ست البنات. ضحك عيسى بسخرية وقال: كذا أريح لها يما.. دا طلبها وأنا حاولت كتير أخليها تتراجع عنه بعد ما نزلنا مصر، لكن فشلت.

والدته بابتسامة: طب ادخل في الشقة دافية أنا فرشت السجاجيد من البرد، ادخل يا حبيبي. خرجت نيللي وهي مبتسمة وبتقول: أبيه عيسى حمدالله على سلامتك. ابتسم عيسى وهو بيقول: الله يسلمك يا نيللي تسلميلي، إحم. دخل الشقة بعد ما خلع الشوز، أخدت أمه مفتاح شقتها وقالت: هروح أنا لمياسة أجيبها وأجيب قمر عشان نتغدى كلنا سوا. قلبه دق لما عرف إنها هتيجي فـ اتعدل في قعدته وقال: مالوش داعي يمكن هي حابة تقعد لوحدها. والدته وهي بتتحرك قالت:

ذبحت دكر بط لما عرفت إنك جاي النهارده من أخوك يوسف، أخوك ومراته معدتهم نشفت من الأكل الأي كلام اللي كنا بنمشي بيه حالنا بعد أبوك الله يرحمه، خليها تيجي تاكل معانا لقمة دافية أنا عاملة محشي. خرجت والدة عيسى في الحارة وهي بتعدل الشال، والنسوان في البلكونات القريبة لبعضها شايفينها وهي ماشية وبيتكلموا وبيقولوا:

أول مرة تنزل كتير كدا من ساعة وفاة جوزها، ابنها اللي كان بيروح السوق يجيبلها الحاجة وييجي، كانت بتنزل تروح آخر الشارع وترجع طوالي، مش المفروض ياختي تقعد في بيتها متخرجش؟ الست التانية وهي بتحرك بوقها يمين وشمال: ما جالها ابنها الغالي، مبقتش بهتم بأخبارهم من ساعة ما عيسى اتجوز، كان مالها بنتي بثينة يعني ولا عشان شعرها مش أصفر، أنا عارفة جابلنا مراته دي منين. الست التانية بتركيز: بس مش ملاحظة إنه جه من غيرها؟

وهي قاعدة هنا في الحارة لوحدها؟ مسم قال يا خبر بفلوس بكرة يبقى ببلاش. وصلت والدة عيسى للعمارة اللي ساكنة فيها مياسة، لقت الحاجة خيرية قاعدة بتفرك ملوخية ناشفة وهي بتقول بصوت رايح: صباحك فل يا أم عيسى، تاخديلك حبة ملوخية ناشفين والله غسلتها كذا مرة لما التراب بقى ينزل منها كدا. لفت أم عيسى الشال على جسمها وهي بتقول: كتر خيرك ياختي، هطلع بس لشقة مرات ابني وسعيلي. شالت الحاجة خيرية الكرسي وهي بتقول:

عدي يا حبيبتي مش محتاجة إذن. طلعت والدة عيسى على السلم وهي بتتنهد وبتقول: يخرابي على الدور التالت، نفسي بيتقطع وأنا طلعالك يا بت يا مايسة (مياسة بس بتتلخبط في اسمها) وصلت قدام الشقة كان ممسوح ونظيف، ضربت الجرس كذا مرة لغاية ما فتحت مياسة الباب وهي شايلة قمر اللي حاطة صباعها في بوقها. الضحكة ملت وش والدة عيسى وهي بتشيل قمر وبتقولها بدلع: يا صباح الهنا على قمري أنا، حبيبة تيتة الحلوة الجميلة، اللهم صل على النبي.

ابتسمت مياسة بنعاس وهي بتقول بصوتها الطفولي: تعالي يا ماما اتفضلي، ادخلي بالشبشب عادي. والدة عيسى وهي بتدخل: ما أنا شايفة قدام الباب ممسوح وزي الفل ما أنا عندي نظر، عاملة إيه دلوقتي. مياسة وهي بتقعد: أنا بخير الحمدلله، اديني قاعدة مبعملش حاجة. طبطبت والدة عيسى على ظهر قمر وقالت لمياسة: طب قومي حطي العباية عليكِ والطرحة على راسك عشان رايحين عندي البيت. مياسة بتضييق عين: خير يا ماما في حاجة؟ والدة عيسى وهي بتبوس قمر:

هنتغدى ناكل لقمة سوا سخنة تدفيكِ من البرد وتعوض النزيف. بصت مياسة للأرض وقالت: الحمدلله إن دا حصل، مين هيربي طفلين مين هيقدر. والدة عيسى بـ رمي كلام: حس أبوهم في الدنيا. مياسة بـ صوت هادي ومتردد قالت: هو عرف إني سقطت؟ قالت والدة عيسى وهي مكشرة بتركيز: لا مقولتلهوش كفاية عليه هم أبوه و.. سكتت والدة عيسى فـ قالت مياسة بابتسامة باهتة: وأمل مش كدا!

بصي يا ماما.. أنا استحملت اللي مفيش ست في الدنيا تستحمله، من بعد اللي حصل لصاحبتي في أمريكا وأنا معنديش ثقة في عيسى ولا في صحابه.. فـ الطلاق اللي حصل كان أفضل شيء. والدة عيسى بضيق: بس سيبتيه لوحده، اتخليتي عنه في وقت صعب، الست لو جدعة توقف جنب زوجها وتساندُه.. قاطعتها مياسة وقالت: الكلام دا لو أنا بطولي أه! لكن طالما خلفت منه بنت فـ هي ذنبها في رقبتي لو عيشتها في الخطر والرعب دا، بنقذها بدل ما يبقى هي وأبوها. برقت

والدة عيسى وقالت بحزم: إياكِ تقولي الكلام دا تاني بعد الشر عن ابني عدوينه يارب! قومي حطي العباية على جسمك خلينا نروح وحطي الطرحة على راسك. مياسة بجدية: أنا هلبس العباية بس مش هحط الطرحة لإني لسه مش محجبة، لما اتحجب هحطها عشان الحجاب مش لعبة.. *** المكان: قصر أمير الذهب.

نزل أمير من عربيته وفتح شنطة العربية، خرج منها شوال فحم ومجموعة خشب شجر وإزازة بنزين كبيرة، وحاجات تانية عمال يشيلها والجارد بتوعه بيحطوها في الجنينة، كانت صبا واقفة عند الشباك الإزاز ولابسة حلق سيلفر مدور كبير وسايبة شعرها، لابسة قميص أبيض وبنطلون وايد ليج جينز. خرجت من القصر وطلعت للجنينة وهي مكتفة إيديها وبتقول بسخرية: واو، حفلة باربيكيو دي ولا إيه؟ تحب أروح أعمل السلطة يا سي أمير؟

مبصلهاش أمير لكنه قفل شنطة العربية جامد لدرجة إنها اتخضت ورجعت لورا خطوة من الخضة، لف وبصلها بعدها بص للجاردز وراها وشاورلهم برقبتُه عشان يمشوا، بالفعل اتحركوا ومشوا بعيد راح مسكها أمير من شعرها وهي بتتألم جامد، همس في ودانها من بين سنانه وهو بيقول:

اللي قدامك دا مش أمير الطيب الكيوت الساكِت اللي واخد جنب، وحياة أمك وأبوكِ اللي ما صدقوا شافوا الفلوس عشان يرموكِ ليا لسانك لو طول عليا تاني هقصهولك، مش هيشفعلك حتى إنك أنقذتيني من الغرق، هغرقك بإيدي.. سامعة؟ صبا بألم قالت من بين سنانها: ياريت تموتني عشان أخلص من اللي أنا فيه، إنت راجل شكاك ومعندكش ضمير زيك زي صاحبك نفس العجينة، وقاعد عمال تجيب في حاجات هايفة ومروق على نفسك ولا كأن حاجة حصلت. أمير وهو بيسحب

شعرها لتحت بقسوة أكتر قال: أنا هعد لغاية تلاتة، وهسيب شعرك، لو لقيتك واقفة قدامي لسه قسمًا بالله ما هتشوفي ابنك. ساب شعرها وبدأ بالعد، جريت هي في خلال ثانية كانت في القصر، فتح شنطة العربية تاني وخرج آخر حاجة. حبل غليظ مليان مسامير، بص يمين وشمال ولما اتأكد إن مفيش حد شايفه حط الحبل في الكيس، واتحرك ناحية بقية الحاجات، لقى الجارد بتاع البوابة جاي ناحيته وهو بيقول:

أمير بيه، في عسكري من قسم شرطة جايب لحضرتك الورقة دي، بيقول إن النقيب ليث الصفتي طالب يشوفك. بص أمير للجارد ببرود، فسحب الورقة من إيده وقال: روح إنت مكانك. فتح الورقة وشاف الإذن بتاع النيابة فـ قال بقر*ف ما هي كانت ناقصة *** دا كمان. *** المكان: فيلا عزيز الإبياري. التوقيت: الواحدة والنصف ظهراً.

كان ماسك مجموعة سكا*كين وعمال يحدفهم على صورة نوح الكبيرة اللي معلقها على حيطة الأوضة، دخلت جايدا الأوضة وهي لابسة روب بيتي وقفت الباب وراها، قعدت جنب عزيز عاري الصدر وهي بتقول بدلع وبتمشي صباعها على رقبته وخدُه: هتفضل قافل على نفسك كتير؟ ابنك راح المدرسة أهو وأنا وإنت لوحدنا، مش يمكن.. قاطعها عزيز بصوت غليظ وقال: مش هيحصل بيني وبينك أي علاقة تاني، أيوه إنتِ على ذمتي بس مش عايز، اخرجي برا واقفي الباب.

جايدا بوش أحمر قالت: وإشمعنى سيليا اللي خلفت منها مرة واتنين وعشرة؟ إشمعنى هي الست الوحيدة اللي مبتقدرش تقاومها ولا تتحكم في نفسك قدامها!

أنا مقدرش أعيش في العذاب دا، تكون قدامي ملمسكش، مخليتش أي راجل تاني يلمسني غيرك عشان صعب أوي الست اللي تكون مع القائد يملى عينها أي راجل غيره، هحس دايما في حاجة نقصاني، عايزك عايزك أكتر من أي حاجة تانية، مش قلة كرامة بس عشق، عشق ست حافظت على نفسها من أي راجل تاني غيرك، عايزة أكون حامل منك زي سيليا مرة تانية، خليها حتى تساعدني تقولي هي عملتلك إيه خلاك مهووس بيها كدا. قام عزيز من على السرير وسحب الهودي

الأسود بتاعه وهو بيقول: سايبهالك عشان متتعذبيش، أنا غلطان إني جيت هنا. جايدا وهي بتجري وبتوقف قدام الباب قالت بلهفة: لا لا لا خلاص مش عايزة حاجة، عايزك قدام عيوني بس. كان باصص قُدامه زي الكائن اللي من غير روح، مجروح من صديقه ومن فراقه لأكتر بنت حبها، معندوش مشاعر يديها لأي حد، مكانش في حساباته تظهر في حياته سيليا ويعشقها، بعد ما كان خلاص ورط جايدا معاه. بصلها بطرف عينه وقال:

أنا دماغي مش مظبوطة اليومين دول وجاية معايا بجنان، فـ افصلي واخفي من وشي خليني أروح أغير هدومي عشان خارج. جايدا بخوف: رايح فين طيب؟ رزع الباب ومردش عليها.. *** المكان: قسم شرطة (***) تحديدًا: مكتب النقيب ليث الصفتي. كان قاعد على مكتبه وباصص للست اللي قاعدة قدامه بتعاطف وحزن، كانت قاعدة قدامه سيدة أربعينية لابسة سوت رسمي أسود وكعب أسود، كانت بتعيط بانهيار وبتقول:

آه كان ليه نزوات كتير بس مهما إن كان ومهما إن عمل ميستحقش أبدًا مو*تة بشعة زي دي. ليث وهو متماسك عشان يعرف تفاصيل أكتر عن زوجها الراحل ممكن تفيده: طيب دكتور إيهاب كان في حد مألوف بيتردد على عيادته كتير؟ أو كل ما تروحي مثلاً بتلاقيه؟ أخدت نفسها بصعوبة، مسكت كوباية الماية وشربت منها شوية بعدها حطتها وهي بتترعش وقالت:

كنت متعودة بعد النادي أعدي على إيهاب جوزي الله يرحمه، بس مش دايما مرات معدودة، اللي لاحظت وجودهم كذا مرة عنده في العيادة مدام فيفي حرم الباشمهندس رفعت، وبنت تانية شكلها صغيرة في السن لكن، قعيدة على كرسي متحرك. اتعدل ليث بانتباه وقال: شوفتي البنت دي كام مرة؟ سرحت بعينيها شوية بعدها قالت بنبرة رايحة من العياط:

تلات مرات تقريبًا، وكل مرة كنت بشوفها فيها كانت بتبقى مرعوبة كأن حد بيجري وراها، وعينيها مبتروحش من على الباب لغاية ما إيهاب ينتهي من الحالة اللي معاه ويسمحلها بالدخول. ليث بمحاولة معرفة تفاصيل أكتر: متعرفيش اسمها؟ مسمعتيهوش من المرحوم مثلاً أو من السكرتيرة بتاعته؟ رفعت أكتافها وقالت: مسألتوش ميرنا ليه؟ (السكرتيرة) ليث رجع ظهره لورا وقال بخيبة أمل:

للأسف اختفت في اليوم اللي الدكتور ات*تل فيه، أنا بشكرك جدًا يا مدام هناء وأتمنى يكون عندك سعة الصدر أنك تشرفينا لو احتاجنا منك أي تفاصيل تانية. رجاء بحزن عميق: أنا تحت أمركم في أي وقت بس أرجوك، من فضلك متسيبش حق زوجي. ليث بحزن عليها: أوعدك، والبقاء والدوام لله مرة تانية. خرجت هناء من مكتب ليث فـ قعد على الكرسي وهو بيقلب تفاصيل القضية في دماغه، دخل عسكري وأدى التحية العسكرية وهو بيقول:

تمام يافندم، التلاتة اللي حضرتك طلبت نستدعيهُم وصلوا يافندم. اتعدل ليث بحماس وقال: قاعدين في مكان واحد؟ العسكري: رافضين يافندم يكونوا في مكان واحد.. قام ليث من مكانه وهو بيجمع حاجته وقال: طب روح إنت وأنا خارج لهم أهو. خرج ليث من مكتبه ولقاهم واقفين، كل واحد فيهم في حتة لوحده. جت منال من ورا ليث وهمست وقالت:

من ساعة ما جم وهما على الحال دا صامتين صمت المقابر بجد، عزيز حاطط هيدفون السودا ومش بيكلم ولا بيرد على حد، وعيسى زي ما إنت شايف هيكسر حديدة السلسلة بسنانه، أما أمير لابس الكاب وفوقه طاقية الهودي ومغطي ملامحه بيه مش فاهمة ليه، شكلهم مش مريحني. ليث بهمس وهو بيبص لهم بتدقيق: متقلقيش، هخليهم يتكلموا دلوقتي. مشي ليث ووراه منال اللي قالت لهم يدخلوا أوضة الاستجواب، هما التلاتة سوا. نزل عزيز الهيدفون

عن راسه وبصلها ببرود وقال: مش داخل مع حد، أنا جاي لوحدي وهدخل لوحدي. منال تعاملت معاه بحذر عشان عارفة وضعهم الصحي فـ قالت: من فضلك يا عزيز، وأوعدك لو أي شيء ضايقك هسمحلك تمشي. سكت عزيز خمس ثواني وراح داخل، دخل أمير ووراه عيسى وقعدوا كل واحد في حتة، الترابيزة على جانبيها مقعدين حديد، قعد عيسى على المقعد من ناحية الشمال، وأمير جنبه وسايب مسافة كبيرة أوي بينهم قاعد على الطرف، وعزيز قاعد لوحده على المقعد من جهة اليمين.

دخل ليث وقفل الباب وهو بيشمر أكمام قميصه وبيتنهد وهو بيقول: يا أهلًا وسهلًا بـ العابثين في المجتمع، متجمعين عند النبي، ولو إني أشُك. هرش عزيز في دقنه وبص ببرود وهو رافع حاجب بسخرية، بص على ليث وكإنه بيدور على حاجة. ليث شك في نفسه وبص لعزيز وهو بيقول: إيه بتبص كدا ليه؟ عزيز بل شفايفه وبص قدامه وقال: بدور على مفتاح الجنة اللي معاك، اللي مخليك تتكلم عن جزائنا في الآخرة بثقة أوي كدا. ليث وهو بيسحب كرسي المكاتب

قعد عليه وهو بيقول: كان نفسي أضحك بس لسه خارج من حداد وبتاع، ألا هو فين الضلع الرابع بتاعكم؟ مش كنتوا على طول أربعة ولازقين في بعض؟ ينفع كدا المكان جنبك فاضي يا قائد؟ بص أمير للأرض بحزن وهو مداري ملامحه الحزينة، رفت عين عيسى لكنه بعد وشه عشان محدش يشوف. عزيز ببرود وجمود: أنا ماليش دعوة بحد أنا جاي لوحدي، شوف عاوز إيه عشان أنا مش فاضي. ليث بضحكة صفرا: طب عشان منعطلش سيادتك على زعزعة الأمن، قولي فين نوح؟

مردش عزيز وفضل باصص قدامه بدون أي ريأكشن. ليث بل شفته اللي فوق بلسانه وغمض عينيه نص تغميضة وقال: طيب فين الرايق؟ عزيز مردش برضو فـ قال ليث: عندك فكرة إن صاحبك قتل الـ.. قاطعه عزيز بنفس البرود وقال: أنا معنديش صحاب. فرك عيسى حديدة السلسلة بين صوابعه، أما ليث عقد حاجبيه وقال: أومال اللي قدامك دول إيه؟ والبيه اللي كان معاكُم برضو والـ.. عزيز بجدية:

مش أي حد ظهرت معاه كام مرة خلاص بقى صاحبي، متلزقش فيا حد أنا ماليش علاقة بحد، حاسبني على تصرفاتي أنا وبس، اللي يقتل يقتل دا برا عني. كور ليث إيده بيحاول يمنع نفسه يتصرف تصرف متهور وقال من بين سنانه بغضب: إنت عارف كويس أوي إني لو حاسبتك على تصرفاتك مش هخرجك من هنا! مد عزيز معصمين إيديه لليث وقال: حط الكلبشات يا باشا وأنا مش هرغي معاك كتير. بصله ليث بصدمة ومقدرش يكمل الاستجواب مع أمير وعيسى، حاول ينظم أنفاسه بعدها قال:

إنتوا وعائلتكم تحت المراقبة لسببين، عشان لو نوح ظهر في محيطكم نعرف مين فيكم بيحور علينا، السبب التاني عشان الشيطان ميلعبش في دماغكم وتحاولوا تهربوا برا مصر زي ما عملتوا المرة اللي فاتت، لغاية ما يظهر بس.. عزيز ببرود برضو: خلاص كدا أمشي؟ شاورله ليث على الباب بغضب مكتوم بالعافية، خرج عزيز ووراه عيسى وأمير، وكل واحد فيهم راح في إتجاه. دخلت منال غرفة الاستجواب وقعدت قدام ليث وهي مبرقة بصدمة وقالت: اللي أنا سمعته دا صحيح؟

مبقوش صحاب تاني؟ ليث بتركيز على القضية: كذا أحسن، عشان كدا نوح هيوقع بسهولة، مبقاش عنده ضهر ولا حد يسندُه زي الأول. منال وهي بترجع شعرها لورا قالت: تفتكر واحد زي نوح هيحتاجهُم أصلًا؟ شوفت منظر الدكتور إي.. ليث باشمئزاز: شششش من فضلك يا منال، مش عاوز أفتكر. *** المكان: حارة المنيل تحديدًا: منزل الغريبي. والدة عيسى وهي قاعدة على الكنبة وجنبها مياسة شايلة بنتها قالت ليوسف: يعني إيه قام فجأة وقال مش هتأخر؟

دا أنا قايلة هروح أجيب مياسة وبنته وجاية طوالي. يوسف رفع أكتافه وقال: طب أعمل إيه يما أنا معرفتش منه أي تفاصيل جالُه مكالمة قام بعدها بسرعة. مياسة وهي بتطبطب على ظهر بنتها: متوقع طبعًا. نيللي بهدوء: بس أبيه عيسى خس شوية، صح؟ والدة عيسى بحزن عليه: آه والله، يا حبيبي يابني حتى اللقمة مش عارف ياكلها ولا يتهنى بيها. سمعوا صوت عربية برا فـ قال يوسف: أهو جيه أهو، مكانش لزوم النواح دا هو متأخرش. دخل عيسى وهو بيقول:

معلش يا جماعة جالي مشوار مهم و.. مكملش كلامه لما شاف مياسة قاعدة جنب والدته، فـ قال بذهول: إنتِ صبغتي شعرك أسود؟؟؟ مياسة قلبها دق ومردتش عليه، فـ قالت والدته: تعالي يا نيللي نسخن الأكل اللي برد دا. يوسف فهم فـ قال: وأنا هروح أجيب حاجة ساقعة لبعد الأكل من البوهيمي. خرج يوسف ودخلت نيللي ووالدته للمطبخ، قعد عيسى جنبها وهو بيبص قدامه بـ ضيق. بعدها قطع الصمت بينهم وهو بيقول: للدرجة دي الموضوع مأثر فيكِ؟ بصتله مياسة وقالت:

وإنت متضايق عشان الموضوع مأثر فيا؟ ولا عشان كسرتلك آخر جزء سليم في المرايا اللي بتشوفني أمل فيها! بصله عيسى بعينيه الحزينة واللي فيها غضب وقال: لا دا ولا دا، عشان مش عارفة أنا حبيت مياسة قد إيه، مفيش أي شخصية جوايا رفضتك أو محبتكيش.. ملكتيني. عينيها لمعت بدموع فـ دفنت راسها في حضن بنتها، قرب عيسى من قمر وهو بيبوس خدها وبيقول: وبحب كل حاجة منك، أو ليها علاقة بيكي. وقفت مياسة وجت تدخل الأوضة راح

مسكها عيسى من دراعها وقال: مش بقول كدا عشان ترجعيلي أنا كدا كدا ميت، بقول دا عشان لما ييجي ميعاد موتي تعرفي كويس إنك مكونتيش بديل ولا تعويض عن حد، إنتِ كنتِ في حضني، في بيتي عشان مراتي، عشان حبيتك، أكتر من أي حاجة تانية.. مياسة بتساؤل متألم: أكتر من أمل؟ بص عيسى للأرض وسكت، فـ هزت مياسة راسها بموافقة وقالت: أنا قولت كدا برضو، بتحبني أه.. لكن عمرك ما هتحب حد أكتر منها. كور إيديه وجه يتكلم قاطعته مياسة

بعياط وصوت رقيق وقالت: وعلى فكرة أنا سقطت. رفع راسه وبصلها بصدمة، فـ قالت بعياط: بعد طلاقنا مددت على السرير وعيطت كتير أوي، صحيت لقيت سريري مليان بدموع ودم.. جريت مياسة على الأوضة وقفلت الباب، اتنهد عيسى وهو مغمض عينيه وبيحاول يتجاوز كل المشاعر الصعبة اللي مر بيها. *** المكان: مبنى رمادي من ثلاث طوابق أعلى مرتفع. التوقيت: الثامنة ليلاً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...