تحميل رواية «العبث الاخير» PDF
بقلم روزان مصطفى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حملتُ قلبي على كف يدي نازفًا، أسير بين الجموع ناظرًا لهُم أني أموت ببطء، أرفض أن يمد لي أحدهم يد العون. لقد قتلني صديقي بيديه التي كنت ألفها، كيف لي أن أثق بأي أيادي أخرى. كانوا قاعدين على الرمل قدام البحر، وقت الغروب. واقف عيسى شايل بنته قمر، وقدامه نوح لابس قميص أبيض زي بقية السفراء. مد عيسى هزار إيديه الاتنين اللي شايلين بنته لنوح وهو بيضحك بسعادة وبيقول: "خُد يا رايق." نوح يمد إيده يمثل إنه هياخدها. يروح عيسى باعد إيده ببنتُه، يكررها تاني والبنت تضحك. عزيز وأمير واقفين بيشوا حاجات على الجريل...
رواية العبث الاخير الفصل الأول 1 - بقلم روزان مصطفى
حملتُ قلبي على كف يدي نازفًا، أسير بين الجموع ناظرًا لهُم أني أموت ببطء، أرفض أن يمد لي أحدهم يد العون.
لقد قتلني صديقي بيديه التي كنت ألفها، كيف لي أن أثق بأي أيادي أخرى.
كانوا قاعدين على الرمل قدام البحر، وقت الغروب. واقف عيسى شايل بنته قمر، وقدامه نوح لابس قميص أبيض زي بقية السفراء.
مد عيسى هزار إيديه الاتنين اللي شايلين بنته لنوح وهو بيضحك بسعادة وبيقول:
"خُد يا رايق."
نوح يمد إيده يمثل إنه هياخدها. يروح عيسى باعد إيده ببنتُه، يكررها تاني والبنت تضحك.
عزيز وأمير واقفين بيشوا حاجات على الجريل وهما بيبصوا لهم بسعادة.
حضن عيسى بنته ولف بيها مرتين وهو بيرفعها للسما.
عزيز بصوت عالي لنوح:
"تعالى ساعدنا عشان نخلص ونتمشى شوية سوا، لغاية ما الحريم يجهزوا بقية الأكل."
رفع الرايق إيديه الاتنين وقال بضحكة:
"أنا عملت اللي عليا وجبتكم هنا، الباقي عليكم إنتوا."
أمير بإبتسامة:
"مينفعش يا رايق، طالما جبتنا لازم نرجع معاك، إحنا جينا الطريق ده أربعة وهنمشي أربعة."
نوح وهو بيتربع وبيقعُد جنب رفيف، اللي شعرها نازل على رجليها وبيبتسم له قال:
"لا أنا طريقي غير طريقكم، لازم أمشي أنا بقى."
سحب رفيف وإداهم ضهره وراح ناحية البحر. عيسى وشه بهت وقال بنبرة حزينة:
"هو مشي بسرعة ليه؟ مودعناش."
بص لأمير وعزيز لقاهُم حاطين وشهم في الأرض ومبيردوش، والرمل اللي كان قاعد عليه الرايق مرسوم عليه ثلاث أشخاص، كل واحد بينه وبين التاني مسافة.
***
Eight o'clock PM.. Eight O'clock PM
إتنفض عيسى من الحلم وهو عاري الصدر، العرق بينزل من جبينه وبيوقع على الملاية. صوت صفير شديد في ودانه خلاه يميل راسه على جهة اليمين وهو بيغمض عينيه من شدة الصوت. جفاف شديد في الحلق ونبضات قلب سريعة، وأنفاس ساخنة.
بيحاول ياخد نفسه كإنه كان في سباق. لما فاق وإستوعب إنه حلم، بدأت نبضات قلبه تهدى لكن بألم غير محتمل. بص للزجاج الكبير بتاع أوضته اللي بيبينله الشارع، الدنيا ظلام وأنوار العواميد الصفراء في الأسفل هي اللي طاغية. صوت خبط المطر على الزجاج خلاه يرتجف. قام من السرير وسحب جاكيته الجلد اللي مرمي على الكرسي، ولِبسه وهو بيحط حديدة السلسلة بين سنانه وبيضغط عليها، وعينه الشمال بترِف.
"ما إنت لو كنت سمعت كلامي!"
إتنفض عيسى لما سمع الجملة دي. لف وهو مبرق وبيبص لقى أبوه قاعد على السرير وبييبصله.
ضحك عيسى وبين سنانه وهو بيفلت السلسلة وقال وعينيه بدأت تدمع:
"أبوياا."
إبتسم الغريبي ورفع حاجب وهو بيقول:
"لا تكون خايف إني أبهدلك فرشتك بجلابيتي اللي مليانة عطارة، فاكرها يا واد؟"
رجع عيسى شعره الطويل لورا بصوابعه وقال:
"فاكرها، بقيت بحبها يابا."
أبوه وهو بيهز راسه قال:
"متأخر يا إبن الغريبي، أنا سمعت إن الدكانة بتاعتي إتقفلت."
حط عيسى أطراف صوابعه على عينه وهو بيقول:
"مروحتش لسه، بس أكيد قفلوها لإنك مبقتش هناك."
شال أطراف صوابعه عن عينه اللي نزلت دموع وبص على السرير لقاه فاضي. راح ناحية السرير قعد على ركبُه وحط راسه مطرح ما ابوه كان قاعد. بدأ يعيط وجسمه يتهز جامد وصوت شهقاته يعلى ويقول:
"سامحني يابا، كنت عاوز أرجع عيسى إبنك اللي يشرفك وأشيل عنك الحمل، سامحني يابا إتأخرت عليك."
وكمل عياط والدنيا بتمطر، كإن الغيوم أغرتُه يعيط زيها.
***
في الخارج / مصر.
إحدى العيادات النفسية في الزمالك.
كانت قاعدة على كرسيها المتحرك، بشرتها باهتة وجسمها خاسس، تحت عيونها هالات سودا. مد الدكتور إيده ليها بكوباية مياه فمدت إيدها اللي بترتجف وأخدت الكوباية منه وشربتها كلها وهي لسه بتترعش وبتلحس شفايفها من المياه. الطبيب النفسي قاعد قدامها بيراقب تصرفاتها وبيكتب. لفت وشها وهي بتراقب الأبواب والشبابيك وهي مبرقة.
الطبيب النفسي بهدوء:
"متخافيش يا مروة، كله أمان مفيش حد هيدخل."
رجعت شعرها ورا ودانها وقالت بكلام متلثم:
"تأثير نفسي من كل اللي جرالها. من ساعة ما رجعت، وأنا مبنامش كويس، بشرب لتر قهوة كل يوم لغاية..."
بينت سنانها وورتها للدكتور وكملت وقالت:
"لغاية ما سناني إصفرت، وجالي أنيميا. أنا.. أنا بقيت أعمل الحمام على نفسي. المياة بتغرق هدومي والكُرسي عشان بخاف ألاقيه في الحمام، مستخبي في البانيو ورا ستارة الدوش."
سندت جبينها على صوابع إيديها وبدأ صوت نحيبها والعياط يطلعوا وهي بتعيط وبتقول:
"أنا تعبانة، نفسي أعيش كويسة. أنا رضيت بقضاء ربنا إني أكون قاعدة على كرسي متحرك، ومرضيتش أكون زي الشيطان الأخرس اللي بيشوف حد مقتول ويسكت."
رفعت وشها وبصت للدكتور وقالت بتبريقة:
"بقى بيظهرلي حتى في أحلامي."
مدت إيدها ورفعت التيشيرت من عند بطنها وهي بتقول بألم:
"بص! دي طعنة طعنها ليا ونجيت منها، أنا بعمل كل حاجة عشان أفضل عايشة وأخف، هتساعدني إزاي."
كتب الدكتور في النوت اللي في إيده، بعدها قفلها وقال بنبرة هادية عشان يطمئنها:
"أنا عارف إن الشوارع دلوقتي متطمنكيش، صور مراته اللي متعلقة على الأشجار وجنب الجوامع والأماكن العامة ومكتوب تحتها مفقودة، تقلقك أكتر، لكن زي ما إنتي شايفة هو شخصيًا مش موجود، ملهوش أثر، ومش من مصلحته يظهر لإن الكل بيدور عليه سواء حكومة أو أي شخص تعامل معاه شخصيًا. إهدي، نوح الرايق مش هيقدر يعمل..."
قاطع الدكتور إن في إيد مسكت خصلات شعره من قدام، ورفعت راسه لفوق، ومروة شهقت شهقة رعب وهي ماسكة إيدين الكرسي بتاعها وبتبص بتبريقة للي بيحصل.
سكين حاد جاب رقبة الدكتور بالطول، وفتح دماغه نصين، وجسمه بيتنفض لغاية ما الدم ملى العيادة.
مروة صوت وهي بتجري بالكرسي بتاعها ناحية باب العيادة، فتحت تكة المفتاح بإيد بتترعش بقسوة وهي سامعة صوت خطوات سريعة. جريت بالكرسي المتحرك بتاعها وهي بتطلع في الروح من الرعب وبتصوت بصعوبة وبتقول:
"إلحقونيي."
والشخص اللي لابس ماسك أرنب بيجري وراها. الأدرينالين إرتفع عندها فزودت سرعة تحكم إيديها بعجل الكرسي. وعمالة تعيط زي الطفلة.
لغاية ما مسك الشخص إيد الكرسي بتاعها من ورا، وسحبها ناحيته.
***
My tea's gone cold, I'm wondering why
I got out of bed at all
The morning rain clouds up my window
And I can't see at all
And even if I could, it'd all be gray
But your picture on my wall
It reminds me that it's not so bad
It's not so bad
الأغنية اللي شغالة من فون واحد من الشباب اللي بيعملوا Skating فوق الأرض المبتلة بمياه الأمطار، والراجل بتاع عربة الشاي واقف يبيع مشروبات ساخنة وجنبه واحد تاني بيبيع كاندي.
صورة رفيف إتبلت من المطر ودابت ملامحها، ما عدا كلمة مفقودة.
عدا أربع أطفال صغيرين واحد منهم بيقول:
"أنا الرايق، وإنت عاوز تكون مين؟"
الطفل التاني:
"العقرب."
عدا من بينهم شخص لابس جاكيت مطر أسود وتحته كاب أسود، حاطط إيديه الاتنين في جيبه وماشي على طول بعد ما سمع الأطفال قالوا إيه. إفتكر وقت ما كانوا سوا وقد إيه كان وجودهم مع بعض قوة. ووقف عند الراجل بتاع الشاي وقال بصوت مبحوح وهو مخبي ملامحه بالكاب الأسود:
"كوباية شاي من غير سكر."
بدأ الراجل يجهز الشاي وأمير واقف مستنيه. إفتكر مقتطفات من اللي حصل في المستشفى فـ نفض راسه كذا مرة وهو مش عاوز يفتكر.
"البيه ده هو السبب في كل اللي حصلنا."
"No risk no fun!"
"كل واحد فينا من طريق أحسن، كل واحد يشتغل مع نفسه."
صراخ صبا بعد ما أدركت إنه أخد رفيف معاه.
"رفيييف، إنت سبته ياخدها! هيموتها، هيموتهاااااا."
"الشاي يا أخينا!"
شهق أمير شهقة خفيفة ومد إيده اللي لابس فيها جلافز أسود جلد شتوي، أخد كوباية الشاي.
أول ما قربها من بوقه وشم ريحتها إفتكر قهوة الشعراء وقعدتهم فيها وهما بيضحكوا سوا. ساب الكوباية على العربية بتاعة الراجل وجنبها فلوس، وحط إيديه الاتنين في جيبه وكمل مشي والراجل بيبص له بإستنكار.
أمير في عقله: عندما يُلقي لك أحدهم طوق نجاة بعد ما قمت بـ رمي جسدك وسط الأمواج، فـ نسج لك من ذراعيه ملجأ دافئ، ومن بين خطوط وجهه الغاضبة فصل لك بـ وجوده تقاسيم السعادة، أعاد نبضك للحياة.. ثم بقسوة ألقاك مجددًا في غياهب المياه الأكثر ظلامًا، وعمقًا.. وحيدًا ترتجف في القاع، لقد رحل صديقي وكان وداعه أسوأ وداع.
***
النيابة العامة المصرية.
ليث وهو لابس الزي الرسمي الأسود الشتوي:
"يافندم أنا ضد اللي بيحصل، يعني إيه نسمح لهم يعيشوا في مصر عادي بدون حجز في مصحة عقلية ونفسية أو حتى حجز في السجون!"
وكيل النيابة وهو بيرجع ظهره لورا وبيكتف إيديه بص لليث وقال:
"وجودهم بحرية هيدلنا على نوح، واحد منهم هيسعى يلاقیه عشان ينتقم منه، أو يمكن هما الأربعة متفقين وهيتقابلوا كدا كدا، فـ، إحنا ادينالهم الحرية المطلقة مؤقتًا لغاية ما حد منهم يوصلنا لأي شيء يخص نوح. وإحنا مبنعملش حاجة عساكر المراقبة باللبس الملكي في كل مكان، وإنتوا استدعوهُم واستجوبوهُم في أي وقت عشان الموضوع يبان طبيعي ومياخدوش حذرهم. وبحذرك يا ليث للمرة الأخيرة أنت والظابط منال، ممنوع منعًا باتًا التصرف بصفة رسمية مع الثلاثي من دون علم الداخلية، هتعرضوا نفسكم لمشاكل وخيمة، اتفضل على مكتبك."
ليث بتكرار حزين:
"يافندم هما خطيرين زي نوح ووجودهم في الخارج وسط المواطنين العزل هيزيد الوضع سوء مش هيعالجه."
وكيل النيابة بزعيق:
"مش هيبقى أسوأ من اللي هيعمله المختل الهارب لو موصلنالهوش، اتفضل على مكتبك!"
أدى ليث التحية العسكرية وقال:
"تمام يافندم."
خرج من مكتب وكيل النيابة لقى منال واقفة ولافة حوالين رقبتها إسكارف أسود ببدلتها العسكرية وبتقول:
"قالك إيه؟"
بصلها ليث بطرف عينه وسابها ومشي فـ بصت للأرض بزعل ومشيت جنبه وهي بتقول بنبرة ندم:
"إنت لسه محملني ذنب اللي حصل."
وقف ليث وقال بنبرة زعيق:
"ما دي الحقيقة! أقول يتنيلوا يتحبسوا، تطلعيلي إنتِ والدكتورة لا يتعالجوا، لا طبطب عليهم، بشويش عليهم."
منال بهمس:
"ششش! هدي أعصابك عشان نعرف نشتغل!"
ليث بعصبية:
"مش عاوز اشتغل أنا عاوز أكفي الناس شرهم، أنا تعبت من القضية دي هو أنا مش ورايا غيرهم!!"
حطت منال إيدها على راسها بصداع فقال ليث:
"لسه برضو بتاخدي مانع للحمل؟"
منال بجدية وهي بتمشي جنبه:
"أيوه ومستخدمة وسيلة تانية لمنع الحمل، مش وقته.. لما نتصرف في القضية دي هبقى أفكر أجيب طفل."
قاطعها ليث وقال بعصبية وتبريقة:
"برضو! مش راضية تقولي نقبض عليهم بتقولي تصريفة، على أساس إني غبي أنا مش واخد بالي."
دخل مكتبه وقفل الباب فـ فتحت منال الباب ودخلت وراه وهي بتقول بتكشيرة:
"مش ملاحظ إنك أوڤر شويتين؟ أنا معاك في نفس القضية على فكرة!"
قعد ليث على مكتبه وقال وهو بيتنهد:
"اللي بتعمليه في نفسك غلط، محدش ضامن بكرة.. امنعي وسائل منع الحمل دي واحملي وخلفي، عشان ميحصلكيش أضرار."
منال وهي بتقعد قدامه:
"مفيش الكلام ده، المهم نرجع لموضوعنا، الباشا قالك إيه؟"
ليث بتأفف:
"قالي نستدعي الثلاثي نستجوبهم عن نوح عشان نبعد شكوكهم تجاه الداخلية."
منال بلعت ريقها وقالت بتوتر:
"إحنا اللي هنستدعيهم؟"
ليث وهو بيقلب في الورق:
"أيوه احنا مش هياكلونا، متخافيش مش معاهم سي زفت (الرايق)."
منال بشرود:
"إيه اللي خلاه يعمل كدا، بقالنا كتير بندور عليهم هما الأربعة، ليه أخد طريق غير طريقهم؟"
ليث بقرْف من قلة النوم والروتين والتوتر:
"يا شيخة خديهم ربنا هما الأربعة."
دخل ظابط لمكتب ليث بعد ما خبط وأذنله ليث بالدخول.
أدى الظابط التحية العسكرية وكان وشه أصفر. ليث بتدقيق في ملامحه:
"مالك يابني في إيه؟"
بلع الظابط ريقه وقال برجفة:
"ليث باشا، لازم حضرتك تيجي معايا إنت ومنال باشا، تشوفوا اللي حصل."
رمى ليث القلم وقال بتوتر:
"لقيتوا جُثة رفيف؟"
بص الظابط للأرض ومنطقش، كانت نظرته فيها حزن عميق.
***
داخل قصر أمير الذهبي.
كانت واقفة صبا عند النافذة الزجاجية الكبيرة في الردهة، لابسة بنطلون وايد ليج چينز فاتح، وهاف بوت أسود مدخلة أطراف البنطلون فيه. شعرها مبلول ومسرحاه ومثبتاه بمثبت شعر لورا بعد ما قصته لرقبتها، وجاكت بدلة رسمي أسود قافلة منه زرار واحد وتحته قميص كت أبيض.
حاطة سموكي ميك اب، ورابطة في معصم إيدها سكارف الشعر بتاع رفيف.
وباصة للسما، المكان الأخير اللي نوح أخد فيه رفيف.
كان الوشاح وقع من رفيف والرايق بيجرها للمرة الأخيرة، واللي إحتفظت بيه صبا.
جت شجن هانم بكرسيها من ورا صبا وهي بتقول بنبرة باردة:
"ادخلي حطي على أكتافك شال، الجو تلج."
ضحكت صبا بسخرية من غير ما تلفلها وقالت:
"متقوليش إنك خايفة عليا."
شجن هانم بهدوء:
"وليه لا؟ أنا خايفة عليكي أصل، ابنك ملهوش غيرك اديك شايفة أبوه."
لفت صبا وقالت بغضب:
"ابنك بليد، بارد.. لوح ثلج.. معندوش مشاعر لو أنا إتخطفت قدامه هيسيبني عادي مش هيلحقني، مبثقش فيه محبوسة هنا عشان خاطر ابني."
شجن بتكشيرة وهي بتبص لها:
"إنتي بتقولي كدا عشان متأثرة باللي حصل لصاحبتك، إنما لازم تفوقي وتاخدي ابنك في حضنك، اهتمي بحبوب الاكتئاب بتاعتك لو دا هيساعدك شوية."
صبا بضيق وصوت عالي:
"ما تسيبيني في حالي بقى، أنا مبسكتش أفكاري بالمهدئات عشان تجيلي إنتي زي الوسواس اللي مبيسكتش."
شجن بحزن وهي بتبص للشباك اللي ورا صبا:
"إوعي تكوني فاكرة إني مش زعلانة أو باردة، أنا ست عاجزة زي ما إنتي شايفة، لو قادرة أقف على رجلي وكُنت قوية زي زمان كُنت خدت ابني عالجته."
عيطت شجن وقالت بنبرة حزينة:
"ابني عيان، زي الطير بيحط من مكان لمكان، مش مدرك بيعمل إيه، ابني مخه تعبان ونفسيته تعبانة والدنيا مش مخلياه ياخد نفسُه يتعالج، زي الطير اللي الصيادين بيستنوه يفرفر ويوقع مش هقدر أشوف ابني بيوقع. أنا أم وخايفة عليه، ابني مش لوح تلج يا صبا، ابني تعبان مبيطمنش غير في حضني. حبيبي ابني، وحيدي.. دا أمير دا، صغير أو كبير ييجي بعد ما الدنيا تتعك يحط راسه على رجلي يرتاح، زي العيل اللي بيواجه الدنيا ولما يغلط يجري على أمه، مبقاش عارف يجري عليا. يا حبيبي يابني كل جهة تمشي فيها عفريت.. حسي بيا إنتي أم ابنك اللي خرجت روحه من روحك وكبر قدامك وفي حضنك، بيتعذب بمرضه، وبيعافر."
دمعت صبا وقعدت على ركبتها قدام شجن وهي بتحضنها وبتقول بنبرة باهتة:
"معلش، كل واحد فينا أول ما بيتولد بيتكتبله مصيره، واللي مكتوب لابنك وليا.. هنشوفه."
شجن بعياط:
"هيموتوه، سحبوه من حضني وحبسوه بعد ما كان نايم، سحبوا ابني من حضني وحبسوه وكان ورا القفص وعيان.. كان خايف."
***
في جراج سيارات عزيز الإبياري.
كان معلق على حيطة الجراج زي خريطة لكذا مدخل، وصور نوح ورفيف.
شغالة أغنية "Do you remember When we fell in love? We were young and innocent then Do you remember How it all began? It just seemed like heaven, so why did it end? Do you remember Back in the fall? We'd be together all day long Do you remember Us holding hands? In each other's eyes, we'd stare Tell me"
وعزيز لابس بنطلون أسود عليه حزام بني جلد وعاري الصدر، ماسك أنبوبتين مليانين، كل واحدة في إيد بيرفعها لفوق بإيد واحدة وهو بيبص لصورة نوح بـ حقد.
إتفتح باب الجراج، ووقف واحد من الجاردز وهو حاطط إيده ورا ضهره. رمى عزيز الانبوبتين على الأرض وعملوا صوت جامد. رمش الجارد مرتين، كان لافف عزيز صوابعه بـ شاش وهو بيطفي الميوزك، وجسمه جايب ترقبص بطرف عينه للجارد اللي واقف وقال:
"ما *** إنجز!"
الجارد بهدوء وطاعة:
"جالك استدعاء رسمي من قسم الشرطة يا قائد."
مسح عزيز فوق شفته وقال:
"ليث.."
الجارد بـ موافقة:
"مظبوط يا قائد."
تحولت ملامح الجارد للضيق والحزن وهو بيقول:
"في حاجة تانية حصلت يا قائد، والدنيا مقلوبة."
عزيز وهو بيحرك رقبته يمين وشمال عشان تطقطق:
"ها؟"
الجارد بـ حزن:
"أصل.."
يتبع..
رواية العبث الاخير الفصل الثاني 2 - بقلم روزان مصطفى
حدثته عن الظلام كما أراد بتساؤله، أخبرته أن أكثر الأماكن ظلمة معتمة داخل طفل تخبط يمينًا ويسارًا من قسوة لم يعهدها، لقد وهبه الله بريء ونقي كـ القُطنة لعائلته، دمرته العائلة والدنيا وكل ما يمر به يغرز داخله خنجر القسوة، بهت نوره وتلوث بالأسود وأصبح مظلمًا، محشو بالضغينة والشيطنة.
المكان: عيادة الطبيب النفسي بالزمالك.
التوقيت: منتصف الليل.
وصل كُلًا من منال وليث وخلفهم بقية أفراد الشرطة، بعد أن وصلت إخبارية أنه تم العثور على جثمان الطبيب الشاب مشطور الرأس لنصفين، وحتى العنق.
تقدم ليث ناحية باب العيادة المفتوح على مصراعيه، ودخل الغرفة، وشاف المنظر والمصور الجنائي بيصور الجثمان، وبالطبع الدم منثور في كل مكان.
دخلت منال ورا ليث وهي شامة ريحة الدم بقوة، دخلت الغرفة ولأول مرة تصاب بالغثيان، حطت إيديها على بوقها وقعدت تكح جامد وهي حاطة إيديها على شفايفها. لفت ولقيت صندوق القمامة جنب باب الغرفة وتقيأت جواه.
ليث وهو حاطط معصم إيده على بوقه ومناخيره وعينيه مبرقة بصدمة، تساءل باستغراب:
إيه المجزرة اللي حصلت هنا دي؟ في إيه؟
كان المحقق الجنائي قاعد بالقرب من الجثة وبيدقق فيها، لو القاتل وقع منه شيء غير ملحوظ أو حاجة تفيده. لما سمع تساؤل ليث وقف على رجليه وتقدم منه وهو بيقول بتأفف أخرج معاه دخان الشتا:
مساء الخير يافندم، مع حضرتك المحقق الجنائي عمر إبراهيم.
ليث باحترام قال:
نقيب ليث الصفتي، إيه انطباعك عن الجريمة؟
المحقق وهو بيعدل نظارته الطبية:
في الحقيقة أنا لسه واصل مسرح الجريمة حالًا، وأكيد أي تقارير هتخرج من عندنا هتتقدم لحضرتك بالتفاصيل الوافية، لكن كـ نظرة مبدئية في شخص اتقتل وشخص هرب.
ليث بتضييق عين:
في كاميرات؟
رفع عمر حواجبه الإثنين بمعنى لا وقال:
في آثار كرسي متحرك على الأرض، بداية من الحتة دي (بيشاور على الأرض بجزمته) بعدها رفع رقبته وقال: لغاية برا، قبل السلم بخطوتين بالظبط.
ليث وهو بيفكر قال:
تقصد أن القاتل شخص مُعاق؟
منال بشرود:
أو ممثل على الطبيب النفسي إنه غير قادر على الحركة وعاجز.
حرك عمر راسه يمين وشمال وقال:
مش هيستفاد حاجة لو عمل كدا، القاتل شخص تاني لإن واضح إن اللي مقعد على كرسي متحرك غير قادر على الحركة بالفعل مش تمثيل، أصل لو جاي بـ هدف القتل وبيمثل.. كان لما انتهى من الجريمة مشي على رجليه عادي مش على الكرسي، الغريب إن مفيش آثار رجلين القاتل، ودا معناه حاجة واحدة بس.. إحنا بنتعامل مع شخص واخد حذره واحتياطاته كويس جدًا، ومالوش أي بصمات حتى على الجثة.
بلعت منال ريقها وهي بتبص لليث اللي كان بيفكر في حاجة، لكن مش متأكد منها!
***
المكان: فيلا بدر الكبير.
التوقيت: صباح اليوم التالي.
كانت قاعدة سيليا على الأنتريه وجنبها سيا على كرسي الأنتريه، حاطة سيا راسها على كف إيديها بصداع وإرهاق.
بدر وهو رايح جاي قدامها:
بصي يا بنتي أنا جبتك من أمريكا نزلتك مصر إنتِ وبنتك ومرضتش أضغط عليكِ عشان نفسيتك، عاوز أعرف أسباب الطلاق، مين طلبه وليه وعشان إيه! بقالك أسبوعين ساكتة كل اللي بتعمليه إنك قافلة على نفسك وعلى بنتك أوضتك، طب إنتِ تعبانة نفسيًا حقك مقولتش حاجة لكن متأثريش على سيلا عشان دي طفلة! اسمعي أنا قولتلك أنا في ضهرك وأمانك، بس أفهم!
سيليا وهي باصة قدامها بشرود قالت بصوت مبحوح:
عاوز تفهم إيه يا بابي؟ إتطلقنا ليه؟ هو اللي طلقني.. عشان أنا عاتبته إنه مش قادر يحمينا أنا وبنتي.
رفعت سيا راسها وبصتلها وقالت:
وحياة أمك؟
بصتلها سيليا وقالت بعتاب:
مامي!
سيا بعصبية:
لا وحياة أمك كلميني زي ما بكلمك بلا مامي بلا رامي، أنا وأبوكي مش مولودين في جاردن سيتي يعني بس ربيناكم في عيشة البشوات، هو دا سبب يا بت يطلقك عشانه؟
سيليا وهي بتتشنج:
يعني أفضل معاه لغاية ما بنتي يجرالها حاجة من ورا تصرفاته دا اللي إنتِ شيفاه صح يعني؟
سيا بصوت عالي:
ما إحنا قولنالك من أولها خالص وأبوكِ وعمامك ريقهُم نشف معاكِ يقولولك هتتبهدلي، وإنتِ عارفة إن حياته خطر وافقتي ليه وخلفتي كمان بدر وسيلا!
سيليا بوجع في قلبها:
عشان بحبه.
سيا بضيق:
وطالما بتحبيه مستحملتيش نتيجة اختيارك ليه؟ سيبتيه يمشي كدا عادي؟
سيليا وهي بتعيط قالت:
ماما كرامتي فوق كل اعتبار، أنا كان خلاص فاض بيا من كل اللي حصلنا هناك، وعاتبته إنه السبب في كدا، طلقني عشان هو كمان زهق، زهق من كتر ما بقارنه بـ بابا.
بدر بدفاع عن عزيز:
طب دا واد جدع وراجل، دا خلاني أنا وعمامك ناخدكم ونسافر الصعيد عشان مش متوقعين هيعمل إيه لا وجالنا على هناك، الواد دا أنا مستغرب إنه ابن توفيق، دماغه سم وإبن لذينة.
سيا وهي بتخبط على رجلها:
وبيـحبها، الواد لما بيبصلها بحسه مش عارف يشيل عينه من عليها.
سيليا وهي بتبص للأرض بدموع:
مبقاش يحبني، زهق وراح لست جايدا.
سيا بغريزة الأمومة:
وماله ما هي أم ابنه برضو، الولد لازم يعيش بين أبوه وأمه زي ما بنتك حقها تعيش ما بينكم، إنتِ اللي خايبة.
حطت سيليا إيديها الإتنين على ودانها وهي بتقول:
أنا مش عاوزة أسمع كلام زي كدا، أنا مش مستحملة.
بدر وهو بيتنهد قال:
اللي فهمته منك إن الرايق خطف مراته وطار بيها في الهيليكوبتر.. وكدا بقى عدو طليقك والباقي.
سيا وهي بتعدل قعدتها قالت:
خطف مراته إزاي ما هي مراته لازم تكون مع جوزها في أي مكان يروحه.
برق بدر وهو بيقول:
جوز إيه وبيت إيه إنتِ بتتكلمي كإنهُم زوجين حياتهُم طبيعية، دا مجنون إبن ستين في سبعين يعني ياريتُه ماشي شمال بس، دا احتمال يأذيها!
سيليا وهي بتعيط:
ماهو عزيز تعبان زي نوح برضو، إشمعنى خايفين على رفيف ومش خايفين عليا.
بدر وهو بيسند راسه لورا قال:
لا نوح دا حاجة تانية، اللي يعمل كل دا يبقى مريض بدرجة كبيرة مش هيتقبل علاج دا يتحجز في مصحة نفسية لغاية ما يموت.
سيا بكلام ربات بيوت لسيليا:
إنتِ سبتي جوزك وهو تعبان؟ طب أديكِ قولتي مجنون ومحتاج علاج تقومي تسيبيه مكونتيش وافقتي على الطلاق كُنتِ حاولتِ معاه وضللي على بيتك وبنتك.
برق بدر وهو بيقول بنرفزة:
أمك هتجلطني! أنا راجل عندي السكر ومش قادر أفهمها، يا ستي إنتِ كل تفكيرك عن البيت والطبيخ، بقولك طليق بنتك مجنون يعني ممكن يأذي بنتك ويأذي حفيدتك.
سيا وعينيها بتطلع شرار:
مين دا اللي يأذي بنتي وحفيدتي والله أكله بسناني.
حضنت سيليا وهي بتطبطب عليها وبتقول:
إسم الله على بناتي الحلوين يا ناس.
بدر وقف وقال:
هروح شغلي أنا وبعد ما أخلص هحاول أوصل لإبن بياع الكبد والقوانص، هعاتبه على خفيف.
بص لسيليا وقال بتساؤل:
متأكدة إنه نزل مصر؟
سيليا وهي في حضنها مامتها:
أيوه متأكدة.
***
المكان: حارة المنيل.
نزل عيسى من عربيته وهو حاطط السلسلة بين سنانه بيعض فيها، رزع الباب وقلع نظارته الشمسية السودا وهو بيبص على دكان الغريبي.. السلسلة وقعت من بوقه ووشه اصفر وهو شايف القفل على الباب الكبير، غمض عينيه جامد وكإنه بيعصرها عشان ميشوفش ولا يعيط، حس بإيد على كتفه فـ فتح عينيه ببطء.
كان يوسف أخوه مربي دقن خفيفة ولابس قميص بني وهو بيقول:
حمدالله على السلامة يا عيسى.
بصله عيسى بتأمل وهو بيسحبه لحضنه وبيخبط على ضهره وبيقول:
الوحيد اللي بشم فين ريحة أبويا هو إنت، إنت اللي اتربيت في ضله.
يوسف وهو بيمسح عينيه:
الله يرحمه ويغفرله، تعالى أمي مستنياك.
عيسى وهو بيبتسم قال:
أخبار نيللي مراتك إيه؟
رفع يوسف أكتافه وقال:
بخير بتساعد أمي في المطبخ، تعالى تعالى.
لف يوسف وجه يمشي مسك عيسى دراعه وقاله بتكشيرة بيحاول يداري نظرة الحنين وقال:
مياسة جوة هي وقمر؟
بهتت ابتسامة يوسف وقال:
لا للأسف، أمي عرضت عليها تقعد في شقة أمل رفضت تمامًا، أجرت شقة في آخر الشارع هنا وقاعدة فيها.
برق عيسى وقال بخوف:
لوحدها!! إزاي تسيبوها تعمل كدا؟ خطر عليها وعلى بنتي!
بلع يوسف ريقه وقال:
هي مرضتش حاولنا معاها، متقلقش الحاجة خيرية حاطة الكرسي وقاعدة على مدخل العمارة محدش بيطلع ولا بينزل غير بإذنها ولما تحقق معاه ما إنت عارفها ولية صعبة.
عيسى وهو بيضغط على سنانه بغيظ:
خيرية إيه يا بني آدم إحنا كُلنا مهددين بالقتل! دا أنا مرعوب عليكُم ومش راضي أجي كتير عشان متتأذوش!
نزلت والدة عيسى وهي حاطة الشال الأسود على راسها ولابسة العباية السودا، قربت لعيسى وهي بتحضنه وبتشم ريحته وبتقول:
يا حبيبي، يا أغلى من روحي إنت، ابني البكري الغالي.
وبدأت تعيط، عيسى وهو بيطبطب على ظهرها وبيبص حواليه قال بهدوء:
وحشتيني يما، تعالي طيب جوة عشان الناس.
خدها ودخل مدخل العمارة وحضنها جامد وهي حضناه وبتعيط وبتقول بانهيار:
الحج الغريبي مات يا عيسى، كان نفسه يشوفك والله، كان نفسه يشوفك.
عصر عيسى عينيه وهو بيطلع منه صوت رجولي من العياط حاول يكتمه، بعدت والدته عنه وهي بتحط إيديها على قلبه وبتقول باشتقاق:
يا حبيبي كنت واحشني، إنت راجلنا دلوقتي يا عيسى، إنت راجلنا يا حبيبي، بركة إنك بخير وزين الشباب أهو.
خد عيسى نفس عميق وهو بيقول بنبرة هادية:
نياسة فين هي وقمر يما.
رمشت والدته بعينيها وهي بتقول:
في شقتها في آخر الشارع، شوف والله عملت ما يعمل عشان تقعد في الشقة اللي قصادي شقة أمل، إنها ترضى أبدًا، وخدت البت في حضنها وراحت بيها.. أنا مقدرش قلبي ميطاوعنيش حتى بعد طلاقكم أقسي قلبي وأقول أعاملها وحش قولت لا، بروحلها كل يوم وساعات هي بتيجي أنا عاملة حساب إنها حامل منك برضو دا غير قمر ست البنات.
ضحك عيسى بسخرية وقال:
كذا أريح لها يما.. دا طلبها وأنا حاولت كتير أخليها تتراجع عنه بعد ما نزلنا مصر، لكن فشلت.
والدته بابتسامة:
طب ادخل في الشقة دافية أنا فرشت السجاجيد من البرد، ادخل يا حبيبي.
خرجت نيللي وهي مبتسمة وبتقول:
أبيه عيسى حمدالله على سلامتك.
ابتسم عيسى وهو بيقول:
الله يسلمك يا نيللي تسلميلي، إحم.
دخل الشقة بعد ما خلع الشوز، أخدت أمه مفتاح شقتها وقالت:
هروح أنا لمياسة أجيبها وأجيب قمر عشان نتغدى كلنا سوا.
قلبه دق لما عرف إنها هتيجي فـ اتعدل في قعدته وقال:
مالوش داعي يمكن هي حابة تقعد لوحدها.
والدته وهي بتتحرك قالت:
ذبحت دكر بط لما عرفت إنك جاي النهارده من أخوك يوسف، أخوك ومراته معدتهم نشفت من الأكل الأي كلام اللي كنا بنمشي بيه حالنا بعد أبوك الله يرحمه، خليها تيجي تاكل معانا لقمة دافية أنا عاملة محشي.
خرجت والدة عيسى في الحارة وهي بتعدل الشال، والنسوان في البلكونات القريبة لبعضها شايفينها وهي ماشية وبيتكلموا وبيقولوا:
أول مرة تنزل كتير كدا من ساعة وفاة جوزها، ابنها اللي كان بيروح السوق يجيبلها الحاجة وييجي، كانت بتنزل تروح آخر الشارع وترجع طوالي، مش المفروض ياختي تقعد في بيتها متخرجش؟
الست التانية وهي بتحرك بوقها يمين وشمال:
ما جالها ابنها الغالي، مبقتش بهتم بأخبارهم من ساعة ما عيسى اتجوز، كان مالها بنتي بثينة يعني ولا عشان شعرها مش أصفر، أنا عارفة جابلنا مراته دي منين.
الست التانية بتركيز:
بس مش ملاحظة إنه جه من غيرها؟ وهي قاعدة هنا في الحارة لوحدها؟ مسم قال يا خبر بفلوس بكرة يبقى ببلاش.
وصلت والدة عيسى للعمارة اللي ساكنة فيها مياسة، لقت الحاجة خيرية قاعدة بتفرك ملوخية ناشفة وهي بتقول بصوت رايح:
صباحك فل يا أم عيسى، تاخديلك حبة ملوخية ناشفين والله غسلتها كذا مرة لما التراب بقى ينزل منها كدا.
لفت أم عيسى الشال على جسمها وهي بتقول:
كتر خيرك ياختي، هطلع بس لشقة مرات ابني وسعيلي.
شالت الحاجة خيرية الكرسي وهي بتقول:
عدي يا حبيبتي مش محتاجة إذن.
طلعت والدة عيسى على السلم وهي بتتنهد وبتقول:
يخرابي على الدور التالت، نفسي بيتقطع وأنا طلعالك يا بت يا مايسة (مياسة بس بتتلخبط في اسمها).
وصلت قدام الشقة كان ممسوح ونظيف، ضربت الجرس كذا مرة لغاية ما فتحت مياسة الباب وهي شايلة قمر اللي حاطة صباعها في بوقها.
الضحكة ملت وش والدة عيسى وهي بتشيل قمر وبتقولها بدلع:
يا صباح الهنا على قمري أنا، حبيبة تيتة الحلوة الجميلة، اللهم صل على النبي.
ابتسمت مياسة بنعاس وهي بتقول بصوتها الطفولي:
تعالي يا ماما اتفضلي، ادخلي بالشبشب عادي.
والدة عيسى وهي بتدخل:
ما أنا شايفة قدام الباب ممسوح وزي الفل ما أنا عندي نظر، عاملة إيه دلوقتي.
مياسة وهي بتقعد:
أنا بخير الحمدلله، اديني قاعدة مبعملش حاجة.
طبطبت والدة عيسى على ظهر قمر وقالت لمياسة:
طب قومي حطي العباية عليكِ والطرحة على راسك عشان رايحين عندي البيت.
مياسة بتضييق عين:
خير يا ماما في حاجة؟
والدة عيسى وهي بتبوس قمر:
هنتغدى ناكل لقمة سوا سخنة تدفيكِ من البرد وتعوض النزيف.
بصت مياسة للأرض وقالت:
الحمدلله إن دا حصل، مين هيربي طفلين مين هيقدر.
والدة عيسى بـ رمي كلام:
حس أبوهم في الدنيا.
مياسة بـ صوت هادي ومتردد قالت:
هو عرف إني سقطت؟
قالت والدة عيسى وهي مكشرة بتركيز:
لا مقولتلهوش كفاية عليه هم أبوه و..
سكتت والدة عيسى فـ قالت مياسة بابتسامة باهتة:
وأمل مش كدا! بصي يا ماما.. أنا استحملت اللي مفيش ست في الدنيا تستحمله، من بعد اللي حصل لصاحبتي في أمريكا وأنا معنديش ثقة في عيسى ولا في صحابه.. فـ الطلاق اللي حصل كان أفضل شيء.
والدة عيسى بضيق:
بس سيبتيه لوحده، اتخليتي عنه في وقت صعب، الست لو جدعة توقف جنب زوجها وتساندُه..
قاطعتها مياسة وقالت:
الكلام دا لو أنا بطولي أه! لكن طالما خلفت منه بنت فـ هي ذنبها في رقبتي لو عيشتها في الخطر والرعب دا، بنقذها بدل ما يبقى هي وأبوها.
برقت والدة عيسى وقالت بحزم:
إياكِ تقولي الكلام دا تاني بعد الشر عن ابني عدوينه يارب! قومي حطي العباية على جسمك خلينا نروح وحطي الطرحة على راسك.
مياسة بجدية:
أنا هلبس العباية بس مش هحط الطرحة لإني لسه مش محجبة، لما اتحجب هحطها عشان الحجاب مش لعبة..
***
المكان: قصر أمير الذهب.
نزل أمير من عربيته وفتح شنطة العربية، خرج منها شوال فحم ومجموعة خشب شجر وإزازة بنزين كبيرة، وحاجات تانية عمال يشيلها والجارد بتوعه بيحطوها في الجنينة، كانت صبا واقفة عند الشباك الإزاز ولابسة حلق سيلفر مدور كبير وسايبة شعرها، لابسة قميص أبيض وبنطلون وايد ليج جينز.
خرجت من القصر وطلعت للجنينة وهي مكتفة إيديها وبتقول بسخرية:
واو، حفلة باربيكيو دي ولا إيه؟ تحب أروح أعمل السلطة يا سي أمير؟
مبصلهاش أمير لكنه قفل شنطة العربية جامد لدرجة إنها اتخضت ورجعت لورا خطوة من الخضة، لف وبصلها بعدها بص للجاردز وراها وشاورلهم برقبتُه عشان يمشوا، بالفعل اتحركوا ومشوا بعيد راح مسكها أمير من شعرها وهي بتتألم جامد، همس في ودانها من بين سنانه وهو بيقول:
اللي قدامك دا مش أمير الطيب الكيوت الساكِت اللي واخد جنب، وحياة أمك وأبوكِ اللي ما صدقوا شافوا الفلوس عشان يرموكِ ليا لسانك لو طول عليا تاني هقصهولك، مش هيشفعلك حتى إنك أنقذتيني من الغرق، هغرقك بإيدي.. سامعة؟
صبا بألم قالت من بين سنانها:
ياريت تموتني عشان أخلص من اللي أنا فيه، إنت راجل شكاك ومعندكش ضمير زيك زي صاحبك نفس العجينة، وقاعد عمال تجيب في حاجات هايفة ومروق على نفسك ولا كأن حاجة حصلت.
أمير وهو بيسحب شعرها لتحت بقسوة أكتر قال:
أنا هعد لغاية تلاتة، وهسيب شعرك، لو لقيتك واقفة قدامي لسه قسمًا بالله ما هتشوفي ابنك.
ساب شعرها وبدأ بالعد، جريت هي في خلال ثانية كانت في القصر، فتح شنطة العربية تاني وخرج آخر حاجة.
حبل غليظ مليان مسامير، بص يمين وشمال ولما اتأكد إن مفيش حد شايفه حط الحبل في الكيس، واتحرك ناحية بقية الحاجات، لقى الجارد بتاع البوابة جاي ناحيته وهو بيقول:
أمير بيه، في عسكري من قسم شرطة جايب لحضرتك الورقة دي، بيقول إن النقيب ليث الصفتي طالب يشوفك.
بص أمير للجارد ببرود، فسحب الورقة من إيده وقال:
روح إنت مكانك.
فتح الورقة وشاف الإذن بتاع النيابة فـ قال بقر*ف ما هي كانت ناقصة *** دا كمان.
***
المكان: فيلا عزيز الإبياري.
التوقيت: الواحدة والنصف ظهراً.
كان ماسك مجموعة سكا*كين وعمال يحدفهم على صورة نوح الكبيرة اللي معلقها على حيطة الأوضة، دخلت جايدا الأوضة وهي لابسة روب بيتي وقفت الباب وراها، قعدت جنب عزيز عاري الصدر وهي بتقول بدلع وبتمشي صباعها على رقبته وخدُه:
هتفضل قافل على نفسك كتير؟ ابنك راح المدرسة أهو وأنا وإنت لوحدنا، مش يمكن..
قاطعها عزيز بصوت غليظ وقال:
مش هيحصل بيني وبينك أي علاقة تاني، أيوه إنتِ على ذمتي بس مش عايز، اخرجي برا واقفي الباب.
جايدا بوش أحمر قالت:
وإشمعنى سيليا اللي خلفت منها مرة واتنين وعشرة؟ إشمعنى هي الست الوحيدة اللي مبتقدرش تقاومها ولا تتحكم في نفسك قدامها! أنا مقدرش أعيش في العذاب دا، تكون قدامي ملمسكش، مخليتش أي راجل تاني يلمسني غيرك عشان صعب أوي الست اللي تكون مع القائد يملى عينها أي راجل غيره، هحس دايما في حاجة نقصاني، عايزك عايزك أكتر من أي حاجة تانية، مش قلة كرامة بس عشق، عشق ست حافظت على نفسها من أي راجل تاني غيرك، عايزة أكون حامل منك زي سيليا مرة تانية، خليها حتى تساعدني تقولي هي عملتلك إيه خلاك مهووس بيها كدا.
قام عزيز من على السرير وسحب الهودي الأسود بتاعه وهو بيقول:
سايبهالك عشان متتعذبيش، أنا غلطان إني جيت هنا.
جايدا وهي بتجري وبتوقف قدام الباب قالت بلهفة:
لا لا لا خلاص مش عايزة حاجة، عايزك قدام عيوني بس.
كان باصص قُدامه زي الكائن اللي من غير روح، مجروح من صديقه ومن فراقه لأكتر بنت حبها، معندوش مشاعر يديها لأي حد، مكانش في حساباته تظهر في حياته سيليا ويعشقها، بعد ما كان خلاص ورط جايدا معاه.
بصلها بطرف عينه وقال:
أنا دماغي مش مظبوطة اليومين دول وجاية معايا بجنان، فـ افصلي واخفي من وشي خليني أروح أغير هدومي عشان خارج.
جايدا بخوف:
رايح فين طيب؟
رزع الباب ومردش عليها..
***
المكان: قسم شرطة (***)
تحديدًا: مكتب النقيب ليث الصفتي.
كان قاعد على مكتبه وباصص للست اللي قاعدة قدامه بتعاطف وحزن، كانت قاعدة قدامه سيدة أربعينية لابسة سوت رسمي أسود وكعب أسود، كانت بتعيط بانهيار وبتقول:
آه كان ليه نزوات كتير بس مهما إن كان ومهما إن عمل ميستحقش أبدًا مو*تة بشعة زي دي.
ليث وهو متماسك عشان يعرف تفاصيل أكتر عن زوجها الراحل ممكن تفيده:
طيب دكتور إيهاب كان في حد مألوف بيتردد على عيادته كتير؟ أو كل ما تروحي مثلاً بتلاقيه؟
أخدت نفسها بصعوبة، مسكت كوباية الماية وشربت منها شوية بعدها حطتها وهي بتترعش وقالت:
كنت متعودة بعد النادي أعدي على إيهاب جوزي الله يرحمه، بس مش دايما مرات معدودة، اللي لاحظت وجودهم كذا مرة عنده في العيادة مدام فيفي حرم الباشمهندس رفعت، وبنت تانية شكلها صغيرة في السن لكن، قعيدة على كرسي متحرك.
اتعدل ليث بانتباه وقال:
شوفتي البنت دي كام مرة؟
سرحت بعينيها شوية بعدها قالت بنبرة رايحة من العياط:
تلات مرات تقريبًا، وكل مرة كنت بشوفها فيها كانت بتبقى مرعوبة كأن حد بيجري وراها، وعينيها مبتروحش من على الباب لغاية ما إيهاب ينتهي من الحالة اللي معاه ويسمحلها بالدخول.
ليث بمحاولة معرفة تفاصيل أكتر:
متعرفيش اسمها؟ مسمعتيهوش من المرحوم مثلاً أو من السكرتيرة بتاعته؟
رفعت أكتافها وقالت:
مسألتوش ميرنا ليه؟ (السكرتيرة).
ليث رجع ظهره لورا وقال بخيبة أمل:
للأسف اختفت في اليوم اللي الدكتور ات*تل فيه، أنا بشكرك جدًا يا مدام هناء وأتمنى يكون عندك سعة الصدر أنك تشرفينا لو احتاجنا منك أي تفاصيل تانية.
رجاء بحزن عميق:
أنا تحت أمركم في أي وقت بس أرجوك، من فضلك متسيبش حق زوجي.
ليث بحزن عليها:
أوعدك، والبقاء والدوام لله مرة تانية.
خرجت هناء من مكتب ليث فـ قعد على الكرسي وهو بيقلب تفاصيل القضية في دماغه، دخل عسكري وأدى التحية العسكرية وهو بيقول:
تمام يافندم، التلاتة اللي حضرتك طلبت نستدعيهُم وصلوا يافندم.
اتعدل ليث بحماس وقال:
قاعدين في مكان واحد؟
العسكري:
رافضين يافندم يكونوا في مكان واحد..
قام ليث من مكانه وهو بيجمع حاجته وقال:
طب روح إنت وأنا خارج لهم أهو.
خرج ليث من مكتبه ولقاهم واقفين، كل واحد فيهم في حتة لوحده.
جت منال من ورا ليث وهمست وقالت:
من ساعة ما جم وهما على الحال دا صامتين صمت المقابر بجد، عزيز حاطط هيدفون السودا ومش بيكلم ولا بيرد على حد، وعيسى زي ما إنت شايف هيكسر حديدة السلسلة بسنانه، أما أمير لابس الكاب وفوقه طاقية الهودي ومغطي ملامحه بيه مش فاهمة ليه، شكلهم مش مريحني.
ليث بهمس وهو بيبص لهم بتدقيق:
متقلقيش، هخليهم يتكلموا دلوقتي.
مشي ليث ووراه منال اللي قالت لهم يدخلوا أوضة الاستجواب، هما التلاتة سوا.
نزل عزيز الهيدفون عن راسه وبصلها ببرود وقال:
مش داخل مع حد، أنا جاي لوحدي وهدخل لوحدي.
منال تعاملت معاه بحذر عشان عارفة وضعهم الصحي فـ قالت:
من فضلك يا عزيز، وأوعدك لو أي شيء ضايقك هسمحلك تمشي.
سكت عزيز خمس ثواني وراح داخل، دخل أمير ووراه عيسى وقعدوا كل واحد في حتة، الترابيزة على جانبيها مقعدين حديد، قعد عيسى على المقعد من ناحية الشمال، وأمير جنبه وسايب مسافة كبيرة أوي بينهم قاعد على الطرف، وعزيز قاعد لوحده على المقعد من جهة اليمين.
دخل ليث وقفل الباب وهو بيشمر أكمام قميصه وبيتنهد وهو بيقول:
يا أهلًا وسهلًا بـ العابثين في المجتمع، متجمعين عند النبي، ولو إني أشُك.
هرش عزيز في دقنه وبص ببرود وهو رافع حاجب بسخرية، بص على ليث وكإنه بيدور على حاجة.
ليث شك في نفسه وبص لعزيز وهو بيقول:
إيه بتبص كدا ليه؟
عزيز بل شفايفه وبص قدامه وقال:
بدور على مفتاح الجنة اللي معاك، اللي مخليك تتكلم عن جزائنا في الآخرة بثقة أوي كدا.
ليث وهو بيسحب كرسي المكاتب قعد عليه وهو بيقول:
كان نفسي أضحك بس لسه خارج من حداد وبتاع، ألا هو فين الضلع الرابع بتاعكم؟ مش كنتوا على طول أربعة ولازقين في بعض؟ ينفع كدا المكان جنبك فاضي يا قائد؟
بص أمير للأرض بحزن وهو مداري ملامحه الحزينة، رفت عين عيسى لكنه بعد وشه عشان محدش يشوف.
عزيز ببرود وجمود:
أنا ماليش دعوة بحد أنا جاي لوحدي، شوف عاوز إيه عشان أنا مش فاضي.
ليث بضحكة صفرا:
طب عشان منعطلش سيادتك على زعزعة الأمن، قولي فين نوح؟
مردش عزيز وفضل باصص قدامه بدون أي ريأكشن.
ليث بل شفته اللي فوق بلسانه وغمض عينيه نص تغميضة وقال:
طيب فين الرايق؟
عزيز مردش برضو فـ قال ليث:
عندك فكرة إن صاحبك قتل الـ..
قاطعه عزيز بنفس البرود وقال:
أنا معنديش صحاب.
فرك عيسى حديدة السلسلة بين صوابعه، أما ليث عقد حاجبيه وقال:
أومال اللي قدامك دول إيه؟ والبيه اللي كان معاكُم برضو والـ..
عزيز بجدية:
مش أي حد ظهرت معاه كام مرة خلاص بقى صاحبي، متلزقش فيا حد أنا ماليش علاقة بحد، حاسبني على تصرفاتي أنا وبس، اللي يقتل يقتل دا برا عني.
كور ليث إيده بيحاول يمنع نفسه يتصرف تصرف متهور وقال من بين سنانه بغضب:
إنت عارف كويس أوي إني لو حاسبتك على تصرفاتك مش هخرجك من هنا!
مد عزيز معصمين إيديه لليث وقال:
حط الكلبشات يا باشا وأنا مش هرغي معاك كتير.
بصله ليث بصدمة ومقدرش يكمل الاستجواب مع أمير وعيسى، حاول ينظم أنفاسه بعدها قال:
إنتوا وعائلتكم تحت المراقبة لسببين، عشان لو نوح ظهر في محيطكم نعرف مين فيكم بيحور علينا، السبب التاني عشان الشيطان ميلعبش في دماغكم وتحاولوا تهربوا برا مصر زي ما عملتوا المرة اللي فاتت، لغاية ما يظهر بس..
عزيز ببرود برضو:
خلاص كدا أمشي؟
شاورله ليث على الباب بغضب مكتوم بالعافية، خرج عزيز ووراه عيسى وأمير، وكل واحد فيهم راح في إتجاه.
دخلت منال غرفة الاستجواب وقعدت قدام ليث وهي مبرقة بصدمة وقالت:
اللي أنا سمعته دا صحيح؟ مبقوش صحاب تاني؟
ليث بتركيز على القضية:
كذا أحسن، عشان كدا نوح هيوقع بسهولة، مبقاش عنده ضهر ولا حد يسندُه زي الأول.
منال وهي بترجع شعرها لورا قالت:
تفتكر واحد زي نوح هيحتاجهُم أصلًا؟ شوفت منظر الدكتور إي..
ليث باشمئزاز:
شششش من فضلك يا منال، مش عاوز أفتكر.
***
المكان: حارة المنيل
تحديدًا: منزل الغريبي.
والدة عيسى وهي قاعدة على الكنبة وجنبها مياسة شايلة بنتها قالت ليوسف:
يعني إيه قام فجأة وقال مش هتأخر؟ دا أنا قايلة هروح أجيب مياسة وبنته وجاية طوالي.
يوسف رفع أكتافه وقال:
طب أعمل إيه يما أنا معرفتش منه أي تفاصيل جالُه مكالمة قام بعدها بسرعة.
مياسة وهي بتطبطب على ظهر بنتها:
متوقع طبعًا.
نيللي بهدوء:
بس أبيه عيسى خس شوية، صح؟
والدة عيسى بحزن عليه:
آه والله، يا حبيبي يابني حتى اللقمة مش عارف ياكلها ولا يتهنى بيها.
سمعوا صوت عربية برا فـ قال يوسف:
أهو جيه أهو، مكانش لزوم النواح دا هو متأخرش.
دخل عيسى وهو بيقول:
معلش يا جماعة جالي مشوار مهم و..
مكملش كلامه لما شاف مياسة قاعدة جنب والدته، فـ قال بذهول:
إنتِ صبغتي شعرك أسود؟؟؟
مياسة قلبها دق ومردتش عليه، فـ قالت والدته:
تعالي يا نيللي نسخن الأكل اللي برد دا.
يوسف فهم فـ قال:
وأنا هروح أجيب حاجة ساقعة لبعد الأكل من البوهيمي.
خرج يوسف ودخلت نيللي ووالدته للمطبخ، قعد عيسى جنبها وهو بيبص قدامه بـ ضيق.
بعدها قطع الصمت بينهم وهو بيقول:
للدرجة دي الموضوع مأثر فيكِ؟
بصتله مياسة وقالت:
وإنت متضايق عشان الموضوع مأثر فيا؟ ولا عشان كسرتلك آخر جزء سليم في المرايا اللي بتشوفني أمل فيها!
بصله عيسى بعينيه الحزينة واللي فيها غضب وقال:
لا دا ولا دا، عشان مش عارفة أنا حبيت مياسة قد إيه، مفيش أي شخصية جوايا رفضتك أو محبتكيش.. ملكتيني.
عينيها لمعت بدموع فـ دفنت راسها في حضن بنتها، قرب عيسى من قمر وهو بيبوس خدها وبيقول:
وبحب كل حاجة منك، أو ليها علاقة بيكي.
وقفت مياسة وجت تدخل الأوضة راح مسكها عيسى من دراعها وقال:
مش بقول كدا عشان ترجعيلي أنا كدا كدا ميت، بقول دا عشان لما ييجي ميعاد موتي تعرفي كويس إنك مكونتيش بديل ولا تعويض عن حد، إنتِ كنتِ في حضني، في بيتي عشان مراتي، عشان حبيتك، أكتر من أي حاجة تانية..
مياسة بتساؤل متألم:
أكتر من أمل؟
بص عيسى للأرض وسكت، فـ هزت مياسة راسها بموافقة وقالت:
أنا قولت كدا برضو، بتحبني أه.. لكن عمرك ما هتحب حد أكتر منها.
كور إيديه وجه يتكلم قاطعته مياسة بعياط وصوت رقيق وقالت:
وعلى فكرة أنا سقطت.
رفع راسه وبصلها بصدمة، فـ قالت بعياط:
بعد طلاقنا مددت على السرير وعيطت كتير أوي، صحيت لقيت سريري مليان بدموع ودم..
جريت مياسة على الأوضة وقفلت الباب، اتنهد عيسى وهو مغمض عينيه وبيحاول يتجاوز كل المشاعر الصعبة اللي مر بيها.
***
المكان: مبنى رمادي من ثلاث طوابق أعلى مرتفع.
التوقيت: الثامنة ليلاً.
رواية العبث الاخير الفصل الثالث 3 - بقلم روزان مصطفى
لا يُمكِن وصفه أنهُ يُعاني مِن نوبات جنون، ما بِداخِلهُ ليست نوبات غضب بل بُركان محموم.. نيرانهُ مِن الجحيم، كُلما تُذيب جلود جسدك تُعاد كما كانت وتذوب مُجددًا، وفي كُل مرة تتجرع ذات الألم، حتى الموت لن يُنقِذك مِنهُ.. ذاك الغريب، المُتسِم بالهدوء، عيناهُ مسمومة بظلام دامِس، ظلام أكثر دكانة مِن السواد.
المكان: مبنى رمادي مِن ثلاث طوابِق أعلى مُرتفع.
التوقيت: الثامِنة ليلًا.
برودة الشتاء كانت كفيلة تخلي التكييفات مقفولة في الدور الثاني من المبنى دا، سجاد أنيق باللون الرمادي الفاتح والغامِق، كنب جِلد إسود.. ومقاعِد مُريحة متوزعة في المكان، طاوِلة بلياردو بجوار الزُجاج اللي بيطُل على الخارِج، سماء! وصمت.
عدا صوت محمد مُنير اللي بيصدح مِن مُكبرات الصوت في الدور دابأغنيتُه المُحببة لقلب نوح:
« مانيش أخِر حبيب يدخُل مدينتك، ولا هتكوني يوم أخر حبيبة.. دا اللي إنكتب مفروض يا عنقود العِنبدا عينيكي دول مرايات مرسوم أنا فيهُم، يا ضيعة الحكايات عـ اللي إنكتب فيهُم »
على باب الدور دا المُصفح، واقِف إتنين من الجاردز، لابسين بِدل رسمية وجوانتيات جِلد سوداء، وماسك على شكل أرنب لونه إسود.. واقفين زي الأصنام مبيتحركوش.
خرج نوح مِن المطبخ وهو ماسِك كاس، لابِس بُرنص إسود وشعرُه مبلول. مسك ريموت من الريموتات اللي محطوطة وفتح بيه كاميرات مُعينة، شاشة كبيرة متقسمة لكذا قِسم، ظاهر فيها بيت عزيز.. وبيت أمير، وبيت عيسى، وقسم الشُرطة، وبيت نوح شخصيًا الفاضي، وعيادة الدكتور اللي إتقـ| تل.
قطم نوح تُفاحة من طبق الفاكهة اللي قُصاده وهو بيبُص للشاشة وبيضيق عينُه، بقية تقسيمات الشاشة كان بيت خالتُه، وبيت خالُه.
نوح وهو بيقطُم من التُفاحة وبيمضُغها قال للجارد اللي واقف على الباب:
هشام رجع ولا لسه برا؟
الأرنب بطاعة:
رجع يا باشا، بيغسل نفسُه من د| م الدكتور.
بلع نوح اللي بياكلُه وقال ببرود:
زمان الد| م نشِف، متبقوش خرعين وتخافوا مِنُه كِدا.
الأرنب وهو باصص قُدامُه كإنُه جُندي:
إحنا تحت أمرك يا باشا.
قام نوح وهو بيقول بصوت عالي كإنُه زعيق:
رائِد.
سمع صوت خطوات بتجري من الجهة التانية، جِه قُدامُه واحِد لابِس إسود بس ماسك أرنب أبيض وقال بطاعة:
أمرك يا باشا.
نوح وهو بيمشي:
إقعُد راقِب الكاميرات إنت.
قعد رائِد وهو بيبُص للشاشة، قرب نوح مِن الباب المُصفح وحط بصمة إيده، إتفتح الباب والجاردز واقفين زي ما هُما، دخل نوح وإتقفل الباب تاني.
كان بعد الباب في سلم، بيطلعُه على الدور اللي فوق.
وهدوء تام صوت منير إختفى تمامًا بمُجرد ما الباب إتقفل، وصل للطابق الثالِث والأخير في المبنى دا، حط بصمة إيدُه التانية فـ الباب المُصفح إتفتح، دخل نوح كان في إتنين جاردز زي اللي تحت بالظبط واقفين على الباب من جوة. الوضع في الطابِق دا كان مُختلِف تمامًا.
الحيطان أبيض في بيبي بلو، السجاد كان باللون الأزرق الفاتِح، والمقاعِد والكنب أوف وايت.. اللوحات اللي متعلقة على الحيطان كانت عبارة عن لوحات عن البحر، والأحصِنة.
وفي الطابِق دا كان مُكبرات الصوت صادِح مِنها صوت موسيقى البيانو: Mozart-moonlight sonata.
الطابِق الثالُث كان عِبارة عن مكان واسِع، فيه غُرفتين بـِ جانِب بعض.
إتحرك نوح ناحية الغُرفة الأخيرة، وفتحها.
الغُرفة كانت باللون الذهبي الراقي المُنطفي، والأوف وايت، أثاثها بسيط ورقيق خلاها غُرفة راقية.
على السرير كانت قاعدة رفيف، وشها أصفر، عروقها الزرقا ظهرت في كفوف إيديها وتحت عينيها، وحواليها ثلاث طاولات من الأكل، الأكل عليهُم زي ما هُما.
كانت لابسة فُستان بيتي أبيض حرير، وشعرها الطويل مفرود على المخدة حواليها، وبطنها مُنتفِخة هي ورجليها.
وبتجِز على أسنانها بعجز، بص نوح للغُرفة حواليه بعدين عينيه ثبتت عليها فـ إبتسم إبتسامة صفرا وقال:
كدا مأكلتيش؟ ينفع يعني؟ جايبلك فراولة وجمبري وأفوكادو وصوصات عشان تفتح نفسِك، طب كُلي بطيخ حتى دا من غير بِذر!
رفيف بـِ رِقتها المعهودة قالت بصوت تالِف من التعب:
زيك تمامًا من غير قلب.
ضحك نوح ضحكة قُصيرة وقرب من اللي هي ممدة عليه، فـ بدأت تتأوه لإن رجليها وارمة وبطنها كبيرة حركتها صعبة، ودت وشها الناحية التانية وهي بتقول بنبرة مُرهقة:
إبعد عني، إوعى تقرب مني.
نوح لمس خُصلات شعرها وهو بيقول:
فاكرة لما كان حُضني بيطمنك؟ أبعد عنك إزاي وإنتِ حامِل مني وقربتي تولدي أهو.
رفيف بتعب وغيظ:
مش هولد وأكمل نسلك.
نوح بضحك:
هتبلعيه ولا إيه؟ فوقي وإعرفي إنتِ متجوزة مين ووضعك إيه، ومُستقبلك ومُستقبل عيالك عامِل إزاي.
قام من جنبها وهو بيقلع البُرنص عشان يلبِس بدلتُه، رفيف عينيها لمعِت بدموع وقالت:
مُستقبل مشوش، ضباب.. د| م.
لبس نوح البنطلون وهو بيربُط حزامُه قال:
إنتِ هتستهبلي؟ دا على أساس لما إتجوزتيني مكونتش متلطخ بالد| م؟
رفيف بحسرة:
متوقعتش تخون عيلتك وصحابك، وتخذلهُم.
لبس نوح قميصُه وقال:
إوعي عقلك يصورلك إنك هترجعيلهُم وتسيبيني، إنتِ مصيرك مربوط بمصيري، عندهُم أنا وإنتِ مفقودين وبيدوروا علينا، أما بالنسبة للي في بطنك هتولديه، وهقربلك تاني، وهتخلفي كمان.. عايز منك عشر عيال، مراتي حقي ودا شيء طبيعي، أنا بالفعل عاوز منك نسل.
رفيف بعياط وصويت:
يا مريض يا مُختل، حد يخررررجني من هنااا، حد يساعدني بموو| ت.
شاور نوح بصوباعُه على برا وهو بيقول:
الميوزيك دي جميلة أوي هتساعدك تسترخي وتاكلي، عايزك تتغذي كويس، لو طلبتي لبن العصفور هجيبهولك، المُهم عيالي يطلعوا جامدين زي أبوهُم.
خرج نوح من أوضتها فـ رفعت راسها وبصت للسما وقالت:
يارب لا، يارب لو إتولدوا يطلعوا صالحين، كويسين، متقيينك يارب، كافيين الناس شرهُم.. سامحني يارب أنا غلطانة، غلطانة إني سكت عنُه وكملت معاه لما عرفت حققتُه، غلطانة إني حبيتُه، يارب يتعالِج بعيد عني ويطلقني، يارب خرجني من هناا.
كملت عياط فـ حست بألم شديد، وبدأت تصوت أكتر.
نوح بعد ما خرج من أوضتها نادى البنات من الاوضة التانية اللي هي أوضته اللي كانوا بيرتبوها، خرجوا وقالوا بطاعة:
إحنا تحت أمرك.
نوح وهو بيكمل يقفل أزرار قميصُه:
المدام رجليها وارمة خدوا الكريم بتاع التدليك وإعملولها مساچ، ولو عضتك زي المرة اللي فاتت عرفيني.
راحوا على أوضة رفيف، مسكت واحدة قُطنة ومياه ورد وبدأت تمسح وش رفيف، والتانية حطت كريم التدليك على رجليها وبدأت تدلكها، الثالثة كانت بتسرحلها شعرها.
رفيف بضيق وهي مكشرة وباصة للسقف:
أنا مش جُثة عشان تسرحولي شعري وتمسحوا جسمي بالقُطن.
البنت بهدوء:
دي أوامر الباشا.
إتعدلت رفيف بالعافية وهي بتتألم وقالتلها:
طب طمنيني على أختي حتى، أرجوكِ ساعديني، إنتِ بنت زيي أكيد حاسة بيا.
البنت مردتش عليها، فـ كملت رفيف وقالت بإستعطاف:
حُطي نفسك مكاني!
البنت بإبتسامة:
صعب، المكانة اللي حطك فيها نوح باشا لا حط فيها حد قبلك ولا حد بعدك، إنتِ أم ولاده.
رفيف بعياط:
دا خاين، ليه الناس بتعظم في الخاينين وبيحترموهم أوي كدا.
***
المكان: قِسم الشُرطة.
التوقيت: السادِسة صباحًا.
صوت الهواتِف المكتبية بيرن بِلا إنقطاع، وصوت قلب أوراق.. وأوامر بترحيلات، دخل ليث وهو شايل كوب مِن الورق المقوى فيه قهوة، خرجت منال من مكتبها بسُرعة وهي شايلة كيس وبتقول:
صباح الفُل يا سيادة النقيب.
ليث بتعب:
صباح النـ..
مكملش جُملته لما شاف الكيس اللي في إيديها فـ قالها بتساؤل:
إيه اللي في إيدك دا؟
دخل مكتبُه فدخلت وراه وهي بتقول:
ساندوتشات بطاطس على مخلل جزر وشوية كاتشب.
قعد ليث على مكتبُه وهو بيبُصلها وقال:
نسيب اللي ورانا وناكُل بطاطس مش كِدا؟
إتأففت منال وقالت:
يعني منفطرش! ليه محسسني إني جيبالك حلة محشي؟ خلينا نرُم عضمنا عشان نعرف نشتغل بقى.
حط ليث الملف قُدامها وقال:
دا شُغلي طول الليل، دماغي بتجيب هنا وهناك، ومش قادر أستوعب هو إزاي نوح مرضه تطور للبشاعة دي، ملف الدكتور إيهاب مش مُشرف أوي، نزوات وعلاقات وبتاع، عمومًا اللي حصل خلاص حصل مفيش في إيدينا حاجة، نيجي بقى للنُقطة الأهم، البنت القعيدة اللي قالِت عليها مرات الدكتور راحِت فين؟
خرجت منال من الكيس ساندوتش بطاطس وحطت عليها كاتشب وقطمت منُه وهي بتقول:
وورفيف مرات نوح برضو فين!
فرك ليث بين عينيه بصُداع وقال:
بيتهيألي اللي قتـ| ل الدكتور دا قتـ| لُه عشان دا طبيب نفسي معاه أسرار المرضى، القا| تل مش عاوز سرُه يتفشي قُدام إيهاب الله يرحمُه.
بلعت منال الأكل وسرحت وقالت:
يبقى اللي كانت بتقول سِر القا| تِل البنت القعيدة اللي إختفت!
إبتسم ليث وقال:
طالما الأكل هيخليكِ تفوقي، هاتي ساندوتش كدا عشان إبتديت أفوق أنا كمان.
***
المكان: حارة المنيل-تحديدًا: شقة مياسة.
التوقيت: التاسِعة والنِصف صباحًا.
طلعت والدة عيسى على السِلم وهي بتاخُد نفسها بالعافية، حطت إيديها اللي ماسكة مفاتيح بيتها على الجرس وهي بترن. إستنت دقيقتين بعدها سمعت صوت خطوات وحد بيقرب ناحية الباب، فتحت مياسة الباب وهي لابسة بنطلون بيچاما أوف وايت عليه رسمة تويتي صغيرة، وبتبُص من ورا الباب، لما لقتها والدة عيسى فتحت الباب وقالت بنصف عين:
صباح الخير.
والدة عيسى وهي بتسلم عليها وبتدخُل:
يا صباح الهنا، إيه لسه نايمة ولا إيه؟
إتاوبت مياسة وقالت بتعب:
قمر منيمتنيش طول الليل، عايزة ترضع أو تغير أو أفضل شيلاها ورايحة جاية بيها في الشقة لغاية ما تنام، وبعدها بـ مفيش ألاقيها صحيت وعيطت تاني.
والدة عيسى وهي بتبُص حواليها:
أومال هي فين دلوقتي؟
مياسة وهي بتعدل شعرها وتظبطُه:
لا نايمة خلاص ما أنا بقولك طول الليل منيمتنيش.
قالت والدة عيسى وهي بتحُط الشال عليها كويس:
طب يلا غيري هدومك وتعالي معايا أوريكِ حاجة.
مياسة بقلق:
خير يارب، حصل حاجة؟
والدة عيسى وهي بتطمنها:
لا خير الحمدلله، متخافيش قومي بس وهاتي قمر دفيها كويس، وغيري هدومك.
مياسة بهدوء قالت:
طب أعمل شاي بلبن وبقسُماط نفطر.
أم عيسى وهي بتخبطها في كتفها بخفة:
هفطرك أنا ملكيش دعوة، قومي بس.
رفعت مياسة أكتافها بإستغراب وقامت وهي بتقول:
حاضِر.
قامت لبست عباية لونها إسود وأطراف أكمامها من ناحية المِعصم عليها فيونكة وردي، وحطت شال إسود عليها، حطت قمر في سرير البيبي اللي بيتشال وعليها بطانيتها وخرجت للصالة وهي بتقول:
أنا جاهزة أهو.
قامت والدة عيسى وهي بتتنهد وقالت:
هااه، توكلنا على الله، دفيتي البت كويس؟
مياسة قالت بنُعاس:
أه متقلقيش.
والدة عيسى بوسوسة:
إتأكدتي إن السخان والبوتوجاز وكُله مطفي وتمام؟
مياسة بنفاذ صبر لكن بأدب:
أه مقفولين من إمبارح متقلقيش.
قفلت الباب ونزلوا لقوا الست خيرية قاعدة، رموا عليها السلام وبدأوا يتحركوا.
راحوا ناحية العمارة اللي ساكنين فيها هي ويوسف إبنها وطلعوا على السلم.
مياسة بإستغراب:
هتوريني حاجة في شقتك يعني؟
والدة عيسى وهي كالعة بحماس قالت:
إصبُري على رزقك بس.
طلعوا لغاية شقة أمل، وبدأت والدة عيسى تفتح فيها.
مياسة بضيق:
معلش يا ماما أنا مش عاوزة أدخُل الشقة دي.
والدة عيسى بضحكة قُصيرة:
أنا عارفة السبب بس برضو إصبُري على رزقك.
فتحت والدة عيسى الباب وقالت لمياسة تدخُل، دخلت مياسة وهي شايلة قمر النايمة وبصت للشقة بضيق، بعدها سمعت صوت حاجة وقالت بإستغراب:
إيه دا!
فتحت والدة عيسى باب أوضة وقالت:
بُصي، جبت كتاكيت فراخ وبط صغير عشان أربيه.
مياسة بإبتسامة:
يخلاثوو بطابيط.
والدة عيسى بتضييق عين قالت:
مين ياختي؟
مياسة وهي بتدي قمر لجدتها قربت من البط وقالت:
بطبوطات صغيرة، بحبهم أوي.. ولما يتحطوا في بانيو مليان مياه بيبقوا سكر خالص يخوااتي.
عيسى كان واقف عند الباب وهي مديالُه ضهرها قاعدة على رُكبها قُدامهُم بتدلعهُم، وهو الإبتسامة كانت مرسومة على وشه بطريقة غريبة، وبيضحك من غير صوت على صوتها الطفولي وهي بتدلعهُم.
وقفت مياسة وهي بتنفض عبايتها لقت عيسى وراها فـ وشها إحمر وبقت تعدل في شعرها وترجعه ورا ودانها.
والدة عيسى بإبتسامة:
إيدك في العسل يابن الغُريبي، مراتك بتحب البطابيط يا سيدي.
لما قالت مراتك إبتسامة عيسى تلاشت ومياسة وشها إحمر أكتر، حست والدة عيسى إنها إتلغبطت لإنهُم مُطلقين فـ غيرت الموضوع وقالت:
الأوضة دي أدفى أوضة في الشقة عشان ميبردوش لإنهُم لسه صغيرين، عايزة أجبلهُم لمبة صفرا هتدفيهُم في البرد دا وتنورلهُم عشان ياكلوا العلف ويشربوا المياه.
عيسى وهو بيحرك السلسلة في رقبتُه وباصصلهُم سرحان قال:
طب سهلة، هوصي يوسف يجيب اللمبة وهركبهالك أنا وأظبُطهالك عشان متبقاش حامية عليهُم برضو.
والدة عيسى إستغلت الفُرصة وقالت:
خليك، هوصيه أنا وبالمرة أريح ضهري شوية في شقتي على ما إنت تركبها لاحسن البت قمر زمانها بردت، وأهي مايسة هنا هتساعدك.
برقت مياسة وهي بتقول:
لا مينفعش أصل أنا..
قاطعتها والدة عيسى وهي بتقول:
إنتِ إيه؟ وراكِ طبيخ ولا غسيل ولا إيه؟ الشقة بتاعتك زي الفُل وقفلتي كُل حاجة، وبنتك نايمة.. يلا ركبولي اللمبة وأنا مستنياكُم.
خرجت من الأوضة وسابتهُم سوا لوحدهُم فيها، لعبت مياسة في ضوافرها وهي باصة عليهُم عشان تهرب بعينيها من نظرات وعيون عيسى، حط عيسى إيديه في وسطُه وهو بيبّصلهُم وبيضيق عينيه بتركيز بيفكر هيحُط اللمبة فين.
واحد من الكتاكيت بتاعة الفراخ كان ديك صُغير، حرك جناحُه جامد فـ إتخضت مياسة ونطت على عيسى حضنتُه وهي بتقول برُعب:
يالهووي.
كانت بتترعش وقلبها بيدُق وعيسى باصص لراسها اللي في حُضنه بتركيز، رفعت مياسة راسها وهي متعلقة في رقبتُه وعينيها جت في عينيه، دقيقة صمت نسيت فيها نفسها في حُضنه وبتبُصله، كان إنهُم يبعدوا عيونهُم عن بعض شيء صعب، لكِنها إستوعبت إنهُم إنفصلوا وإستوعبت السبب، وإستوعبت إنها في بيت أكتر بنت حبها، فـ فكت إيديها عن رقبتُه وجت تبعد عن حُضنه شالها ورفعها عن الأرض وهو بيحضُنها تاني وقال بهمس:
خليكِ.
غمضت عينيها وهي بتبعدُه عشان تنزل بهدوء وقالت:
مبقاش من حقك خلاص.
سابها ونزلها فـ عدلت هدومها وشعرها وهي بتترعش، وجت عشان تطلع لقت يوسف في وشها بيقول:
السلام عليكُم، أنا جيبت اللمبة.
خلع عيسى الچاكيت بتاعُه وفضل بالهاي كول الإسود والبنطلون، فتح الباب الخشب الصُغير بتاع الفراخودخل فيه وهو بيقول ليوسف:
طيب هجيب السلك من هنا، أعلق فيه اللمبة، وإنت روح ناحية الباب عشان تحطُه في الكهربا، بس الفكرة هنا أثبتُه إزاي مفيش مُسمار.
مياسة بتوتُر:
طب هروح أنا أشوف قمر صحيت ولالا.
يوسف عشان أمه مفهماه:
لا لسه لو صحيت أمي هتناديكِ، معلش يا ماسة ممكن بس تساعديني أسحب السلك؟
***
المكان: ڤيلا بدر الكابِر
الساعة: الثانية عشر والنصف ظُهرًا.
وصلت العربية اللي جايبة سيلا مِن المدرسة، نزلت سيلا منها وهي شايلة شنطتها وداخلة مبوزة كـ العادة، دخلت الڤيلا لقت سيا قاعدة فـ قالتلها بطفولية:
أنا جيت يا تيتة.
سيا بإبتسامة عريضة وإستقبال حلو:
نورتي يا حبيبة قلب تيتة، تعالي يا سيلا أقولك حاجة كدا.
قامت سيا وقفت وهي بتمد إيديها لـ سيلا، مشيت سيلا وراها وهي بتتأفف بزهق أطفال راحت سحباها سيا على المطبخ، فتحت الفُرن كان فيه فرايد تشيكن وبطاطس ومكرونة بالبشاميل.
لوت سيلا بوزها فـ قالتلها سيا:
ومين عملتله الكيكة اللي بالشوكولاتة اللي بيحبها؟ عملتلك الأكل الحلو دا ليكِ.
سيلا بتعب:
تيتة أنا عايزة أنام، ومش عايزة ماما تحبسني في أوضتها عشان أنا مش بدر.
سيا بضيق:
مفيش نوم إلا أما تاكلي إنتِ وشك أصفر، لو مش عجبك الأكل دا أعملك غيرُه.
سابتها سيلا وخرجت من المطبخ فـ قالت سيا:
يا بنت الكلا | ب خُدي يا بنت!
خرجت سيليا من الحمام وهي لابسة الروب وبتنشف شعرها الطويل، لقت سيلا بتجري راحت مسكاها شيلاها وحضناها وقالت برُعب:
حمدالله على سلامتك يا ماما، عملتي إيه في المدرسة؟
سيلا وهي بتحاول تنزل:
أنا مش عاوزة أتحبس في الأوضة أنا معملتش حاجة عشان تحبسيني.
سيليا بقلق:
طبعًا يا قلبي معملتيش حاجة إنتِ أشطر بنوتة، أنا مش بحبسك أنا بحب إنك تنامي في حُضني.
برقت سيلا ولوت بوزها وقالت:
وأنا مش عايزة، إنتِ بتعملي كل دا عشان مشوفش بابا تاني، بس أنا عايزة بابا، إنتِ ضايقتيه فـ مشي راح لأخويا وسابني، وأنا مش هسامحك عشان إنتِ أنانية بتحاولي تلغيه.
إتصدمت سيليا وهي سامعة كلام كبير من بنتها فـ قالت بصدمة:
مين اللي قالك الكلام دا؟
عيطت سيلا ومسحت عينيها بـِ كُم التيشيرت المدرسي وقالت:
أنا كُنت بسمعكُم وكُنتِ دايمًا بتضايقيه ودايمًا عيزانا نمشي ونسيبه لوحدُه، إنتِ قاعدة مع بابا وماما بتوعك وأنا قاعدة معاكِ إنتِ بس، تبقي أنانية.
مسحت سيليا وشها بكفوف إيديها وقالت:
حبيبتي دي مشاكل كُبار عيب نتكلم فيها.
سيلا بصوت عالي وعياط:
دي مشاكلي أنا إني مش هشوف بابا مبقاش ييجي ليا المدرسة زي ما كان بيعمل زمان، ولو.. ولو جُم أخدوه مش هعرف ألحقُه.
سيليا كتمت عياطها وقالت:
هُما مين بس اللي ياخدوه؟
سيلا رمت شنطتها وقالت:
البوليس والناس الوحشة، أخدوه قبل كدا وكان بيبُصلي عاوزني أساعدُه.
سيليا وهي بتطبطب عليها:
مكانش بيبُصلك عشان عاوزك تساعديه، كان بيبُصلك عشان بيحبك وعاوز يطمنك.
جريت سيلا وهي بتجري إتخبطت في رجلين بدر الكابِر اللي كان لسه راجِع من الشُغل، لما شافتُه سيليا وقفت وكملت تنشيف في شعرها وهي كاتمة دموعها بالعافية، بص بدر لسيلا وشالها على دراعُه رفعها عن الأرض وبصلها وقال بهمس سمعتُه سيليا:
إيه رأيك أخدك أوديكِ لبابا؟
إتسعت عيون سيلا بسعادة وقالت بحماس:
بجد؟
سيليا بتبريقة:
لا محدش ياخُد بنتي مني.
جت سيا من وراها سحبتها وقالت:
دا جدها مش اي حد متخافيش تعالي إقعُدي معايا.
سحبت سيليا إيديها من أمها برُعب وقربت من أبوها وهي بتقول:
بابا لو سمحت، سيلا بلاش تخرُج، عشان خاطري.
سيلا بصوت عالي طفولي:
أنا عاوزة أشوف بابا.
بص بدر لسيليا بحزم ومد إيديه لسيا وقال:
أكلي سيلا كويس لو مأكلتش مش هاخدها، ولبسيها عشان شوية ونمشي نروح لبابا.
سيلا:
هيييه، هاكُل الطبق كُله كُله خالص.
مشيت سيا وهي شايلة سيلا، بص بدر بحزم لسيليا بنتُه وقال:
مش كان سبب طلاقك من جوزك إنك بتحسي بالأمان معايا أكتر منُه؟
رفعت سيليا أكتافها وعينيها بتلمع بالدموع وقالت:
هو اللي ما صدق وطلقني، دا كان فضفضة من الضيق.. بابا من فضلك سيلا مينفعش تخرج وتدخُل كتير، خليها تيجي تنام شوية بعد المدرسة عندي في أوضتي.
بدر من بين سنانُه:
يا بنتي إفهمي! مينفعش تحبسيها من كتر خوفك عليها، إنتِ بقيتي تشوفي كوابيس إن نوح بيخطفها مبيرجعهاش وتصحي تصوتي في نص الليل وتخُضيها، حرام دي طفلة حرام تعيش الرُعب دا.
سيليا نزلت دموعها وقالت:
غصب عني مش عيزاه ينتقم مني أو من أبوها فيها، ياخُدني أنا يعمل فيا ما بدالُه بس بنتي لا.. سيلا لا، دي بتخاف ولو جرالها حاجة هموت نفسي.
بدر وهو بيحضُنها بيهديها:
بلاش الكلام دا، لا إنتِ ولا هي هيحصلكُم حاجة إنتِ بس تعبانة يا بابا عشان شوفتي صاحبتك بتتخطف قُدامك وعرفتي إنُه هو ورا كُل اللي بيحصل.
عيطت سيليا جامد وهي بتقول:
أه أنا تعبانة، ومُستعدة أتعب أكتر وأكتر بس ولادي ميجراش ليهُم حاجة.
بدر بإبتسامة:
طب بس كفاية عياط إمسحي دموعك، بدر نايم؟
حركت راسها بمعنى أه فـ قال بدر:
متخافيش بجد هاخدها في العربية للبيت ومن البيت للعربية ولا نوح ولا غيرُه هيعرف يلمس مِنها شعره، تمام؟
بصتلُه سيليا ومنطقتش، وقلبها مبطلش دق مِن كُتر الخوف.
***
المكان: منزل عزيز الإبياري
التوقيت: الخامِسة مساءًا.
الجارد لعزيز وهو واقِف قُدامُه بإحترام:
روحت سألت عنها في كُل مكان كانت بتروحه حتى لو راحتُه مرة واحدة بس ومحدش فادني بحاجة، فص ملح وداب كإنها متولدتش.
عزيز كان قاعِد بتيشيرت كت إسود وفوقه هودي رمادي غامق، قال بنبرة ضيق:
يبقى خطفها هي كمان بس مش فاهم ليه، أنا نفسي يظهر ولو لمرة واحدة بالغلط وأنا أعمل فيها خُفاش وأجيب رقبتُه تحت إيدي.
بابااااا.
فك عزيز صوابعُه اللي كان مكورها بغضب، وملامح وشُه رقت ولانِت لما سمِع صوتها، نُقطة ضعفه جت.
جريت سيلا ناحية عزيز وهي فاتحة دراعاتها راح موطي وشايلها وهو حاضنها وبيبوس فيها، حتى نبرة صوته رجعت هادية تاني وهو بيقول:
أحلى حد يناديني في الكون كُله، أجمل بنت على وش الأرض.
مسكت سيلا خدوده بإيديها الصُغيرة وهي بتقول:
أنا جيت متخافش.
عزيز بإستغراب:
مخافش؟ من إيه يا بابا؟
سيلا بوشوشة:
محدش هياخدك تاني مفيش بوليس خلاص، أنا هدافع عنك.
حضنها عزيز جامد وهو بيبُص لبدر اللي بص في الأرض زعل على حفيدته.
چايدا كانت شايفة اللي بيحصل وهي واقفة شايلة صينية أكل كانت عملاها لعزيز، أول ما شافت سيلا راح وشها إتقلب وقالت لنفسها:
باعتة بنتها عشان تلين قلبُه.. بس المرة دي مش هسيبهولك يا سيليا.
***
المكان: شقة في بناية شِبه خالية/الطابِق الارضي.
التوقيت: الثامنة مساءًا.
تليفزيون متوسط الحجم شغال عليه مسرحية مدرسة المُشاغبين، قُدامه ترابيزة رُكنة صغيرة عليها الريموت وسماعة ودن للي بيعانوا من ضعف السمع، ودانات قُطن.. ومفرش تريكوه جواه الإبرة.
جت ست في الخمسينيات من عُمرها شايلة طبق فيه بُرتقانة متقشرة، وحطته على الترابيزة وقعدت مسكت التريكوه تكملُه وهي بتضحك على المسرحية.
سمعت صوت باب المطبخ المُخصص للخدامين قديمًا بيتفتح، بصت وراها لقتُه مقفول زي ما هو، عدلت الضب اللي لبشاه في بوقها وسابت المفرش من إيديها، عدلت الشال البيتي على كِتفها وهي بتتحرك ناحية المطبخ عشان تتأكد إن الباب مقفول كويس.
راحت ناحية المطبخ لقت واحد قاعد على الترابيزة الصُغيرة بتاعة المطبخ بيقلب القهوة في الكنكة قبل ما يحُطها على النار، إتخضت هي وإتمسمرت مكانها.
الضب بتاعها وقع من بوقها، رفع نوح راسُه وضحك وهو بيبين سنانُه وقال:
سنانك وقعت من شُرب السجاير والقهوة، يا خالتي.
ضيقت عينيها وهي بتبُصله من ورا النظارة وقالت:
نوح!
عينيه نظرتها إتحولت من السُخرية للشيطنة وقال:
أنا عارف إنك لماحة، وخبيثة.. وبتغيري من أُختك.. بتغيري أوي، كانت أحلى منك وأصغر منك، حتى جوزك كان بيتغزل فيها.
تك.. تك..
صوت نُقط مياه بتنزل على الحوض، برقت هي وقالِت:
إيه اللي جابك يا نوح، وبتنبُش في القديم ليه.
تجاهل نوح سؤالها وحط الكنكة على النار وهو بيقول:
قهوتك إيه؟ على العموم مش مُهم أنا عملتها سادة عشان عندي حالة وفاة.
خالتُه بصدمة:
مين اللي ما| ت؟
ساب نوح الكنكة على النار وقعد على الترابيزة، وحط راسُه بتمثيل بين إيديه وهو بيقول بحُزن مُصطنع:
خالتي، كانت.. كانت ****** أوي.
جت عشان تجري قام نوح ومسكها من شعرها من ورا بـِ غِل، خبط راسها في الحيطة خبطة خفيفة فـ داخِت، عينيه أظلمِت وهو بيسحبها من شعرها ناحية الكُرسي، وهي بتحرك رجليها بتحاول تفلت مِنُه.
نوح:
الأنبوبة بتاعتك نارها ضعيفة قربت تخلص، فـ إنتِ وحظِك بقى. لو القهوة غليت قبل ما الأنبوبة تخلص هعمل شقتك معرض قطع غيار لجُـ |ثتك، أما لو الأنبوبة خلصت قبل ما القهوة تغلي يبقى إتكتبلك عُمر جديد.
كانت بتترعش وعينيها على البوتوجاز، وقالت بصوت بيترعش:
كُنت عارفة إنك هتبقى حاجة وحشة، نصاب، إبن حرام، قتا| ل قُتـ| لة، عينيك من صُغرك فيها سواد مبيروحش، عينيك كانت بتخوفنا إحنا الكُبار منك، أمك خدت كُل حاجة وهي عايشة، وبتحاول تحرمني من حياتي وهي ميـ| تة بوجودك.. مش ذنبي، مش ذنبي إن جمال والدتي راحلها، وخدت أنا وحاشة أبويا.
القهوة إبتدت ريحتها تطلع، خالتُه كانت مرعوبة وبتترعش فـ قالت:
وطي على القهوة، أعتقد في حاجة هتحب تسمعها مني عن أمك.
نوح مخالش عليه كلامها فـ قال بـ فحيح:
مش محتاج أسمع، أنا كُنت طفل وشوفت بعيني، إنتِ اللي قسيتيهُم كُلهُم على امي عشان يرموها بعد ما إتطلقت من أبويا، كبرتِ الغِل جواهُم، عديتيهم من سوادك، وبتكلميني عن السواد اللي في عيوني! أنا فاكِر كويس نظراتك لأمي، فاكر كام مرة خليتيها تعيط من كلامك، كانت عايشة بائِسة عشان إتنقمت بأُخت زيك، وفاكر إنك أكدتي على كلام عمي، إنها معندهاش شرف، وزودتي عليه إنها بتحب توقع الرجالة في حُبها، مع إنها أنضف منِك!
القهوة فارِت وطفت النار.
مسك نوح شعرها ورجع راسها لورا، كانت بتترعش وعملت حمام على نفسها وهي بتقول برُعب:
نوح، نوح إسمعني..
فتح ر | قبتها، شاور بعينيه لرجالتُه اللي واقفين ورا باب الخدامين، دخلوا وكملوا تقطـ| يع في جُثمانها.
الأرنب البشري الأول كمل فصل راسها عن جسمها، والثاني بدأ بالأطراف.. القدمين بعدين الذراعين.
بدأ الدم يتمدد ونوح لابِس الجلافز بتاعُه، والطاقية عشان مغيش شعر من شعرُه يوقع.
حتى رجليه لابِس أكياس عشان بصمات رجلُه.
محسش بأي شعور وهي بتتقطـ| ع قُدامُه، إتحرك ناحية الصالة والمسرحية لسه شغالة، والمُشاغبين لسه بيغنوا « أهلًا وسهلًا شرفتي، مُتشكِرة على إيه ياختي».
سحب البرُتقالة المتقشرة، وراح ناحية المطبخ، الراس كانت على الحوض، فتح بوقتا بصوابعُه وحط جواها البُرتقالة، تشبيهًا بالخنز| ير على طاوِلات العشاء في عيد الفِصح.
***
المكان: منزل عزيز الإبياري.
التوقيت: الحادية عشر والنصف مساءًا.
حط بدر الحاجات في شنطة العربية، وحط سيلا في العربية من ورا وربط حواليها حزام الأمان، قفل العربية وقال لعزيز:
جبتلها حاجات كتير، أنا مش حارمها من حاجة.
عزيز بهدوء:
لما الحاجة بتكون من أبوها بتكون أحسن، أنا حابب أشكُرك عشان جبتها أشوفها.
بدر بنظرة غريبة:
عشان عارف إنك واد جدع، اللي عاجبني فيك إنك راجل بجد، بس معجبنيش اللي عملتُه في بنتي.
عزيز بتكشيرة:
بحميها وبحمي بنتي، عشان اللي هعملُه هيخليني ميت بطريقة أو بتانية، هُما في أمانتك.
خبك بدر على كتفُه وقال:
الجدع اللي ياخُد حقُه ويرجع، مش يرمي نفسُه في النار ويموت، إستجدع خليك جدع في نظري للأخر.
ركب بدر العربية ومشي بيها وعزيز حاطط إيديه في جيبُه، جُه يلف لقى چايدا في وشُه، مكانش فايق ليها خالص.
إتحرك وراح ناحية الجراچ وهو بيقول:
خُشي بيتك ومتطلعيش من غير إذني تاني.
چايدا برجاء:
يا عزيز إسمعني.
عزيز بنبرة جد:
مش هكرر كلامي!
دخلت چايدا البيت وقفلت الباب، لسه هتطلع على السلم سمعت صوت خبط على الباب فـ شكت إنه عزيز، قلعت الروب وفضلت بفُستانها العاري القُصير ومفاتنها ظاهرة.
فتحت الباب وهي مُبتسمة لقت ست واقفة قُدامها، بتجيبها من فوقنا لتحتها، كانت ست شعرها بُني، ملامحها نوعًا ما كبيرة، ورفيعة، لابسة فُستان حريمي إسود طويل ومِعطف نبيتي غامِق، مرجعة خُصلات شعرها لورا، حاطة روچ بُني وبتقول بنبرة تخينة من السجاير:
إيه منظرك دا؟ إنتِ مين وفين عزيز؟؟
***
المكان: قصر أمير الدهبي تحديدًا: السرداب.
التوقيت: الثانية عشر والنصف مساءًا.
مسك أمير الحبل اللي مليان مسامير وضرب بيه الراجِل المربوط قُدامه، صوت الراجِل من الألم وكإنُه هيطلع في الروح.
أمير بحزم:
مش هكرر سؤالي تاني، نوح فين؟
الراجل وهو بينزِف من جروح جسمُه:
م. معرفش، مكانش باين عليك، شكلك كان هادي.
أمير بزعيق:
لا يا روح اللي جابتك أنا بسكُت وبهدى بمزاجي، ولو مقولتش نوح فين هخرمك زي المصفاة، بيقولك الساكِت دا أكتر حد لازم تخاف منُه.
الراجِل بألم وهو بينزل د| م من بوقه:
طب انا هعرف منين إذا كانت الحكومة ذات نفسها متعرفش هو فين.
فك أمير أول ثلاث زراير من قميصُه وقال:
ما هو بُص، لو خايف من نوح عشان هيمو| تك، خاف مني أنا أولى، أنا دماغي في الشيطنة أوسخ من نوح بكتير، إنت كدا كدا ميـ| ت، ومتحورش بروح أهلك عليا عشان هو مأجر البيت بتاع أميريكا عن طريقك، يعني كلكُم ولاد ***** شغالين لجزمتُه.
بص الراجل ورا أمير وبرق لإنُه شاف..
يـــتـــــبـــــع
رواية العبث الاخير الفصل الرابع 4 - بقلم روزان مصطفى
شاف فوهة مسدس متصوبة تجاهه.
لف أمير عشان يشوف مين، وملحقش يسمع صوت طلقة مدوية استقرت في صدر الراجل اللي أمير كان لسه بيستجوبه.
بص أمير بصدمة للراجل اللي بيتألم.
بص أمير للي ضرب الطلقة، لقى صِبا واقفة عند باب السرداب لابسة هودي إسود، والطاقية بتاعة الهودي تحتها طاقية تانية وبنطلون وايد ليج.
ماسكة المسدس في إيديها وبتبُص لأمير ببرود.
أمير قام وقِف وتعبيرات وشه اتغيرت كإن لبسُه شيطان وقال:
إنتِ اتجننتي؟
صِبا وهي بتبُص في عيون أمير ببرود ومش خايفة:
إنت اللي بتضيع وقتك مع الفاشل دا اللي مش هتطلع منه بمعلومة مفيدة عن الرايق.
مسك أمير دراعها وضغط عليه بقوة، وبدأ يغرِز ضوافره في لحمها وبيقول من بين سنانه:
متختبريش صبري الأيام دي، اللي مصبرني عليكِ ابني، يلا فوقي مع ابنك، قومي بدورك اللي اتخلقتي عشانه.
صِبا بصتله لثواني بعدين قالت بنبرة حزينة:
أنا عايزة أعرف رفيف بخير ولا لا. انتوا وعدتوها هترجعوها يوم ما خطفوها من المستشفى.
عقد أمير حاجبيه وقال:
من امتى بتهتمي برفيف؟ هي حتى مكانتش صاحبتك للدرجة دي، ولا كنتوا قريبين أوي كدا.
حطت صِبا ايديها فوق راسها وقالت وهي حاسة بضغط نفسي شديد:
كنا قريبين عادي، بس أنا اللي شفتهُم وهما بياخدوها. معرفش جرالي إيه من يومها بحلم بكوابيس وتعبت. رفيف.. رفيف متستحقش نهاية وحشة. مش هستحمل دا، إني حاسة بهشاشة نفسية كبيرة.
أمير من بين سنانه قال وهو بيبرقلها:
بطلي تدخلي في أي شغلي عشان أعرف مكان سي زفت وأرجع رفيف.
صِبا بلهفة وهي بتترجاه:
طب ما ترجعي مع عزيز وعيسى واشتغلوا سوا طالما هدفكم واحد.
أمير بنفاذ صبر:
مش عايز أسمع سيرتهم في القصر بتاعي. مبثقش فيهم. غوري على فوق!!
جريت صِبا على فوق.
أمير صرخ على الحرس بتوعه اللي جم جري على صوته وهما بيقولوا بطاعة:
أوامرك يا أمير باشا.
أمير وهو بيولع سيجار قال:
شوفوله داهية ترموه فيها. وشوفولي بألف يوقف حراسة على أي مكان بعمل فيه الحوارات دي، مش عايز ألاقي المدام في قفايا كل شوية.
إتحركوا ناحية الراجل وسحبوه وهما بيقولوا:
أمرك يا باشا.
***
المكان: منزل عزيز الإبياري.
تحديداً: الحديقة الداخلية.
قعدت السيدة اللي فتحتلها جايدا الباب.
صبت كاس لنفسها من زجاجة الخمر الموضوعة قدامها وقالت لعزيز:
دي مراتك، انهي واحدة فيهم؟ دي أكيد مش بنت بدر، اللي أعرفه إن بنت بدر كتكوتة.
عزيز بسخرية:
كتكوتة؟ إيه اللي جابك يا عمتي؟
أخت توفيق الإبياري (مرام الإبياري):
وصلني أخبار إن وضعك مش تمام، وإنك مستهدف من أشباح، يعني أشخاص صعب الوصول ليهم.
قعد عزيز ورجع راسه لورا وقال:
اللي وصلك الأخبار دي حمار ملهوش فيها.
حطت مرام رجل فوق التانية وقالت بوضوح:
بقولك إيه يا عزيز، جربت تراقب طليقتك؟
توتر عزيز لإنه بيراقبها بالفعل، لكِنه حاول يظهر عدم اهتمام قدام عمته لإنه عارف إنها بتكرههم، فـ قال:
إنتِ قولتيها بلسانك، طليقتي. هراقبها وأهتم ليه؟
بصتله مرام وحبت تدوس على الجرح فـ قالت:
طب وبنتك؟ اسمها سيلا باين.
اتغيرت ملامح عزيز وبصلها بنظرة ذات معنى وقال:
عاوزة توصلي لإيه بالظبط؟ هاتي من الآخر.
شربت من الكاس بتاعها وبصتله وقالت بخبث:
يعني لو ارتبطت من بعدك هيكون متاح ليك تكسب حضانة البنت.
حس إنها عاوزة تستفزه، لكِن مجرد التفكير إن سيليا ترتبط براجل غيره بيخليه يشيط.
رن فونه فـ استأذن عمتُه وقام عشان يرد بعيد.
كان رقم غريب، شك إنه يكون نوح، فـ نظرة عينيه اتغيرت للحقد وهو بيرد وقال:
مين؟
وصله صوت بنت بتقول:
مساء الخير عزيز بيه، إحنا شركة ***** بنتشرف باستضافة رجال الأعمال اللي ليهم شهرة واسعة على المستوى الاجتماعي. هل حضرتك متفرغ لحضور اجتماع الشركة والحفل اللي هنعمله؟
عزيز بجدية ورسمية:
لا للأسف مش فاضي.
البنت بمحاولة عشان تخليه يحضر:
يا فندم هيحضر كل رجال الأعمال وتم التأكيد عليهم، هيحضر شخصيات مهمة كتير أمثال بدر بيه الكابر وقاسم باشا الكاشف.
قاطعها عزيز لما عرف إن بدر وقاسم رايحين فـ قال:
تمام أنا جاي. ابعتيلي الانفيتايشن واتس لو سمحت.
البنت فرحت وقالت تمام وقفل عزيز المكالمة.
جه يلف عشان يرجع لعمتُه لقى جايدا واقفة وراه وبتقول بتساؤل:
انفيتايشن بتاعة إيه؟
عزيز ببرود:
من امتى بتتصنتي عليا؟
جايدا بخوف:
مش بتصنت، كنت جاية أقولك عمتك عاملتني بطريقة مش كويسة، لقيتك بتقول انفيتايشن.
عزيز بجدية:
ملككيش دعوة بعمتي، هي طبعها كدا. روحي شوفي ابنك لغاية ما أخلص معاها وأجي أقعد معاه، متسيبيهوش لوحده عشان ميتعقدش.
راحت جايدا ولقى عزيز عمتُه بتجهز نفسها عشان تمشي وبتقوله بجدية:
على العموم أنا قاعدة كام يوم في مصر. لو احتاجت مساعدة أنا في ضهرك ورجالتي تحت أمرك.
ابتسم لها عزيز وهو بيطبطب على كتفها. راحت بادلتُه الابتسامة ومشيت.
***
المكان: مبنى على تل مرتفع.
تحديداً: الطابق الخاص بـ نوح.
الموسيقى مجددًا، وتحديدًا منير.
(سكة ماشية وعمر ماشي، لسه أجمل يوم مجاشي، في الليالي البرد قربينا لبعض، إيد تطبطب إيد تداوي، صوت يونس بالحكاوي)
كان رافع نوح راسه لفوق وهو بينفث دخان الشيشة وبيقول بضحك:
بحب أسيب هدايا حلوة لليث. الراجل تعب معانا برضه، مينفعش نسيبه من غير شغل.
ضحكوا الأرانب فـ قال واحد منهم:
طب والزبون التاني امتى يا باشا؟
سحب نوح من الشيشة نفس كمان وقال:
ناخد نفسنا بس مش ورا بعضه. خليهم يكتشفوا الجثة بتاعة خالتي المجحومة الأول.
كان لابس نوح طقم كله إسود، ياقة القميص بس هي اللي كحلي فاتح نوعًا ما، وكان جايب شعره على جنب لورا شوية.
حضرت بنت من البنات اللي بيهتموا بـ رفيف وقالت:
المدام عاوزاك يا باشا.
نوح وهو بيقلب عينيه:
حصل حاجة؟ هي حاسة بأي تعب؟
البنت بهدوء:
لا خالص، هي أحسن من الصبح، لكِن طلبت مني أبلغك إنها عاوزاك.
تحرك نوح إلى الطابق العلوي اللي عادة بيشغل فيه موسيقى هادية عشان رفيف تسترخي ومتخافش وميحصلهاش انقباضات مؤلمة.
دخل الأوضة بتاعتها، كانت ممددة على السرير وباين عليها التعب بشكل مبالغ فيه.
لابسة فستان طويل أبيض مبين أكتافها، وشعرها طول فوق ما هو طويل.
تحت عينيها هالات بنية فاتحة وشفايفها حمرا من كتر توترها وعضها فيهم.
أول ما نوح شافها ركز نظره عليها بعدين ابتسم على جنب وهو بيقول بهزلية:
كنت عارف إني وحشتك.
رفيف حطت ايديها على صدرها بتحاول تاخد نفسها من كتر الألم.
رفعت الغطاء عنها وقامت بتعب وهي بتسند بطنها المنفوخة بإيديها من تحت وقامت مشيت على مهلها لغاية ما وقفت قُدامه.
كان ضوء القمر من شباكها المفتوح جاي على نصه وشه مبين ملامحه، والهواء البارد بيحرك خصلات شعرها وهي بتبص له.
قال لها بجدية:
متقوميش من سريرك، وضعك حرج.
بصت له رفيف وبدأت عينيها تدمع وقالت بنبرتها الرقيقة:
حتى في دي خايف على اللي في بطني مش عليا، خايف على نسلك.
رفع نوح حاجب رفعة خفيفة وهو بيحاول يتحكم في نفسه قصاد رقتها وقال:
والمفروض إنتِ كمان تخافي عليهم لإنك أمهم.
رفيف حاولت تدوس له على الجرح فـ قالت:
زي ما مامتك كانت بتخاف عليك كده؟
نوح شخط فيها فجأة وقال:
إنتِ عاوزة إيه بالظبط!!
رفيف بصوت هادي:
الخلاص.
ضحك نوح بخفة وقال:
ما خلاص، قدرك مربوط بقدري، إحنا قدرنا واحد. اتخلقنا لبعض شبه بعض.
عيطت رفيف وقالت بصوت رقيق:
لا أنا مش مربوطة بيك، أنا مش قاتلة ولا خاينة زيك.
ضحك نوح بس المرة دي بصوت عالي وهو بيلف في الأوضة وبيصفق وقال:
بالنسبة لإنك مش خاينة، خليني أفكرك إنك إنتِ والخروف بتاعك كنتوا بتضحكوا عليا وخنتيني معاه، فاكرة التليفون؟
نزل خط من الدموع على خد رفيف فـ كمل الرايق وهو بيبص لها بابتسامة هزلية وقال:
بالنسبة لإنك مش قاتلة، مش فاكر مين اللي لبست فستان والدتي ولما حضنتها طعنتني؟ فيكِ من وساختي فـ متعيشيش في دور الضحية البريئة ده كتير. إنتِ جميلة آه، رقيقة وأنثى آه.. بس عمرك ما كنتِ ولا هتكوني ضحية.
رفيف قالت بعجز وصوتها بيخفت وبدأت تاخد نفسها بالعافية:
على الأقل مكونتش أعرفك كويس، كنت خايفة.
بعدها عيطت وهي بتترعش وقالت:
بعدها حبيتك، مقدرتش حتى أفتكر بيني وبين نفسي اللي عملته فيك. عشقتك يا نوح، كان غصب عني. بحس نفسي جزء منك بس إنت..
بدأ التعب يزيد عليها وهي بتقول:
وريتني وش وحش أوي منك مستاهلوش، حتى لو كانت أخطائي الضئيلة قصاد جبروتك بالنسبة ليك لا تغتفر.
قربت منه وهي دايخة وقالت:
لو كنت شوفت عيوني بتبص لك بحب وأمان إزاي، كنت خبيتني في حضنك من أي غدر. إزاي تسمح للغدارين بتوعك يأذوني كده وأنا حامل في ابني؟
بص نوح للشباك المفتوح وراها عشان يتجنب يبص لها.
فـ مسكت دقنه وخلته يبص لها فـ رمش بعينيه وهو مكشر عشان ملامح وشه متتلينش قدامها.
عيطت هي زيادة وهي بتقول:
مضايقني أوي إني مش عارفة أكرهك، ماليش صف غير صفك بس عايزة أهرب منك ليك. مضايقني إني روحي فيك يا نوح.
بلع ريقه وهو باصص لعيونها ومكشر وعينيه بتقفل وتفتح.
كانت بتترعش وهي بتلزق فيه وبتتنفض من العياط والتعب.
قربت منه وحطت شفايفها فوق شفايفه لكِنها لم تُقبله.
غمض عينيه لكِنها غمضت عينيها جامد وهي بتتألم وبتعيط.
نزل بين رجليها مياه الولادة فـ فتح عينيه وهو مبرق وبيبص على جزمتُه اللي اتبهدلت بمياه الولادة بتاعتها.
وقعت رفيف على الأرض وهي بتصوت بطريقة صعبة ووشها الأبيض تحول كله للون الأحمر.
نوح بزعيق وصوت عالي:
تعالوا بسرعة.
فتحوا البنات الباب وشمر نوح قميصه وهو بيشيلها من على الأرض وبيحطها على السرير.
نوح بجدية وصوت غاضب:
فين الدكتور اللي حاجزينه؟
جم اتنين من الأرانب البشرية ساحبين الدكتور.
الدنيا بدأت تمطر برا وبدأ رذاذ من المطر يدخل الأوضة ويختلط بمياه الولادة بتاعة رفيف على الأرض.
الدكتور شعره كان منكوش من سوء المعاملة ونظارته حالتها يرثى لها.
نوح بص له وقال بجدية:
هي كده الولادة بدأت؟
الدكتور بص على هدومها المبلولة من ناحية الخصر فـ قال:
أيوه طالما مياه الولادة نزلت يبقى لازم نخرج الطفل دلوقتي.
شاور نوح عليها وهو بيقول بإنفعال:
طب ما تخرجه! إنت قاعد معايا على القهوة بنحكي! خرجه بدل ما أخرج روحك.
الدكتور بتوتر:
طب هاتوا الأدوات اللي قولتلكم عليها.
خرجت بنت من البنات تجيبها فـ قال الدكتور:
طالما ولادة في البيت هتبقى صعبة شوية بس هقدر أقوم بنفس خطوات إن شاء الله.
قرب الدكتور لرفيف اللي بتصوت وقال للبنت اللي واقفة:
حطي تحت خصرها مخدة لو سمحتي.
نوح بعصبية:
ما تولدها قيصري.
الدكتور بصدمة:
يا نوح باشا القيصري في البيت غلط وخطر جدًا في حالتها دي لازم تولد طبيعي.
حطت البنت تحت خصر رفيف مخدة فـ بل الدكتور شفايفه بتوتر عشان لو فشل هيقتلوه.
محبش ينقل توتره لرفيف فـ قال بهدوء:
أستسمحك ترفعي ركبتك لصدرك يا مدام، وكل ما تحسي بانقباضة اضغطي جامد عشان راس الطفل تخرج.
خدت رفيف نفس عميق وبدأت تضغط ومع كل ضغطة كانت بترجع تاخد نفسها وبدأت تعرق.
حس نوح بالتوتر وهو بيقول للدكتور اللي بيحاول يخرج راس الطفل:
هل في خطر على حياتها؟
نوح بعصبية وشخيط:
وحياة أمك!
الدكتور بخضة:
بإذن الله لا!
بدأت البنت اللي واقفة تمسح لرفيف عرق وشها بالمنديل والبنت التانية ماسكة إيد رفيف.
قرب نوح وبعد البنت اللي ماسكة إيد رفيف ومسك إيديها هو.
الدكتور وهو بياخد نفسه:
هانت يا مدام اضغطي أكتر معلش.
رفيف بدأت عينيها تدمع من كتر الضغط وراسها يصدع وألم رهيب حاسة بيه.
ضغطت كمان فـ قال الدكتور بحماس:
مقدمة راسه ظهرت، أرجوكِ تماسكِ وكملي.. خروج الراس هيسهل جدًا خروج الجسم.
صوتت رفيف جامد وهي بتضغط على إيد نوح بضوافرها وبتعوره.
ضغطت ضغطة جامدة وأخيرة فـ سحب الدكتور الراس.
بدأ يسحب الراس بهدوء عشان يخرج الجسم بهدوء.
مسك الطفل بهدوء وهو بيرفعه لنور الشباك وبيقول:
مبروك يا باشا ولد.
خبطه الدكتور بخفة فـ بدأ الطفل يعيط.
نوح وهو باصص لابنه في إيد الدكتور ابتسم بنشوة وقال:
أول نسل ليا في الأرض.
رفيف ريحت راسها على المخدة وفجأة بدأت تصرخ تاني.
الدكتور اتفزع وقال لنوح:
كده في حاجة غلط.
ظهر القلق على وش نوح فـ قرب الدكتور لبنت من اللي واقفين إداها البيبي عشان تغطيه من البرد.
رجع لرفيف وهو مبرق وبيبص فـ قال بصدمة:
هي حامل في توأم؟
نوح بصدمة:
إنت بتهزر؟
الدكتور بص لرفيف وهو بيتنفس بالعافية:
اضغطي يا مدام أنا شايف مقدمة الراس.
رفيف بصويت وعذاب:
مبقتش قادرة أستحمل.
الدكتور فقد أعصابه وقال:
اضغطي.
برق نوح وهو بيقول:
بالراحة عليها!
الدكتور لرفيف عشان يشجعها:
خروج الطفل التاني أسهل من الأول بس إنتِ ساعديني يا مدام.
ضغطت رفيف بكل قوتها بدأت تخرج راس الطفل التاني.
شهقة جامدة منها ولمس الدكتور راسه وبدأ يسحبه بهدوء.
خرج راسه في البداية بعدها جسمه بهدوء.
رجع يبص لا يكون في طفل تالت لكِن كانت خلاص ولدت.
قرب نوح وشال الطفل التاني وهو بيبص له صدمة ومتجمد.
وش البيبي مليان دم وبيعيط، جسمه ضئيل وحساس.
الدكتور وقع على الأرض وهو بياخد نفسه وبيقلع نظارته بيمسح العرق اللي على جبينه.
بص لنوح وقال:
ألف مبروك المدام جابت لك ولدين توأم.
قام الدكتور مرة التانية وقف وقرب لرفيف وهو بيبعد برجله المقص الملوث اللي قص بيه الحبل السري.
مسك بقية الحبل السري الممتد من جسمها وفضل يضغط على بطنها بالإيد التانية.
نوح بإستغراب:
بتعمل إيه؟ هي كويسة؟
الدكتور وهو بياخد نفسه بالعافية:
متقلقش يا باشا، أنا بستخلص المشيمة عن طريق استخدام مناورة براندت أندروز.
كمل الدكتور وقال:
في مناورتين لاستخلاص المشيمة، مناورة كريدي ومناورة براندت أندروز.
بدأ الدكتور يكمل شغله بحرفية، والبنات بينضفوا البيبيهات من الدم بقماشة ناعمة وبيلبسوهم من اللبس المتاح اللي كان جايبه نوح.
ونوح واقف مصدوم إنه بقى أب لطفلين.
***
صباح اليوم التالي.
المكان: الشركة القائمة على الاجتماع والاحتفال.
تحديداً: طابق كبار الزوار VIP.
دخل عزيز بعد ما مسح كود الدعوة على الريسبشن.
كانت الموسيقى الهادية شغالة والبوفيه الكبير بجانب مدخل القاعة.
كمل طريقه لقدام ودخل لقاعة الاجتماع.
كان قاعد ناس كتير، ومن وسط الماس لفت نظره سيليا.
قلبه دق أول ما شافها. كانت بتكتب شيء غالبًا بياناتها كمدعوة للحفل.
رفعت راسها ولما شافته ملامحها الجدية بهتت وبدأت تتوتر.
من الواضح إن بدر مقدرش يحضر لسبب ما فـ خلى سيليا تحضر مكانه، مع إن كان قدامه خيارات تانية زي كادر مثلاً.
كان قاعد كمان عيسى وهو بيضغط على راس القلم يقفله ويفتحه، وعمل نفسه مش شايف عزيز.
قعد عزيز على الترابيزة وبدأ الشخص اللي قائم على الاجتماع يتكلم ويشرحلهم شيء عن الشركة.
عزيز مكانش مركز لغاية ما قلمه وقع.
شاور للناس بإيديه ونزل يجيب القلم.
كانت سيليا لابسة جيب قصير وحاطة رجل على رجل وبتحرك الرجل اللي فوق.
فضل عزيز تحت الترابيزة شوية لغاية ما عيسى أخد باله.
لما عيسى شاف سيليا ابتسم بسخرية عرف إن عزيز مشغول بيها.
سحب عزيز القلم من على الأرض بعد ما تمالك نفسه وقعد على كرسي تاني وهو بيتجنب يبص لها عشان مينهارش.
كان قدامه كل واحد مج فاضي.
جت بنت للضيافة معاها عربانة شبه بتاعة الطيارة وبتقول لعزيز بمهنية:
تحب تشرب إيه يافندم.
عزيز بتلقائية وتوتر:
قهوة ملبن زيادة.
اللي قاعدين على الترابيزة ضحكوا بهمس افتكروه بيعاكس البنت اللي بتقدم الضيافة، بينما البنت وشها احمر.
لكِن سيليا عارفة إنه توتر لما شافها فـ حطت القلم عند بوقها وهي بتحرك الكرسي يمين وشمال بجسمها.
كشر هو لإنها بتضعفه للحد اللي يخليه بيفقد قدرته على التحكم في كلامه، وغصب عنه بدأ يتأملها.
لسه دلوعة زي ما هي، كأنها البنت الصغيرة اللي كان بيعمل نفسه عامل تكييفات عشان يشوفها في الفصل.
حلاوتها بتزيد مبتتغيرش إلا للأحسن.
طوال الساعتين وعزيز بيتأملها بطريقة صعبة، وبعدين يخفت عينه لما يحس إنها بتبص له.
كانت لابسة رسمي. جيب قصير لونه زهري، والبليزر بتاعه، وسايبة شعرها مفرود.
الميك أب بتاعها رقيق. ولابسة ساعة ماركة، وكعب أوف وايت.
انتهى الاجتماع وبدأ دعوة الضيوف للباحة الرئيسية اللي قبل مدخل قاعة الاجتماعات.
رتّبت سيليا الأوراق وشعرها بينزل على أكتافها وقامت بهدوء.
عزيز عمل نفسه بيبص على الورق بتاعه وأول ما عدت من جنبه بص لظهرها وهو بيتأملها وابتسم.
خرج عيسى ووقف مع ناس يعرفهم وهو بيتكلم معاهم.
بدأت الشركة اللي أصلها أجنبي في توزيع المشروبات.
أخد عيسى كاس لإنُه كان مش مركز نهاره زي ليله من ساعة ما طلق مياسة وعاش لوحده.
شرب من الكاس وكمل كلام مع الراجل الأجنبي اللي واقف معاه وهو بيقول:
بالطبع كانت لدي العديد من الرحلات للولايات المتحدة الأمريكية، لكن من آن إلى آخر يود المرء العودة إلى مسقط رأسه. ربما الحنين يعيدك مجددًا كما يُشاع عن مياه النيل الخاصة بنا.
ختم كلامه بضحكة والراجل ضحك.
رفع عيسى الكاس لشفايفه وهو بيبص بين الناس وشايف بنت مدياله ضهرها.
الكاس فضل ثابت على شفايفه وهو بيدقق فيها.
كانت قصيرة، شعرها لغاية وسطها أشقر مموج، بشرتها بيضا.
لفت وبصت له بعيونها البنية، ابتسمت وهي بتمشي بعيد وبتختفي بين الناس.
عيسى بصدمة وبصوت هامس بعد ما شاف ملامحها واتأكد:
أمل!!
الراجل اللي واقف مع عيسى:
عفوًا؟
عيسى بذوق:
أعتذر يجب أن أذهب لمحادثة شخص ما.
كان لابس بدلة رسمية قميص أبيض وبدلة سودا.
وهو بيمشي وسط الناس فتح زراير جاكيت البدلة وفتح أول ثلاث زراير من القميص وخرج السلسلة.
حط الحديدة بتاعتها بين سنانه وبدأ يضغط عليها وهو بيعدي الناس عشان يوصلها.
ماشي على خطاها.
عند البوفيه كانت واقفة صِبا اللي راجعة شعرها كله لورا ومثبتاه بـ سبراي.
ولابسة حلق ذهبي مدور متوسط الحجم.
لابسة سوت رسمية بنطلون واسع رسمي لونه بيج، والجاكيت بتاعه بنفس اللون بزراير ذهبية.
عمالة تاكل عنب من البوفيه وأمير واقف جنبها بيراقب بعينيه الحضور.
لما شاف عزيز وعيسى وسيليا قال:
كنت عارف هييجي وقت وهيجمعونا زي البيض في سلة واحدة. يلعن..
صِبا وهي بتمضغ قالت:
هما مجوش اخدوك بالحضن، هما في حالهم أهو متأتورش.
أمير بابتسامة وهو بيبوس كتفها عشان الكاميرات:
حضنك قطر، كُلي عنب كأنك مبتشوفيهوش في القصر.
جه راجل وقال بتهليل:
أمير باشا الذهبي عاش من شافك.
صِبا بهمس سمعُه أمير:
لا ماهو صدى في قبره خلاص.
داس أمير على صوابع رجليها وفضل دايس عليها.
وشها احمر وكانت هتشرق في العنبة وأمير بيسلم على الراجل.
أخد أمير الراجل ومشي بعيد فـ صِبا نفخت الهوا من بوقها وهي بتقلع الشوز بتاعها وبتهوي صوابع رجليها وبتقول:
اللهي يخربيتك بيت، قال يعني أبوه كان سفير نوايا حسنة.
إزيك يا صِبا.
حطت صِبا العنبة في جنب بوقها وهي شايفة سيليا واقفة قدامها وشكلها زي القمر، حاطة برفان جذاب ولبسها متدلع على الآخر.
صِبا بدأت بالمضغ وقالت بسخرية:
كنت فاكرة إنك مش هتسلمي عليا.
سيليا وهي بتسند على البوفيه ومايلة بجسمها المنحوت عليه:
المفروض ميكونش لينا دعوة بخلافاتهم وقراراتهم، إحنا مأذيناش بعض، اللي أذانا الرايق.
رفعت صِبا أكتافها وقالت:
بس جوزي قالي مش لازم نثق فيكم.
ابتسمت سيليا بود وقالت:
حقه، بعد اللي شافه واللي شوفناه طبيعي يقول كدا.
رفعت صِبا عينيها وبصت لعزيز اللي كان شايط ومكور إيده وقالت:
وإنتِ مش واقفة جنب جوزك ليه؟
لعبت سيليا بصوابعها بتوتر.
بصت صِبا لإيد سيليا ملقتش خاتم الجواز فـ قالت بصدمة:
اتطلقتوا!!
سيليا بخضة:
ششش وطي صوتك، أيوه انفصلنا.
صِبا بصدمة:
إيه السبب!
جه أمير وسحب صِبا من دراعها وهو بيقول لسيليا:
عن إذنك.
صِبا وهي بتحاول تتملص منه:
إيه إيه.
أمير بجدية:
اخرسي، بت انتِ!
مسك وشها بين إيديه وضغط بصوابعه على فكها وهو بيقول:
من هنا ورايح كلامي يتسمع بالحرف عشان وشي اللي وحش بجد لسه مش عايز أوريهولك، مفهوم! ملكيش علاقة بيهم نهائي!
كانت سيليا لسه واقفة عند البوفيه وخدت قطعة شوكولاتة صغيرة أكلتها.
عزيز كان باصص عليها وهاين عليه ياكلها.
قرب واحد من سيليا لابس بدلة ومبتسم ووقف قدامها وقال:
الشوكولاتة البلجيكية لا يعلى عليها.
سيليا بخضة:
أفندم؟
الراجل وهو بيدقق في شفايف سيليا:
اللي بتاكليها دي، طعمها حلو مش كده؟
سحب عزيز الراجل وهو مبتسم. الراجل بص له بصدمة فـ قال عزيز:
النخوة المصرية لا يعلى عليها.
مسك راس الراجل وغرزها في التورتة المحطوطة فـ صوتت سيليا وبدأ الأمن يحاول يفض الاشتباك.
عزيز بغضب وأمر:
خرجوه برا لا إلا اترحموا على شركتكم من دلوقتي!
سحبوا الأمن الراجل برا.
بينما أمير كان متابع اللي بيحصل وقاعد بيشرب كاس ببرود.
رجع عيسى للباحة تاني وهو متضايق إنه ملقاش أمل اللي لسه شايفها.
قعد على البار وهو بيقول للباريستا:
جهزلي كاس سبيشيال.
صِبا بهمس لأمير الغير مبالي:
كأننا في نص الليل في خمارة كبرى، خناقات وخمور ونسوان لابسة خليع وحاجة عسل. الراجل ليه حق يعاكس سيليا عاملة زي البقلاوة التركي.
أمير بضيق وهو بيشرب:
ششش، خلينا نخلص من الرسميات اللي ملهاش داعي عشان أشوف شغلي، الله يحرقها اللي اتصلت وقالتلي إني مدعو.
عيسى إتحط قدامه الكاس فـ شربه على بوق واحد وهو بيغمض عينيه وبيبح صوته.
عشان زوره ميحرقهوش.
«علموني عنيكِ أسافر، علموني أفضل مهاجر، علموني أكون مسامح زي نبع الحب صافي»
الأغنية اشتغلت من مذياع القاعة والحاضرين استغربوا لإن صوت منير لا يناسب الوضع ولا الحالة ولا المكان.
لغاية ما جه مقطع «علموني أعشق صحابي، وأنسى وياهم عذابي»
صِبا بصوت مرعوب:
ال.. الرايق هناك أهو!
لف أمير بسرعة وهو مبرق يتأكد.
وعزيز كان متابع برضو وشايفُه.
وعيسى مسك الكاس ضغط عليه وإيديه بتترعش من الغضب.
إتمدت إيد الرايق ناحية كاس وسحبه من الصينية، ورفعه كتحية لعزيز وعيسى وأمير.
اللي بدأ كل واحد فيهم يحط إيده على جنبه، ويضغط على سنانه إنه ساب السلاح في العربية.
في اللحظة نفسها دخلت مياسة وهي لابسة فستان رسمي قصير لونه بينك، وأزراره بيضا.
فاردة شعرها اللي صبغاه إسود وبشرتها باينة بيضا جدًا نظرًا لغمقان لون شعرها، ولابسة كعب أبيض.
عيسى شافها فـ عينيه رفت خوف عليها من نوح.
قام من البار ومشي ناحيتها ولما وصلها مسك إيديها وسحبها ناحيته.
مياسة بصوتها الطفولي:
إيه اللي بتعمله دا سيبني.
عيسى بهمس:
بصي ناحية جايت "Gate 2" بوابة رقم اتنين، نوح هنا.
مياسة حطت إيديها على صدرها فـ قال عيسى:
إنتِ جاية هنا بصفتك إيه؟
مياسة باستغراب:
معرفش! جالي اتصال من واحدة بتقول إني مدعوة للمكان دا.
وقف عيسى وبصلها بصدمة.
بعدها بص لسيليا وفهم إن بدر وكينان وقاسم مش هما المقصودين بالدعوة.
دي سيليا وعزيز وصبا وأمير وهو ومياسة، صحابه!
والأغنية مش صدفة.
هما متحاصرين في شركة نوح!!!
ده فخ منه.!!
***
وقف ليث حاطط إيديه ورا رقبته وهو باصص لراس خالة نوح اللي في بوقها التفاحة.
ولبشاعة المكان اللي هو بقى مسرح جريمة.
منال بصدمة:
كل مرة اختلاله بيزيد أكتر وأكتر، أنا لأجل مرة أقولها بس أنا خايفة يا ليث. التحريات أثبتت إن الضحية خالته.
ظابط مساعد:
أنا نفذت تعليمات سيادتك يا ليث باشا وهنتحفظ على الراس في حقيبة بلاستيكية مخصصة لقضايا الجرائم. مفيش أي بصمات ولا حتى شعرة واقعة من القاتل.
ليث بتكشيرة:
طب والدم اللي على الحيطة؟
كان مكتوب على الحيطة فوق الراس بالظبط «عيد ميلاد مجيد».
تشبيهًا لخالته إنها خنزير.
الظابط بأسف:
للأسف ده دم الضحية، ومفيش فيه أي بصمات.
ليث بنبرة فحيح:
عشان ميبقاش عليه أي تهمة ويخلينا نلف حوالين نفسنا، ابن الـ..
جه واحد من الظباط اللي بيستكشفوا مسرح الجريمة قال بخضة:
ليث باشا بص لقينا إيه!!
رواية العبث الاخير الفصل الخامس 5 - بقلم روزان مصطفى
رُكاب سفينة نوح.
تقول الأسطورة، كانت بلدة الأماني تمتلِك شمعة ضخمة، كبيرة ولونها بيضاء زاهي تُسِر الناظرين. ضوءها لا يخفت. يحرُسها چني صغير، يُضلِل على ضوءها بجناحيه حتى لا تنطفيء، ويُراقِب بعينيه البلوريتين السماء. كان أهل البلدة مُنبهرين بـِ تفاصيل السماء الأرچوانية والوردية، بينما الچني كان مُنبهِر بـِ حبيبتهُ التي تُحلِق في السماء بـِ جناحيها، چنية صغيرة مِثلهُ.
وكان ما تفعلهُ حتى لا ينام ويغفل عن الشمعة ويترُكها تنطفيء حتى لا يُعاقِبهُ حرس الملِك بـِ قص جناحيه اللتا عجزتا عن حماية الضوء، فـ يبقى ساهِرًا مُنبهِرًا بِها حتى يحِل الصباح.
وفي ذات مساء.. نجح أحد المساجين في الفِرار مِن سجون الملِك، كان يأمل الحُرية مِن سنوات. كاد يتعفن في الداخِل، وعِندما خرج ركضًا ركض خلفهُ الحرس حاملين أسلحتهُم النارية. أراد أحد الحُراس إيقافهُ فـ قام بإطلاق طلقة نارية إلى السماء، أصابت الچنية الصغيرة. رآها الچني وهي تتألم وتسقُط.
وبدأ أهل البلدة في الصُراخ، سقطت تمامًا فوق ضوء الشمعة، لـِ تنطفيء. تخاذلت أجنحة الچني وبهتت إبتسامتهُ تمامًا بعد ما كان الجميع يرى ضِحكتهُ الفرِحة.
قام حرس الملِك بـِ قص أجنحتهُ لإنهُ لم يُبعِد جسد الجنية المُتساقِط عن الضوء وترك جسدها يُطفِئهُ. قدم نفسه بـِ صدر رحِب وهو يقول: "كانت حبيبتي أغلى من ضوء مدينتكُم، تحليقها كان يُنير سماء مدينة الأماني، الأن هي رحلت وتركتني أُعاني. وافقت على الحُكم لإنني لستُ بحاجة لإجنحتي مُجددًا، لن أقرِب سماء قُتِلت هي فيها، ولن أُحلِق بجسدي وقلبي داخِل الأرض معها."
***
المكان: مسرح الجريمة
تحديدًا: أمام الجُثمان
جِه واحِد مِن الظُباط اللي بيستكشفوا مسرح الجريمة وقال بصوت مُتحمِس: "ليث باشا بُص لقينا إيه."
أخد ليث مِن إيد الظابِط الشيء اللي ماسكُه في إيدُه. كان محطوط في كيس التحفُظ الخاص بالجرائم. اللي بعد التدقيق إكتشفوا إنُه لسان الضحية.
قرب ليث من الراس الموضوعة أمامه. منال بصوت مُرتفع وبنبرة تحذيرية: "متلمسهاش عشان البصمات!!"
غرز ليث صوابع إيديه في شعرُه وهو بيقول بنبرة تكاد تقرُب للجنون: "دا لسانها، المجنون قطع لسانها!"
منال وهي بتحاول تدافع للمرة الأخيرة: "طب إيه اللي يثبت إن نوح اللي عمل كدا بجد؟ ما يمكن شخص بيحاول يقلد ستايل نوح في القتل. لسه مفيش دليل يثبت إن نوح عمل الجرايم دي ومن وجهة نظر القانون المُتهم بريء حتى تثبت إدانتُه."
نوح بغضب ووشه إحمر من العصبية: "يا منال متجننيش."
ومنال بهدوء: "انا مش بجننك أنا بتكلم صح وبتكلم بمنطقية. أي حد هيسمعك هيفتكر إنك عاوز تلبسهُم مصيبة وخلاص. عشان كدا عوزاك تهدى وتفكر بالعقل. يلا نخرج من هنا عشان الريحة قلبت معدتي."
***
المكان: حفل الشركة
تحديدًا: الباحة الرئيسية
مياسة بعد ما سمعت عيسى بيقول كدا إتحركت عشان تمشي. فـ مسكها من دراعها وهو بيقول بجدية: "إستني هنا! بقول نوح حابسنا هنا عن قصد وإنتِ رايحة فين؟?"
مياسة بصتلُه بضيق وقالت بنبرة هادية بس متعصبة بصوتها الطفولي: "ميخُصكش، سيب إيدي مِن فضلك."
عيسى بتبريقة: "إظبطي عشان مش وقت حركاتك دي. إنتِ في خطر."
مياسة بضيق وهي بتحاول تبعد: "إنت ملكش حكم عليا، سيب دراعي."
سحبها عيسى مِن دراعها ومشي بيها ناحية غُرفة مِن غُرف الإجتماعات. ونوح متابعهم بعينيه بصمت. سحبها عيسى لأوضة إجتماعات فاضية ورزع الباب وهو بيلف بيبُصلها. كانت بتدلك دراعها اللي وجعها من سحبة عيسى ليه.
حط إيديه الإتنين ورا ضهرُه وهو بيبُصلها بيحاول يستفسر منها عن كلامها وقال: "يعني إيه بقى اللي قولتيه برا دا؟ ماليش حكم عليكِ فـ أسيبك تولعي ولا عاوزة إيه!"
مياسة وهي بترمش: "هو بجد جاي تعاتبني في الظرف السيء اللي إحنا فيه؟"
عيسى من بين سنانه: "دا مش عتاب دا تنبيه عشان لما أحاول أحميكِ مترفضيشمياسة وهي بتقرب وشها منه قالت بإنفعال وهجومية: "مش من حقك تفرض حمايتك عليا أنا مطلبتش دا."
عيسى بعصبية وهو بيخبط الكُرسي برجليه: "صح مطلبتيش، مطلبتيش غير الطلاق وبس."
مياسة بدأت عينها تدمع وقالت بعصبية: "يا سلام ودا يضايقك فـ إيه دا حقي برضو. حاولت أتعايش مع اللي إنت فيه وفشلت. عايشة مع راجل بيتخيل طول الوقت واحدة غيري!"
شاور بصوباعه وعينه بترف وقال: "إوعي، إوعي تتكلمي معايا في الموضوع دا. موضوع متعرفيش أد إيه هو طويل وعميقرجعت مياسة شعرها لورا وقالت بنبرة حزينة وطفولية: "وإنت كمان إوعى تفتح معايا موضوع طلبي للطلاق تاني، انا عندي قلب ومشاعر مش زيك."
ضحك عيسى بمرارة وسند بإيديه الإتنين على ضهر كُرسي وقال بنبرة حزينة: "هو أنا عمل فيا كُل دا غير قلبي ومشاعري."
مياسة قالت بمرارة وحسرة: "عشان تعرف إنهم مكانوش ليا، هُما لأمل وهيفضلوا كدا مش هقدر أغير دا."
عيسى وهو بيفرك عينيه: "إنتِ مش فاهمة حاجة..."
مياسة ببرود: "ومش مهتمة أفهم. كُل اللي طلباه إنك ملكش دعوة بيا أنا مفيش حاجة بتربطني بيك غير قمر."
رفع عيسى عينيه وبصلها وقال بتساؤل يشوبه نبرة حنين بائسة: "بس؟"
بصت مياسة للأرض عشان تتجاهل التوتر اللي ظهر عليها من التساؤل بتاعه اللي لعب بأعصابها.
عيسى بهدوء: "طب ممكن بس نفضل هنا نُص ساعة تحسُبًا لأي شيء ممكن يحصل برا غير متوقع؟"
حركت مياسة راسها بمعنى تمام فـ إبتسم عيسى وقال بهدوء: "هطلع اناديهُم وأجي. من فضلك متتحركيش من هنا."
***
المكان: الباحة الرئيسية
تحديدًا: منصة نوح
كان واقِف وهو لابِس نظارة نظر منظر بتقلل حدة الضوء لونها أصفر غامِق. قاعد على كرسي المكاتب اللي بيلف وعمال يتحرك بيه يمين وشمال وهو باصصلهم بمزاج ومشغل أغنية (بيقولوا إني بارد بيقولوا إنك تنك، باشا شِركتنا مش عاجبه يترفد.. إنت بتتقفل؟ أنا بتقفل .. أضربه بالكاتِل باشا إعتمد).
واحد من ألأرانِب البشرية ميل على نوح وقال: "هتقول كلمتك دلوقتي يا باشا؟"
ضحك نوح بإستفزاز وقال: "لسه خلي دمهم ينشف شوية كمان."
خرج عيسى مِن غُرفة الإجتماعات وراح ناحية أمير وهو بيقول: "هات الحريم الغُرفة جوة يقعدوا مع مياسة لغاية ما نشوف هو ناوي على إيه."
أمير بصلُه بصة من الجنب وقال: "بتكلمني أنا؟"
عيسى بغضب وصوت عالي: "إخلص هتعملي فيها فريد الأطرش."
مسك نوح المايك وهو بيتكلم فيه وبيقول: "تؤتؤ تؤ، مينفعش كدا هتاكلوا في بعض ولا إيه."
عزيز بعصبية وهو بيتقدم وبيخليهم وراه قال: "بقولك إيه ياعم إنت، ملكش دعوة بينا إنت في حالك وإحنا في حالنا، وإوعى تكون فاكرنا هنجيب ورا بالقُطتين اللي موقفهُم جنبك دول."
بص نوح للأرانِب وهو بيشيل نظارته وبيقول: "هو في قُطط ودانها طويلة كدا؟ سلامة النظر يا قائد واضِح إن الملبن كان في الشاي زيادة."
عزيز بغشومية: "ولااا."
حط عيسى كف إيده على صدر عزيز عشان يمنعه. وبص لنوح وقال بتكشيرة: "أقدر أفهم إنت عاوز إيه؟ مش عملت لعبتك اللي عاوزها وأخدت مراتك معاك ولا جاي تعمل جزء تاني للفيلم بتاعك؟"
إبتسم نوح إبتسامتُه الخبيثة فـ إبتسم عيسى وهو بيقعُد على كُرسي وبيحط رجل فوق رجل وبيقول: "بس لو هتعمل جُزء ثاني منصحكش، نهايتُه المرة دي مش هتبقى على هواك."
نوح قعد هو كمان وحط رجل على رجل برضو وقال: "أنا صاحِب النهايات الغير متوقعة.."
أمير بنبرة جادة وحادة: "إخرس! إوعى تقول على نفسك صاحب، الكلمة دي لا تمت لك بـِ صِلة."
بصلُه نوح ومعرفش يرُد وللحظة ملامحُه إتأثرت لكِنُه قِدر يتحكِم فيها وإبتسم بخُبث مرة تانية وهو بيقول: "إنتوا إنهاردة في ضيافتي طول اليوم. لاحظت الفترة اللي فاتت إنكُم كنتوا بتدوروا عليا فـ حبيت أجمع الشمل الحلو دا."
مياسة قالت بصوتها الطفولي: "من فضلك انا لازم أروح. أنا لا دورت عليك ولا إهتميت أنتقم مِنك متاخُدنيش بذنب غيري. أنا بنتي مينفعش تقعد من غيري اليوم كله سيباها مع حماتي."
نوح بقسوة ولكن بنبرة باردة مُستفزة: "أسف يا مدام مياسة، لو بنتك كانت تهمك مكونتيش جيتي. مش هيجرالها حاجة من يوم متقلقيش عليها."
عيسى بنبرة حادة لمياسة: "تعرفي تسكتي؟ بتوجهيله كلام وأنا واقف ليه؟"
مياسة بضيق: "على فكرة أنا حرة. أنا فضلت كل دا في الأوضة لإنك طلبت مني دا بذوق لكن مش معنى دا إني أنصاع لأوامرك بصفتك إيه أساسًا؟"
عيسى بنبرة عالية نوعًا ما: "وإيه خرجك من الأوضة؟ مش قولت خليكِ جوة؟"
مياسة بعد ما إتخضت من صوته قالت بإرتجاف: "أولًا اللي خرجني إني سمعتُه بيقول هتقعدوا اليوم كامل. ثانيًا أرجع وأقولك مفيش صِلة بيني وبينك عشان تقولي أعمل إيه ومعملش إيه."
بصلها عيسى بنظرة عتاب وحُزن. من ناحية كلامها صحيح بالفعل تم الإنفصال بينهُم وملهوش حق يعمل كدا، لكِن هي مش مُدرِكة الخطر اللي هي فيه وإنُه مش قصدُه يتحكم فيها هو بيحاول يحميها. بص لخُصلات شعرها السوداء اللي هي صبغتها ظنٍا منها إنه حبها عشان شعرها الأشقر اللي بيفكره بـ أمل.
قاطع تفكيره صوت أمير وهو بيقول لـ صبا بهدوء: "كلمي مياسة وسيليا ييجوا معانا الغُرفة لغاية ما نشوف إحنا الرجالة الموضوع مع الرايق."
صِبا بعناد: "مش هتحرك من هنا وأسيبك معاه لوحدكُم. مبضمنش هيعمل إيه. المرة اللي فاتت خرجت لقيته أخد رفيف."
قاطعها أمير وقال بجدية: "أنا مش رفيف أنا أمير الدهبي، تقريبٍا هدوئي خلاكِ تاخدي عني فكرة الشخص الضعيف اللي محتاج حماية. اللي معطلني إنك بتتصرفي من دماغك لو تسمعي الكلام هتسهلي عليا كتير."
إتحركت صِبا تجاه مياسة ولأول مرة تسمع كلام أمير من غير مناهدة كتير وعناد. عيسى كان واقف قصاد مياسة وحاطط إيديه الإتنين في جيبه.
رجع خطوتين فـ قربت صِبا من مياسة وهي بتقول: "الأفضل تيجي نقعُد أنا وإنتِ وسيليا في غُرفة جوة عشان هُما يتصرفوا معاه."
سمعتها سيليا فـ قالت بنبرة سُخرية: "لو كانوا قادرين يتصرفوا معاه زي ما بتقولي مكوناش وصلنا لـ هنا، هُما حرفيًا مش قادرين عليه دا بيلعب بينا براحتُه."
عزيز ردًا عليها وتوجيه كلامه لـ صِبا قال: "أنا مش مسؤول عن حماية حد غير مراتي وإبني وبنتي. أي حد محتاج حماية يتصل على والده يحميه."
سمعته سيليا وضحكت ضحكة عبثية بعد ما سمعت كلمة مراتي منه اللي يقصد بيها جايدا. فـ إتحركت ناحية غُرفة من غُرف الإجتماعات ومشيت وراها صِبا وهي بتشاور لمياسة. تجاهلت مياسة نظرات عيسى ليها وراحت ورا صِبا وسيليا.
فضل الثُلاثي واقفين ومحدش فيهم بيبص للتاني، ونوح لازال قاعد على الكُرسي بتاعُه فوق المنصة وحواليه الأرانب البشرية بتاعته. من ورا نظارته كانت عينيه حزينة نوعًا ما. كان بيبغض شعور الحنين اللي بدأ ينتابه في الاونة الأخيرة تجاههم بعد ما كان أكتر شخص غير مُبالي في الحياة.
***
المكان: منزل فوق تل مُرتفِع
تحديدًا: جناح رفيف
كانت رافعة شعرها لفوق بـفيونكة بينك فاتح كبيرة، ولابسة دريس بينك تحت الركبة بـ شريط على الخصر من حرير وأكمامه واسعة سادة. كان قُدامها ولادها التوأم على السرير عايزة تغيرلهُم. بصت للبنات اللي واقفين وقالت بهدوء: "عايزة أغير لولادي ومش عايزة أعمل دا قُدام حد. مُمكن تخرجوا؟"
واحدة من البنات كانت باصة لرفيف بضيق وقالت: "أوامر نوح بيه نفضل معاكي."
رفيف قالتلها بهدوء: "صدقيني مش من مصلحتك متسمعيش كلامي خصوصًا بعد ما ولدت."
البنت التانية سحبت زميلتها من دراعها وخرجوا برا. بصت رفيف لولادها التوأم وقالت بحزن ورقة: "أعمل إيه عشان أخدكم ونمشي من هنا؟ من غير مطاردة وجنون وخوف."
لمست خد واحد منهم وقالت: "انا بحب أبوك بطريقة عُمرك ما هتتخيلها، أتمنى لما تكبر وتتجوز مراتك تحبك ربع حبي ليه، بس متمناش إنك تطلع زي أبوك، عيزاك تطلع أحسن بكتير أوي منه."
بدات تفُك أزرار السلوبيت بتاعُه. شافت فوق صدرُه وحمة صغيرة فـ برقت وهي بتلمسها بصوابعها. وإفتكرت فلاش باك ليوم دُخلتها على نوح.
[صحيت من نومها الخفيف وهي جنبه. كان ساندة راسها على صدره. بصتله وهي بتقول بـ رقتها المعهودة المُختلطة بـ الخجل: "راسي كانت تقيلة عليك؟"
غمزلها نوح بمعنى لا وقالها وهو بيرجع خُصلات شعرها ورا ودانها: "فراشة."
خدودها إحمرت وجت تتعدل لاحظت شيء شبه الندبة عند صدره فـ عقدت حاجبيها وهي بتتلمس الندبة دي وبتقول: "إيه دي يا حبيبي؟"
بص نوح مكان ما هي بتشاور وقال بإبتسامة: "دي وحمة عندي من يوم ما إتولدت."
رفيف بإبتسامة حلوة: "أصلها لفتت نظري."
قرب نوح وهو بيبوس راسها بعُمق وقال: "أنا مفيش أنثى لفتت نظري غيرك. بجد."
رفيف بتساؤل فضولي: "إشمعنى أنا؟"
بص لعينيها وقال بحيرة: "مش عارف. هتجنن وأعرف." ]
الوقت الحالي:
قربت رفيف شفايفها عند الوحمة بتاعة إبنها وباستها وبعدها باست إيدُه. وبصت لعيونه الصغيرة وقالت: "يا ترى أبوك هيسميك إيه إنت وأخوك؟"
شالتهُم كُل ولد على دراع وهي بتلمس مناخيرهُم بمناخيرها وبتضحك. عكس ما توقعت كانت خايفة تولد لإنهم من نوح لكِن لما ولدت شعور الأمومة طغى.
***
المكان: قسم الشُرطة
تحديدًا: مكتب ليث الصفتي
كان قاعِد وهو سانِد راسُه بـ إرهاق على إيديه. دخلت منال وحطت كوبايتين مِن الورق المقوى فيهُم قهوة. حطت واحدة منهُم قُدام ليث وهي بتقعُد وبتقول: "إشرب القهوة عشان الريحة السيئة تروح من دماغك وريحة القهوة تطغي عليها."
ليث بتعب وغممان نفس: "مش قادر بجد. اللي هيصيبني بالجنون ليه التمثيل بالجُثة؟ يعني خلاص عملت اللي إنت عايزة وقتلتها. لازمتُه إيه قطع الراس واللسان والعنف السيء اللي يقشعر جسم الواحد."
منال بتضييق عين وهي بتاخُد رشفة من القهوة: "اللي لفت إنتباهي إنها خالتُه يعني من دمه. إزاي هانت عليه؟ داه يخلينا نبحث في تاريخ عيلة والدته أكتر ونتعمق فيه."
ليث بتركيز لما منال فتحت السيرة دي: "كُل الأقاويل دي مش مصدقها حوالين عيلة أبوه وأمه. أنا محتاج حد يعرف تفاصيل كُل شيء عنهُم وإيد نوح متطولهوش. لو في أخر الدنيا بس يساعدني في الحتة دي. أي طرف خيط هيكُر لينا باقي البكرة."
منال بتعب وإرهاق: "متنساش إن في المقام الأول والأخير نوح مريض عقلي ونفسي لازم نحط دا في إعتبارنا."
نوح بضيق من الكلام دا: "يا ستي حاضر نمسك اللي جابتُه بس وبعدين نشوف الحوارات دي. ملف الجريمة معاكِ؟"
حركت منال راسها بمعنى أه فـ قال ليث: "طب يلا إفتحيه عشان نبدأ شُغل نشوف ثغرة او ملاحظة صغيرة من ملاحظات الطب الشرعي."
***
المكان: مقر الشركة
تحديدًا: غُرفة إجتماعات يمكُث بِها نِساء السُفراء
كانت سيليا قاعدة على كُرسي وبتلعب في خُصلة مِن خُصلات شعرها وهي بتبُصلهم. بينما مياسة كانت ماسكة طبق كرز صغير خدته من البوفيه وبتاكُل فيه. صبا كانت قاعدة وبتهز في رجليها جامد وهي بتقول بتكشيرة: "طب طالما هو ظهر مش عاوز يظهر رفيف ليه معاه؟ بيحاول يجننا."
سيليا وهي بتحرك رقبتها بإرهاق: "نوح خبيث ومش مفهوم وردات فعلُه غير متوقعة، بس أنا مش حاسة إني خايفة منه إنهاردة مش عارفة ليه."
مياسة قالت شيء خلاهُم ينصدموا ويبتدوا يخافوا فعلًا: "لإنُه مش غريب عننا هو مألوف وكان بيقعُد معانا وإحنا لسه تحت تأثير الصدمة النفسية اللي سببها لينا بعد حركة الغدر بتاعتُه وعقلنا بيقول أكيد لا دا شكلُه هزار تقيل. هنبتدي نستوعب ونخاف بجد لما يعمل حاجة في الوقت الحالي زي إنُه يأذي حد من رجالتنا أو يأذينا إحنا شخصيًا."
تنحت سيليا وهي بتستوعب اللي قالتُه مياسة وبدأت تقوم من مكانها عشان تخرُج تشوف عزيز لإنها قلقت عليه.
بصت صِبا لسيليا وقال بمُناكشة: "قلقانة على حد ولا إيه؟"
سيليا بخضة وهي حاطة ضوافرها عند شفايفها: "إيه اللي بتقوليه دا، أنا ببُص على نوح بشوفه بيعمل إيه."
صِبا بـ إبتسامة: "لا متقلقيش هُما رجالة بيعرفوا يدافعوا عن نفسهُم."
سيليا فضلت واقفة عند الباب بتبُص على عزيز بقلق هاين عليها تطلع تجيبُه. أخر مازهقت قالت: "طب انا هطلع أجيب مياه من البوفيه عطشت."
صِبا رقعت ضحكة خلت مياسة تضحك من غير صوت وقالت صِبا: "المياة عزيزة أوي على الإنسان."
بصتلها سيليا بضيق وقالت: "بطلي بجد اللي بتعمليه دا، على الأقل قومي هاتي جوزك."
صِبا ببرود: "لو قومت هيتخانق معايا عشان إزاي خرجت من الأوضة من غير إذنُه."
سيليا بصت لمياسة فـ إبتسمتلها مياسة وقالت بحُزن حاولت تخفيه بالسُخرية: "أنا الإستبن بتاعه لو خرجت هيتخيل أمل ويتجاهل وجودي."
بصت سيليا للأرض بـ حزن عليها وإفتكرت لما تخلى عنها عزيز بسُرعة وكإنه زهق وطلقها ومشي مع جايدا. فـ رجعت بظهرها خطوتين لورا بعدها قعدت على الكُرسي تاني وسرحت.
صِبا وهي بتاخُد كرز من مياسة: "مروحتيش ليه؟"
إبتسمت سيليا بحسرة وقالت: "عشان إكتشفت إني زيكم الزعل اللي جوايا أكبر من خوفي."
فجأة سمعوا صوت طلقة خرجت من مسدس في الباحة الرئيسية فـ خرجوا الثلاثة جري للباحة.
حطت مياسة إيديها على صدرها وهي بتاخد نفسها من الخضة وبتحاول تستوعب إيه اللي حصل. بينما سيليا وصِبا كانوا واقفين مبرقين وكُل واحدة فيهُم بتتأمل الراجل اللي يخُصها بتشوفه كويس ولا لا.
الطلقة كسرت إزغزة شامبين غالية ونوح بينفُخ ببرود على فوهة المُسدس.
سيليا بدأت تغضب وإتحركت ناحيتُه بعصبية وهي بتشاور بصوباعها وبتقول: "إسمعني كويس أنا مش خايفة منك حركات التهويش بتاعتك دي تبطلها وتخرجنا من هنا وتسيبنا في حالنا بقى."
نوح من غير ما يبُصلها قال: "وإلا؟"
سيليا بـ جُرأة: "وإلا مش هيحصلك كويس حتى لو فيها موت."
نوح بصلها أخيرًا ورفع النظارة المُعتمة اللي لابسها فوق شعره وقال: "مفهوم الموت عندك إيه يا سيليا؟"
عزيز بجدية: "ملكش دعوة بيها كلمني انا."
بصت سيليا لعزيز وقالتله بنظرة كلها عتاب وضيق: "مش محتاجة دفاعك عني ليا أب زي ما إنت قولت من شوية."
إبتسم نوح بعبث وقال: "يعني الموت انواع. طلقة ممكن تموتك نفسيًا ونفس الطلقة ممكن تموتك جسديًا. جسديًا دي معروفة لو ضربتك طلقة خلاص هتودعي.. اما نفسيًا لو الطلقة دي جت في حد بتحبيه مثلًا."
كشر عزيز وهو شايف رعشة إيديها وصمتها فـ قال بضيق لنوح: "هات من الأخر عاوز إيه؟"
نوح بجدية وتعبيرات وشه إتغيرت تمامًا من العبث للجد قال بنبرة غليظة: "تبطلوا العبط اللي بتعملوه والمخططات اللي عاملينها عشان تنتقموا مني لإني مش فاضي في الوقت الحالي أنشغل بمُخططاتكُم الغبية."
ضيق عيسى عينيه وسألُه سؤال بديهي وقال: "مش فاضي ليه بتخطط إنت لإيه؟"
ضحك الرايق وهو بيصُب لنفسُه كاس شامبين وقال: "تأكد إنها حاجة متخصكوش، بس لو الفرك دا فضل كتير تأكد برضو إني مش هسكُت."
أمير بنبرة برود ولا مُبالاة: "إنت عارف كويس أوي إننا مش خايفين منك بس إنت اللي بتدخل الحريم في الموضوع."
رفع نوح أكتافُه وقال: "إنتوا اللي مش عارفين تحموهم، على كُل حال أنا هخرجكم دلوقتي عشان ورايا حاجات أعملها مش هينفع أنشغل بيكُم."
إتحركوا الأرانب البشرية تجاه الباب وفتحوه على مصراعيه. بص السُفراء للباب بتردُد تحسُبًا لو في فخ أو أي شيء بعدها شاوروا لنسائهُم يخرجوا قبلهُم. خرجوا وراهُم ووقف نوح بيراقب خروجهُم الحذر بضحكة عبثية على عدم ثقتهُم فيه.
أول ما خرجوا لقى عزيز فونه بيرن فـ رد وهو بيقول: "أيوة يا حبيبتي، مش هتأخر لا جاي في الطريق أهو. تمام سلام."
إتضايقت سيليا من كلمة حبيبتي اللي قالها لجايدا فـ سرعت خطواتها ناحية عربيتها وعزيز بيهرُش في دقنه وهو بيضحك على غيرتها اللي بتحاول تخفيها.
قرب عيسى من مياسة وهو بيقول: "إركبي معايا أنا عارف إن مش معاكِ عربية وكدا كدا عايز أشوف قمر."
مياسة بهدوء: "لا شُكرا هعرف أتصرف."
وجت تتخطاه عشان تمشي راح فاتحلها باب العربية وهو بيقول: "الوضع مش أمان لغاية ما نوصل بالسلامة فـ إتفضلي وبلاش عناد."
مياسة بعناد فعلًا: "مش هركب مش بالعافية."
رزع عيسى الباب وعينيه بتطلع شرار وهو بيقول: "ماهو مش بالعافية بطلُب منك بالذوق لو سمحتي إركبي."
إتأففت مياسة وركبت في الأخر. قفل العقرب الباب بتاعها ولف عشان يركب من ناحيته. شاف البنت الشقرا اللي شافها جوة طالعة وبتلف طرحة حوالين رقبتها وشعرها نازل من الجنبين، وبتربُط الهاي هيلز بتاعها وبعدها لبست نظارة وراحت في إتجاه تاني من الباركينج.
تنح عيسى ومياسة بتبُص عليه من جوة العربية بتشوف ماله ومركز فـ إيه.
ساب عيسى العربية وجري إتجاه البنت ومياسة خدت بالها من كدا. من الزعل حست إن رجليها مش شيلاها وفضلت متنحة في إنُه سابها عشان يجري ورا البنت الشقرا!
جري عيسى وراها بيحاول يوصلها وهي لما لاحظته بصت وراها وإتخضت. كانت في عربية مفيمة واقفة مستنياها ركبتها والعربية مشيت بيها على طول.
عيسى كان حاسس من جواه إنُه يعرف البنت دي كويس.
غرز صوابِع إيديه في شعرُه وقرر يرجع للعربية. لقى العربية فاضية والباب بتاع مياسة متساب مفتوح فـ خبط في الأرض برجلُه جامد بعد ما إستوعب هو عمل إيه.
***
المكان:منزل أعلى تل مُرتفِع
التوقيت: الحادية عشر مساءً
ادخل نوح لجناح رفيف من دون إستئذان. كانت بترضع أولادها فـ إتخضت من الدخول المفاجيء وبدات تغطي جسمها بلهفة. قفل نوح الباب وراه وهو بيخلع ساعة إيدُه وقال لرفيف: "ناموا؟"
رفيف بنبرة جادة: "أيوة أكلوا وناموا، وأنا كمان عايزة أنام."
نوح ببرود وهو بيقعثد على طرف السرير: "نامي، أنا مش خارج من الأوضة دي إنهاردة."
رفيف من غير ما تبُصله: "ميصحش تقعد مع واحدة مش طيقاك في مكان واحد."
بصلها نوح وثبت نظره عليها وقال: "مش طيقاني أوي، كانت هتبوسني قبل الولادة بدقايق."
رفيف برقتها المعهودة: "أخرج من فضلك."
نوح ببرود: "مش خارج، ولا إنتِ كمان خارجة من هنا، هنفضل سوا في الأوضة."
لمس نوح خد ولد من ولاده فـ إبتسم وقال: "ريحة جلدهم شبه ريحة جلدك. مش برفان أقصد ريحة الجسم نفسها."
قلبت رفيف عينيها بضيق فـ كمل نوح وقال: "وبشرتهم ناعمة زي بشرتك."
رفيف بضيق عشان خايفة تضعف قصاده: "لو سمحت بلاش الكلام دا."
نوح بـ إستهبال: "كلام إيه؟"
رفيف بحُزن: "من بعد اللي عملته فيا متتعاملش معايا وكأن شيئًا لم يكُن وتوصفني كإنك عارفني."
قرب نوح منها وهي لسه مغطية نفسها ولمس دقنها خلاها تبُصله وقال: "فاكرة الحركة دي؟"
بعدت وشها عنه فـ ضحك وقال: "حاولي تتعودي عليا، ركان وريان هيخلوني هنا كتير."
رفيف بصدمة: "إنت كمان سميتهُم من غير رأيي!"
نوح بجدية: "قولتلك أهم حاجة عندي نسلي، ركان وريان دول البداية. أنا ناوي أخلف منك لسه كتير."
بلعت رفيف ريقها وهي خايفة ومش عارفة الجاي شكلُه هيبقى إيه.
***
المكان: ذات المنزل أعلى التل المُرتفِع
تحديدًا: المطبخ الكبير
كانت الخادمة اللي بتحب نوح ساندة على الرُخام وهي بتبُص للخادمتين اللي بقوا مسؤولين عن رفيف وقالت بضيق: "يعني نوح باشا عندها في أوضتها دلوقتي؟"
واحدة منهُم عشان تفوقها من اللي هي بتعملُه قالت: "وأوضته هو كمان، ماهو جوزها لو مش واخدة بالِك وكمان بقى عندُه ولدين مِنها."
قطمت الخادمة اللي إسمها مرام ضوافرها بسنانها وقالت بضيق: "ما هي مبتحبهوش وبتتخانق معاه طول الوقت أنا بسمع صوتُهم."
الخادمة ردت عليها مرة تانية وقالت: "مش معنى دا إنُه هيسيبها أو هيطلقها خلاص بقى عندهم ولدين ولسه هيجيبوا. مرام فوقي متحُطيش نفسك في موقف إنك تكوني صيدة سهلة وتعرضي حياتك للخطر مُمكِن لو نوح باشا إكتشف حاجة زي كدا يقتلك بـ إيدُه."
مسكت مرام شعرها اللي لحد رقبتها وقالت بشرود مثتجاهلة كلام نسرين: "يمكِن بيحب فيها شعرها الطويل؟ او جسمها الرشيق."
الخادمة الثالثة اللي إسمها امنة: "انا لاحظت إن فيها شبه من الصورة اللي في اوضة نوح باشا اللي هي غالبًا صورة والدته. أخدت بالي منها وأنا بنضف الأوضة."
تنحت مرام شوية وقالت وعينيها بتلمع: "طب بقولك إيه يا أمنة ينفع أنا بكرة أنظف بدالك غرفة نوح بيه؟"
أمنة وهي بترتب الأطباق قالت: "ما إنتِ عارفة إن نوح باشا بيخلينا نشتغل بالأمر يعني لو قالي انا مش هقدر أقوله خلي مرام بدالي."
نسرين بقلق من تفكيرهم: "ربنا يسترها عليكم بجد شوفوا أكل عيشكم بدل اللي بتقولوه دا إحنا مش ناقصين."
دخل واحد لابس ماسك الأرنب ورفع الماسك قدامهم عادي عشان نوح ماسك على كل واحد فيهم ذِلة يعني أمان، وقال بإرهاق: "ما واحدة فيكم تستجدع معايا وتعملي كوباية قهوة دماغي بتوجعني."
نسرين لإنها الأكبر سنًا منهم كانت بتعاملهم زي أولادها فـ قالت له بحنان: "هعملك أنا ومعاها ساندوتش، برضو مش عاوز تقولي لما بتخرجوا مع نوح باشا بتعملوا إيه بالظبط؟"
الشاب كان إسمه خالد قال: "مينفعش دي أسرار شُغل، ركزوا إنتوا بس في شُغل البيت وملكوش دعوة بنعمل إيه برا."
امنة بضحك: "طب والله خسارة فيك الساندوتش، بتعاملنا كدا يعني بتحلل فينا كلمة خدامين."
عملتله الساندوتش وحطته قدامه. كان توست جواه برجر والبرجر عليه كاتشب وخس. بص للساندوتش وإفتكر راس خالة نوح اللحم نازل منه دم. فـ قام ناحية الحوض ورجع بتعب.
أمنة إتخضت وراحت ناحيته وهي بتطبطب على ظهره وقالت: "مالك إنت واخد برد ولا إيه."
مرام بسخرية: "وإحنا اللي كنا فاكرين بدلة الأرنب دي بتخنقكم مبتخليكوش تعرفوا تتنفسوا."
غسل وشه وبدأت نسرين تغسل الحوض وهي بتقول: "ألف سلامة عليك، هو الشغل صعب للدرجة دي؟"
مسكت أمنة منديل وهي بتمسحله وشه وبوقه وسرحانه فيه. رمش خالد بعينيه كذا مرة وقال بتعب: "خلاص مش عاوز قهوة معدتي مش هتستحملها، أنا هطلع أشرب سيجارة."
خرج يشرب سيجار وتابعت أمنه طيفُه بـِ شرود. قربت منها مرام وقالت بمُشاكسة: "دا باين علينا وقعنا ولا إيه."
أمنه إتخضت وقالت: "أنا؟ وقعنا إيه دي لا بتقولي إيه بس."
مرام خبطتها في كتفها وقالت: "خضتك عليه لما تعب ونظرتك ليه لما مشي، طب كُنتِ عرفيني أساعدك."
نسرين بجدية: "كُل واحدة تشوف شُغلها أحسن من الكلام دا وأنا هطلع أتطمن على خالد إياكش أعرفُه."
قربت نسرين من مرام وقالت بصوت واطي: "وإنتِ بالذات ياللي بتدوري على أجلك، تشيلي موضوع نوح بيه دا من دماغك."
سابتهم وراحت تطمن على خالد بينما مرام قعدت تفكر هتعمل إيه في اللي جاي.
***
المكان: حارة المنيل.
تحديدًا: شقة مياسة
التوقيت: التاسعة صباح اليوم التالي.
كانت مياسة بتحُط قمر في سريرها بعد ما رضعتها وبتغطيها. سمعِت صوت الجرس بتاع باب الشقة فـ خافت قمر تصحى. إتحركت ناحية الباب وهي بتبُص من العين السحرية شافت إتنين ستات واقفين. فتحت مياسة الباب وهي بتقول: "أيوة؟"
واحدة من الستات إبتسمت لها إبتسامة صفرا وهي بتقول: "سلامو عليكُم، ياختي فلقة قمر من قُريب."
مياسة بـِ توتر وهي بتبتسم: "مين حضرتك؟"
السِت وهي بتمسح وشها بالمنديل قالت: "جارتك يا حبيبتي بشوفك كُل يوم وإنتِ نازلة مع الست أم عيسى، مش هتدخلينا ولا إيه تسقينا كوباية مياه."
مياسة بإرتباك قالت: "إتفضلوا."
دخلوا وهُما بيقعدوا وبيبصوا على الشقة فـ قالت مياسة بكرم ضيافة: "تحبوا تشربوا إيه؟"
مسكت الست طرف الخمار بتاعها وهي بتمسح فوق شفايفها وقالت: "مياة يماا ربنا يسقيكي من الجنة."
الست التانية قالت بصوت عالي ومياسة في المطبخ: "مرتاحة في السُكنة هنا لوحدك؟ بس شكلك بت أصيلة خدتي شقة جنب حماتك."
حطت مياسة صوابعها على مُقدمة رأسها عشان حست بضيق من وجودهم اللي ملهوش داعي. خرجت علبة العصير وصبت في كوبايات وحطت كوباية مياه على صينية. كانت عاملة بسكويت البرتقال بتاع العيد فـ حطتلهُم منه وطلعت حطت قُدامهم الصينية وهي بتقول: "إتفضلوا."
الست بصتلها بطرف عينيها وقالت: "بس يعني اللي عرفته أنك عندك من عيسى بنت."
مياسة بصتلها وقالت: "أه."
أكملت الست كلامها وقالت: "يعني الشقة اللي إتجوزتي فيها من حقك، أنا عارفة إنك متجوزتيش في الحارة مخدتيش الشقة منه ليه."
سكتت مياسة وهي بتبُصلها ورفعت أكتافها بمعنى اللي حصل بقى.
قالت الست التانية: "ولا كُنتِ تقعُدي في شقة البت أمل، دي شقة جميلة وريحها بحري بس من ساعة ما أمل الله يرحمها إتقتلت فيها الناس بتخاف منها، فـ عيسى إشتراها."
الست الأولانية وهي بتشرب نُص كوباية العصير: "أهي حاجة من ريحة الحبايب بقى، أصل أمل وعيسى مكانوش بيفترقوا، عيسى ييجي ورا إسمه على طول أمل، كان يسيب عيال الحتة يلعبوا كورة ويقعد معاها، وهي كانت راسها للسما ما هي بت شقرا وحلوة ونغشة مكانتش بتصاحب من بنات المنطقة أبوها كان بيخاف عليها، مش بيأمن عليها غير مع عيسى."
مياسة بدأت تقضم ضوافرها عشان قلبها بدأ يدُق دقات مُزعجة فـ كملت الست وقالت: "دا مرة، من سنين طويلة أيام ما كانوا صغيرين."
-مُنذ سنوات.
-منزل الحاج الغُريبي.
خرجت والدة عيسى من المطبخ وهي بتجفف إيديها من المياة وبتقول: "عيسى، إنزل مع أبوك الدُكان هاتلي علبة بخور عشان أمسح الشقة وأشغل بخور إنهاردة الجُمعة."
عيسى كان صغير وبيلبس الشوز الرياضية بتاعتُه وهو بيقول: "مش هلحق عشان عندي ماتش كورة."
وقف قُدام المرايا وهو بيظبط خُصلات شعرُه بصوابعه والچيل ومامته قالت: "مهما تحاول تثبتُه بالچيل مُجرد ما الهوا ييجي هيهفهف فوق دماغك، أنا عارفة مش عاوز تقصُه ليه."
الحاج الغُريبي وهو بيحضُن عيسى من كتفُه قال: "سيبيه شعره حلو وناعم، دا لما يقعد ينفخ فيه وشعره يطير فوقه البنات بتبصله والولاد بيغيروا منه."
والدة عيسى: "طب عشان خاطر أمك هاتلي علبة البخور عشان الغدا على النار."
عيسى بضيق: "حاضر يا ماما، هسبقك يا بابا على تحت."
فتح عيسى الباب وجه يخرُج لقى أمل قُدامه. أقصر منُه ولابسة شوز بيضا بتلمع وعليها الشراب أبو كرانيش، وشعرها الناعم الأشقر مفرود على ضهرها. ولابسة شورت فوق الركبة حاجة بسيطة چينز وتيشيرت إسود.
عيسى لما شافها تنح وسرح فيها. بصتلُه أمل بنظرة حُزن وقالت: "برضو هتروح تلعب كورة؟"
بص عيسى وراه وقفل باب الشقة وقرب منها وهو بيقول: "عندي ماتش مهم، تحبي تيجي تتفرجي عليا؟"
رفعت أمل أكتافها وقالت: "أنا مبحبش الكورة، بس شوفت فيلم حلو عايزة أحكيلك عنُه."
إبتسم لها وقال: "طب يلا ننزل قبل ما أبويا ييجي، نروح نقعُد عند الشجرة بتاعتنا."
نزلوا سوا وكان في ولد بيبُص لأمل بإعجاب لكن هي بصتله بقرف ومسكت إيد عيسى وكشيت معاه. راحوا ناحية الشجرة كان عيسى رابطلها كاوتش عربية على إنُه مرجيحة بحبل في الشجرة. مسكها من وسطها وقعدها على المُرجيحة. إتحركت بالمُرجيحة وهي بتقول: "يعني مش هتروح الماتش؟"
حرك راسُه بمعنى لا وقال: "إنتِ بتحبي تتفرجي على الأفلام وأنا بحب أتفرج عليكِ."
وقفت أمل المُرجيحة وشاورت لعيسى بعينيها فـ قربلها قالها بحماس: "هتقوليلي سر ولا إيه؟"
باستُه على خده فـ حس بكهربا في جسمه. إبتسمت هي ورجعت تتمرجح تاني وهو حاطط كف إيدُه فوق خدُه. أمل قالت وهي بترجع راسها لورا: "الفيلم كان على مركب، وبتغرق مليانة مياة، وكان في إتنين صحاب ماما قالتلي البنت إسمها روز والولد چاك، كانوا زيي أنا وإنت."
قعد عيسى وإتربع وهو باصصلها وقالها بإهتمام: "شبهنا إزاي؟"
أمل وهي بتتمرجح: "كانوا بيهربوا من أهلهم ويجروا سوا جوة المركب، ويهزروا وكان بيرسمها."
عيسى ضحك وقال: "أنا مبعرفش أرسم إنتِ اللي بتحبي الرسم."
أمل بضحكة: "أنا رسمتك كتير، وسميت العروسة بتاعتي على إسم بنتنا لما نكبر، قمر!"
سند عيسى راسه على كف إيديه وقالها: "كملي."
أمل: "بس نهايته كانت وحشة، المركب غرقت وچاك مات، وروز إتجوزت حد تاني."
أنتفض عيسى وقال: "يعني أنا لو مُت هتتجوزي حد تاني؟"
وقفت أمل المُرجيحة وقام عيسى عشان ينزلها. مسكها من وسطها تاني وحط رجليها على الأرض فـ رطعت خصلات شعرها الكثيفة لورا وهي بتقول: "لا! وأنا لو مُت هتتجوز غيري صح؟"
عيسى بـِ صوته الطفولي: "متقوليش كدا بعد الشر عليكِ، أنا مش هعيش ساعتها عشان أقدر أتجوز."
-الوقت الحالي-
شقة مياسة.
مياسة وشها إصفر وهي بتقول بصدمة: "يعني أمل كان عندها عروسة مسمياها قمر؟?"
الست وهي بتاكُل البسكويت: "أيوة، دا حتى أم عيسى عارفة الكلام دا والعروسة في شقتها. العروسة كانت لابسة فستان أخضر كانت زي الجنية ليها جناحات فراشة وشعرها أشقر زي أمل. أهي دي كانت بنت عيسى وأمل دايمًا."
صوت قمر بنت مياسة وعيسى بدأ يظهر وهي بتعيط بعد ما صحيت. الست بخضة: "ياختي إسم الله عليها."
وقفت مياسة وهي بتحاول متعيطش وقالت: "كان نفسي أقعد معاكم أكتر بس أنا هاخد بنتي ورايحين مشوار."
نفضت الست إيديها من فرافيت البسكويت وهي بتقول: "طب يماا تتعوض نبقى نشوف الأمورة الصغيرة بعدين، يلا سلام عليكم."
خرجوا من الشقة وقفلوا الباب وراهم، ومياسة قعدت على الأرض ضامة رجليها لـِ صدرها وهي بتترعش وبتعيط بهستيريا. أدركت إنها كائِن بديل لأمل فعلًا بالنسية لعيسى.
***
المكان: منزل عزيز الإبياري.
تحديدًا: غُرفة إبنه.
كان قاعد مع إبنه بيلعبوا سوا على الأيباد بتاعه. دخلت چايدا وهي بتقول بهدوء: "عمتك برا يا عزازي عايزة تشوفك."
قلب عزيز عينيه وهو بيقول لأبنه: "طب كمل إنت اللعبة وأنا هخلص وأجي ألعب معاك."
خرج من الأوضة وقفل الباب وخرجت چايدا معاه وهي بتقول بهدوء: "كُنت فين إمبارح ممكن أعرف؟"
وقف عزيز وهو بيعدل شعرُه وقال برفعة حاجِب: "نعم؟?"
چايدا بخوف: "أنا بس بسأل عشان إستغربت، حسبتك روحت تشوف.."
وقبل ما تكمل كلمة سيليا مسك عزيز فكها وضغط عليه بصوابعه وهو بيقول: "أنا مبحبش الطريقة بتاعتك دي، ورجعتك ليا وعيشت معاكِ ومع إبننا عشان إبني وبس، مش هيبقى إبني وبنتي بُعاد عن حُضني، فـ تهدي على حالك وتبطلي تعمليلي فيها والمدام وأسئلة رايح جاي، أمين؟"
حركت جايدا راسها بمعنى أه وهي بتتألم فـ ساب عزيز فكها وراح لعمتُه.
لقاها قاعدة بتشرب سيجار وبتقول من ورا نظارتها الشمسية: "بقيت تنام كتير الأيام دي، مش تنتبه لشُغلك أفضل."
قعد عزيز والشمس جاية على خُصلات شعرُه وقال: "وإنتِ بقيتي عايشة دور الأم بـِ جدارة الأيام دي، وأنا مش عاوز أتكلم."
عمتُه إبتسمت إبتسامة مش مفهومة وقالت: "مش أن الأوان بقى تجدد نسلك، وترجع لـِ عيلة الإبياري أمجادها من تاني."
بصلها عزيز بـ خمول وقال: "مش فاهِم؟"
عمتُه بخُبث: "هقعُد معاك هنا في بيتك الفترة الجاية، وعندي ليك مُفاجأة تانية بس إستنى يومين."
عزيز عقد حاجبيه وقال بإستغراب: "مُفاجئة إيه وتقعُدي فين؟ إيه المُناسبة يعني؟"
نفثت دُخان السيجار بتاعها وقالت ببرود: "مش مرحب بيا في بيتك ولا إيه؟"
عزيز رفع أكتافُه وقال: "مش الفكرة بس كُل الحكاية ليه وإشمعنى الفترة دي، إنتِ أصلًا رجعتي مصر فجأة."
عمتُه بغموض: "هتفهم الفترة الجاية.."
***
المكان: منزل أعلى تل مُرتفِع.
تحديدًا: الجناح الخاص بـ رفيف.
كانت نامت هي ونوح نام جنبها مِن التعب، والولدين ناموا من كُتر السهر. صحي واحد منهم وهو بيعيط جامد فـ قامت رفيف بـٓ تعب وقالت بـِ رِقة: "ششش، صباح النور يا ماما، إنت جعان يا حبيبي."
شالتُه من السرير بتاعُه عشان ميصحيش أخوه، ونوح عامل نفسُه نايم وهو بيسمع صوتها وبيشوفها بنص عين. مسكت رفيف ريان وقالت: "إنت نومك قليل ليه، إيه تاعبك يا قلب ماما."
شمت هدومه وبعدين حركت مناخيرها على مناخيره الصغيرة وقالت بسعادة: "شطور معملتش حاجة تبهدل هدومك."
شالته وقعدت تطبطب على ظهرُه وهي بتتاوب بتعب. حط نوح دراعُه تحت راسُه وهو شايفها رايحة جاية بـ ريان في الأوضة وبتغنيلُه (واقعة في غرامك أنا، يا حبيبي معاك شوفت الهنا).
صحي نوح فـ إرتبكت رفيف وهي شايلة إبنها. كان قالِع قميصُه. سحب الفوطة اللي كانت متعلقة وحطها على كتفه ودخل الحمام عشان يغسل وشه.
رفيف بهمس لـ ريان: "بابا صحي أهو، مبسوط كدا صحيتنا كُلنا؟"
غسل نوح وشه وسنانه. وبعدها بص من الحمام وهو بيتمضمض بالغسول. شاور بعينيه لـ قميصُه فـ بصتلُه رفيف قالت: "إنت خارج؟"
غسل بوقه كويس وقال وهو بياخِد نفسُه: "أها، هريحك مش كُنتِ متضايقة عشان هنام جنبك إمبارح."
وشها إحمر وقالت: "أيوة أنا هرتاح لما تمشي، بس الفكرة ريان سكِت لما شافك ولقاك صحي."
قرب نوح منها، وأخد من إيديها ريان وهو بيحطُه في سريره. قرب منها تاني وحط الفوطه حوالين رقبتها، وسحبها مرة واحدة من رقبتها ناحيتُه لغاية ما جسمها خبط في جسمه. رفعت عينيها لعينيه بخجل فـ بصلها بـِ علو لإنها أقصر مِنُه. كانت بتحرك عينيها وهي بتتأمل عينيه الإتنين غصب عنها قلبها بيضعف قُصاده. حاوط وسطها بإيديه ورفعها ليه لحد ما رجليها إترفعت عن الأرض، فـ قال وهو مقرب من شفايفها: "أيوة كدا، عشان أشوف بوضوح أحلى عيون في الدنيا."
حاوطت رقبته بإيديها وهي مرعوبة وبتقول: "يا ماما."
شالها بإيد واحدة من خصرها وبالإيد التانية لمس خدها وهو بيتأملها. كانت مستغرباه لإن الوش اللي أظهره ليها غير مُبالي. بصت لعيونه بتحاول تفهمهُم. تأمل هو عينيها وهو بيتنفس بصعوبة وقلبه بيدق، كإنه جري لمسافات طويلة. ضغط على أسنانه بيحاول يتحكم في مشاعره، وفجأة حضنها جامد. ضمها ليه بقوة، رغم إنه شايلها وحاضنها بإيد واحدة بس ضمتُه ليها كانت قوية. غمضت عينيها في حُضنه وهي بتستنشق ريحة برفانُه التقيل، حاسة بأمان غريب بين إيديه رغم إنُه الشخص الوحيد اللي بيمثلها الخطر.
وقالت بنبرة كُلها حُب: "إزاي يبقى خوفي وأماني في شخص واحد؟"
غرز وشه في كتفها وكإنها كانت مسافرة لمُدة طويلة. فجأة ركان صحي وبدأ يعيط. فـ أنتفضت رفيف في حضن نوح. وهنا بدأ هو يفوق وينزلها من بين إيديه على الأرض وهو بيستوعب اللي حصل. حط كفين إيديه على بوقه وهو بيتحرك ناحية الباب. لبس قميصُه وخرج من الجناح وهو بيقفل زراير القميص. لقى مرام في وشُه. شافتُه وهو بيقفل زراير قميصُه فـ قلبها وجعها وعينيها دمعت. نوح بصلها بتكشيرة وقال: "ها؟?"
مرام بإرتباك: "كُنت بستأذن حضرتك أنظف أنا الجناح الشخصي بتاعك إنهاردة عشـ.."
قاطعها نوح وهو بيكمل لبس وقال: "وأمنة فين؟"
مرام بهدوء: "موجودة بس حساها دايخة شوية فـ قولت أعمل بدالها."
نوح بجدية: "لو أمنة دايخة خلي نسرين هي اللي تنظف الجناح، ركزي إنتِ في شُغلك اللي مكلفك بيه."
مرام بطاعة وحُزن حاولت تخفيه: "حاضر."
خرج نوح من جناح رفيف ونزل للطابق السُفلي. لقى الأرانِب واقفين بس واحد منهُم ساند على الحيطة مش قادر يوقف. ضيق نوح عينيه وهو مركز على الأرنب اللي ساند على الحيطة. وسعوله طريق ودخل نوح بينهم. رفع القناع عن وش خالد وهو بيتأملُه وبيقول بنبرة جادة: "إنت كويس؟"
خالد بتعب: "دور برد بسيط يا باشا."
نزل نوح القناع على وشُه تاني وهو بيخبط على كتفُه وبيقول: "ريح إنت إنهاردة، المشوار اللي رايحينه تقيل ومش هتقدر عليه."
خالد بتصميم: "يا باشا دا دور بسيط أنا كويس وهسد."
نوح بجدية: "قولت لا! ريح وخُد دوا هنخلص المشوار ونرجع عـ السريع."
شاور نوح بـ رقبتُه ليهُم عشان يتحركوا. إتحرك واحد من اللي واقفين معاهُم وهو بيقول لخالد من تحت القناع: "هروح مكانك، ريح إنت."
حرك خالد راسُه بمعنى تمام ومشي. كانت أمنة واقفة ورا الحيطة وهي شيفاه هيقعُد فـ إتبسطت. لقتُه إتحدف على الكنبة مرة واحدة فـ خبطت بإيديها على صدرها وهي بتجري ناحيتُه.
***
المكان: مسرح الماريونيت.
تحديدًا: مقاعد المُشاهدين.
دخل عيسى وهو لابِس الچاكيت الجلد الإسود بتاعُه على اللحم. لابس أيس كاب على راسه نازل من أطرافُه خُصلات شعره اللي فوق ودانه بشوية، وحاطط حديدة السلسلة بين سنانُه. قعد جنب واحد من جماعة الرمادي وهو بيقول بهمس: "مُتأكِد إني هلاقيها هنا؟"
الراجل بهدوء: "حسب المعلومات اللي لاقيتها أه."
عيسى وهو باصص قُدامه قال بجدية: "إسمها طيب، أي حاجة تخُصها؟"
الراجل بهمس: "للأسف معرفش."
إتفتحت الستاير. حط عيسى رجلُه على المقعد اللي قُدامه ساندها بالشوز التمبرلاند بتاعُه الهافان.
بدأت العرايس تتحرك وصوت همهمة ودندنة أنثوية. رفع نظارته الشمسية عن عينُه وهو بيبُص بتدقيق فوق على اللي ماسكين العرايس. كانت اللي ماسكة العروسة بتاعة الأميرة النائِمة إيد بنت بيضا وظوافرها طويلة عليها مانيكير سوفت بينك. صوابعها رفيعة ولابسة خاتم فراشة، وصوت دندنتها رقيق. وجذاب.
وطى عيسى راسُه وهو بيحاول يشوف البنت صاحبة الإيد دي. وطت البنت راسها وهي بتحاول تبُص للجمهور. سبقت عينيها خُصلات شعرها الشقرا الطويلة. وعينيها جت في عيون عيسى اللي تنح وفتح شفايفه فتحة صغيرة وهو بيتأمل عينيها. عينيها إرتبكت ورفعت راسها بسُرعة فـ قام عيسى وقف وهو بيسيب مقعده وبيروح ناحية الكواليس.
***
المكان: الچيم.
تحديدًا: قاعة الأجهزة الرياضية.
دخلت سيليا وهي لابسة شورت رياضي ضيق وتيشيرت كت، وحطة حوالين رقبتها الهيد فون. لقت عزيز بيرفع أثقال. قعدت هي قُدامه على جهاز الدراجة الثابتة وقعدت تبدل وهي رافعة شعرها لفوق. تنح عزيز فيها وهو بيحُط الأثقال عشان متوقعش عليه لإن أعصابه سابت. شاور عزيز لواحد من الحرس وقاله: "خلي الكوتش يفضيلي القاعة دي قوله عزيز بيه اللي بيقولك."
إتحرك الحارس وعزيز بيبص لسيليا وبيتأملها بجراءة كإنها لسة مراتُه. قام ومسك الفوطة الصغيرة بتاعته بدأ يمسح رقبتُه من العرق ووشُه وهو بياخُد نفس بالعافية. جه الكوتش بيقوله: "أعلي درجة التكييف يا عزيز باشا؟"
بصلُه عزيز وهو بيجيب في عرق وقال: "ياريت الجو بقى صهد."
سمعتُه سيليا وإبتسمت وهي مديالُه ضهرها. قامت من على الدراجة الثابته. فـ هرش هو في مناخيره من برا وعامل نفسُه مش شايفها ومش مهتم.
مشيت خطوتين وجت عنده بعد ما الكوتش مشي. عملت إن رجليها إتلوت قُدامه وكانت هتوقع راح ماسكها من وسطها بإيد واحدة. بعدين كشرت بتمثيل وهي بتبُصلها بينما هو قعد يبُصلها بشوق وقال: "هو الملبن هيخرب الفورمة اوي يعني؟"
عملت سيليا نفسها مش سمعاه وقالت بضيق: "إنت إتجننت شيل إيدك من على وسطي."
حاوط وسطها بإيديه التانية وتبت فيها جامد راحت مبرقة وقالت: "إيه اللي بتعملُه دا هتصل بـ بابي أقوله."
عزيز وهو بيعُض على شفتُه السُفلى: "دا إنتِ اللي بابا، وعمو."
بدأت تتكسف فـ إتعدلت وهي بتقول: "شيل إيدك عني مش من حقك."
سحبها من ضهرها ليه جامد وهو حاطط مُقدمة راسه على مُقدمة راسها وبيقول: "لو مش من حق حبيبك يبقى من حق مين، مش أنا لسه حبيبك؟"
سيليا بعصبية: "إنت باين عليك إتجننت إنت مطلقني ومتجوز ست چايدا!"
عزيز وهو بيضُمها ليه أكتر: "وحشتيني."
سيليا بضيق: "عزيز إبعد لو سمحت."
بصلها وإبتسم وقال: "لسه عزيز بتطلع مسكرة من شفايفك، ما تدوقيني كدا حرف حرف."
سيليا بدأ قلبها يدُق وقالت: "إنت شارب حاجة؟"
ملامح وشه إبتدت تبقى أكثر جدية وقال: "بقولك وحشتيني!"
ضعفت قُدام نظراتُه فـ قالت: "مش أنا اللي بيعت وما صدقت أطلق."
عزيز بـِ نظرة حُب وإشتياق حقيقية: "أرُدك ليا، مبقدرش أقاومك يا بنت اللذينة."
بدأت سيليا تعيط عشان طلقها وبقى مع چايدا فـ حضنها جامد وهو بيقول: "يبقى أنا كمان وحشتك، قلبك بيدُق أنا حاسس بيه."
بص لسيليا تاني كانت لاوية بوقها وهي بتعيط. فـ
رواية العبث الاخير الفصل السادس 6 - بقلم روزان مصطفى
على فين وخداني عينيك يا ساقيني الشوق بإيديك
دا أنا قبلك ياما قاسيت من الناس والشوق والدنيا تبقى إنت وهما عليا تيرارارا.
إتفتح باب الجناح بطريقة ذكية، ودخل نوح ووراه الأرانب. سمع نوح صوت الدوش فـ قال للأرانب بهمس:
"تلاتة منكم يوقفوا عند باب الحمام وأربعة عند باب الجناح، والباقي حواليا."
الأرانب بطاعة:
"أمرك يا باشا."
إتحركوا يوقفوا زي ما نوح قالهم. كان لابس نوح بدلة سودا وقميص إسود. بص بعينيه على الترابيزة لقى عليها إزازتين شامبين وكاستين فاضيين وباكيت تلج وطبق عنب أحمر. ضحك الرايق بسخرية وقعد قدام الترابيزة وحط رجل على رجل، وهو بيفتكر عمايل الراجل اللي بياخد شاور جوه دا في أمه. خرج لابس البُرنص وهو بيكمل غنا بمزاج وبيقول:
"ويا ترى يا جميل لو قلبي يميل ويا نصيبي."
وأول ما شاف نوح إتخض وبرق وهو بيقول:
"إيه دا إنت مين ودخلت هنا إزاي؟!"
جري على الفون عشان يكلم الإستقبال يبلغهم بوجود شخص غريب في جناحه. واحد من الأرانب غرز مطوة صغيرة في كف إيده اللي محطوط على سماعة التليفون فـ صوت بألم شديد. مسكوه من دراعاته الإتنين فـ قال نوح بنبرة غريبة:
"عبدالخالق متولي، أشهر محامي نجس في فترة التسعينيات. وحاليًا بيصرف كل فلوس القضايا اللي كسبها زمان، على النسوان. والدليل على كده مدام انتصار الموكلة بتاعتك اللي خلعتها من جوزها وجيالك عشان تقضوا ليلة مع بعض."
كان بيترعش بجسمه المتوسط وكِرشه الكبير، وقصر قامته. كان أقرع وعنده شعر من الجنبين لونه رمادي، كان زمان أسود، وشنب كذلك. وشه مدور وعنده خدود مدلدلة.
كانوا ماسكينُه من دراعاته وبدأت رجليه كمان تترعش. كشر نوح وقال بنبرة غريبة:
"رؤى، فاكرها؟"
عبد الخالق برعب:
"رؤى مين بالظبط ما فيه تسعين رؤى."
إتقدم نوح بجسمه وهو بيبص جوه عيون عبد الخالق وبيقول بجدية وغيظ:
"رؤى اللي أثبتوا عليها إنها زانية! وحرمتوها من كل حاجة هي وابنها، وموتوها بحسرتها، مش فاكرها؟ دا حتى إنت كنت موكل زوجها."
بلع عبدالخالق ريقه وهو مبرق وبيفتكر.
صباح يوم مشمس.
خرج عبدالخالق من قاعة المحكمة وهو بيلبس نظارته الشمسية والصحافة بتجري وراه. فـ وقف وقال:
"نشكر نزاهة وعدالة هيئة المحكمة في الحكم الصادر منها تجاه الخصم وموكلته، وتم تقديم كافة الأدلة التي تثبت أنها بالفعل قامت بفعل الزنا."
واحدة من المذيعات:
"هل بالفعل شقيقة الجانية شهدت ضدها؟"
خرج عبدالخالق سيجار بني وحطه بين شفايفه وهو بيقول:
"آه طبعًا ودا الصح، الشهادة الصادقة هي الصح والأصح ودا قوى من موقفنا عشان إحنا أصحاب الحق."
شاور بإيده ليهم يوسعوا له عشان يمشي وهما مبطلوش أسئلة وهو ماشي. وصل لعربيته لقى رؤى شايلة نوح على دراعها وبتقول وعينيها حمرا من العياط:
"ضميرك مش هيوجعك بعد ما افتريت عليا وعلى شرفي إنت وأهل جوزي؟ أنا مش مسامحة، حسبنا الله ونعم الوكيل فيك."
ضحك بسخرية وقال:
"إذا كانت أختك شهدت ضدك، مستنية مننا إيه؟"
كانت رؤى بتبص له وعنيها وارمة من العياط لإنها خسرت كل حاجة. بص لها هو بشهوة ورغبة وقال وهو بيمسك دراعها:
"بس إحنا فيها، ممكن نلعب لعبة صغيرة وأغير كل القضية لصالحك وأخليكي تاخدي منهم فلوس وتخلي ابنك معاكِ بعد كده، وفوق كل ده تردي كرامتك من تاني وتبقي شريفة في نظر القانون."
لوت رؤى بوقها بحسرة وقالت:
"ودا مقابل إيه؟ أنا مش معايا جنيه."
قرب منها وقال:
"ليلة واحدة في بيتي معاكِ، ليلة واحدة تبقي بين إيديا."
زعقت رؤى وقالت:
"إبعد الله يلعنك عايز تلوثني وتخليني زانية بجد."
عبد الخالق بغرور وهو بيزقها بإيده:
"يلا يلا، يلا يا فاجرة من هنا هو جسمك لناس وناس ولا إيه."
ركب عربيته ورؤى شايلة نوح وبتقول:
"منك لله وعند الله تجتمع الخصوم، يوم القيامة ربنا هيجيبك قدامي وهقتص منك، لو مكنتش أنا صعبت عليك كان صعب عليك ابني اللي على دراعي، منكم لله يارب ردلي حقي، رجعني في نظر الناس طاهرة يارب!"
كان نوح وهو على دراع رؤى حفظ ملامح عبدالخالق كويس، وحفظ نظراته كلها.
عبدالخالق بصدمة وهو مبرق وبيص بص لعيون نوح:
"أنا فاكرك، فاكر إني شوفت عيونك دي في حتة قبل كده؟ النظرات دي مش غريبة عليا! هي رؤى اتجوزت بعد كده؟"
نظرات الحقد والغضب في عيون نوح اتحولت لظلام كره وحسرة وضحك بمرارة وقال:
"هو بعد اللي عملتوه كان فيه حد هيرضى يشيلها اسمه؟"
عبدالخالق برعب:
"يعني إنت مين؟"
وقف نوح وهو بيفك أزرار أكمام البدلة وبيقول:
"أنا الرايق، وإنت حاجة من الحاجات اللي بتخليني أتضايق، فـ لازم أتخلص منك، عشان للباقي أبقى فايق."
الأرانب قعدوا عبدالخالق على ركبه فـ قال برعب:
"أنا عملت لك إيه، هما... بص هفهمك، دفعولي فلوس كتير وهددوني، هددوني صدقني أنا عاجز قدامهم."
بـِ بوز جزمته اللي بتلمع خبطه ما بين رجليه فـ صرخ عبدالخالق بألم فـ قال نوح:
"وهددوك كمان إنك تطلب تعمل علاقة مع أمي وإنت بتبص لها بنظرات وسخة كلها طمع وكأنها عريانة قدامك؟!"
عبدالخالق بـِ ألم وبصوت متقطع:
"مـ.. ما هي.. هي مرضيتش."
كمل نوح وقال:
"أنا برضو لما كبرت وبقيت راجل زي ما إنت شايف، مبقتش أي ست تعجبني، يعني بنتك مثلاً."
برق عبدالخالق وهو بيرفع راسه وبيبص له وقال:
"ملكش دعوة بيها، إوعى تكون أذيتها!"
نوح وهو بيحرك إيديه قال:
"لفتت انتباهي أوي، احتمال أقضي معاها كام ليلة لحد ما أزهق."
الدم غلي في عروق عبدالرازق وقال:
"ليه فاكرها زي أمك الـ...."
عند النقطة دي وطى نوح بسرعة البرق لدرجة إن الأرانب إيديهم ارتخت عن عبدالخالق من الخضة!
مسك دقن عبدالخالق وقال بصوت خشن:
"أنا هخليك تشوف كل أنواع العذاب قبل ما تموت، أنا نوح اللي كنت على دراعها، افتكرت؟"
برق عبدالخالق برعب وقال وشفايفه بتترعش:
"وجاي تنتقم مني أنا؟ منتقمتش من خالتك ليه اللي شهدت ضد أمك في المحكمة؟"
خرج نوح الفون بتاعه من جيبه وفتح الجاليري جاب صورة جثة خالته وحطها قدام عبدالخالق وهو بيقول:
"خالتي دي؟"
صرخ عبدالخالق برعب ووطى راسه وهو بيبوس جزمة نوح وبيقول:
"أبوس رجلك ورجل الست هانم والدتك الفاضلة، إحنا لسه فيها وهبقى خدام جزمتك وهروح أطلع في كل القنوات أثبت براءتها وشرفها، هعترف بكل حاجة."
نوح بيضحك بتشفي فـ قال:
"هو أنا هستناك إنت بروح أمك تقول كلمتين يبرأها؟ أنا برأتها من زمان بس إنت اللي مكنتش متابع.. بما إنك لسه واصل مصر فـ الأخبار ملحقتش تجيلك ودا عشان إيه؟؟ عشان إنت نازل مصر تجري ورا النسوان وبس.. بس أنا بقى عرفتك أول وآخر الأخبار."
عبدالخالق بـِ خوف ورعب:
"أنا تحت أمرك يا نوح باشا، أبوس رجلك إديني فرصة أكفرلك عن كل حاجة."
وقف نوح على رجليه وبصله من فوق بصة احتقار وتشفي في ذله، وقال للأرانب وهو بيقلع چاكيت بدلته:
"هاتوهولي على الحمام عشان عايز الجناح نظيف، وأهو الـ... اللي هيتبقى منه ينزل في البلاعة."
جروه من إيديه زي الـ... للحمام ونوح بيكمل الأغنية:
"على فين وخداني عينيك يا ساقيني الشوق بإيديك، تيرارارا رارا رارار"
عبدالخالق بصويت حقيقي:
"إلحقوني."
سحبوه للحمام، ورموه على الأرض، دخل نوح وراهم وقفل الباب بالمفتاح بتاع الحمام ورفع أكمام قميصه. قعد على ركبه قدام عبدالخالق وهو بيمسك دقنه وبيقول:
"كنت بشوف فيديوهات كتير، لـ... بيـ... الأضحية عشان تتشفى وتتغسل.. بس أنا هشفيك ومش هغسلك أصلك كدا كدا مش هتنضف، مش هرميك حتى لـ... الشارع عشان مشيلش ذنبهم."
عبدالخالق صوته اتنبح وهو بيصرخ وبيقول:
"إلحقوني."
وبمجرد ما فتح بوقه حط نوح إيد مسك بيها الفك العلوي، والإيد التانية مسك بيها الفك السفلي، والأرانب مكتفين إيديه ورجليه، وبمنتهى القوة الجسدية بتاعة نوح فتح كل فك بعيد عن التاني، لحد ما عين عبدالخالق جحظت. بدأ الجلد اللي بين الشفتين يتقـ... والدم ينزل خطوط على رقبة وجسم عبدالخالق. استمر نوح بفتح بوق عبدالخالق لحد ما قسم بوقه نصين وبان الأعضاء الداخلية، والـ... اللي نازل بقوا يحطوه في باكيت التلج اللي أخدوه من الترابيزة وفضوه وبدأوا يعبوا فيه الدم. كان عبدالخالق بيطلع في الروح وعينيه مش قادر يحركها هي ثابتة على نوح. نوح بإبتسامة خبيثة:
"أيوة، هي النظرة دي بالظبط اللي كنت بتخيلها من ساعة ما شوفت نظراتك لأمي، دي تحديدًا."
مسك فك بوقه اللي واقع على صدره وسحبه لتحت أكتر لحد ما طلع بالجزء الأمامي من الرقبة. كان ساعتها عبدالخالق انتهى.
بقية جلد الرقبة كان مدلدل فوق صدر عبدالخالق اللي مليان د... سحب نوح الجلد دا لحد تحت لحد ما بان لحم عبدالخالق. الحمام أرضيته بقت كلها د... لدرجة إن الـ... اتسرب لبرا، وراس عبدالخالق وشعره من الجنبين مسلو... زي راس الخروف عند الـ....
المكان: مسرح الدمى
تحديدًا: الكواليس.
دخل عيسى جري بعد ما حاول واحد يمنعه من الدخول وهو بيجري في الكواليس وشايف عرايس الماريونيت مركونين جنب الحيط والستاير القديمة اللي عليها شبك عنكبوت. قعد يدور عليها اختفت. خبط برجليه على الأرض بعصبية وجه يلِف عشان يمشي لفت نظره حاجة بتلمع على الأرض. وطى عشان يشوف لقاه الخاتم اللي كانت لبساه على شكل فراشة وهي بتحرك عروسة الماريونيت. مسك الخاتم وقعد يدقق فيه لقى جواه حرف A. عينيه لمعت وهو بيقبض على الخاتم بكف إيده بنظرة سعادة غريبة.
وخرج من الكواليس، قابله واحد من جماعة الرمادي بيقوله:
"لقيتها يا سفير؟"
عيسى بخيبة أمل:
"لا كانت اختفت، بس لقيت حاجة جايز تانية مهمة ممكن توصلني ليها، يلا بينا."
خرج عيسى من المسرح ومعاه الراجل بتاعه. مشيوا في الباركينج لحد ما وصل كل واحد لعربيته. ركب عيسى العربية بتاعته لقى والدته بتتصل بيه فـ رد.
عيسى وهو بيدور العربية:
"أيوة يا أمي."
والدته بهدوء:
"إيه يا حبيبي فينك عاوزين نتغدى إنهاردة سوا، أنا بلبس عبايتي أهو عشان أروح أجيب ماسة والبت قمر وحشتني."
ابتسم عيسى وقال:
"ورايا مشوار بس هخلصُه وأجي عليكم على طول."
والدته بضيق:
"يادي المشاوير على الشغل يعني نموت من الجوع لحد ما تحن علينا، يابني يعني هيجرى إيه لو جيت تاكل لقمة سخنة الأول وبعدين روحت مشوارك، دا اللمة وقت الأكل بـ..."
قاطعها عيسى وهو بيتنهد وقال:
"حاضر يا أمي جاي في الطريق عليكِ وهأجل المشوار بعد الأكل، يلا سلام عشان سايق."
وبالفعل غير اتجاهه وراح ناحية حارة المنيل.
المكان: حارة المنيل.
تحديدًا: شقة مياسة.
كانت حاطة شنطة السفر بتاعتها على السرير وبتلم هدومها، وقمر نايمة بعد ما مياسة شالتها ورضعتها واهتمت بيها وسط حزنها. كانت عيون مياسة وارمة من العياط، لابسة تيشيرت أوف شولدرز إسود وبنطلون زيتي ستريتش. وفاردة شعرها. سمعت صوت جرس الباب بيرن.
اتأففت وخرجت بسرعة عشان قمر متصحاش ووقفت عند الباب وهي بتاخد نفسها، قالت بصوتها الطفولي:
"مين؟"
والدة عيسى:
"أنا يا ماسة افتحي."
فتحت مياسة الباب وهي بتقول:
"اتفضلي."
دخلت والدة عيسى وقالت وراها وهي بتبص لعيون مياسة الوارمة وبتقول بصدمة:
"يا حزني! مالك معيطة كدا ليه!"
مياسة مردتش بس عينيها رمشت كذا مرة عشان متعيطش تاني فـ حضنتها والدة عيسى وهي بتقول:
"يا بت فيكِ إيه فهميني!"
أول ما والدة عيسى حضنتها بدأت مياسة تترعش وهي بتعيط وقالت بعياط وصوتها الطفولي:
"مش عايزة أقعد هنا تاني ولا عايزة أشوفه في أي حتة."
والدة عيسى بإستغراب:
"تقصدي مين اهدي بس."
اتشحتفت مياسة وهي بتاخد نفسها وبتبعد عن حضنها وقالت:
"عيـ.. عيسى، مش عايزة اشوفه ملهوش دعوة بيا."
والدة عيسى وهي بتمسحلها وشها من الدموع بالحجاب بتاعها:
"ليه يماا عملك إيه وأنا أقطعلك رقبتُه."
حطت مياسة إيديها على صدرها وقالت بعياط وهي صعبان عليها نفسها:
"تعبت.. تعبت من أمل وطيفها اللي مش قادرة أتخلص منه، وابنك اللي مش بيساعد نفسه يعيش زي الناس الطبيعية وينساها."
والدة عيسى بحزن:
"مش بإيده يا بنتي، والله ما بإيده هو تعبان، الصدمة عملت له مشكلة نفسية اقفي جنبه."
رفعت مياسة أكتافها بقلة حيلة وقالت:
"مش هقدر، صعب عليا مش هقدر ساعديه إنتِ، أو جوزيه واحدة تقدر تستحمل إنه شايفها واحدة تانية."
قعدت مياسة على الأرض وضمت ركبها لصدرها وهي بتعيط وبتترعش، وطت والدة عيسى وقعدت جنبها وهي بتطبطب عليها وبتقول:
"متعمليش في نفسك كدا بالله عليكِ، يابنتي إنتوا أصلاً متطلقين يعني هتعملوا إيه أكتر من كدا!"
قامت مياسة من على الأرض وهي بتمسح وشها وقالت:
"آه متطلقين بس هو عامل نفسه مسؤول عني وبيظهر قدامي كل شوية."
ضحكت والدة عيسى وهي بتقول:
"يبقى بيحبك أهو."
مياسة بصتلها وقالت:
"لا دا بيعمل كدا عشان أم بنتُه بس."
كتفت والدة عيسى إيديها وهي بتبتسم وتقول:
"هو مكانش ناوي يتجوز أبداً كتير كانوا عاوزينه يتجوزهم بس هو مكانش ناوي على جواز مع أي واحدة، كون إن هو اتجوزك يعني حبك لدرجة.."
مياسة ابتسمت بحسرة وقالت:
"لدرجة إنه اتجوز واحدة غير أمل؟ أنا عرفت منهم كل حاجة.. "
عقدت والدة عيسى حاجبيها وهي بتقول:
"عرفتي إيه ومن مين؟"
مياسة بضيق:
"الاتنين الجيران ستات جم يزوروني وحكوا ليا كل حاجة عن أمل وعيسى وهما صغيرين، ابنك خلاني أسمي بنتي قمر على اسم عروسة أمل اللي كانت بنتهم وكل الحارة عارفة."
انهارت مياسة في العياط تاني بس المرة دي على الكنبة وأم عيسى واقفة متضايقة منهم عشان جم مخصوص يحرقوا دم مياسة ويخلوها عاوزة تمشي. بصت أم عيسى لمياسة اللي بتعيط وقالتلها بنبرة جادة وهي بتحاول تتحكم في أعصابها:
"شكلهُم إيه الاتنين دول؟"
رفعت مياسة راسها وبصتلها وقالت:
"دا كل اللي لفت نظرك من كلامي؟"
والدة عيسى وهي بتتك على الحروف:
"شكلهُم إيه الاتنين الستات دول يا ماسة!"
وصفت مياسة ليها شكل الستات فـ هزت والدة عيسى راسها وقالت:
"طب يماا، أنا هروح أعمل حاجة بسرعة، تكوني قومتي غسلتي وشك وحطيتي كحلة كدا عشان تنطق وشك، غيري هدومك وكلفتي قمر وأستنيني.. هخلص هاجي آخدك نتغدى سوا."
حركت مياسة راسها يمين وشمال بمعنى لا فـ رفعت أم عيسى صباعها وقالت:
"ولا كلمة زيادة، هروح المشوار دا بسرعة وأجيلك ألاقي جاهزة."
خرجت أم عيسى من عند مياسة وهي نازلة على السلم قالت:
"طيب يا أم فتحي إنتِ وأم بثينة."
نزلت على السلم منه للشارع وراحت ناحية العمارة بتاعتهم. طلعت على السلم بتاع العمارة لحد ما وصلت لشقة أم بثينة، خبطت على الباب وتستنت شوية فتحتلها أم بثينة وأول ما شافت إنها أم عيسى قالت بفرحة وسعادة:
"يا ألف نهار أبيض إزيك ياختي."
حضنتها وباستها وأم عيسى مكشرة وهي بتقول ببرود:
"أهلًا يا أم بثينة، عندك حد؟"
أم بثينة بسعادة:
"لا يماا ولو عندي مش هيبقى أغلى منك تعالي اتفضلي."
دخلت أم عيسى وقعدت على الكنبة جنب الباب وهي بتبص على الشقة، نظيفة بس بسيطة زي شقتهم تمام.
بصت لأم بثينة وهي بتقول:
"متأخذنيش بس إيه اللي وداكِ إنتِ وأم فتحي عند ماسة مرات ابني؟"
سابت أم بثينة كل الكلام وقعدت جنبها وهي بتقول بصدمة:
"مش هي طليقته ياختي؟"
بصتلها أم عيسى بضيق وقالت:
"خليني معاكِ على كلامك، طليقته.. إيه اللي وداكم!"
مسكت أم بثينة فوق شفايفها بالطرحة بتاعتها وهي بتقول:
"وفيها إيه ياختي لما نروح نتونس بيها ونتعرف عليها غلطنا فـ إيه؟"
والدة عيسى بدأت تتعصب:
"واللي رايح يتونس بحد يفتح في القديم ليه؟ بصي أنا لو عايزة بنتك لابني كنت خدتهاله من الأول بس ابني مش عاوزها، اكتفه وأجوزهالها غصب؟"
أم بثينة بضيق:
"إيه يا ست الكلام دا هو أنا بنتي رمية ولا رمية؟ دا بيجيلها الشبان يتقدموا ويتحايلوا نوافق بس أنا مش شايفاها غير مع عيسى إحنا شارينه والبت متعلقة بيه من زمان أوي من أيام كان مع أمل والحارة كلها تشهد، أنا اللي بعمله إني مش عاوزة أكسر قلب بنتي."
والدة عيسى بعصبية وهي بتوقف:
"مش عاوزة تكسري قلب بنتك فـ تقومي كاسرة قلب مرات ابني، ياختي تك السُم، اسمعي لو عاوزانا نفضل جيران وحبايب متهوبيش ناحية شقتها ولا بيتها نهائي ولو شوفتيها مترميش عليها السلام في الشارع ودا آخر كلام عندي، متخلينيش أشيل منك أنا مقدرة قهرة قلب بنتك."
كانت بثينة في أوضتها بتسمع الكلام من ورا الباب وبتعيط.
لانت أم بثينة وهي بتقول:
"خلاص يماا ماليش دعوة بيها خالص، أمانة عليكِ تقعدي نشرب حاجة ساقعة سوا هبعت البت للدكان البوهيمي."
لفت أم عيسى طرحتها كويس وهي بتقول بتعب:
"لا خليها بعدين أنا عاملة الغدا ومستنية ابني نتغدى سوا، اقعدي بالعافية."
أم بثينة بحسرة:
"الله يعافيكِ يماا مع ألف سلامة."
قفلت الباب وقعدت على الكنبة فـ فتحت بثينة باب أوضتها وهي بتقول بعياط:
"مش قولتلك ماليش حظ معاه خالص، ما صدقت أمل ماتت و.."
قاطعتها أمها وقالت:
"لا! لا يابنتي ما صدقتي إيه، دي البت فرفرت.. فستانها متعلق في دولابها وخرم الطلقة فيه أد كدا، مش قادرة أنسى صويت أمها.. يا حبيبة قلبي كانت شقت بيه الحارة كلها، ماتوا حسرة عليها وعلى شبابها اللي ملحقتش تشوفُه، متفرحيش بموتها أبداً متبقييش قاسية قلب يماا."
بثينة قعدت جنب أمها ومسكت إيديها وهي بتترعش وبتقول:
"طب، طب ساعديني، أنا تعبت من الوقفة على رجلي في البلكونة في البرد بستناه ييجي أشوفه، بقالي سنين طويلة على كدا.. مستنية منه كلمة، مش قادرة أتحرك وأشوف غيره، مبشوفش غيره ساعديني."
وبدأت تعيط لدرجة جسمها اتهز وهي غارزة راسها في حضن أمها. طبطبت أمها عليها وقالت:
"طب يا بنتي أعمل إيه ما أنا روحت لطليقته عشان أبعدهم عن بعض نهائي ميكونش في أمل للرجوع، بس أديكِ شايفة جريت تشتكي لأمه إزاي، متحمليش هم سيبيها على ربنا وعليا، قومي بس اغسلي وشك كدا وهاتيلنا الغدا لأحسن هبطت من التنظيف."
قامت بثينة وسابت أمها بتفكر إزاي تخلي عيسى يتجوزها.
المكان: الچيم
تحديدًا: عند عزيز وسيليا.
كان ليث حاضنها جامد ولسه بيقرب عشان يديها قبلة بعدت وشها عنه وقالت:
"إحنا متطلقين، مش حلال ليك.."
عزيز قالها بنبرة سخرية:
"وأيام زمان كنا متطلقين برضو؟"
قامت سيليا من حضنه وهي بتقول:
"وقتها كنت مراهقة مش مدركة الصح من الغلط هيمانة معاك وواقعة في حبك."
قام وراها وسحبها من دراعها خلاها تبص له وهو بيقول:
"ودلوقتي؟"
رفعت سيليا أكتافها وقالت ببرود:
"دلوقتي إنت طلقتني في المستشفى وسيبتني وروحت مع الهانم بتاعتك وكأني لم أكن، إنت لا تؤتمن عليا.."
عزيز بعصبية:
"تاني بتعيدي الكلمة دي؟؟ مفيش فايدة فيكِ مش هتتغيري! شيفاني مش قادر أحميكِ! روحي لبدر بيه أنا قرار إني أطلقك كان صح حتى لو هيتعبني، الست اللي متقدرنيش وتقلل مني متستاهلش تكون معايا."
سيليا بعصبية:
"إنت اللي متستاهلنيش ولا تستاهل قلبي ولا حبي، كل اللي باصص له كلمتي دي ومش باصص إنك سبتني لوحدي ومشيت في المستشفى عشان كدا بقولك لا تؤتمن، إنت أكتر بني آدم أناني شفته، أناني فيا وفـ چايدا وفـ كل حاجة."
عزيز بنفاذ صبر:
"أنا زفت، قطران وهباب روحي شوفي لك واحد يناسبك يمشي على مزاج الهانم، أنا لااا."
خبطته سيليا في صدره عشان تبعده عن طريقها بس جسمه كان ثابت متهزش من خبطتها، فـ بدأت تخبطه بجسمها وبإيديها جامد وهو باصصلها من فوق عاوز يضحك عليها راحت الناحية التانية وهي بتلم حاجتها ومتعصبة، فـ قال وهي مديله ضهره:
"أنا في وضع دلوقتي مينفعش أطلق چايدا حتى لو رجعنا أنا وإنتِ سوا، لإني مش هقدر أظلمها تاني وأحسسها إنها إستبن."
لفت سيليا بعد ما لمت حاجتها وقالت له بنبرة كلنا كبرياء:
"دا لو رجعنا أنا وإنت أصلاً، متتأملش."
وقف قدامها وبصلها وقال:
"بس أنا محبتش في حياتي حد قد ما حبيتك، مفيش أنثى أثرت فيا قدك."
حط إيده على رقبتها وكمل وقال:
"بتخيلك لما بكون لوحدي، بتخيلك في حضني عشان بتوحشيني."
غمضت عينيها وميلت راسها تلقائيًا على دراعه فـ قرب منها وحط مقدمة راسه على مقدمة راسها وقال:
"ساعات بحس إن أي خلاف بيني وبينك صغير أوي قدام اشتياقي ليك يا ملبن."
مسك خصرها وحضنها تاني وهو بيهمس في ودانها وبيقول:
"اعملي زيي، لما تشوفيني مبتنسيش كل حاجة وحشة حصلت بينا؟"
ضعفت هي وغمضت عينيها وسرحت معاه، كانت عاوزة تحضنه بذراعاتها أكتر، لكن فاقت وهي بتبعده عنها وبتقول:
"لو كنت أنا اللي اتجوزت أو حتى ارتبطت بواحد غيرك، مكانش هيبقى رأيك كدا."
خرجت جري وهي بتعيط من قهرتها إنه برغم كل دا هيفضل مع چايدا، أنانية هي عارفة دا كويس، وعارفة إن چايدا وابنها ليهم حق عليه زيها هي وبنتها بالظبط، بس عزيز بالنسبة ليها مبتقدرش تشوفه مع حد غيرها، غصب عنها!
ركبت عربيتها ومشيت بيها، وخرج عزيز ورجع على وشُه نفس الريأكشنات القديمة، الصمت.. الغضب.. الشر.
المكان: منزل أعلى تل مرتفع
تحديدًا: الأريكة في الطابق السفلي.
كان نايم عليها خالص جسمه سخن وفي حبات عرق باردة على شعره من قدام مخلية خصلات الشعر لازقة في راسه، وعمال يخرف وهو نايم. مسكت أمنة الكمادات وهي قاعدة قصاده بتعصر القماشة وبتحطها وسط التلج تاني، وبعدها بتحطها على مقدمة راسه عشان تنزل الحرارة. بقى يترعش فـ دخلت فتحات الغطا حوالين جسمه بعدين ساندت بدقنها على صدره وهي بتتأمل ملامحه، ونفسه الدافي بييجي على وشها من وقت للتاني. عدلت راسها ونامت براسها على صدره وهي بتحرك خدها عليه وبتغمض عينيها وبتقول:
"حلمت كتير باللحظة دي، بس في بيتنا بعيد هنا."
جت مرام من وراها وهي بتقول بصوت عادي:
"وتقوليلي مش بتحبيه ولا طبعًا، دا إنتِ هيمانة."
اتعدلت أمنة بسرعة وهي بتقول بهمس:
"شششش وطي صوتك أومال لأحسن يصحى."
قعدت مرام على مقعد قريب منهم وقالت بسخرية:
"بس في بيتنا بعيد عن هنا، أخ لو تسمعي كلامي أخليكم تتجوزوا من بكرة."
عدلت أمنة شعرها من تحت طاقية الخدم وقالت:
"قولتلِك بس، مبحبهوش لا بس كنت عاوزة أجرب الشعور، الست نسرين لو عرفت إنك سايبة شغلك وقاعدة هنا هتعملك مشكلة قومي أحسن لك."
اتفزعوا هما الاتنين على همس نسرين وهي بتقول لمرام:
"آه بالظبط عندها حق، قومي بقى عشان كنت ناوية أسمعك الكلمتين فعلاً."
قامت مرام وراحت معاها، وأمنة جت عشان تشيل الكمادات حسست بكف إيدها على خده وهي سرحانة فيه فـ قام اتنفض فجأة وهو بيشهق والكمادات وقعت من فوق راسه. اتخضت أمنة ورجعت لورا وهي حاطة إيديها على قلبها. كان بيترعش فـ قربت منه تاني لكن خلت بينهم مسافة بخجل وقالت:
"خد نفسك بالراحة، حمد الله على سلامتك أجيبلك كوباية مياه؟"
غرز صوابعه في شعره وهو لسه بيتنفس بسرعة وبدون مقدمات فجأة سحبها على رجله وهو بيخنقها من رقبتها جامد وبيقول من بين سنانه:
"إنتِ مين؟؟ مين اللي زقك عليا!!"
كانت أمنة عمالة تحاول تتملص منه لكنه كان اتمكن منها. لحسن الحظ نسرين كانت جاية تطمن عليه لقتُه بيخنق أمنة فـ بعدته وهي بتزعق وبتقول:
"هتموتهاا هتموت البت سيبهااا."
رخى إيده عنها وهو بيترعش وأمنة جريت وسندت ضهرها على الحيطة وهي بتكح ومصدومة إنه كان هيقتلها. حط راسه على كف إيده وهو بيحاول يستوعب ويفوق فـ قالت له نسرين بحزم:
"إنت جرالك إيه؟?"
وبعدين وجهت كلامها لـ أمنة وقالت:
"روحي إنتِ على المطبخ أنا اللي هتابع حالته."
جريت أمنة على المطبخ وهي بتترعش وبتعيط. مرام سابت المواعين وهي بتقول بخضة:
"يالهوي مالك!"
حضنتها أمنة وهي خايفة وبتعيط راحت اتخضت مرام وطبطبت عليها وهي بتقول:
"مالك في إيه حد زعلك؟ مالك يا حبيبتي!"
المكان: فندق ****
تحديدًا: جناح المحامي عبد الخالق متولي.
كانت الأنوار بتاعة الجناح مطفية، وصلت الموكلة بتاعته وهي بتمشي بالكعب العالي لقت الباب مردود، فـ فتحته وهي بتضحك وبتدخل وتقفل الباب وراها وقالت:
"مكسل تفتحلي ولا إيه؟"
لقت الأنوار مطفية فـ حطت إيديها على الزرار وفتحت النور لقت بلالين منفوخة ومرمية على الأرض فـ ضحكت جامد وهي بتقول:
"يا خبر دا إنت عامل احتفال، لا اعمل معروف أنا وقتي ضيق مش هقدر أقعد معاك غير ساعتين."
غطت مناخيرها وهي بتقول بتضرر:
"إيه الريحة الوحشة دي زي ما يكون مد... هنا خروف."
مشيت خطوتين فـ دست بالكعب بتاعها على بالونة بالغلط راحت البالونة مفرقعة ونازل منها دم على الأرض. اتخضت هي ومن الخضة وقعت على الأرض سندت بكف إيدها على بالونة تانية راحت اتفرقعت ونزل منها دم هي كمان. بصت على رجليها وجزمتها لقت د... مبهدلها. بصت على إيديها وهي مبرقة وبتترعش لقت دم على كف إيدها.
كانت هتصوت بعدها حاولت تهدي نفسها وهي بتترعش قامت بعد ما زحفت على ركبها وهي بتقول بنبرة رعب:
"بتـ.. بتحاول تعمل فيا مقلب، إنت فين! إنت فين يا عبد الخالق!"
فتحت الحمام لقتُه نظيف وفيه علبتين هدايا واحدة كبيرة أوي وفوقها علبة مربعة بتاعة دهب فـ اتنهدت بسعادة وقالت:
"يا خبر كل دا عشاني؟ يا ترى جايبلي إيه؟"
قربت من العلب ومسكت العلبة بتاعة الدهب المرعبة، فتحتها وهي مبتسمة وأول ما فتحتها لقت فيها عيون عبدالخالق بـِ العرق اللي ماسكهم سوا.
حدفت العلبة من إيديها وهي بتصوت صوات هستيري وكأنها جالها نوبة هلع مش قادرة تبطل صويت. الاستاف بتاع الفندق جريوا عليها ودخلوا الجناح وراحوا للحمام لقوا العيون مرمية في البانيو والعلبة وقدام البانيو علبة هدايا كبيرة.
فتحوها لقوا عبدالخالق مسلو... من الجلد تماماً.. ومتقط... تقطيعة جـ... كإنه هيتفرق.
زاد صويت وجحظان عين الموكلة ووقعت من طولها وللاستاف طلعوا جريوا على برة. واحد منهم طلب الشرطة وهو بيتهته في الكلام..
ساعة بالظبط كان ليث ومنال وقوة من الشرطة كبيرة وصلوا لمكان الفندق، طلعوا الممر اللي فيه الجناح والريحة كانت سيئة للغاية لدرجة إنهم أخلوا الغرف اللي في نفس الممر تماماً..
ليث وهو باين عليه إنه ضعف وباين عليه الإرهاق:
"في حد لمس أي حاجة؟"
مدير الفندق:
"محدش لمس حاجة كله خايف وعنده هلع من اللي حصل والست من ساعة ما فُوقناها وهي مبتنطقش ومبرقة ورجعت أربع مرات.."
ليث وهو مكشر وبيدخل الجناح مستحملش الريحة، ريحة سـ... حرفياً، حط معصم إيده على بوقه ومناخيره وهو بيقول:
"فين الكاميرات؟"
المدير بـِ قرف وصداع:
"كانت عطلانة وكنا بنصلحها يافندم."
ليث بزعيق:
"ما كاميرات الفندق بتاعك عطلانة متطلعش أي حد هو دا عادي؟؟ في أي مكان ممكن حد يدخل منه غير الباحة الرئيسية؟"
المدير بتبريقة خوف:
"في الباب بتاع مخرج الطوارئ بس دا بيودي للسطح يعني صعب حد يدخل منه غير لو هو معاه مفتاح جناح أو أوضة في الممر!"
دخل ليث وجت منال تدخُل برقلها وقال:
"خليكِ! لسه منعرفش المنظر جوة عامل إزاي."
منال بتصميم:
"هدخل معاك هو أنا داخلة كلية الشرطة بالصدفة!"
ليث بضيق:
"يا منال لو سمحتي خليكِ مش ناقصين."
بعدت منال إيده ودخلت قبله لقت البالونات المنفوخة على الأرض وفي اتنين منهم متفرقعين ونازل منهم د...
الريحة تعبتها وبدأت تحس بالدوخة.. لكنها تمالكت نفسها عشان ليث ميقولهاش حاجة. سبقها ليث ودخل للحمام لقى العلبتين مفتوحين واحدة في البانيو وعيون المحامي مرمية معاها، والتانية فيها الجثة من غير جلد ومتقـ...
ليث قعد يكح من المنظر والريحة لحد ما رجع، أما منال وقعت من طولها فـ اتخض ليث عليها وهو بيمسكها ويقول:
"منال!!"
المكان: قصر أمير الذهبي.
تحديدًا: جناح صبا وأمير.
خرج من الحمام بعد ما أخد شاور ولبس الهودي الأسود بتاعه وصبا قاعدة على السرير مربعة. بصلها وهو رافع حاجب فـ قالت صبا بضيق:
"عملت إيه؟"
أمير بعدم فهم:
"عملت إيه فـ إيه؟"
صبا قعدت على ركبتها على السرير وقربت منه وقالت:
"فـ رفيف لقيتها؟"
أمير بعصبية:
"ما تركزي مع ابنك كدا وتاخديه في حضنك وتسيبي شغل الرجالة ليا؟ أنا لسه محاسبتكيش على الحركة الخايبة اللي عملتيها وقت اجتماع الشركة بتاع الرايق، بتتصرفي من دماغك ليه؟ دماغك الفاضية اللي مفيهاش مخ دي!"
قامت صبا من على السرير وهي بتقول:
"أولاً ابني كان في حضني طول اليوم ولسه نايم اكل وغيرتله ودلعته يعني مش هتعرفني أخصص وقت لابني إزاي، ثانيًا إنت لو ذكي وفاهم فعلاً مكونتش وقعت في الفخ اللي عملهولنا الرايق وكُنت خدت حذرك."
كور أمير إيده وقال من بين سنانه:
"يا صبر أيوب!"
لما قالها افتكر إن الرايق كان بيرد عليه وبيقوله من حبك مش عاوز أتوب فـ ملامح وشه ارتخت وبقت حزينة. لاحظت صبا اللي حصل وفهمت راحت مقربة منه ومحاوطة رقبتُه بذراعاتها وهي بتحضنه. حضنها هو كمان وهو بيحاوط جسمها بإيديه وبيغمض عينُه.
صبا وهي بتطبطب عليه وهو في حضنها:
"حاسة بيك متفتكرش عشان بعاتبك وبعاتبكم على اللي حصل لرفيف طول الوقت إني مش مقدرة اللي إنت فيه، بس مش عاوزاها تبقى ضحية ليه."
بعد أمير راسه عن كتفها، وبصلها في عينيها وهو بيقول بنبرة غريبة:
"وحشتيني."
فتحت صبا بوقها بصدمة فـ انحنى أمير بـِ شفايفه لـ شفتها السفلى وقبلها. بصلها تاني فـ قالت صبا بنبرة مثقلة بالبكاء:
"إنت عارف بقالك قد إيه مقربتليش؟"
رجع باس خدها ومقدمة راسها بعدين شالها بين إيديه وهو بيقول:
"ما تيجي نصلح الغلط دا؟"
اتعلقت صبا في رقبته ومن ثم..
المكان: فندق ****
تحديدًا: غرفة فارغة.
كانت منال ممددة على السرير وواقف ليث بيتكلم مع الدكتور. فاقت منال وهي دايخة وبتبص حواليها لقت راغب قاعد وبيص لها بضيق فـ قالت بتعب:
"راغب؟ إيه اللي جابك هنا؟ أنا فين؟"
بص راغب لليث فـ قال ليث بهدوء:
"أنا هخرج برا أسيبكم براحتكم، دا مسرح جريمة حاول لو فاقت تخرجوا عشان الشوشرة بس."
خرج ليث وقفل الباب بعدها بص راغب لمنال اللي ممددة على السرير وهو بيغمض عينُه وبياخد نفسُه عشان ميتعصبش.
اتعدلت منال وهي بتلبس الساعة بتاعتها اللي كانت محطوطة على الكومود الخشبي جنبها وبتبص لراغب بإرهاق وبتقول:
"مالك بتبصلي كدا ليه؟ أُغمى عليا عادي من منظر الجثة و.."
راغب بزعيق وشخط:
"لا مش منظر الهبابة!"
انتفضت منال من صوته فـ قالت بجدية:
"وطي صوتك بتزعق كدا ليه؟?"
وقف راغب وهو بيمد إيده ليها بهدوء وبيقول:
"يلا يا مدام عشان نروح."
عدلت منال شعرها اللي بدأ يطول وقالت:
"مش هروح دلوقتي ورايا شغل."
راغب بعصبية:
"مفيش زفت تاني، إنتِ حامل وأجهدتي نفسك عشان كدا هنروح البيت نرتاح في سريرك وأنا هعملك كل حاجة حتى المواعين أهم حاجة صحتك."
منال وقفت وقالت بخضة:
"مين دي اللي حامل إيه حامل دي!"
راغب بضيق:
"يلا يا منال لو سمحتي أنا خايف عليكِ."
منال وهي بتترعش قالت:
"طب، طب أوعدك هستقيل لما أخلص القضية دي."
زعق راغب بصوت عالي وكأنه فقد أعصابه وقال:
"أنا خايف عليكِ من القضية دي إنتوا بتتعاملوا مع ناس معندهمش عقل ولا رحمة، مش عايز يجيلي اتصال يقولوا تعالى خد مراتك من المشرحة! أنا عملت لك كل اللي يريحك ولا أنا راجل هقعدك في البيت لا اشتغلي، بس حاجة تليق بيكِ كـ بنت مش شغل رجالة يعرض حياتك للخطر، يغور الشغل وتغور الحياة لو إنتِ مش معايا."
بدأت عيون منال تتملي بالدموع وقالت بنبرة كأنها حازمة:
"مش هقعد في البيت غير لما أخلص القضية دي يا راغب."
سكت راغب وهو باصصلها بصدمة بعدها قال:
"أنا ولا القضية يا منال؟"
منال بضيق:
"متعملش كدا لو سمحت، ومتخافش عليا! ثق فيا شوية!"
راغب بفقدان أعصاب:
"الموضوع مش موضوع ثقة الفكرة إنك.."
"خلاص اعملي اللي انتِ شايفاه صح بس أنا مبقتش قادر أستحمل الوضع دا."
منال بصدمة:
"يعني إيه؟"
راغب بضيق:
"يعني أنا لما خيرتك بيني وبين شغلك مختارتنيش، إنتِ حتى مش قادرة تريحي إنهاردة."
منال بنفاذ صبر:
"القضية دي بدأناها أنا وليث سوا وهنخلصها سوا وأكيد هو بيواجه نفس الضغوطات من مراته لأنها قلقانة زيك، لو مكتوبلي أموت في سبيل شغلي يبقى أمر الله وأنا راضية بقضائه، روح يا راغب وأنا هخلص شغل وهاجي البيت نتكلم."
راغب وهو بيسحب مفاتيحه من على الكرسي وبيمشي:
"مبقاش في حاجة خلاص نتكلم فيها."
فتح الباب وخرج وكان واقف ليث عند الباب أول ما شافُه خرج دخل الأوضة على منال لقاها حاكة إيديها على راسها بتحاول تستوعب اللي حصل. بصلها ليث وقال بقلق:
"إيه اتخانقتوا ولا إيه؟"
منال وهي بتجهز نفسها وبتعدل هدومها:
"محصلش حاجة يلا بينا عشان نخلص شغل."
كانت خارجه وسبقاه فـ مسك دراعها وهو بيقول:
"تعالي هنا إنتِ مسمعتيش الدكتور قال إيه؟ إنتِ حامل يعني لازملك راحة والفترة الجاية كلها تنطيط سيبيهالي."
منال سحبت دراعها من إيد ليث وقالت بحزم:
"ليث أنا هكمل شغلي في القضية مهما إن حصل لو مش حابب تتعاون معايا دي حاجة ترجعلك لكن متتحكمش فيا."
ليث بضيق:
"بقى كدا يا منال؟ عشان خايفين عليكِ بتعاملينا كدا؟ أنا فاهم إن دي هرمونات حمل فـ مش هرد عليكِ، فيكِ حيل طيب نشوف الولية الموكلة دي؟"
منال وهي بتتاوب:
"آه هي فين صحيح؟"
ليث بهدوء:
"قاعدة برا بتترعش وبتضحك ومرة تصوت، جالها صرع مستنيين عربية المصحة تيجي تاخدها."
قربت منال من ليث وهي بتهمسلُه وبتقوله:
"تفتكر نوح اللي عملها؟"
رفع ليث أكتافه وقال:
"أنا مش هتحامل عليه أنا فكرت في كلامك وجايز يكون واحد عاوز يمشي على خطى نوح وخلاص كـ سايكو أو مختل، لسه هنراجع ملف القضية أنا وإنتِ ونعرف أكتر عن الضحية لو ليه أي علاقة بنوح من قريب أو من بعيد يبقى هو."
*صوت زعقة برة جري على أثرُه ليث ومنال*
زوج الموكلة وأفراد الأمن بيحوشوه:
"يا سافلة يا منحطة يا فاجرة، جاية تقابلي عشيقك في الفندق.. مركزة بقى في الأرض من بعد عملتك." *قام بالبصق عليها*
وصل ليث عنده وهو بيقول لأفراد الأمن:
"سيبوه، مساء الخير مع حضرتك نقيب ليث الصفتي."
الراجل وهو متعصب:
"هقتـ... لهاا، هقتـ... لها الفاجرة اللي لوثت شرفي."
ليث ببرود:
"تمام يافندم حقك، ممكن كلمتين بس وبعدين اعمل اللي إنت عايزه؟"
منال وهي بتبص لليث بصدمة قالت:
"إيه اللي بتقوله دا يا ليث؟"
ليث تجاهلها وكمل كلامُه وقال:
"هي في حالة صدمة عصبية وصرع فـ مش هنعرف نستجوبها عن شيء بالتالي حضرتك الأدرى بالمدام، تتفضل معايا دقيقتين؟"
الراجل بعد ما فقد أعصابه:
"إنت بتقول إيه دقيقتين إيه بقولك جاية الفندق تنام مع المحامي بتاعها وإنت عايزني أحكيلك قصة حياتي!!"
ليث فقد أعصابه وسحب الراجل من الچاكيت بتاعه وهو بيصوت وبيقول:
"بقولك إيه، أنا واقف على رجلي من الصبح ومش فطران وشايفك ساندوتش هامبورغر أساساً، تعالى اقعد معايا بدل ما أحقق أنا في قضية مراتك ونجيب حد يحقق في قضيتي بعد ما أقتـ...!"
الراجل اتصدم فوق صدمته في مراته وراح قعد مع ليث عشان يبدأ التحقيق..
المكان: حارة المنيل.
تحديدًا: منزل الغريبي.
دخلت والدة عيسى وهي بتقول لمياسة:
"تعالي يا بنتي ادخلي يوسف أخد نيللي هيقضوا اليوم برا إنهاردة."
دخلت مياسة وهي شايلة قمر، وقعدت على الكنبة. والدة عيسى خلعت عبايتها وقالت لمياسة:
"عايزة تخلعي العباية وتقعدي براحتك مفيش حد هنا."
حطت مياسة قمر على الكنبة وقامت تخلع عبايتها كانت لابسة تحتها بنطلون چينز أزرق غامق وتيشيرت إسود بأكمام.. وفاردة شعرها..
راحت لوالدة عيسى المطبخ وهي بتقول بصوتها الطفولي:
"أساعدك فـ إيه؟"
والدة عيسى:
"قطعي إنتِ السلطة وأنا هحط الأكل في الأطباق."
وقفت مياسة تقطع السلطة فـ قالت لها والدة عيسى:
"الواحد عقله مش دفتر نسيت أقفل الشباك بتاع أوضة الفراخ، خلصي السلطة على ما أجيلك."
مياسة بإستغراب:
"تمام!"
لبست والدة عيسى العباية وخرجت من الشقة لقت عيسى قدامها فـ ابتسمت وقالت:
"مياسة جوة أنا هروح أقفل على الفراخ وإنت راضيها بطريقتك عايزين نحل الخلاف اللي بينكم دا."
عيسى بصدمة:
"إيه اللي بتعمليه دا يا ماما! مفيش بينا خلاف أنا مقدرش أجبرها أو أضغط عليها."
مسكت والدته كف إيده وهي بتقول:
"ورحمة أبوك يا شيخ ما تشنت فينا الأعادي."
اتنهد عيسى ودخل لـ جوة وقفل الباب وراه.
حطت مياسة شعرها ورا ودانها وهي بتقلب البامية:
"أنا وطيت عليها كانت هتتحرق يا ماما، وكمان أنا مش عارفة هي كدا استوت؟"
حضنها عيسى من ورا وهو بيسحبها بإيديه من بطنها وبيلزق ضهرها في بطنه وبيقول بهمس:
"استوت على الأخر."
اتخضت مياسة وهي بتحاول تفلت ونفسها زاد. فـ كمل عيسى همس في ودانها وقال:
"ولو عايزة تتأكدي أوي، جربي تدوقيها."
حط دراعه على خدها وخلاها تبص له وقبلها قبلة عميقة. حاولت تبعد عنه لكنه كان متحكم فيها.
فلتت من إيده أخيرًا وفجأة!..
المكان: منزل أعلى تل مرتفع.
تحديدًا: الجناح الخاص بـ رفيف.
دخل نوح الجناح وهو بيقفل الباب وبيص على السرير لقه فاضي. بص عند الشباك الكبير لقى رفيف قاعدة على الكرسي الخشبي الهزاز وماسكة الولدين ريان وركان بتحاول تنيمهم وهي بتغني "بكرة بيخلص هالكابوس وبدل الشمس بتضوي شموس على أرض الوطن المحروس رح نتلاقى يومًا ما".
نوح وهو بيخلع الچاكيت بتاعُه قال بنبرة رجولية:
"إنتِ ومين؟"
اتخضت رفيف وقامت بهدوء حطت الولدين في سرايرهم الصغيرة. وقربت لنوح وهي بتقول:
"أنا وأختي.."
اتأملها نوح، كانت لابسة دريس بيبي بلو حرير نازل على جسمها محدده.. وفيونكة بيضا كبيرة لامة بيها الخصلات الجانبية ونازل شعرها بطوله من الأطراف.
فوق نوح نفسُه من التأمل فيها وقال ببرود:
"أختك بخير، لو عايزة تشوفيها معنديش مانع أنا بهتم بيها وبرعاها على أكمل وجه."
اداها ضهره وفك أزرار قميصه فـ عيت رفيف وهي بتقول بـِ رقة:
"إنت معندكش قلب أبداً."
قلب عينيه ورجع بص لها وقال بنفس البرود:
"إسطوانة كل يوم، معندكش قلب، إنت خاين.. إنتِ لو بغبغان مش هترددي الكلام بالشكل دا، إوعي يكون دا اكتئاب الولادة؟"
قربت رفيف منه وقالت:
"أنا معرفش إنت جايبني هنا ليه وبتخرج كل ليلة بتروح فين بس الأكيد إنك بتعمل كوارث، كل اللي عوزاه تسيبني أنا وأختي في حالنا وأنا مش هجيب سيرتك أبداً لأي حد مهما إن حصل.. وولادي هعرف أربيهم لوحدك."
كتف نوح دراعاته وبص لها وقال:
"إزاي يا ترى؟ هتتخطبي لواحد يصرف عليهم؟"
بصت للأرض ومردتش فـ قال هو:
"بالظبط كدا، بصرف عليكم وواخد بالي منكم مش مطلوب مني حاجة أكتر، إنتِ بالنسبالي في الوقت الحالي أرنبة أخلفي وتولدي وبس.. لأحسن أنا بعز الأرانب أوي زي ما إنتِ عارفة."
مدد على السرير بالشوز بتاعته وبالبنطلون وهو عاري الصدر. قربت رفيف منه وقعدت جنبه على السرير وهي بتسحب الغطا وبتحطه عليه. فتح عينيه مستغرب من الحركة بتاعتها فـ خدت رفيف نفسها وقالت:
"بتقول إني بالنسبة ليك أرنبة بحمل وأولد بس، لكن لما بنكون سوا بحسك معايا بكل كيانك، مش مجرد راجل عايز يخلف من واحدة وخلاص، أنا بحس إنك بقلبك وروحك معايا، إحساسي مش كذاب زيك يا نوح."
اتعدل وقعد وهو بيمسكها من أكتافها وبيقول بعصبية:
"إنتِ عايزة مني إيه بالظبط؟?"
خدت رفيف نفسها وعينيها رمشت كذا مرة. قربت منه و..
يتبع..
رواية العبث الاخير الفصل السابع 7 - بقلم روزان مصطفى
رمشت رفيف بعينيها كذا مرة وقربت منه وهي بتقول:
طالما كان غرضك التسلية والانتقام من عزيز وعيسى وأمير، اللي بالمناسبة أنا مش فاهمة انتقام ليه وهما كانوا صحابك بس أنت قولت كنت بتتسلى.. أخدتني معاك وجبتني هما ليه؟
بصلها نوح وقال ببديهية:
كنتِ حامل وعلى وشك الولادة، المفترض أسيب ولاد من دمي يتبهدلوا ويجوعوا معاكِ؟ هتصرفي عليهم منين ولا إزاي؟
رفعت رفيف إيدها عشان تضرب نوح فمسك معصم إيدها وضغط عليه بخفة عشان عارف إنها ممكن تتكسر فإيده فغمضت عينيها بألم وهي بتحاول تفلت من إيده، قال نوح بهدوء:
إوعي تاني مرة تختبري صبري وتفكري تمدي إيدك عليا لإن عقلي مش كل الأوقات بقدر أتحكم فيه، مش عاوز صوت عشان هنام.
قام خلع الشوز بتاعته وغسل رجله وأسنانه وهو بيبص في المرايا لعينيه، خلاص هانت.. ناوي ينهي عيلة أمه بالكامل، لإنهُم السبب الرئيسي في كل اللي حصلها..
خرج من الحمام وهو بيبص على السرير اللي نايم فيه ريان وركان، وقف قصاده ولون السما الأزرق الغامق مع نور القمر متسلطين على وشه، حرك السرير بالراحة ورفيف بتراقبه برعب، هي مبقتش ضامنة ردود أفعاله، مبقتش تشوف في عينيه الحنية اللي كانت بتشوفها قبل جوازهم.
دخل الأرانب وهما بيقلعوا الماسكات ووشهم متبهدل عرق هو وشعرهم، أخدوا نفس وواحد منهم قال بصوت غليظ للتاني:
أنا مقولتش لنوح باشا إن الجوانتي بتاعك وقع منك وإحنا بنجري، أخدته في الخباثة خبيته عشان دا لو كان وقع في إيد حد من الشرطة مكانش هيحصل كويس.
الشاب بتهتهة:
مخدتش بالي هو كان واسع شوية عليا.
واحد تالت بصوت عنيف:
مخدتش بالي دي تقولها لما تزودلي سكر في كوباية شاي، مش لما توقعنا بغبائك، جرا إيه أنت متساهل معاه كدا ليه.
اللي أخد الجوانتي رد عليه بغلاظة وقال:
حط لسانك في بوقك ومتتكلمش كتير، مش عاوزين هري! طالما أنا حليتها مفيش داعي نشغل دماغ الباشا بالحاجات دي، أومال خالد فين عاوزين نطمن عليه!
أمنة كانت قاعدة جنب شباك المطبخ المفتوح ومدخل هوا بارد، بتعيط من اللي عمله خالد إنه كان هيموتها، حست بحاجة بتلمس كتفها فلفت تبص لقت خالد ماسك شوكولاتة وبيداعبها في كتفها بيها، اتخضت ورجعت لورا وهي قاعدة بعد ما شهقت بخوف، قعد خالد جنبها والشباك بينهم وقال بهدوء وأسف:
أنا آسف يا أمنة، كنت بشوف كابوس وصحيت عليك.
لعبت أمنة في صوابعها وقالت بزعل:
أنا بس.. بس لأول مرة أخاف كدا، عارف لما تعتبر حد أمانك؟ وتلاقيه فجأة موتلك الشعور دا.
قال بنبرة هامسة ساخرة:
ما أنا بعملش حاجة غير إني بقتل.
استغربت أمنة وقالت:
مسمعتش بتقول إيه؟
بصلها تاني وانتبه ليها وقال:
بقولك حقك عليا متزعليش.
مد إيده بالشوكولاتة تاني فعرق الحب دب في قلبها ولغى عرق الخوف، مدت إيدها وأخدت الشوكولاتة وهي بتبتسمه واتكسفت.
فقال فجأة:
بس ليا عندك طلب.
بصتله بفضول وهي متوترة فقال:
حاولي تبعدي عني.
بلع ريقه بألم وبص للأرض بعدين بصلها، لقى عينيها اتملت دموع من مفيش ففتح بوقه بصدمة وقال:
بتعيطي ليه؟
أمنة بصوت شبه رايح:
عشان بتقولي أبعد عنك.
قال بسرعة:
بقول دا لمصلحتك، إنتِ بنت طيبة ومحترمة وكويسة، وفي عيونك خجل مش موجود كتير في زمننا دا، تستاهلي راجل حياته سالكة.. سهلة مش وراه هموم ولا ممكن يفكر يأذيكِ.. غصب عنه.
دموعها ساعتها نزلت ورفعت راسها وبصتله، ضيق خالد عينيه وهو بيقول:
لو قدرتي في أي وقت تمشي، وتبني حياة جديدة، تبقي فيها زوجة وأم وليكِ بيتك، متتردديش لو جاتلك الفرصة.
قام من جنبها فبدأ جسمها يهتز من العياط، قربت منها مرام وهي بتحضنها وبتقول:
حصل إيه؟ اعترفتيله بحبك ورفضك؟
أمنة بعياط في حضنها:
سيبيني في حالي يا مرام، الله يلعن الحب على اللي عاوز يحب.
كان معلق صور أي حد تبع نوح، وصورة نوح شخصياً بس كبيرة.
منال كانت قاعدة على المكتب بتبص بملل للصور وحاطة قدامها كيس بقسماط بتاكل فيه، ضغط ليث على أسنانه وهو ساند بإيديه على ضهر الكرسي وبيقول لمنال:
زي ما قولتلك المرة اللي فاتت أنا مش بحمله مسؤولية كل الجرايم يمكن يكون حد بيحاول يمشي على خطاه، بس برضو اختفاؤه هو ورفيف مريب، هي مراته بس في بلاغ جه من مجهول إنه شافها بتتخطف ومعرفناش أي تفاصيل لأنه اتكلم من فون شارع، ومذكرش اتخطفت فين ولا إيه المكان اللي كانوا فيه، فدا يحطها تحت بند المفقودين.
منال وهي بتمضغ:
ومذكرش مين خطفها، نوح ولا حد تاني دا برضو يبعد الشبهة شوية عن نوح.
شاور ليث بصوباعه عليها وهو بيقول:
بالظبط كدا.
بدأ يسجل الملاحظات بعدين بص لمنال لقاها بتبص للبقسماطة قرفانة.
ليث عقد حواجبه وقال:
مالك؟ بايظة ولا إيه؟
حركت الأكل في بوقها ببطء وهي بتقول:
مش عارفة، مممم هقوم أرجع.
جريت على حمام مكتب ليث وقعدت على ركبها ترجع فليث فرد ظهره وهو بيقول:
حامل دا أنا نسيت.
قال بصوت عالي عشان تسمعه وهي في الحمام:
يا بنتي ما أنا قولتلك ارتاحي في البيت وجوزك قالك بس عنيدة اللي في دماغك في دماغك.
مسحت بوقها بالمنديل وهي طالعة دايخة وبتسند على الحيطة قالت:
هو حد اشتكالك؟
شاور ليث عليها وهو بيقول:
منظرك اشتكالي شكلك تعبان جداً، اسمعي الكلام دي قضية صعبة ومهلكة، ومحدش ضامن إيه ممكن يحصل، ليه تضيعي نفسك وابنك عشان كدا؟
قالتله منال ووشها بهتان من التعب:
ما أنت عندك بيت، ليه تعمل في عيالك كدا؟ ونرجس هتعمل إيه من بعدك؟
سكت ليث لما جابت سيرة نرجس، الست الوحيدة اللي عشقها للدرجة دي.. لكن مفيش قدامه غير حل لغزين، الأول إزاي يوقع السفراء بدليل قاطع إنهم مرضى ولازم يتعالجوا، والتاني جرايم القتل الشنيعة اللي مفتوحة قدامه لغاية دلوقتي ثلاثة، واختفاء اتنين يعتقد إن اختفائهُم ليه علاقة بالجرايم، مروة القعيدة، ورفيف الحامل اللي غير معروف مصيرها!
زقت مياسة عيسى من صدره جامد وبغضب وهي بتقول:
ليك عين تلمسني، يا كذاب ياللي مفيش كلمة صدق بتخرج من بوقك، في الأول إنك اتجوزتني عشان بتحبني مش عشان بفكرك بحبيبة القلب، والتانية إنك سميت بنتي على اسم العروسة بتاعتها اللي هي كانت معتبراها بنتكوا انتوا الاتنين، أنت أوحش راجل أنا قابلته وآمنتله في حياتي يمكن نبيل أنضف منك، على الأقل ملعبتش بمشاعري زيك ولا عملتني استبن، آه باعني في اللحظة الأخيرة مش هنكر وكان سبب في موت ابني، لكن مخلانيش أنام كل يوم وأنا حاسة إن في واحدة أحسن مني عشان جوزي بيحبها، مش عارفة ابعدك عني إزاي إحنا أصلاً متطلقين، بس كل اللي أعرفه إني مش عايزة أشوف وشك تاني في حياتي أبداً، لو وحشاك حبيبة القلب أوي روح موت وحصلها، على الأقل تريحني من وجودك اللي ملهوش لازمة.
كانت بتقول كل الكلام ده بمنتهى الغضب، وشها احمر، عينيها احمرت.. بدأت تخرج الحروف متقطعة، أما عيسى كان واقف بهيئته الأولى، جاكيت شتوي جلد على اللحم، تحته السلسلة الحديدة اللي بيعض عليها وقت الغضب، وملامحه مش عليها أي رياكشن، بس كان وشه أشبه بطفل أمه دعت عليه بالموت، عينيه الشمال رفت وهو بيقول بنبرة عتاب ممزوجة بألم:
عايزة تسمعي خبري؟ متستعجليش.. كدا كدا هتسمعيه، وقولتهالك أنا مش عايز اربطك بيا حتى بعد مماتي لإني كدا كدا ميت، بس متخيلتش لما توحشيني ترفضيني بالشكل دا، أنا مكذبتش عليكي يا ماسة أنا خبيت عنك حاجات هتوجعك، أنا بس كنت واعدها إن أول بنت ليا هسميها قمر.
شورت مياسة على صدرها وهي بتزعق بصوت عالي وبتقول:
أنا مالي بوعودك ليها؟؟ أنا ذنبي إيه أعيش شبح لواحدة تانية؟
غمضت عينيها وهي بتترعش وبتكور إيديها بغضب لإن الأدرينالين علي عندها وقالت:
عايزة آخد بنتي وأمشي من هنا، أروح لأي مكان مشوفكش فيه، اعتقني لوجه الله خليني بعيد عنك لدرجة.. لدرجة لما يقتلوك مسمعش عنك خالص.
كلامها كان زي السكاكين نازل بدون رحمة، عينيه اتبدلت من الحزن للاشيء وقال بنبرة ميتة:
حاضر، كدا كدا أنا ماشي انهاردة، خلي بالك من نفسك يا ماسة.
خرج من المطبخ، وكانت لسه بتترعش، أول ما سمعت خروجه من الشقة ورزعة الباب قعدت على الأرض وهي بتتنفض وبتعيط بصعوبة، وصلوا لنقطة النهاية في كل شيء.. الصداقة، الحب، الحياة.
كان بينبعث صوت موسيقى في أرجاء المطعم، موسيقى فرنسية تليق بالأطباق اللي بيتم تقديمها.
"تعالي عانقيني، فـ أنتِ من سيُغادر، لِماذا تبكين إذًا؟"
وعلى بورد التقطيع كانت بتقطع كرفس وجزر وخضار بطريقة سريعة واحترافية، سمعت صوت الجرس اللي فوق الباب بيرن بمعنى دخول شخص للمطعم، فمسحت وشها بالمنديل وهي بتقول بصوت عالي:
Last order.
الباب اتقفل تاني، وعم الهدوء للمكان فأتنهدت براحة إن اللي دخل خرج تاني، حطت الخضار في حافظة وهي بتجفف إيديها وبتمسك الفون تبص في المسچات لقتها فاضية، سابته مكانه وخرجت لبره لمكان الطاولات لقت واحد قاعد على كرسي عند الشباك الكبير للمطعم، وفاتحه والهوا بيحرك المصباح النحاسي اللي في السقف يمين وشمال، مصدرًا صوت الحديد المزعج، ضيقت عينيها وهي شايفة حوالين الراجل اللي قاعد تماثيل كتير على شكل أرانب بشرية، لا لحظة! دول مش تماثيل، من كتر وقفتهم الثابتة حسبت إنهم مانيكان أو حاجة.
بلعت ريقها وهي مبرقة من ورا نظارة النظر بتاعتها وهي بتقول بصوت مرتجف:
Last order.
رفع الراجل راسه وبصلها من تحت القبعة السودا بتاعته وقال بصوت غليظ هادي:
Last day in your life.
سحب الشمعدان من على ترابيزة ورمته عليهم وهي بتصوت وبتجري، جريوا وراها بسرعة، قام نوح من مكانه ومسك الشمعدان وحدفه عليها جه في راسها من ورا فوقعت على وشها.
وقفوا صفين على كل جانب ومر نوح من بينهم، انحنى وهو بيسحبها من رجليها على الأرض والدم اللي نازل من راسها سايب خط وراها.
بعد دقائق عديدة، فاقت وهي بتتألم، الرؤية مشوشة، وشايفة الأوضة بالمقلوب.. تنميل في الراس وسائل بارد بينزل من راسها وبينقط على الأرض، لما لمحتُه اكتشفت إن لونه أحمر غامق.. دمه، لما الرؤية بدأت توضحلها اكتشفت إنها متعلقة من رجليها في السقف، فصوتت بعلو حاسها وهي بتقول:
حد يلحقنييي، حد يخرجني من هنا.
نوح كان واقف عند الكاتينج بورد وماسك السكينة بيقطع زيتون من اللي كان في الثلاجة شرايح، وبياكله بتلذذ
راح ليها وقال بنبرة غريبة:
الزيتون الأخضر مع اللحم بيديها نكهة حلوة جداً، إنتِ شيف وعارفة، مع الدجاج، مع اللحمة المفرومة، مع التركي.. طب مع لحم البشر تفتكري التيست هيكون إزاي؟
كانت بتتنفس بسرعة ومن بوقها وهي بتقول برعب:
إنت مين يا مختل، جوزي كلمني وهييجي ومش هيحصل كويس.
رفع الراجل صباعين من صوابعه وهو بيشاورلها وبيقول:
في معلومتين صح قولتيهُم، يا مختل.. ومش هيحصل كويس.
قرب نوح ناحيتها خطوتين فبرقت وقالت:
لا! طب عاوز مني إيه؟
نوح قربلها ومسك فكها وعدل راسها وهي مقلوبة ناحيته فرقتها طقطقت وصوتت.. بص لعينيها وقال:
سوزان علي، زوجة عدلي محمد.. كنتِ مشردة في شوارع فرنسا أواخر التسعينات.. لمدة شهر، بعدها بدأتي العمل كنادلة في مطعم بيقدم إسكارغو (الإسكارغو هو الحلزون، طبق شهير في فرنسا).
كمل نوح وقال:
وتعرفتي هناك على عدلي محمد، أخو رؤى محمد.. اتجوزتوا، صح كدا؟
بدأت أنفاسها تبقى زي الفحيح وهي بتقول:
إنت مين وعرفت الكلام ده كله منين؟
اتحرك نوح حواليها وهو بيقول:
مين اللي كانت بتتبلى على أمي طول الوقت ومقوية قلب خالي عليها؟
وسعت عينيها بصدمة وهي بتقول:
أمك!! إنت ابن رؤى؟ إنت ممدوح!
لف شعرها حوالين إيده وهو بيسحب جامد فصوتت فقال:
رغم إنك اشتغلتي في فرنسا، بس مش قادرة تتخلصي من كُهن الـ..
سكت وكمل وقال:
إنتِ عارفة اسمي كويس، اسمي نوح، اللي مكونتيش بتحبي بصته ونظراته لما تضايقي أمه؟ فاكراني؟
عدلي ببرود:
وأنا أعملك إيه؟ يعني ليه أساعد واحدة زانية زيك وأديها فلوس عشان تمشي على حل شعرها؟
رؤى وهي ماسكة إيد نوح:
إنت عارف كويس إن دي افتراءات من أهل جوزي عليا وهو مشي وراهم وصدقهم عشان دلدول لهم، لكن هقول إيه ما هما خرصوك بفلوسهم.
قام عدلي ومسك رؤى من رقبتها وهو بيخنقها رافعها من رقبتها بإيد واحدة وقال:
واحدة غيرك تبوس إيديها وش وضهر إني اتبرايت منك بس، أنا لولا مش عايز أبقى رد سجون كنت خلصت عليكِ يا فاجرة ياللي عليكي شهود.
كانت بتحرك رجليها وبتفرفر في إيده ونوح بيسحبها من فستانها وهو بيصوت ومرعوب:
ماماا، سيب مامااا
قامت سوزان من مكانها وشدت نوح من كتفه بعيد عن رؤى، نوح كان بيضربها بإيده، راحت سوزان رمت السيجارة تحت جزمتها الكعب وضربته كف على وشه
وقع نوح على ظهره ساعتها عدلي ساب رؤى وشها أحمر وبتكح جامد وبتاخد نفسها.
نوح كان بيبص لسوزان اللي واقفة قدامه بتبصله بقرف، لما بصلها بنظرة حقد برقت وقالتله بنبرة أمر:
متبصليش كدا!! يلا.. خدي ابنك وبرا..
وحركت خصلات شعرها حوالين صوابعها وهي بتبص بنظرة شماتة في رؤى.
افتكرت سوزان اللي حصل وقالت لنوح بسرعة:
لاا، لا أنا ماليش ذنب ده خالك، خالك اللي قالي أعمل كدا متاخدنيش بذنبُه، أرجوك ده أنا حتى حاسة بالذنب تجاه مامتك.
بدأت تعيط، فكمل نوح وقال:
وبالفلوس اللي خدتوها من أهل أبويا البيه عمل شركة وفتحلك المطعم اللي بتتمنيه، مع ذلك مبطلتيش.. أي راجل بيعجبك بتجري رجله ناحية المخزن وتقضي معاه وقت حلو، مع إنك كبرتي في السن وبقى شكلك يقرف بس لسه عينيكِ فيها نظرة الـ.. دي.. مبتروحش.
حركت راسها بصعوبة وهي بتحرك جسمها زي حورية البحر وبتقول:
هعملك كل اللي إنت عاوزه، هو مش إنت! إنت الزبون اللي جالي المطعم الأسبوع اللي فات وكنت عاوزة أعمل معاه؟
قالها نوح بقرف:
بالظبط، وأنا عشمتك وقولتلك هجيلك تاني، وأديني جيت..
مسك نوح شعرها ولف خصلة متوسطة منه حوالين صباعه، وبعزم قوته سحب الخصلة لبرا بقت تصوت جامد فالشعر طلع في إيده بطوله.
مسك خصلة تانية أكبر بشوية وهي بتتعذب وراح ساحبها جامد برضو ففروة راسها اتجرحت مطرح منبت الشعر بقت تطلع دم، نقط دم كتير.
بقية شعرها مسكه كله وهي صوتها من الصويت والألم راح وهي بتقول:
أرجوك أرجوك أتوسل إليك.
شاور للأرانب فمسكوا بقية شعرها جامد وسحبوه لورا بالقوة، طلع بفروة راسها في إيديهم وبانت جمجمتها.
صوت فحيح الموت بدأ يصدر منها والغريب إنها لسه بتطلع في الروح.
نوح بأمر وهو واقف قدام الكاتينج بورد:
طلعولي المخ، واقسموها نصين لغاية ما أشوف هاخد إيه منها تاني، ولو إني أشك إنكم تلاقوا جواها مخ.
ضحكوا الأرانب وبدأوا يكسروا في جمجمتها كانت ماتت خلاص.
بدأ نوح يقطع بقية الزيتون وهو شايف الدم بتاع راسها نازل على عيونها وبعدها على خدودها، نازل على هيئة دموع.
والأغنية لسه شغالة بنفس الكلمات "تعالي عانقيني، فـ أنتِ من سيُغادر، لِماذا تبكين إذًا؟"
بص نوح لعينيها الجاحظة وبتبص له وقال بنفس نبرتها زمان:
متبصليش كدا!.
كانت بتغير لإبنه كالعادة، شافت الوحمة اللي في جسمه اللي وارثها من نوح فبستها وهي بتحضنه وبتداعبُه.
الباب خبط فعدلت هدومها وشعرها وهي بتقول:
ادخل.
دخلت مرام وقفت الباب وهي بتقول:
زعجتك؟
رفيف بهدوء:
لا تعالي.
قربت مرام وهي بتقول:
أصل نوح باشا اتأخر، وأنا بصراحة كدا يعني مبعرفش أنام غير لما بييجي، وقولت أسألك لو عندك معلومة هييجي إمتى؟
رفيف بصدمة:
نعم! ومبتعرفيش تنامي غير لما ييجي ليه؟
مرام بهيام مقصود قدام رفيف:
أصل هو راجل البيت زي ما بيقولوا، الواحد مبيحسش بالأمان غير لما نوح بيه ييجي ويقفل علينا الباب بنفسه، أي مكان نوح بيه فيه فـ هو أمان والواحد ينام مستريح.
رفعت رفيف حاجب وهي مكشرة وقالت:
لا معنديش فكرة راح فين لو خلصتي ياريت تقفلي الباب وراكِ.
مرام بخبث:
متزعليش مني بس بصراحة أنا الوحيدة اللي وسط الخدم لما بغيب بيدور عليا، إكمن يعني أنا أكتر واحدة بفهمه، بفهم عاوز إيه من نظرتُه بس.
رفيف كانت ماسكة علبة البودرة بتاعة الأطفال وقالت لمرام:
أوكي، وأنا معرفش راح فين، ياريت تخرجي وتسيبيني عشان أغير للولاد.
مرام بكيد أخير وهي بتشاور على الولد اللي عنده وحمة قالت بدلع ماسخ:
الولد ده شبهه على فكرة، نفس العيون القاسية.
خرجت مرام وقفت الباب فحدفت رفيف علبة البودرة على السرير وهي متغاظة ومقهورة، وغيرتها على نوح كانت عالية.
خرج نوح من المكان بطريقته، ولسه بيتحركوا عشان يركبوا عربياتهم واحد من الأرانب اتسحب لورا من رقبته، نوح مكانش متوقع اللي حصل فلف وبص لقى عزيز هو اللي سحب الأرنب وبيضحك هستريا وجنان.
نوح بتبريقة ورعشة في وشه خلت وشه كله يرعش:
سيبه يا قائد، لا إلا أنت عارفني من باب المرح عملت إيه، ما بالك في انتقامي هعمل إيه.
ثبت عزيز الأرنب من رقبته بدراعه وهو بيقول باستفزاز:
مخ بانيه.. مش ده اللي عملته جوه بالفعل؟
عيون نوح قلبت بشكل وحش وهو بيقول:
بقولك سلمني الراجل بتاعي عشان نهايتنا هتبقى وحشة.
عزيز وهو بيقول ببرود:
الكلام ده ميتتقاليش، قولتلك لما نخرج من المستشفى بعد ما عرفنا حقيقتك تبقى كسبت أسوأ عدو ليك، أنا! مشكلتك يا رايق إنك فاكر مفيش حد أجمد منك ودا مش حقيقي، أنا مريح بش خوف على ولادي، بس منزلتش عيني عنك وعرفت أوصلك من خلال واحد من رجالتك اللي خايف عليهم.
نوح بعد ما فهم ألاعيب عزيز قال بضحكة:
لعبة قديمة عملتها قبلك، تشككني.. فـ عقلي ينشغل بيهم، فـ أقع فـ إنت توصلني، تؤ.. أنا ماسك على كل واحد فيهم حاجات فيها موتهم، مش هيعملوها عشان يرضوك فـ شوفلك لعبة تانية.
عزيز بجدية:
صورت اللي إنت عملته جوه فيديو، والواد اللي معايا ده هيكون الشاهد.
لبس نوح القبعة بتاعته وهو بيقول:
وبعدين؟ هتقدمها للنيابة وأبقى أنا رسمي القاتل؟ وماله! ما أنا كدا كدا لما أخلص شغلي مش هيفرق معايا حاجة وبعدين أنا زيك معايا شهادة معاملة أطفال.. مختل بقى فـ أقصى إتحجز في مصحة.
رفع عزيز أكتافه وقال ببرود:
مش دايماً، في بيتسجنوا وبيتحاكموا عادي.
نوح بزعيق:
ده في محكمة أمك ده، أخر مرة هقولهالك وإتحمل العواقب، سيب الواد يا عزيز.
عزيز باستفزاز:
تؤ.
رفع نوح سلاحه وسحب الزناد وصوبه على عزيز وهو بيقول:
معنديش اختيار تاني.
عزيز ابتسم ابتسامة بديهية وقال:
أنا بؤمن بمقولة لا تمت جبانًا أبداً، فـ لو عايز تخلص عليا مش فارقة.
كان بيبص له نوح وهو مصوب السلاح وعزيز بيبص له بثبات وابتسامة وهو لسه ماسك الأرنب..
" لم يخِب ظني بك أبداً، ظننتُ أنك عندما تهامست مع أحد ونظرتُ لي وأنت تبتسم أنك تمدح خصالي الجيدة.
كنت أهبك أماناً لم أهبهُ لنفسي، خشيتُ عليك من أذية كنت تدبرها لي، لقد فعلت بي أسوأ مما قد تفعلهُ رصاصة.. "
رواية العبث الاخير الفصل الثامن 8 - بقلم روزان مصطفى
رُكاب سفينة نوح
المكان: مطعم راقِ على أطراف البلدة.
تحديدًا: البوابة الخلفية.
عزيز بضحكة ساخرة: مالك؟ مش قادر توقف على رجليك من الخضة؟
نوح وهو لسه مصوب سلاحه على عزيز: عايز توصل لإيه؟ إنت عارف كويس إني مبخافش.
سلم عزيز الأرنب لـ رجاله ووقف قدام نوح وهو رافع دراعاته لفوق وبيقول بضحك: No risk no fun، أتسلى أنا شوية، ولا نسيبك تتسلى وتضحك لوحدك؟
ضحك نوح وبين سنانه وهو بيقول: هتقدم الفيديو للنيابة؟ وماله.. ابعته في ظرف محترم كدا لمكتب ليث خليه ينهي القضية دي، بس الحاجات اللي عملناها سوا قبل ما نفترق عن بعض كـ جماعة، هتبررها للنيابة إزاي.
عزيز وهو بيغني بعبثية: مجنون ودماغي طاقة.
ضحك نوح بعبثية هو التاني وقال: هههه، معنديش وقت للهري ده، عاوز تحتفظ بالأرنب اللي معاك معنديش مشكلة، لكن لو عايزها تقلب Fun هيكون ليها ترتيبات تانية غير اللي إنت متخيلها.. اللي معاك ده أنا ماسك حاجات عليه لو قتلته مش هينطق فـ مش هتستفيد منه بحاجة غير إنك كسبت ضيف جديد.
شاور عزيز لرجاله فـ رموا الأرنب قدام نوح، سحبوه باقي الأرانب معاهم فـ رجع نوح لورا وهو لسه مصوب سلاحه على عزيز وعزيز واقف ثابت ووراه رجاله.
ركب نوح عربيته وركب معاه الأرانب وإتحركوا بسرعة من قدام المكان.
حرك عزيز رقبته يمين وشمال وهو بيمرر لسانه على شفايفه بإستمتاع من اللي حصل وبيبص على مدخل المطعم، قرب واحد من رجاله منه وهو بيقول: هنتحرك يا باشا؟
عزيز وهو بينزل الكاب على راسه قال: أيوة عشان لو حد كبس منشيلش إحنا الليلة، هات المفتاح هسوق أنا.
مد الجارد إيده بالمفتاح فـ سحبه عزيز وإتحرك بالعربيات مع رجاله.
المكان/ منزل نوح
كان قاعد على ترابيزة الصالة الرئيسية وحاطط إيديه الإتنين عند بوقه وساكت بيفكر، جت مرام من المطبخ وهي بتسلم الصينية لواحد من الأرانب فـ همست له في ودانه: هو الباشا ماله؟
قالها بصوت غليظ: خليكي في شغلك، يلا روحي!
إتحركت للمطبخ تاني وحاولت توقف عشان تسمع لكن واحد منهم لمحها فـ دخلت للمطبخ من سكات.
نوح وهو بيخبط بصوابعه على الترابيزة: مش شاغلني غير إنه صور الجريمة كلها فيديو، الموضوع ده لو كان عمله عيسى ولا أمير كنت اطمنت شوية، بس يعمله عزيز لا عشان أنا عارفه مستبيع مش باقي جواه أي ذكريات من اللي كانت بينا.
كان كإنه بيخاطب نفسه في المقام الأول.
إتعصب فـ قلب الترابيزة وهو بيخبط الكراسي برجله بهستيريا، الفيديو ده هيعيقه يكمل انتقامه، وكده عزيز حط صباعه تحت ضرسه.
سمعت رفيف صوت كسر وكركبة في الطابق اللي تحت فـ ربطت شعرها بالوشاح وهي بتحاول تخرج، مجرد ما فتحت الباب لقت اتنين من الأرانب واقفين على الجهتين، جت تطلع وقفوا قدامها من غير ما يتكلموا عشان يمنعوها.
حركت عينيها عليهم بضيق وقالت: وسع لو سمحت عاوزة أنزل.
الأرنب برسمية: ممنوع.
رفيف بدأت تضايق لكن صوتها معلاش وقالت: هو إيه اللي ممنوع إنت حافظها ولا إيه بقول هشوف إيه بيحصل تحت مش هخرج برا المبنى كله.
الأرنب صوته علي وقال بغلاظة: قولت ممنوع ادخلي من فضلك.
رفيف وشها اصفر من زعيقه ورجعت لورا خطوة، جاه عشان يقفل الباب عليها لقت رفيف إيد حد بتتحط على الباب وبتسنده عشان ميتقفلش فـ بلعت ريقها بخضة وهي شايفة نوح بيفتح الباب على آخره، كانت خايفة منه أول ما شافته لكن لما بص للأرنب بنظرة مش تمام بدأت تهدى.
نوح ببرود: صوتك علي كده على مين؟
الأرنب بهدوء: يا باشا كانت عايزة تنزل تحت ودا ممنوع دي تعليماتك.
مسك نوح فك الأرنب بين ايديه وهو ضاغط عليه والتاني بيتألم فـ رفيف اتخضت وقربت من نوح وهي بتحاول تبعده وبتقول: خلاص سيبه هتكسر فكه في إيدك.
نوح وهو ضاغط على فكه قال من بين سنانه: أنا جايبك تاخد بالك المدام متخرجش من اوضتها مش تعلي صوتك عليها، ده بيت وملك جوزها وتروح الحتة اللي هي عايزاها، بعد كده لو طلبت حاجة ترجعلي منتصرفش من دماغك، يلا غوور من عند الباب هجيب واحد غيرك يوقف.
نزل الأرنب لتحت وفضل التاني.
رفيف كانت مصدومة وبتتنفس بسرعة فـ سحبها نوح للأوضة وقفل الباب.
فضل يبص لملامحها وهو بيتنفس بسرعة ومتوتر، رفيف بصدمة: إنت مالك غريب كده ليه!! إيه التصرفات اللي بتعملها دي، يعني إنت اللي مديله أمر يحبسني وإنت برضو اللي بتزعله لما يرفض يخرجني، حقيقي هستنى إيه من واحد خان صحابه و..
عند النقطة دي مقدرش نوح يسمع كلام زيادة واخرسها بقبلة وهو ماسكها من ضهرها بيقربها ليه أكتر، قبلته مكنتش عنيفة عكس الأيام الأخيرة كان فيها مشاعر مضطربة، أكتر شيء حسته رفيف منها إنه بيدور على الأمان فيها.
حاوط رقبتها بإيده التانية وكُل ما تبعد عنه تاخد نفسها يرجعها تاني لغاية ما الوشاح بتاعها وقع من على راسها، قدرت في النهاية تبعده عنها وهي بتمسح بوقها وبتتنفس بسرعة بصدمة وبتقول: مش هينفع! أنا لسه والده، وبعيدًا عن كده مش عاوزاك تلمسني تاني، لإني معرفش إنت بتخرج بتعمل إيه، وأذيت مين من صحابنا.
مسك نوح بين عينيه بصوابعه بضيق وهو بيقول بتوتر: مش عاوز أسمع سيرتهم، نهائي.. أنا جايلك هربان من كل شيء حتى من دماغي، دماغي حاسس عليها ضغط رهيب.
رفيف كانت بتتلمس شفتها السفلية لإنها حست فيها بألم من قبلته وقالت: وأنا المفروض أصدقك واتعافى معاك؟ كان مين فينا صعب عليك من اللي إنت بتعمله فينا تحت بند التسلية، للأسف ضحاياك كتير وأولهم أنا.
حرك راسه يمين وشمال برفض وقال: إنتِ مش ضحية، إنتِ الست اللي اخترت أعيش معاها وأتجوزها وأخلف منها.
دمعت رفيف وقالت بتكشيرة: إزاي يهون عليك أكون حامل منك وبطني قدامي قد كده ومش قادرة أمشي، وتعمل فيا كل ده، افرض الحمل نزل تحت أي حركة مش محسوبة، إزاي بتقول إنك بتحبني وبتجرحني.. وإزاي أنا لسه بحبك بعد كل ده، حاسة إني عيانة زيك، أو عيانة بيك بس مش قادرة أحدد مرضي عشان أتعافى منك.
عيطت رفيف وغطت وشها بإيديها، غمض نوح عينيه وفتحها وهو بيقربلها وبيبو س ضهر ايديها الإتنين وقال: كل اللي عارفه في الوقت الحالي إني محتاجك، محتاج البنت اللي حبيتها عشان تهديني، أنا كنت.. هقتل عزيز النهاردة.
برقت رفيف وهي بتخبط على صدرها بصدمة وقالت: يا خبر أسود!! أوعى تكون عملتها.
مسك نوح راسه بهيبرة وقال: لا! معملتهاش بس كنت على وشك أعملها، اللي حصل.. يعني بيني وبينه عامل زي ما يكون وقعتي تلج على واحد نايم ومش حاسس، فـ فوقتيه بس بطريقة صعبة.. عمال أراجع حساباتي في اللي عملته واللي كنت هعمله، حاسس عقلي هيشت من كتر التفكير.
عضت رفيف على ضوافرها وقالت بتضييق عين: هو إيه سبب تصادمك مع عزيز من الأساس؟
بلع نوح ريقه بصعوبة وقال بصراحة فاجئت رفيف: شافني وأنا بنتقم لأمي من، حد من عيلتها.
عينيها رمشت كذا مرة برعب وبدأ قلبها يدق وقالت: بتنتقم منه إزاي يعني؟
قعد نوح على طرف السرير وهو حاطط راسه بين ايديه ومش قادر يتحمل الوجع فيها وقال: بنتقم منه زي ما بتنتقمي من أي حد سببلك تروما، بأي طريقة تخليكِ مرضية وكويسة.
رفيف كانت لسه واقفة وهي شيفاه قاعد على السرير وقالت: أنا أخري في الانتقام إني أدعي على اللي أذاني لإني ماليش حيلة غير كده لا إلا كان زماني انتقمت منك لإن محدش أذاني قدك، لكن لما أسمع منك أو من واحد من الثلاثة التانيين كلمة انتقام ده في حد ذاته له أبعاد كتير لإنكم لا عندكم عقل ولا ملة.
مكانش قادر يرد عليها كان كل اللي عامله إنه حاطط راسه بين ايديه وساكت.
قربت رفيف منه وقعدت جنبه وهي بتقول: يعني كنت ناوي تقتل عزيز عشان شافك بتنتقم من حد من عيلتك، بس؟
اتعدل نوح وقال بتعب مش عارف مصدره: صورني وأنا بعمل الجريمة دي، وكان ساحب معاه واحد من الأغبياء اللي تحت.
جسمها قشعر ودقات قلبها بدأت تعلى وقالت: جريمة.
نوح بزعيق ونفاذ صبر: يوووه، معرفش مش فاهم إيه اللي بيحصلي، دماغي مش مظبوطة وبتوجعني، كنت محتاج مواجهة من حد فعلاً عشان يفوقني من اللي بيحصل، يفوقني من الشيطان اللي بيمسكني لما بشوف حد من عيلة أمي.
رفيف بصوت عالي لأول مرة: فلقتني بأمك، كل حاجة في حياتك ليها علاقة بأمك، شبه أمي فـ هحبها، ضايق أمي فـ هقتله، طب فكرت في مرة هل هي راضية عليك وعن اللي بتعمله؟ حتى لو بتعمله عشانها مفيش أم هتتبسط من إن ابنها مش مظبوط وسفاح ورافض العلاج واخد مرضه حجة عشان يجلد في البشر.
رفع راسه وبصلها بنظرة غريبة فـ خافت فـ قال هو في لحظة إدراك: أيوة هتكون راضية، دول دمروا حياتها وخدوني من حضنها ومسابوهاش تتهنى!
حركت رفيف راسها يمين وشمال بشفقة عليه وقالت: أنا كـ أم لو حد من عيالي دمر حياته وإنسانيته عشاني مش هرضى عنه، الإنسان بيكون عاوز ولاده أحسن منه مش بيخلف مخصوص عشان يكبر نسله ويخليهم مسوخ، كنا هربانين وبُعاد عن الحكومة ومتجمعين، كان ممكن تتعالج لكن قررت تتسلى وتخوننا وتأذينا، رجعتنا لنقطة الصفر تاني، وأدي عزيز مسك عليك دليل والله أعلم هيعمل إيه بيه، حتى لو ليك سبب في خيانتنا أو حد قالك تعمل فينا كده، لكن انتقامك من عيلة والدتك ده بمحض إرادتك إنت عشان إنت عاوز كده، ملكش قدامي أي مبرر غير إني خايفة منك رغم الحب اللي بحبه ليك.
رجع نوح راسه بين ايديه تاني ومقدرش يتكلم، ورفيف واقفة بصاله مستنية يعمل أو يقول حاجة والخوف بيدب في قلبها.
رجع عزيز البيت وهو بيخلع التيشيرت بتاعه وماسك بين ايديه فونُه اللي صور بيه الجريمة، لسه هيفتح الجاليري عشان يشوف الفيديو لقى مسج على واتس آب من سيليا فـ استغرب.
فتح المسج لقاها بعتاله " صاحي؟ "
استغرب شوية بعدها رد وكتب " أها"
سيليا يكتب الأن..
" محتاجة أشوفك، متقلقش سيلا وبدر بخير، محتاجة أشوفك عشان موضوع شخصي"
كتبلها " تحبي أفوت عليكِ؟ ولا هتعرفي تيجي؟ "
" مش هاجي البيت اللي فيه جايدا أكيد، فوت عليا ونروح أي حتة حتى لو هنقعد في العربية"
عزيز كتبلها وهو بيقوم من مكانه "إلبسي هفوت عليكِ دلوقتي"
قام أخد شاور سريع ولبس هودي كحلي وبنطلون جينز غامق، سحب مفاتيحه وحاجاته وخرج من البيت، واحد من الحرس: نجهز العربيات يا قائد؟
عزيز بأمر: عربية واحدة بس، مش عايز دوشة كتير.
الجارد بـِ طاعة: أمرك يا قائد.
كانت واقفة جايدا في بلكونة اوضتها وهي شايفة العربيتين بيتحركوا لـ برا عربية الجارد وعربية عزيز، دخلت لأوضتها وهي بتعض على شفايفها وبتقول: أتمنى متكونش رايح لـ بنت الكابر اللي مبترفضلهاش طلب.
وصل عزيز قريب من بيت بدر الكبير وركن على جنب، بعت مسج لـ سيليا على واتس وكتب "أنا برا راكن ورا شوية عشان الكاميرات، فينك؟".
سيليا مردتش، رجع عزيز راسه لورا وهو باصص للشارع اللي مغيم من البرد، لقى حد بيفتح باب المقعد اللي جنبه، قعدت سيليا وقفلت الباب وبصتله وهو مرجع راسه لورا، كانت فارده شعرها ولابسة بنطلون اسود جينز سكيني، وتيشيرت اسود قصير عليهم جاكيت شتوي لونه اخضر غامق.
بصتله لما قعدت فـ بص لها وهو بيدقق فيها وبيتفحصها، ابتسم ابتسامة جانبية تنم عن الأعجاب فـ شاورت براسها وهي بتقول: أتحرك عشان محدش من الجارد بتوع بابي يشوفنا.
حرك عزيز العربية وساق بيها، وهو سايق قالها بفضول: حاجة إيه الشخصية اللي عاوزة تقابليني عشانها.
سيليا وهي بصاله ومريحة في المقعد: لما نوقف في حتة هقولك.
ركن عزيز جنب الطريق فـ بصتله بصدمة وهي بتقول: يااه، للدرجة دي مش قادر تستحملني؟
عزيز وهو بيحاول يتماسك قدامها: عشان كل ما نتقابل بنفضل نلف في نفس الدايرة، شوية لطافة في الأول بعدين ينتهي النقاش إنك مش عاوزة ترجعلي، أنا مش حمل هرموناتك يا ملبن، أسبابك هتفضل زي ما هي ده اللي فهمته.
ضحكت سيليا وقالت: يعني إنت متضايق ولا مبسوط أصلك بتقولي يا ملبن!
عزيز قال بمغازلة: عشان كونك ملبن ده ملوش علاقة بإننا كويسين مع بعض ولا لا، بحب أفكرك بـ أصلك مش أكتر.
عضت سيليا على شفتها السفلى وقالت بأنوثة: حلمت بيك، ولما صحيت حسيت إني عاوزة أشوفك مهما كانت العواقب ومهما كان ردك، فـ بعتلك على طول من غير تردد.
وطى عزيز راسه وهو بيحاول يشوف عيونها اللي حطاها في الأرض وقال: حلمتي بإيه؟
قالت بخجل: حلمت وخلاص، بس صحيت لقيتك وحشتني، فـ قولت.. قولت يعني ما هو العناد هيضيع وقت كتير مننا، ركنت أي كلام وأي زعل وجريت ناحيتك كـ عادتي لما بخاف أو بفتقدك.
عزيز بنبرة هادية: يعني أنا أمانك؟
رفعت سيليا عينيها وبصتله وحركت راسها بمعنى آه.
قرب عزيز منها وهو بيبعد شعرها عن وشها وبيلمس خدها بصوابعه وقال بتكشيرة: يعني شايفة إني قادر أحميكِ؟
ابتسمت وهي بتقول آه بتحرك راسها، فـ حط عزيز إيده على رقبتها من ورا وسحبها ناحيته وحضنها وقال: شايفة إني أقدر أعيش من غيرك حتى لو مثلت إني كويس؟
سيليا وهي في حضنه قالت: شايفة إني محتجاك وبس، بعيدًا عن أي حاجة تانية.
عزيز بتنهيدة سعادة: ده إيه اليوم الحلو ده، مسكت نوح من رقبته والملبن بتاعي رجع لي تاني.
بعدت سيليا عن حضنه وقالت بتبريقة: إنت قابلت نوح؟
عزيز بجدية: وماسك عليه حاجة هتخليه يتعدل ويحرم يعبث معايا تاني.
سيليا بدأ القلق يبان على وشها وقالت: لا! ابعد عن سكة نوح خالص ومتعبثش معاه، إنت عارف كويس إنه شخص غير موثوق ومؤذي لدرجة بشعة، معنديش استعداد أخسرك.
عزيز بهدوء وهو بيفهمها: هتخسريني فعلاً لو ممسكتش عليه حاجة ووقفته عند حده، أنا راجل قد وعدي قولتله إني مش هعديه اللي عمله بالساهل، معرفش عن عيسى وأمير أنا شغال فرداني همرر له حياته الأول بعدها على الهادي هشبكه بكلبوش.
سيليا والقلق لسه ماسكها: بلاش يا عزيز عشان خاطري، ليه ردات فعل مش هيسيبك غير لما يأذيك بيها.
لعب في شعرها وهو بيقول: متخافيش، ثقي في حبيبك شوية، هتعرفي إني قادر أحميكِ وأحمي عشرة كمان من أي حد وأي حاجة، خلينا فيكِ وفي حلمك.
سيليا بخجل: بس طيب عشان مش هحكيه.
عزيز بإشتياق ليها: طب ما تيجي أردك على ذمتي ونحققُه!
سيليا قالت بضيق: بابي أكيد مش هيوافق، هو بيخليك تشوف سيلا ومتساهل في الحتة دي بس زعلي عليه غالي ومش بالساهل هيوافق، الأهم من الكلام ده عايزة أطلب منك طلب.
عزيز بمغازلة: طلب ببلاش كده؟
سيليا قالتله بجدية: إتلم.
عزيز بضحكة: لو حد غيرك قالي إتلم متعرفيش هعمل فيه إيه، دي آخرة الحب اللي قلل مننا.
بلعت سيليا شفايفها وقالت: متهددش نوح باللي معاك أيًا كان هو إيه، إحنا بالفعل منعرفش بيخطط لإيه ولا ضامنين ردات فعله، فـ لو ليا خاطر عندك متعملش كده.
تنهد عزيز وقال بهدوء: ليكي اللي أكبر من الخاطر جوايا وإنتِ عارفة ده كويس، بس نوح من نوعية الناس اللي منكشتيهوش وبقيتي في حالك هينكشك هو، فـ ليه! طول ما في حد أو حاجة شاغلة باله فـ هو ملموم وليه حدود، ده قتل ست بطريقة بشعة مش هفرجك على الفيديو عشان متشوفيش درجة البشاعة اللي هو وصلها، اللي عاوز أفهمولك إني فاهم بتعامل معاه إزاي.
عدى شهر!، وعيسى ساب بيت الغريبي وراح لـ شقته.
كان بيصب مياه مغلية في المج بتاعه على قهوة سادة وبيتكلم في الفون مع واحد من جماعته "جماعة الرمادي".
الراجل بتاعه قال: أنا لمحتها طالعة عمارة في حي الزمالك مرتين على يومين مختلفين، وكل مرة كانت بتتعمد إنها تطلع بسرعة وتنزل بسرعة، معرفش بتعمل إيه فوق.
قلب العقرب القهوة بتاعته وقال: بيكون معاها حد؟ أو لما بتنزل بتلاحظ مثلًا حد واقف في بلكونة في شباك بيبص عليها بعد نزولها؟
قال بنبرة وكأنه بيفتكر: لا، أعمل إيه تاني يا عقرب؟
عيسى ببرود: متعملش هات عنوان العمارة بالظبط فين في حي الزمالك وأنا هروح بنفسي ولوحدي.
الراجل بصدمة: مينفعش يا عقرب لازم نكون معاك للأمان حتى.
العقرب بجدية: قولت لا، إعملوا اللي قولتلكوا عليه وبس راقبوا مدام ماسة ولو في أي جديد إتواصل معايا.
قفل عيسى معاه وكان لابس سويت شيرت اسود وبنطلون جينز غامق، سحب المج بتاعه وقعد على الكرسي وهو بيبص لشاشة الفون مستني عنوان العمارة يوصله.
بعت واحد من جماعة الرمادي العنوان فـ ساب عيسى المج بتاعه على الترابيزة واخد مفاتيحه ونزل..
ركب عربيته وإتحرك ناحية المكان ونزل منها وهو بيقلع نظارة الشمس وبيص على الشبابيك والبلكونات بتاعتها من برا، قرر يدخل العمارة اللي شكلها مريب، كان لونها رمادي فاتح من برا والبلكونات أخضر غامق كئيبة تبعث في النفس شعور غير مريح بالمرة.
وقف قدام الاسانسير وهو بيطلبه ومش عارف طالع أنهي دور، لغاية ما سمع صوت خطوات كعب وراه.. ساعتها وقف مكانه وإتجمد، لغاية ما وقفت هي جنبه.
بلبس غريب! مش مناسب الجيل ولا الزمن ولا المكان حتى، كانت لابسة فستان صك من الدانتيل أسود، وقبعة سودا ليها دانتيل قصير مغطي عينيها بس، حاطة روج أحمر وعاملة شعرها قصة من التسعينات، عيسى عقد حاجبيه بإستغراب وهو يتأملها، خرجت من شنطتها الصغيرة مرايا وقلم روج وبدأت تزود من الروج اللي هي حطاه بصمت، إتفتح باب الاسانسير فـ دخل عيسى.
دخلت هي وراه وباب الاسانسير إتقفل.. لاحظ عيسى أثناء دخولها أنها وقعت الروج برا.
وقفت جنبه، وهي بتحرك عينيها بخبث من ورا الدانتيل وبتبص له بنظرات مريبة، وهو بيدقق فيها عاوز يعرف دي مين، الاسانسير وقف..
وعيسى افتكر حاجة، إن أمل كان عندها عروسة لابسة نفس اللبس ده، زي العرايس الفرنسية القديمة، وشعرها بنفس التسريحة.
فـ مسك راسه وهو بيبص للست اللي جنبه، افتكر كمان إن أمل مامتها كانت بتعاقبها عشان بتوقع حاجتها كتير وبتضيعها.
فـ قرب منها وجه يشيل القبعة عن راسها الاسانسير اشتغل تاني وأضوائه إهتزت، برق وهو مستغرب اللي بيحصل، بلع ريقه وهو بيغمض عينيه وبيفتحها بيحاول يتأكد دي حقيقية ولا من صنع خياله كـ العادة.
إتفتح باب الاسانسير، خرجت هي من الاسانسير وسابته، لسه جاي يجري وراها عشان يعرف دي مين بالظبط وإيه كمية التشابهات بينها وبين أمل دي.
جاتله مسج على الفون، مد إيده في جيبه وبص لقى صورة لـ مياسة قاعدة مع واحد في كافيه، في ثانية فتح مسجل الصوت وبعت ريكورد وهو بيقول: فين الكافيه ده في أنهي داهية؟ عايز لوكيشن عشان هكسره على دماغ الواد ده.
فضل واقف مكانه مكور إيده بغضب وحط السلسلة في بوقه كالعادة، وصله مسج باللوكيشن فـ جري ناحية عربيته وركبها وعرق العقرب رجع له من تاني.
المكان: منزل أعلى تل مرتفع.
تحديدًا: المطبخ.
دخلت رفيف وهي بتبص للخادمات اللي واقفين بنظرات غريبة، مرام وشوشت آمنة وقالت لها: من ساعة ما نوح بيه سمح لها تخرج من الجناح على راحتها وهي رايحة جاية علينا وعاملة فيها سيدة القصر.
آمنة بهدوء: ششش لا تسمعك.
رفيف بتساؤل لـ نسرين: نوح خرج من اوضته النهاردة؟
نسرين بإبتسامة رسمية: آه يا هانم وإدى أوامر للحرس ورجع اوضته تاني.
قعدت رفيف على الكرسي بتاع ترابيزة المطبخ وقالت وهي سرحانة: من ساعة ما جه من برا من شهر وهو على الحال ده، لا بيكلم حد ولا بيقعد مع حد ولا بقى يخرج أصلًا!
مرام بخبث: بس كلمني أنا الصبح.
نسرين بصت لـ مرام بتشكيك وقالت: كلمك إمتى وفين؟
مرام وهي بترمش بعينيها قالت بإبتسامة: يعني كان طلب فنجان قهوة بس بعدين غير رأيه ورجع على اوضته.
عضت رفيف على ضوافرها وقالت: طيب اعملوا أكتر أكلة بيحبها نوح ولما تجهز عرفوني عشان آخدها ليه بنفسي.
خرجت رفيف من المطبخ عشان تروح تطمن على ولادها فـ قلبت مرام وشها وهي بتقول بضيق: مالها دي؟ بتتأمر كده ليه الله يرحم ما كانت محبوسة ومش قادرة تنطق.
نسرين بتبريقة: وبعدين! إنتِ مفيش فايدة فيكِ ولا إيه؟ تاني بتقارني نفسك بيها وبتتكلمي عنها بالأسلوب ده؟ لو الكلام ده اتقال تاني مش هيحصل كويس وهبلغ نوح باشا، ركزي في شغلك.
دخل خالد للمطبخ ولما شافته آمنة رفعت عينها وبصت له بصة صغيرة بضيق وبعدها ركزت في اللي في ايديها، بص له خالد بنظرات متكررة وهو بيتكلم وبيقول: لو حد فاضي بس أنا محتاج كوباية نعناع، لو مش هتقل عليكم.
نسرين بأمومة: عينيا يا خالد هعملهالك بنفسي، ارتاح وهجيبها لك.
خالد بإبتسامة: شكراً.
خرج من المطبخ فـ خبطت مرام آمنة في كتفها فـ قالت آمنة بضيق: إيه ده.
مرام قالت بهمس: الواد بيحاول يفتح معاكِ كلام يصالحك، متبقيش بومة بقى.
آمنة بضيق: هو مزعلنيش عشان يصالحني، هو قالي شوفي حالك بعيد عني، بيحوم حواليا ليه بقى.
مرام بهمس: يابنتي فات شهر على الكلام ده أكيد رجع نفسه ولما عرف بمشاعرك بقى يبص لك بنظرة تانية، وبالتالي تكونت جواه مشاعر ناحيتك.
حركت آمنة راسها يمين وشمال وقالت: معتقدش، خلينا نخلص شغلنا عشان الهانم مستنية الصينية بتاعة الأكل تدخلها لـ نوح بيه.
جهزوا الصينية وشالتها رفيف وطلعت لأوضة نوح، وقفت قدامها وخبطت.. فات وقت على ما الباب إتفتح ونوح كان لسه واخد شاور شعره مبلول ولابس روب الحمام الأسود وكان مكشر، رفعت رفيف عينيها وقالت له بهدوء: خليتهم يجهزوا لك حاجة تاكلها.
ساب الباب مفتوح ودخل للأوضة فـ دخلت هي وراه وهي شايلة الصينية، كانت لابسة فستان صيفي لإن الجو كان حر اليوم ده مش فاهمة ليه يمكن في البيت بس، وعلى راسها الوشاح اللي نازل منه شعرها من ورا.
فستان سوفت بينك عليه ورود خضرا صغيرة كتير.
حطت الصينية وهي بتبص له فـ جابها من فوقها لتحتها بعينيه وقال بنبرة فيها غيرة: إنتِ طلعتي بفستانك ده قدام الحرس؟
بصت لجسمها المتفصل في الفستان فـ قالت بخوف: والله.. والله المطبخ كان فيه الخادمات بس.
نوح بعصبية: واللي واقفين على الأبواب دول رجالة حرمك السلطان ولا إيه؟ اظبطي لبسك.
قالت له بهدوء عشان بقاله شهر مبيخرجش ومتعرفش ماله: حاضر، مش هتاكل؟
قعد نوح على السرير وقال: مش عاوز أكل ولا اشتغل ولا أعمل أي حاجة.
قعدت رفيف جنبه على السرير، الفستان بتاعها كان بأزرار نفس لون القماش مخلياه زي القميص الطويل اللي تحت الركبة بحاجة بسيطة، فـ لما قعدت الفتحة بتاعة الأزرار بينت جزء من رجليها، قالت له بهدوء: ليه؟ إيه اللي حصل خلاك تنعزل شهر كده؟
بلع نوح ريقه وهو باصص على رجليها وقال: ما.. معرفش متضايق.. أصل.
مخدتش هي بالها إنه مركز معاها فـ قالت له: عشان كلمتي ليك واللي حصل مع عزيز؟
رطع نوح شعره المبلول لورا بعيد عن عينه وقال: اللي على فون عزيز إتمسح في نفس اليوم لإني هكرت فونه فـ مش معاه أي دليل ضدي اللي هو الفيديو، أما بالنسبة لكلمتك هي اللي ضايقتني، دوستيلي على الجرح زي ما بيقولوا فـ عزلتني عشان متصرفش باندفاع تاني.
رجع بص لرجليها من فتحة الفستان تاني فـ حطت إيديها على كتفه وهي بتقول بصوتها الرقيق: وياريت تراجع نفسك في اللي عملته معايا ومع صحابك، وتكون مدرك كم الأذى اللي سببته لينا، إنت تعبتنا معاك.
بدأ نوح يعرق وهو بيقول: إنتِ اللي تعبتيني، بقولك منعزل بقالي شهر.
رفيف بعدم فهم: طيب ما تخرج.
حط إيده حوالين وسطها وهو بيقربها ليه وبيقول: طب ما تقعدي معايا هنا.
بدأت تفهم وهي بتحاول تبعد وقالت: نوح مفاتش غير شهر من الولادة مينفعش، ابعد لو سمحت.
نوح خلاها تقعد على رجله وهو بينزل الوشاح عن شعرها وبيقول: مش شرط حسب الجرح.
بعدت عنه وهي بتقول: أنا والدة طبيعي مينفعش، هقوم اروح الجناح بتاعي.
مسك إيديها وخلاها تقعد على رجليه تاني وهو بيعدل خصلات شعرها وقال: خلاص خلاص، بس خليكِ معايا، كلي معايا عشان تفتحي نفسي أظن دي مفيهاش حاجة.
بصت له رفيف بإستغراب وقالت: إنت طبيعي؟ كويس يعني في وعيك؟
غرز نوح الشوكة في المكرونة الاسباجيتي وقال: في أحسن حالاتي.
أكلت هي منها وهي بتبص له وبترفع حواجبها بإعجاب للطعم، بطرف صوابعه مسحلها بواقي الصلصة اللي على شفايفها وبعدين داق صوابعه وقال: لو أعرف إنها حلوة كده مكنتش أتنمردت على الأكل.
قرب منها وقبلها بشغف وهو بيغرز صوابعه في شعرها، بعد عنها شوية وهو بيتنفس بسرعة وقال: وحشتيني، يا من يرق القلب لها.
بصت له بخوف فـ قال بنظرة طمأنينة: متقلقيش أنا بس، كان وحشني نفسك جوايا.
المكان: قصر أمير الذهب
تحديدًا: الباحة السفلية للقصر
كان شايل أمير صبا بالمقلوب من وسطها وهي عمالة تضحك وتقول: دوخت، اعدلني طيب.
أمير بتصميم: قولي أنا آسفة يا سي أمير يا تاج راسي.
عضته في ركبته فـ اتوجع وكان هيوقعها، راحت صوتت وهي بتحضن رجليه ورجعوا يضحكوا تاني لغاية ما وشهم احمر.
صبا بتعب: دوخت بجد نزلني.
أمير برفض: قوليلي يا سي أمير وارقصيلي النهارده هنزلك.
صبا بهمس: إتلم عشان محدش يسمعنا، ما تخرج من جو محمد علي ده.
برق أمير بهزار وقال: محمد علي! بتتريقي طب أهولف بيها تاني فـ حطت إيديها على بوقها وهي بتقول: لا يا أمير استنى مش قادرة.
خاف عليها فـ راح منزلها وهو بيبعد شعرها بإيديه الإتنين وهي دايخة وساندة على دراعاته.
أمير بنبرة قلق: إنتِ بخير؟
شاورت بصوباعها جنب راسها وهي بتقول: دوخت بس، دوخت شوية مش أكتر.
شجن هانم جت بالكرسي بتاعها وقالت: قولتلك الفترة دي بطل هزار تقيل معاها لغاية ما نطمن هي حامل ولا لا، لإنها رجعت كذا مرة وبترفض تاكل أوقات كتير.
امير بهمس وهو بيميل راسه وبيبو س لها قال بهزار: كريستينا هامل؟ "حامل يعني"
ضربته على كتفه فـ ضحك وهو بيحضنها وبيقول: طب خلاص نتنازل عن سي عمر لأجل العيون الحلوة دي.
إتكسفت صبا وقالت له: من امتى الحنية دي؟
أمير بـِ ثقة: من يومي.
المكان: مكتب ليث الصفتي/النيابة العامة المصرية.
دخلت منال وهي بتحط فايلات وبتقول: دول اخر أربع قواضي مهمة إتحولوا من قسم شركة **** لـ هنا والباشا بيقولك إلقِ نظرة عليهم.
ليث دقنه طولت من الهم وبصلها بنظرات تعبانة وقال: سيبيني في حالي إنتِ والباشا بدل ما ألقي نفسي من الشباك.
ضحكت منال وهي بتقعد وقالت: والله العظيم أنا جالي مناعة من آخر مسرح جريمة اكتشفناه اللي هو المطعم، اللي مخوفني سكوت السفاح لمدة شهر والركود التام ده، مخلي عندي إحساس إنه بيخطك لمجزرة جماعية.
إتحرك ليث بالكرسي يمين وشمال وهو بيقول: صلة القرابة بين ضحيتين اللي اكتشفناها خليتني أحط نوح تحت بند الشك، من الجهة القانونية طبعًا لإني شاكك فيه من الأول خالص، بس ليه حد يقتل عيلة أمه بالبشاعة والفظاعة دي، لو عيلة أبوه كنت بلعتها لأن الدكتورة النفسية لما سلمت ملفاتهم ذكرت إن من ضمن فضفضة نوح إن عيلة أبوه أذوها، نرجع للتعسينات المحامي عبد الخالق كان محامي عيلة أبو نوح، الفكرة مفيش أي دليل نهائي ضده وده مخلي عقلي مبيرتاحش من التفكير.
منال بشرود: أتفق معاك في النقطة دي، حاسة الحرية اللي هما فيها ملهاش أي داعي والمفروض المصحة تحتجزهم بس بأمر من هنا، مش عارفة ده هيحصل إزاي وإمتى بس أتمنى إنه يحصل، ساعتها نوح هيكون تحت عين القانون والصحة النفسية ونعرف هو اللي ورا الجرايم دي ولا حد تاني.
المكان: كافيه***
تحديدًا: الحمام النسائي للكافيه.
كانت سيليا قاعدة مع صحباتها وبتضحك معاهم وكـ عادتها بتحاول تثير غيرة عزيز، اللي كان قاعد شايط منها ومن اللي نوح عمله في فونه ولعن نفسه إنه منقلش الفيديو على جهاز تاني في نفس اللحظة، كانت لابسة فستان أحمر بستايل اسباني، وفي فتحة من الجنب.
إستأذنت منهم تدخل الحمام فـ قامت وهي بتبص لعزيز وبتضايقه.
شوية وقام وراها وسحبها جوه الحمام وهو بيبص لها بتبريقة وبيضغط على سنانه.
سيليا بدلعها المعتاد: متقوليش إنك غيران، غيرتك دي مبتطلعش غير معايا طب مدام جايدا ملهاش نصيب.
رفعها من وسطها عشان يبقى وشها قدام وشه وقال: جايدا مش ملبن ومبتخرجش بفستاين بالمنظر ده.
نزلها من بين ايديه وهو يعدل لها الفستان من ناحية الصدر، وخلع جاكيته ولفه حوالين وسطها فـ قالت بضيق: يا عزيز بقى هتخربلي الإستايل.
عزيز وهو بيسند إيديه حواليها قال: وهخربلك الروج، وهتجوزك غصب عن أبوكي اللي رافض إني أردك.
بعدت وشها وقالت له: لما تطلق جايدا.
حط مناخيره فوق مناخيرها وقال بمغازلة: طب يرضيك يعني أستحمل لغاية ما كل ده يحصل، أنا مفيش ست بتجذبني زيك.
حطت سيليا إيديها حوالين رقبته وقالت: خلاص لما تردني يبقى لينا كلام تاني.
بصت خدُه فـ طبعت روج فـ قال عزيز بحزم: لو مطلعتيش من الحمام على عربيتك ورويحتي غيرتي الفستان ده هكسر الكافيه وإنتِ عرفاني مجنون.
برقت وهي بتخرج وخرجت من الكافيه ركبت عربيتها وعزيز واقف بيقول: أخلص بس موضوع نوح ده، وربنا ما هحلك من حضني تاني.
الترابيزات كانت على الشارع ومياسة قاعدة قدام إبن صاحب البيت الجديد اللي سكنت فيه بعد ما مشيت من حارة المنيل وهي بتقول بهدوء: مش مستعدة للجواز في الوقت الحالي، عايزة أنتبه لبنتي وأربيها في سلام بعيد عن أي مشاكل تمسها أو تمسني.
أيمن بنبرة هادية: أنا مش من النوع اللي هقولك ارمي بنتك لعيلة جوزك وعيشي معايا لوحدك، أنا حبيتك وعاوز أتجوزك من أول يوم شوفتك فيه، أخدتي قلبي، متقفليش باب الجواز خليه مردود حتى.
كانت لابسة تيشيرت أزرق، وحوالين رقبتها طوق دهبي شكله حلو وبنطلون وايد ليج كريمي.
مد إيده وحطها فوق إيدها اللي هي سنداها على الترابيزة، فجأة لقى حد بيمسك إيده دي وبيتني صوابعها لورا فـ صرخ أيمن القلم وعيسى قال بـِ غِل: هقفل الباب ده على صوابعك، إنت بتلمس حرم العقرب ومتعرفش إن لدغته والقبر.
مياسة بخضة قامت وهي بتقول بصوتها: سيبه إيه اللي بتعمله ده.
ساب عيسى إيد أيمن ومسك القهوة دلقها في وشه وكانت بردت من الجو بس وشه اتملى تفل قهوة وقال عيسى: لو شوفتك حواليها حتى لو بينكم مسافة هتففك سنانك.
بص عيسى لـ مياسة اللي بتاخد نفسها وقال بتبريقة ونظرة حازمة: على العربية.
مياسة بجدال: إنت مالك ومالي إنت..
عيسى بزعيق: يلااا!!!
إتخضت وراحت ناحية العربية، عدل عيسى الآيس كاب فوق راسه وهو رافع حاجب وقال: بص قدامك منك ليه.
وراح ركب العربية وهو بيدورها، مياسة كانت غارزة إيديها في شعرها من قدام وهي باصة قدامها بغيظ وبتحرك رجلها بضيق جامد.
بص عيسى لإهتزاز جسمها جامد فـ قال بسخرية: إيه يا مانجا بتتضربي في الخلاط ولا إيه؟
بصت له مياسة بضيق وقالت: إنت فاكر نفسك مين عشان تـ..
عيسى بمقاطعة بصوت عالي: ملكية خاصة ليا وبدافع عنها، لما عيل زي ده يحط ايده على حاجة تخص العقرب يبقى هركبه قطر ستة إلا تلت، وإيه أم التيشيرت الضيق اللي مفصلك ده.
جت مياسة عشان تنزل من العربية قفل الماسوجر وإتحرك بالعربية جامد.
المكان: مكان مجهول.
دخلت وهي بتشيل القبعة عن راسها وبتقعد وهي بتقلع الشوز الكعب بتاعها وبتحرك صوابع رجليها بإرهاق.
الشخص المجهول: إوعي يكون عرفك.
قلعت الخواتم من إيديها وهي مكشرة وقالت: معتقدش، أعتقد في حاجة اهم مني شغالاه خلتُه يسيبني أمشي وميجيش ورايا.
إتعدل الشخص المجهول وقال: زودي ظهورك قصاده شوية، إشغليه.. مش أنا اللي هقولك!
رواية العبث الاخير الفصل التاسع 9 - بقلم روزان مصطفى
كانت ممدة جنب نوح على السرير وهي مدارية جسمها وجسمُه باللحاف الرمادي وشعرها منثور على المخدة.
كانت تبص للشباك وترى المطر ينزل ببطء على الزجاج فقالت بهدوء:
"بحسك متقلب، زي المطر بالظبط، مرة بتحب أوي، ومرة بتكرهه أوي، والشعورين عندك من غير أسباب. بحاول أدورلك على سبب للي عملته مش لاقية بجد يا نوح."
بلع ريقه وهو يمسح وجهه بيديه وكان لسه لابس ساعته فقط وقال:
"ومتتدوريش، دماغك هتتعبك على الفاضي."
تعدلت رفيف وسندت على كوعها وهي تبص له وتقول:
"طب هما ماشي هقولك صحابك وخنتهم، بس أنا مراتك! ست كانت حامل منك وشايلة اسمك، ليه كنت من ضمن انتقامك!"
نوح وهو يبص قدامه قال بتكشيرة:
"عشان تنشفي، مكنش عاجبني أبدًا رقتك مع العالم، كنت عايز أختصها ليا وبس. طبيعتك دي هتخليكي من بعدي تتبهدلي، معندكيش مناعة من الأذية والغدر فـ هتتعاملي بوشك الطيب بالتالي ممكن حد يستغلك وياخد فلوسك مثلًا."
فردت رفيف ذراعها وهي تقول بضحكة قصيرة:
"على رأي ستي الله يرحمها إيش ياخد الريح من البلاط."
نوح بدون ما يبص لها قال:
"إنتي وريثتي الوحيدة يا رفيف، أنا مش هورث فلوسي لحد غيرك، عشان لما ولادنا يكبروا يبقوا ملوك ميحتاجوش لحد."
رفيف بصت له بخضه وقربت وهي تحاوطه بإيديها وبتحط راسها على قلبه وقالت:
"بعد الشر عنك، ليه السيرة الوحشة دي؟ تصدق رغم كل اللي إنت عملته معايا مبستحملش فكرة يجرالك حاجة، أنا لسه بحبك يا نوح."
ضم راسها ليه بذراعه وهو يبوس راسها ويقول:
"وأنا كمان بحبك عشان كده عاوز أأمنك، مش ضامن اللي هيحصل، بس عاوزك تخلي بالك من نفسك، وتعرفي إني حبيتك بجد مضحكتش عليكي، أنا أصلا معنديش عقدة من الستات، كل الحكاية إني مش نسوانجي ومكنش عندي وقت للعلاقات، لما شوفتك غيرتي فيا الفكرة دي."
قبل ما رفيف ترد سمعوا صوت خبط على باب الجناح بس خبط هادي فـ قلب نوح عينيه وهو بيقول لرفيف:
"مقربتلكيش بالكامل أهو عشان إنتي لسه والده، قومي البسي حاجة وأنا هشوف مين على الباب."
قامت رفيف راحت على الحمام ولبس نوح الروب بتاعه، وقف على باب الجناح وفتحه وهو يبص بتكشيرة لمرام اللي واقفة قدامه وبتقول بصدمة مزيفة:
"نوح باشا بحسب حضرتك خرجت فـ جيت آخد الصينية من رفيف هانم."
نوح بهدوء:
"مش أنا مكلف أمنة بالموضوع ده تقريبًا؟"
مرام بدلع خرج منها بدون قصد:
"كلنا خدامينك يا باشا."
شاورلها براسه وقال:
"خشي خديها واخرجي."
خرج نوح لبرا ودخلت مرام وهي تبص على الأوضة، الهدوم اللي على الأرض، والسرير الغير منظم، فـ كشرت بضيق وهي بتشيل الصينية. عدت من جنب نوح وهي بتقول:
"أنا موجودة لو احتاجتني في أي شيء."
مردش عليها فـ مشيت، قبل ما يقفل الباب لقى واحد من الأرانب واقف بالماسك بتاعه من بعيد وبيشاور لنوح.
خرج نوح من الجناح وهو يقرب للأرنب وبيقول بجدية:
"في جديد!"
الأرنب بوقاحة:
"البنت المعاقة المحبوسة فوق، عاملة دوشة ومش راضية تسكت كل ما ندخلها."
نوح برفعة حاجب:
"تصدق كنت ناسيها؟"
الأرنب بطاعة:
"إحنا مش نسيينها يا باشا، بنحطلها أكل ومياه من وقت للتاني بس مبتبطلش هذيان بالكلام."
نوح بضيق:
"طب نادي أربعة من زمايلك عشان طالعين لها."
***
كان سايق بضيق وهو يبص قدامه ومياسة جنبه مكتفة إيديها ولسه بتهز في جسمها جامد قالت بضيق:
"لو سمحت وقف العربية ونزلني هنا إنت ملكش أي حكم عليا."
تجاهل كلامها وهو يبص قدامه وقال بنرفزة:
"مين ده؟ وكان قاعد يتكلم معاكي بأريحية كده ليه إلا لو إنتي فاتحاله سكة!"
بصت له وهي مبرقة وقالت:
"مسمحلكش لا إنت ولا غيرك، وقف العربية عاوزة أنزل."
عيسى بنفس العصبية والغيرة:
"ما تردي على سؤالي هو أنا هقعد أكلم نفسي كتير؟"
بصت له مياسة وقالت ببرود:
"واحد بيحبني وعاوز يتقدملي، ده يضايقك في شيء؟"
سكت عيسى وملامح وشه بهتت، بعدها قال:
"وهتقبلي تكوني لراجل غيري عادي!"
بصت مياسة قدامها وقالت:
"ما إنت مع واحدة غيري عادي، ولا إنت مش هاين عليك تسيب الاستبن بتاعتك تروح من تحت إيدك؟"
تنهد عيسى وقال:
"مش هكذب عليكي وأقولك محبيتش غيرك لإن ده مش حقيقي، بس إنتي شايفة الوضع إنك الست الأهم في حياتي من بعد والدتي، ونقاشنا حوالين نقطة أمل دي بقى نقاش عقيم."
مياسة بدون روح:
"كويس إنك عارف، فـ من فضلك نزلني على جنب، النمرة اللي عملتها من شوية مأثرتش فيا."
ركن عيسى على جنب، جت مياسة تنزل مسك معصم إيدها وهو يبصلها.
بصت له وهي مستنية يقول اللي عاوزه، فـ قلع السلسلة بتاعته وحطها حوالين رقبتها وهو بيقول:
"خليها معاكِ، على الأقل عشان تفتكريني بيها."
قالت وهي بتنزل والسلسلة حوالين رقبتها:
"متقلقش، اللي إنت عملته فيا كفيل يفكرني بيك العمر كله."
نزلت من العربية وقفلت الباب، وقفت تاكسي ومشيت. وهو لسه واقف مكانه يبص لأثرها.
***
المكان: حارة المنيل.
تحديدًا: الشارع أمام منزل الغريبي.
كانت واقفة والدة عيسى تنقي خضار من الراجل اللي بيعدي بعربيته كل يوم، وفي شخص لابس بدلة وواقف على مقربة منها وهو يبص لها بتدقيق.
والدة عيسى للبياع:
"هي البطاطس مزرعة كده ليه؟ مال حاجتك بقالها أسبوع مش مظبوطة كده؟"
البياع:
"ده اللي موجود في السوق يا حاجة."
مدت له الكيس اللي معاها عشان يوزنه، بعدها حاسبته وأخدت الكيس. جاية تمشي عشان تدخل العمارة وقفها الراجل اللي لابس بدلة وهو بيقول برسمية:
"صباح الخير يافندم."
اتخضت ورجعت لورا خطوة بعدها ضيقت عينيها وهي بتقول:
"خير يابني؟"
كان ماسك مفاتيح عربية، لفها على صوابعه وهو بيقول بفضول:
"مفيش شقة فاضية للبيع في العمارة دي؟"
واة عيسى باستغراب من هيئته النظيفة ومن حالة العمارة:
"بيع؟ لا يابني ممكن إيجار، على العموم اسأل عطية البواب."
جت عشان تتحرك تاني وقف قدامها مرة تانية وهو بيقول بسرعة:
"طب، مفيش شقة فاضية عامة يعني كان فيها حد وسابها وسافر مثلًا، أو هاجر ومش راجع.."
صوت والدة عيسى ابتدى يعلى شوية وهي بتقول له:
"هو جرى إيه؟ مالك نازل فيا أسئلة إنت تعرفني؟?"
كان لسه هينطق لقى عربية عيسى وقفت فجأة وعملت صوت قوي، فـ جرى الراجل ده وركب عربية كانت واقفة على جنب مستنياه، وطلعوا بالعربية بسرعة. جه عيسى عشان يركب عربيته تاني بعد ما نزل منها على أساس يطاردهم بس والدته مسكت دراعه وهي بتقول:
"إنت جيت فـ إيه وماشي فـ إيه؟"
عيسى عينيه رفت وهو بيقول:
"الراجل ده كان واقف معاكي بيقول إيه؟"
عدلت طرحتها وهي بتقول:
"طب تعالى ندخل وأقولك."
عيسى باستعجال:
"قوليلي بس ياما!"
والدة عيسى بتعجب:
"أبدًا، ده مهفوف، بيقولي العمارة فيها شقة للبيع قولتلُه لا رجع يقولي طب مفيش شقة فاضية أصحابها سابوها ونسيوها، وأول ما إنت جيت طلع يجري زي ما إنت شايف."
بص عيسى لـ الرصيف اللي كانت راكنة عنده العربية، لقى تلات محلات، صيدلية ومحل عصير قصب وجراج المنطقة اللي ماسكه واحد وبياخد أجرة على الركن في جراجه. افتكر عيسى الوضعية اللي كانت واقفة بيها العربية، ضهرها كان للصيدلية، والصيدلية فيها كاميرا، فـ قال لأمه بهدوء:
"تمام اطلعي إنتِ البيت ياما هخلص كام حوار وأجيلك، هو يوسف فين؟"
والدته بهدوء:
"عند حماته هو ونيللي، متتأخرش يا عيسى."
هز راسه وطلعت والدته للعمارة، مد إيده لرقبته عشان يحط حديدة السلسلة في بوقه ملقهاش افتكر إنه أداها لمياسة، فـ عدل الأيس كاب على راسه وجه يتحرك لقى بنت بتوقف قدامه وبتقول برقة:
"إزيك يا عيسى."
رمش بعينيه مرتين وهو بيبعدها عن الصيدلية، ويبص للبنت اللي واقفة قدامه، ملامح حزينة، شفايف بتترعش عايزة تتكلم لكن مبيخرجش منها صوت، شعرها أشقر بس مش طبيعي هي صبغاه، ضيق عينيه وهو بيفتكر..
_منذ سنوات.
رفع عيسى أمل وقعدها على كبوت عربية واحد من الجيران، وهو مشتريلها حاجة حلوة وبيفتحالهالها، وبثينة قاعدة على السلمتين بتوع مدخل العمارة تبص لهم وهي ماسكة سندوتش مامتها عملاهالها. مدت أمل إيدها لعيسى بالكيكة اللي فتحالها عشان ياخد قطمة فـ أخد وأكلت هي بعده وهي بتقول:
"أنا شوفت مع ماما فيلم قديم، أبيض وأسود."
سند عيسى على الكبوت بإيديه الاتنين وهي قاعدة بين إيديه وقالها:
"كان حلو زيك؟"
ضحكت بطفولية وهي بتقول:
"كان غريب، زيك."
عيسى بتساؤل:
"إزاي؟"
أمل وهي بتاكل وشعرها الطويل بيطير:
"مرة رعب ومزيكا رعب، ومرة حب ورقص."
قربت بثينة منهم وهي واقفة على بعد خطوة منهم. أمل عينيها اتحركت وراسها ثابتة، كانت الدنيا ليل، وقالت لعيسى في ودانه بوشوشة:
"دي بثينة!"
_الوقت الحالي.
عيسى فاق على صوت بثينة وهي بتقول:
"سرحت؟"
عيسى بإبتسامة بهتانة عشان افتكر أمل تاني:
"إزيك يا بثينة."
عينيها كانت بتلمع بالدموع وهي مبتسمة وضامة شفايفها بحزن، بعدها ضحكت وخط من الدموع نزل على خدها وهي سنانها باينة وقالت بوجع:
"إنت فاكرني!"
عيسى بإبتسامة حزينة:
"آه طبعًا."
مسحت الخط اللي نزل منها بطرف صباعها وقالت بهدوء:
"كنت خايفة أقربلك دلوقتي متعرفنيش، وأتحرج. إنت بخير؟"
هز راسه بمعنى آه وقالها بتساؤل:
"إنتي أخبارك إيه؟"
قالت له ببُهتان:
"عايشة الحمد لله."
قالها بتساؤل عشان ميحرجهاش وميحسسهاش إنها مضيقاه:
"بتشتغلي ولا لسه؟"
بثينة بهدوء:
"آه شغالة في الحضانة اللي بعد شارعين."
قالها بهدوء:
"ربنا يوفقك، مبسوط إني شوفتك."
وإداها ضهره وجه يمشي فـ قالت بثينة بلهفة:
"هو إنت ليه مبتجيش المنطقة هنا كتير؟"
وقف عيسى في مكانه، ولف بص لها باستغراب وقال بهزار ممزوج بتساؤل:
"بتراقبيي ولا إيه؟"
بلت بثينة شفايفها بلسانها وهي بتقول:
"أنا مليش صحاب لسه يا عيسى، فـ هوايتي أقعد في البلكونة أتفرج على اللي رايح واللي جاي، مبشوفكش بينهم بقالي مدة كبيرة، حسيت إن الكلام اللي بيتقال عن أمل أثر فيك."
وسعت عيون عيسى وقال بتأهب:
"كلام إيه اللي بيتقال عن أمل؟"
ارتكبت بثينة شوية وبعدها قالت:
"بيقولوا، إنهم بالليل بيشوفوا نور أوضتها مفتوح، رغم إن مفتاح الشقة معاك، بيتفتح ويتقفل، وفي حد شاف خيالها واقف عند الشباك."
عيسى بأمل:
"يعني عايشة!"
بثينة وهي بتعدل شعرها اللي بوظه الهوا:
"بيشوفوا خيالها وهي طفلة، لو عايشة كانت هتبقى في سننا، مسمعتش عن الأرواح الغاضبة قبل كده؟"
بدأ عيسى يتنفس بسرعة وهو بيقول:
"يعني إيه!"
بثينة بهدوء:
"لما شخص بيتقتل، غدر.. بتفضل روحه متعلقة في المكان اللي اتقتل فيه، بغضب.. لغاية ما حقه يجيله."
عيسى وهو بيفتكر قتـ|له للي قتـ|لوها قال بهمس:
"يبقى المفروض روحها اتحررت."
بثينة بتساؤل:
"إيه مش سامعة؟"
عيسى فاق من شروده وقال بجدية:
"عن إذنك ورايا مشوار مهم."
تجاوزها وراح ناحية الصيدلية وهي واقفة مكانها تبص لطيفه، دخل عيسى الصيدلية ولقى فيها شاب قاعد فـ قاله عيسى:
"إزيك يا محمد."
مد الصيدلي إيده وهو بيقول:
"حبيبي يا عيسى عاش من شافك."
هرش عيسى في دقنه وهو بيقول:
"بقولك في عربية ركنت قدامك إنت ومخيمر بتاع الجراج، بس ضهرها للصيدلية بتاعتك، عايز بس أعرف رقمها اللي ظاهر في الكاميرا عندك."
الصيدلي بتوتر:
"ما إنت عارف إن تفريغ أي كاميرا لازم تدخل من الشرطة إنت فاهم الحتة دي."
بصله عيسى وقال:
"وإنت عارفني كويس يا محمد مبعملش حوارات لأهل منطقتي، إنت عارف غلاوتكم عندي إزاي، متقلقش ده في السرية بيني وبينك."
اتحرك محمد من ورا الڤاترينا وقلب اللوحة لـ مغلق، وبعدها قال لعيسى:
"الشاشات في مخزن الدوا تعالى."
عيسى وهو بيتحرك سحب خافض لسان محطوط على الڤاترينا وحطه في بوقه وهو بيضغط عليه بسنانه بغيظ.
***
المكان: مجهول..
تحديدًا: غرفة صغيرة نوعًا ما.
كانت قاعدة قدام المرايا تبص لشعرها الأشقر الطويل، مسكت قطنة حطتها في مياه ورد وحسست بيها تحت عينيها وعينيها الاتنين بترمش وبتدمع. بعدت القطنة وهي بترمش كذا مرة. سمعت صوت خبط على باب أوضتها فـ قالت بالفرنسية:
"ادخل."
دخل الشخص وهو يبص لها بإعجاب وقال:
"هتتحركي إنهاردة تعملي أي لقطة تلفتي انتباهه؟"
من غير ما تبص له قالت بهدوء وثقل في الحروف:
"بلاش إنهاردة أنا مجهدة."
وطى وحط راسه عند رقبتها من ورا وهو يبص لها في المرايا وبيقول:
"إحنا مش شغالين بمزاج اللي جابوكِ، يا تعرفيه إنتِ مين بس بعد ما تسحليه في دوامة ملهاش نهاية، يا إما هنخلص عليكي والمرة دي هتصيب بجد."
كشرت وبدأت تتنفس بسرعة وقالت:
"أنا شفت الموت بأشكال كتير، مش هخاف من تهديدك ووعيدك، برا!"
اتعدل وهو بيقفل الزرار اللي عند رقبتة وقال:
"هنشوف هترسى على إيه."
خرج من الأوضة فـ رمت هي القطنة واتنهدت بضيق.
***
المكان: بناية جديدة في مكان آخر.
تحديدًا: الشارع العام.
كانت لابسة تيشيرت كت أحمر، وعليه جاكيت جلد أسود وبنطلون أسود، وفاردة شعرها اللي بدأت خصلاته الشقرا تنبت من منبت الفروة والخصلات السودا تبهت، بتجر العربية اللي فيها بنتها قمر ورايحة تجيب حاجات لبيتها.
وقف قدامها أيمن وهو حاطط بلاستر جروح في وشه فـ غمضت هي عينيها بإحراج وقربت خطوتين منه وهي بتقول بأسف:
"أنا حقيقي بعتذرلك، مكنتش أعرف إن طليقي هيظهر فجأة ويسبب الفوضى دي."
أيمن بغضب:
"ولما هو طليقك عمل كده ليه إلا إذا كان لسه بيحبك؟"
عيون مياسة ملت دموع محبوسة وإبتسمت بحسرة وقالت:
"صدقني هو ممكن يكون عمل كده لأي سبب في الدنيا إلا إنه بيحبني، هو بيحب واحدة تانية متقلقيش من النقطة دي."
هدي أيمن شوية وقالها بهدوء:
"طب رايحة فين دلوقتي؟"
غمضت عينيها ثانيتين عشان تجفف الدموع وبعدها بفتحتهُم وقالت بإبتسامة وتنهيدة:
"هروح أجيب شوية حاجات للبيت، وإنت شوفتني صدفة ولا كنت مستنيني؟"
أيمن بهدوء وهو باصص لها:
"كنت مستنيكِ."
سكتت ومردتش عليه، مكانتش حاسة تجاهه بأي مشاعر.. هي لسه بتحب عيسى. شاور أيمن قدامه وهو بيقول:
"إتفضلي طيب هوصلك."
مياسة بذوق:
"لا مش مستاهلة بجد، ده قريب من هنا."
أيمن بإصرار:
"لازم عشان محدش يضايقك."
ضحكت جواها وهي شيفاه متخرمش من عيسى ومشيت وهي بتقول بهدوء:
"في حاجة مهمة لازم تعرفها عني."
أيمن بفضول:
"حاجة إيه؟"
مياسة بهدوء وهي باصة قدامها:
"أنا اتجوزت مرتين، وأول مرة كنت حامل والبيبي نزل.."
أيمن بصدمة:
"مرتين! مش باين عليكي؟"
رفعت أكتافها وقالت:
"نصيب."
أيمن بهدوء:
"مع ذلك أنا لسه متمسك بيكي، إن شاء الله أنسيكي كل ده."
افتكرت عيسى لما قالها كده فـ ابتسمت بخيبة وقالت:
"ربنا يعمل اللي فيه الخير."
***
المكان: منزل بدر الكبير.
نزلت سيليا على السلم وهي لابسة روب وماسكة فوطة كبيرة. ضيقت سيا عينيها وقالت بتساؤل:
"على فين؟"
سيليا بإرهاق:
"نيمت بدر وسيلا، وهروح أعوم شوية في البيسين."
سيا بتبريقة:
"إنت مخك مش فيكِ؟ الجو تلج ده أنا بالي مع أبوكِ عشان مسافر مع كينان وقاسم يوم لشرم الشيخ وراجعين بكرة، بقول هيعملوا إيه في الجو الثلج ده، وإنتي تقوليلي بسين، اطلعي البسي حاجة تقيلة وبلاش هيافة."
سيليا بزهق:
"متقلقيش مش هيجرالي حاجة، وبعدين مش هقعد كتير."
سيا بإبتسامة:
"كادر بيتصل، أخوكي كادر سافر مع أبوكِ رغم اعتراضي."
ابتسمت سيليا وقالت:
"سلميلي على كادر كتير."
خرجت سيليا للمكان الخلفي اللي فيه حمام السباحة، خلعت الروب وفضلت بالمايوه وهي حاسة ببرودة شوية. نزلت للبسين وبدأت تعوم بعدين سمعت صوت تكتكة، كشرت وهي بتحاول تعرف مصدر الضوء وقالت برعشة:
"مين؟"
ظهر عزيز فجأة فـ برقت وهي بتقول:
"إنت دخلت إزاي؟ الحرس شافوك!"
عزيز وهو بيخلع التيشيرت وبينزل للبسين معاها:
"عيب عليك ده أنا قديم في الحوارات دي، من أيام تكييفات المدرسة البايظة."
كانت خايفة وبتتلفت حواليها وقالت له بهمس:
"عزيز مينفعش بجد بابا مسافر وماما.."
قاطعها وهو بيحاوط رقبتها بإيديه الاتنين وبيسحبها ناحيته.
اداها قبلة عميقة وبعدها بص لها وقال:
"إزاي نازلة بالمنظر ده؟ بمايوه! مش كفاية عليا الفستان الأحمر!"
قالت له وهي ساندة على دراعاته في الماية:
"إزاي عرفت إني في البيسين أصلًا؟"
عزيز بإبتسامة:
"سمعت صوتك وإنتي بتقولي لمامتك إنك نازلة، تعالي بس عشان وحشتيني."
أداها قبلة كمان فـ سحبت نفسها بالعافية منه وهي بتقول:
"عزيز مينفعش بجد، إحنا لسه متطلقين مينفعش اللي بيحصل ده، طلعني عشان بردانة."
خرج من البسين ومد إيده وسحبها لـ برا وهو بيحط الروب بتاعها عليها وبينشف نفسه بالفوطة وقال:
"ما أنا زهقت، حاولت مع أبوكِ مش راضي، وأنا راجل وعندي شعور يعني، مش حابب أقرب لأي ست غير ليكِ، من ساعة ما شوفتك في الكافيه وأنا.."
قاطعته سيليا وقالت:
"حاول مع بابي تاني يمكن يوافق، صحيح عملت إيه مع نوح؟"
عزيز بتنهيدة:
"معرفش عنه حاجة من ساعة ما هكر فوني ومسح الفيديو من عليه، بس مش هحلُه ده وعدي ليه."
سيليا سكتت شوية بعدها قالت فجأة:
"إنت تعرف إن عمتك جاتلي؟"
عزيز بصدمة:
"نعم؟ إزاي؟"
سيليا وهي بتعدل شعرها المبلول:
"كنت في براند ميك أب بدور على ليب ستيك معين وشوفتها معرفش عرفت مكاني وتحركاتي منين، جت باستني وطولت في البوسة في خدي وعرفتني بنفسها."
عزيز تجاهل كل ده وقرب من سيليا وهو بيلمس خدها وبيقول:
"بستك من هنا؟"
قرب وباسها من خدها بوسة طويلة وهو ماسك ضهرها، نامت على ضهرها فـ باس هو خدها التاني وقال:
"طب ومبستكيش من هنا؟"
ضحكت بخفة وقالت:
"مش هتسكت غير لما تعملنا مصيبة."
قرب ليها وقال:
"أبوكِ لو مردش عليا هعمل مصيبة بجد، مش هقدر أصبر."
قبل ما يقرب لها لاحظ حاجة وقال بصدمة:
"إيه ده؟?"
***
المكان: منزل أعلى تل مرتفع.
تحديدًا: الطابق السفلي.
صوت محمد منير "أخر مرة أما سبتك، كتمت الشكوى ليه! مش كان أحسن حاسبتك؟ وعرفت القصة إيه! لكن محاسبتكيش وقولتلك مفيش كأنك يا حبيبتي أمرك ميهمنيش"
مرام كانت ماسكة قطعة لحمة كبيرة بتقسمها لأجزاء وبتقول:
"ذوقه حلو في الأغاني، بحس منير ده لبتوع التسعينيات وبس."
أمنة وهي بتقطع الخضار:
"والله العظيم إنتِ فعلاً ماهدي غير لما يعملوا فيكِ حاجة."
خالد كان ماسك القناع بتاعه بإيده من ورا الحيطة وبيلاعب بيه أمنة اللي ابتسمت بطفولة لما شافته، بص من ورا الحيطة وشاور لها تطلع عشان يكلمها فـ شاورت له بعينيها على الخضار إنها مينفعش تسيبه، شاور بمعصم إيديه على الساعة وبعدين عمل بكفه إيده رقم خمسة، مفهمتش راح مشي.
دخل واحد من الأرانب وهو بيقول:
"الباشا برا، وقرب ييجي خلصوا بس بسرعة."
سحب كوساية نية من قدام أمنة وقطمها فـ بصت له أمنه بقرف، كان مغطي وشه ماعدا بوقه ومناخيره وعينيه، وقال بضحكة ساخرة لـ مرام:
"عارفة حتة اللحمة اللي بتقطعيها دي لحمة إيه؟"
استغربت مرام وقالت:
"دي لحمة بقري.."
قعد هو على الترابيزة وقال:
"غلطتي في حرف."
مرام بصدمة:
"!!!!"
***
المكان: منزل مياسة الجديد.
كانت شايلة قمر اللي مش راضية تسكت وبتحاول تهديها، فجأة قمر هديت ومياسة شايلاها، رايحة جاية بيها في الصالة وهي بتدندن بموسيقى هادية كدا.
مدت قمر صوابع إيديها الصغيرة للسلسلة على رقبة مياسة.
مياسة بصت لها بطرف عينها وهي بتقول:
"كخ يا ماما سيبي."
حاولت تبعد إيدها عن السلسلة لكن قمر كانت لفت صوابعها عليها وهي بتشدها.
مياسة بضيق:
"سيبي يا قمر جرى إيه هو أبوكِ مسلطك عليا!"
قمر كانت لسه بتشدها ناحيتها وهي بتعيط راحت مياسة باست إيدها وهي بتقول:
"أيوة دي بتاعة بابا، يا بنتي صوابعك غلط عليكي!"
سحبت مياسة السلسلة ناحيتها راحت اتفكت ووقعت على الأرض.
مياسة بشهقة:
"مبسوطة كده، إقعُدي في عربيتك لغاية ما أشوفها اتقطعت ولا اتفكت."
وكت مياسة على الأرض وهي بتجيب السلسلة، لقت الحديدة اللي عيسى بيحطها في بوقه مفتوحة نصين، وواقع منها مفتاح إبرة علبة البولوبيف، صغير ولونه أسود!
يتبع..
رواية العبث الاخير الفصل العاشر 10 - بقلم روزان مصطفى
رُكاب سفينة نوح.
أخِر حبات القُرنفِل.
كانت تردُدات الأصوات داخِل عقلي تُنبهني بـِ أن الطريق الذي أسير بِه خاطيء ونهايتهُ هلاكِ، يُقال أن هُنالك ملاك مِن العالم الأخر يُرشِدك عنوة للصواب، أين أنت يا ملاكِ؟
***
المكان: شقة في عمارة سكنية جديدة
تحديدًا: شقة مياسة
قعدت على الكنبة بعد ماحطت قمر بنتها في العربية المُخصصة للأطفال وهي بتبُص للمُفتاح اللي لقته في السلسلة. قد إيه صغير ورفيع، يا ترى دا مُمكِن يكون مُفتاح إيه؟
قررت بدل الحيرة إنها تتصِل على عيسى تعرفُه يمكِن مثلًا نسيه ونسي أمرُه إنُه كان مُحتفِظ بيه في السلسلة.
طلبت رقمُه إداها غير مُتاح، فـ حدفت الفون على الكنبة وهي بتفكر تقوم تلبس وتروحله أو تروح لحماتها تسألها عنه وتعرف حكاية المُفتاح.
قامت تغير هدومها ولبست فُستان أطرافُه شيفون وهو لونه سوفت بينك وعليه جاكيت جلد إسود، وشوز برقبة سودا سيفتي نسائي. عملت شعرها الإسود كيرلي وبدأت تبان في الفروة الخُصلات الشقر تاني لإن الصبغة بهتت.
شالت بنتها ونزلت من الشقة وهي بتدور على أي تاكسي يوديها حارة المنيل. وقفت واحد وركبت وهي بتاخُد نفسها وبتقول:
"حارة المنيل بعد إذنك."
إتحرك السواق ومياسة لابسة السلسلة ومغلفاها بلزق بإحكام عشان المُفتاح اللي لاقتُه، ميوقعش من جواها. طبطبت على قمر وهوا العربية بيحرك شعرها وهي سرحانة في عيسى، وفي المُفتاح، وليه إختارها مختارش حد من عيلتُه سواء والدتُه أو أخوه عشان يديها حاجة مُهمة زي دي.
وصلت مياسة للحارة ونزلت من التاكسي بعد ما حاسبتُه. بصت لـ دُكان الغُريبي المقفول من ساعة وفاة حماها، لقت يوسف واقِف قُصادُه بيكتب حاجة على نوت ورق صُغيرة في إيدُه. قطعت مياسة المسافة بينها وبينه وهي بتقول بهدوء:
"إزيك يا يوسف."
إبتسم يوسف أول ما شافهُم ولعِب في شعر قمر بحنية وهو بيقول:
"يا أهلًا وسهلًا، كويس الحمدلله."
سحب قمر من إيد مياسة وشالها وهو مُبتسِم وبيداعِبها ويقول:
"مين حبيب عمو؟"
رجعت مياسة شعرها ورا ودانها وهي بتقول:
"هو عيسى فوق؟"
يوسف بهدوء:
"لا، محتاجاه في حاجة أتصل ليكِ عليه؟"
مياسة بتوتُر:
"ياريت لو مش هتعبك."
إداها قمر وخرج فونُه من جيبُه وجِه يتصِل على عيسى لقى فونُه غير مُتاح. بص لمياسة بخيبة أمل بعدين إبتسم بذوق وقال:
"طب ما تتفضلي جوة يمكِن ييجي، هو اليومين دول بييجي عشان أمي بتقلق عليه."
بصت مياسة للبيت وهي بتطبطب على ظهر قمر وبعدها قالت:
"طب والدتك مش هتضايق من مجيتي؟ أو لما تشوفني؟"
لقت شباك بيتفتح وبتطُل مِنُه والدة عيسى وهي بتقول:
"لا مش هتضايق يا ماسة، تعالي إتفضلي وهاتي حفيدتي أشبع منها شوية، ولا ماليش حق فيها؟"
إبتسمت مياسة وقالت:
"جايين أهو."
دخلت للعُمارة بعدها دخلت للشقة وهي بتقلع الشوز بتاعتها وبتدي قمر لحماتها. دخلت وقعدت وهي بتاخُد نفسها وبتقول:
"إزيك يا ماما."
والدة عيسى بضيق لكِن هادي:
"هو إنتِ خليتي فيها ماما، مقولتليش إنك ناوية على جواز مرة تانية، على فكرة لينا حق معرفة جوازك."
مياسة بوقاحة وهدوء:
"معتقدش ليكُم حق، إبنك طلقني ومبقاش لينا علاقة ببعض."
والدة عيسى بجدية:
"بقى إسمعي أما أقولك، إبني طلقك عشان دا كان طلبك لإنك مش زي الستات العاقلة بتقعدي تربي بنتك لا، إنتِ شاغلة دماغك بالأموات والكلام اللي مفيش مِنُه رجا. تاني حاجة ملناش علاقة ببعض دي متتقالش تاني، اللي بيربُطنا بيكِ قمر، وعشان حفيدتي متترباش في بيت راجِل غريب الحضانة بتاعة سيادتك بتسقط بمُجرد جوازك."
كانت مياسة عينيها جمعت دموع وإحمرت شوية وبدأت تهِز رجليها بتوتُر وقالت بهجوم ودفاع عن بنتها:
"الكلام دا لما تكون بنت قادرة تعيش بعيد عن امها مش طفلة صغيرة بترضع، حرام عليكُم مش مكفيكِ اللي عملوا عيسى فيا! عيشني كـ كائِن بديل لواحدة حتى لو ميتة على حسب كلامِك."
نزل من عينيها الدموع فـ مسحتها بطرف صوباعها وهي بتتنهد وبتقول:
"مبقاش ليه لزوم الكلام دا بقى ماسِخ مِن كُتر ما بيتعاد، أنا جاية أسألِك عن عيسى متعرفيش هو جاي إنهاردة ولا لا؟"
عدلت والدة عيسى قمر في إيديها وهي بتهزها بحنية عشان تهديها وقالت لمياسة بنفس نبرة الضيق:
"وبتسألي عنُه ليه مش بقى في حياتك راجِل؟"
إتنهدت مياسة بضيق خُلق لكِنها ردت بهدوء:
"مش عشان حاجة، محتجاه في موضوع مُهم بس."
والدة عيسى وهي باصة قُدامها قالت بضيق:
"إحتياجك يبقى لراجلك، عشان زي ما شوفتي حياتك هخلي إبني يشوف حياتُه، ولا هو نفسي فيه وأقول إخيه."
كانت على وشك تفقد أعصابها وترُد على حماتها رد مش كويس، لولا دخلة يوسِف وهو ماسِك كانز حاجة ساقعة وبيمد إيدُه لمياسة وهو بيقول:
"إتفضلي نعلش إتاخرت."
بصتلُه مياسة وإبتسمت وهي بتاخُد مِنُه عشان متكسفهوش:
"تسلم يا يوسِف بجد تعبتك."
والدة عيسى رخت الحبل شوية وقالت:
"لو عندك حاجة ضرورية قوليها ليوسف هيحلهالك، مش ضامنة عيسى ييجي إنهاردة."
كتفت مياسة إيديها وقالت بهدوء:
"معنديش مُشكلة هستناه."
يوسف بهدوء:
"طيب أنا رايح عند حماتي هبات عندها إنهاردة عشان تعب نيللي."
والدة عيسى بهدوء:
"طيب يماا أنا شوية هلبس العباية وأجي أتطمن عليها، يكون الرز بلبن سقِع تاكلوه."
خرج يوسف فـ قالت والدة عيسى لمياسة:
"قومي هاتيلك جلابية من دولابي تقعُدي براحتِك، بدل الفُستان اللي مكتفِك دا."
شربت مياسة الحاجة الساقعة اللي جابها يوسف وقالِت:
"لا أنا تمام مرتاحة."
***
المكان: منزل أعلى تل مُرتفِع.
تحديدًا: المطبخ.
أمنة أخدِت وقت على ما إستوعبت كلمة الأرنب، رمت اللحمة من إيديها وهي بتقول بهستيريا:
"بشري!! إنت.. أنت بتقول إيه؟؟ جبتوه منين! في حد من الجاردز مات! في إيه!!"
كان صوت نوح، صوت صارم ورادِع. دخل للمطبخ وهو بيبُص لوشوشهُم، وش أمنة المذعور، وش الجارد اللي أتحول من التسلية للخوف بمُجرد دخول نوح، ووش مرام العاشِق اللي بيبُصلُه بحُب. تجاهلهُم ماعدا أمنة سألها بهدوء:
"صوتك عالي كدا ليه، إيه اللي حصل؟"
أمنة إيديها كانت بتترعش وشفايفها كمان، وهي بتبُص للأرنب اللي واقِف وبتقول لنوح بصوت متقطع:
"كُنت بطبُخ، بقطع اللحمة والخُضار عشان ست رفيف تاكُل لُقمة صحية، دخل هو وقالي.. عارفة اللـ.. اللحمة اللي في إيدك دي إيه؟"
نوح ضيق عينيه وبص ليها بترقُب، فـ كملت وهي بتترعش وقالت:
"قولتلُه بقري، قام.. قام قالي.."
قاطعتها عبير وقالت:
"هزر معاها يا باشا وقالها من سُلالتك، فـ إتعصبت وسرسعت بالمنظر دا."
بصتلها أمنة بصدمة وبعدها بصت لنوح وسكتت.
نوح بهدوء وبمُنتهى الجدية:
"هزاره لو ضايقك.. هعاقبهولك."
بصت أمنة لعبير بطرف عينها لقت عبير بتبُص ليها بحزم فـ قالت أمنة بتردُد وخوف:
"لـ.. لا.. مضايقنيش أنا أسفة إن صوتي علي."
بص نوح بحزم وجدية للأرنب وقال:
"على شُغلك، لو لمحتك في المطبخ تاني هعملك طاجِن."
خرج الأرنب بسُرعة فـ بص نوح بجدية ليهُم وقالهُم:
"ياريت بلاش أصوات عالية ملهاش لازمة في مكان، شوفوا شغلكُم."
جِه عشان يخرُج مِن المطبخ جريت وراه مرام وهي بتقول بلهفة:
"نوح باشا."
وقِف ولف بصلها قُدام المطبخ. وقفت قُدامُه وهي مُرتبِكة وقالِت:
"يعني أنا ملاحظة الست رفيف تعبانة اليومين دول، الله يكون في عونها ولادة توأم وجرح الولادة مفتوح وعمالة تحاول تـ."
غمض نوح عينيه وفتحهُم وهو بيقول بحزم:
"خُشي في الموضوع على طول."
لعبت في صوابِع إيديها بتوتُر وقالت:
"بقول يعني أكون معاها في جناحها دايمًا بدل المطبخ، أصل المطبخ مش محتاج الست عبير قايمة بالواجِب هي وأمنة، لكِن الأولى يكون في جناح الست رفيف واحدة تخدمها وتاخُد بالها من البشوات الصُغيرين."
نوح بـِ وجه بلا تعابير:
"وإنتِ بقى الواحدة دي، مُش كِدا؟"
مرام بـِ لهفة:
"هشيلهُم في عينيا والله يا باشا، هحميهم وأغيرلهُم وأهشكهُم عشان يناموا، حتى الست رفيف هتبقى ملِكة."
نوح بثقة:
"هي ملِكة فعلّا مش لسه هتبقى، على العموم فكرتك حلوة عجبتني."
إبتسمت مرام إبتسامة واسعة. ساعتها نوح نده أمنة وقال:
"يا أمنة، تعالي مِن فضلِك."
خالِد كان قاعِد على مقرِبة مِن المطبخ وسامِعهُم. جريت أمنة ووقفت قُدام نوح، لمحت خالِد قاعِد وراه وفـ إيدُه الماسك بيحركُه بملل وبيبُصلهُم بتركيز فـ إبتسمت بـِ خجل.
نوح بهدوء:
"مرام إقترحت عليا إقتراح حلو عشان تساعِد رفيف في الأولاد."
إبتسمت أمنة بأدب وقالت:
"تمام يا باشا."
نوح بإبتسامة لأمنة:
"عشان كدا جهزي نفسك هتتنقلي لجناح مدام رفيف تساعديها وتساعدي الأولاد."
وسعت عيون أمنة بصدمة وبصت لخالِد اللي إتعدل بخضة وهو بيبُصلهُم بتكشيرة وضامِم شفايفُه. أمنة حاولت تنطق فـ قالِت بتوتُر:
"أيوة بس، المطبخ و.."
نوح بهدوء:
"مرام والست عبير هيبقى مسؤوليتهُم المطبخ."
مرام كانت كإنها واقِع عليه جردل ثلج. نقلت عينيها بينهُم وجِه نوح يمشي فـ مسكت دراعُه. لما بصلها بتحذير سحبت إيديها بسُرعة وهي بتقول:
"نوح باشا، هو حضرتك مش واثِق فيا إنك تأمني على ولادك و.. ومراتك؟"
ميل نوح راسُه على جنب وإبتسم بخُبث وقال:
"بُصي يا مرام، الحياة علمتني إن صنف البني أدم أناني بطبعُه، ومبيقدمش خدمات بدون مُقابِل، يعني محدش هينُط في دماغُه فكرة المُساعدة مرة واحدة غير لو في نيتُه حاجة مُعينة، وأنا شايف إن أمنة في حالها."
بدأت تحلف كذب وتتنطط وتقول:
"أبدًا يا باشا والله و.."
قاطعها نوح وقال بجدية:
"على شُغلك!"
بعدها بص لأمنة وقال بهدوء:
"جهزي حاجتك وإطلعي للمدام عشان خارِج ورايا مشوار مُهِم."
أول ما نوح خرج من الباب المُصفح وإتقفل وراه بدأت عيون أمنة تجمع دموع والدموع تنزل زي المطر على هدومها وهي بتبُص لخالِد. الكلام معناه إنها هتكون في طابِق وهو في طابِق تاني بعيد عنها، ونسبة إنها تشوفه هتبقى واحِد في المياة. دخلت للمكبخ بعصبية وهي بتقول من بين سنانها لمرام:
"إنتِ مش هتبطلي فرك وصفار بجد؟ واحد متجوز ومش باصصلك أصلًا ليه تقعُدي تفرُكِ عشان أنا أحاسِب على مشاريبك!"
مرام بزعيق وهي بتزُق أمنة من صدرها:
"إيه إيه حاسبي على كلامِك، وأنا كُنت أعرف أنُه هيحصل كِدا يعني!"
عيطت أمنة وبقت تتشحتف وقالت:
"أنا مش عايزة أتحبس في دور بعيد عن هنا أنا."
كتفت مرام إيديها عند صدرها وقالت:
"ولا عشان بعدك عن حبيب القلب مش هتقدري تشوفيه، يا خايبة دي جت من عند ربنا الواد دا شكلُه بيغشِك وبيتسلى بيكِ."
زعقت أمنة وقالت بعصبية:
"وإنتِ مالِك! هو إنتِ ولية أمري ولا أنا كُنت إشتكيت لك!"
وقفت ما بينهُم عبير وهي بتسحب أمنة من دراعها وبتقول:
"إطلعي على جناح الست رفيف وكفاية مشاكِل."
وبصت لـ مرام وقالت بحزم:
"وإنتِ على شُغلك يلا زي ما أمر الباشا، مش عاوزة صوت زعيق وخناق هنا عشان منتحاسبش وأتاخِد في الرجلين معاكُم."
سحبت أمنة شنطتها المتعلقة على دولاب الخزين الشيك والوشاح بتاعها حطتُه حوالين رقبتها وهي عينيها مدمعة ومنزلة دموع بصت لمرام بقرف وخرجت من المطبخ. جت عشان تروح ناحية البوابة المُصفحة وتطلع للدور بتاع رفيف لقت حد بيسحبها. قعدت ترفص لغاية ما سندها على الحيطة وهو حاطط كف إيدُه على شفايفها. بصت لعينيه فـ إتنهدت براحة على كف إيدُه اللي كاتم بوقها. بص لعينيها وقال بهمس عشان محدش يسمع:
"هشوفك إزاي، مينفعش تعملي فيا كدا."
سحب كف إيدُه بالراحة عن بوقها فـ قالت بهمس حزين:
"مش أنا اللي عملت، أنا إتخضيت زيك.. مش عارفة بس مُمكِن تكلِم نوح باشا ينقلك الدور اللي فيه الست رفيف."
خالِد بهدوء وهو بيضُم شفايفُه بحسرة:
"مينفعش، هيشُك هيقول إشمعنى في التوقيت الحالي، بُصي أنا هتصرف بس أهم حاجة خلي فونك مفتوح بعد الشُغل أتطمِن عليكِ."
حركت أمنة راسها بمعنى حاضِر. باس راسها فـ إتسحبت من بين إيديه وهي بتشهق بكسوف وبتجري على الطابِق اللي فوق.
***
المكان: مجهول
تحديدًا: غُرفة صغيرة نوعًا ما.
كانت قاعدة على السرير متربعة، ماسكة مرايا يدوية لونها ذهبي وعمالة تبُص لملامحها بعدم تصديق.
خبط الباب فـ قالت بهدوء:
"Enter"
دخل الشخص نفسُه وقال وهو بيخرج سيجار:
"مش وقت انبهارك بشكلك ورانا شُغل كتير."
ردت قالتلُه بعد ما نزلت المرايا:
"صدقني مش هيتخدع، قلبُه هيعرفني.."
الراجِل اللي واقِف قُدامها قال بعصبية:
"وجع في قلبك هو أنا بروح أهلك جايبك عشان ترجعوا ذكريات التي مضت؟ ما كان مُمكِن يومها أسيبك تموتي زي الكـ| لبةبس قولت بيننا شيء مُشترك، ليه لا؟"
قرب مِنها وسحب خُصلة مِن شعرها جامد وهو بيقول من بين سنانُه:
"بس لو هتخربيلي كُل دا أخليكِ تحصلي كُل الغاليين عليكِ، نرجعك تاني لعتبات الموت دا شيء مش صعب."
بعدت إيديه عن شعرها بالعافية وقالت بصراخ:
"إنت مِش إله عشان تحدد مصيري."
إتمشى خطوتين وقال ببرود:
"لا مش إله، أنا إبليس.. ظهرلك كـ عادتُه معاه صفقة مُهِمة ليكِ، هتقبليها يبقى أنقذتِك مِن مصير مُظلِم، هترفُضيها تبقي حكمتي على نفسِك بالضياع."
بعد عنها وسابها قاعدة على السرير بتتنفس بسُرعة فـ شاورلها بصوباعُه وهو بيقول:
"فوقي، وركزي في اللي أنا جايبك عشانُه وصارِف عليكِ ملايين عشانُه."
خرج مِن الأوضة فـ رمت هي المرايا على الباب ومالت على السرير وهي بتعيط.
فجأة سمعت صوت حد بيحاول يدخُل مِن شباك أوضتها.
كانت لابسة فُستان لونه أصفر باهِت على ذهبي، ضيق بدون أكمام، فُستان للنوم.
بصت من الشباك لقت عيسى! فـ رجعت لورا زحف على السرير وهي مبرقة ومغطية بوقها بصدمة. عرف مكانها منين! يا ترى سمع كلامها مع الشخص أياه؟
بدأ ينزل مطر خفيف على چاكيتُه الجلد وبعد ما دخل الأوضة نفض قطرات المياه عن الچاكيت بتاعُه.
الأوضة كان نورها أبيض باهِت واللمبة بتتحرك. حرك عيسى رقبتُه يمين وشمال وهو باصصلها وقال:
"أخيرًا عرِفت أوصلِك!"
رطعت لورا على السرير وهي بتترعش وقالت:
"أبعد عني، هصوت."
غمز وهو بيقولها:
"تؤ، أنا مُتأكِد أنك مبسوطة إنك شوفتيني، بس في حاجة مخوفاكِ، تفتكري اللس خلاني أوصلك مش هيخليني أعرف أحميكِ؟ دا أنا العقرب.. لدغتي للقبر."
عينيها لمعت بدموع خفيفة وهي بتحرك راسها يمين وشمال وقالت:
"أنت متعرفش أنا مين."
قعد على رُكبُه على السرير، بيزكف عشان يوصل ليها. وصل ليها بجسمُه وقرب ليها بـِ وشُه وهو بيقول بجدية وحنين:
"أمل، أنا أعرفِك مِن وسط ألف."
رمشت بعينيها مرتين وهي بتحرك رموشها، وبتنقل نظراتها على وشُه، على تفاصيل وِشُه.
مد هو إيدُه ناحية وشها وهو بيتلمسُه وبيحسس على خدها بصوباعُه. سحبت الوشاح بتاعها الحريري وبقت تمسح وشُه بيه من مياه المطر.
مسك معصم إيديها وهو بيقول بجدية:
"فاكرة نفسك بتعملي إيه؟"
هي بحُزن:
"بنشرِك!"
عيسى بنبرة حزينة ولكِن يقصُد معنى تاني:
"أنتِ نشفتيني، فوق ما تتصوري."
***
المكان: قسم الشُرطة.
تحديدًا: مكتب ليث الصفتي.
منال رتبت الورق اللي سهرت تشتغل عليه مع عيسى وقالت:
"محتاجة توست جبنة كريمي مع مج نسكافيه ضروري."
رجع ليث راسُه لورا وهو بيقول بإرهاق واضِح:
"هاتيلي معاكِ أي حاجة تتاكِل، أنا قربت أنسى الرُز والكوكو."
منال بتعب:
"لولا الحمل تاعبني كُنت طبخت لينا وخليت راغِب يعديه علينا وقت الغدا."
ليث بتعب:
"نرجس عرضت عليا كدا بس هي كمان حامِل الفترة دي فـ مش عاوز أجهدها ولا أشيلها همي، وأمي وأمها واخدين بالهُم مِن بقية الولاد فـ البني أدم حسيس."
وقفت عند باب المكتب وهي بتضحك وقالت:
"موسم الحوامل، هعملنا ساندوتشين وكوبايتين وأجي."
خرجت فـ بص ليث على بقية الصور اللي لسه موجودة على مكتبُه، الجُثث.. وما قبل الموت لما كانوا أحياء، وأيه علاقتهُم ببعض.
وفي وسط شرودُه باب المكتب إتفتح، وضوت خكوات بتقرب من المكتب. ليث بإبتسامة من غير ما يبُص مين دخل:
"ملقيتيش توست ولا إيه."
قعد الشخص اللي دخل على الكُرسي وقال بتنهيدة راحة:
"لقيت حاجة أحلى."
رفع ليث راسُه وهو بيبُص على الشخص اللي خارِج مِنُه الصوت دا لقاه نوح!
إتنفض ليث على كُرسيه وهو بيسحب المُسدس مِن الدُرج وبيصوبُه تجاه نوح وهو مصدوم. نوح حط كاب الشُرطة اللي لابسُه على المكتب وهو مُبتسِم ببرود وقال:
"سمعت إنك بتدور عليا، جيتلك بنفسي!"
ليث حاول يهدي أعصابُه بعدها نطق بتكشيرة:
"ومش خايف؟"
لوى نوح بوقه لتحت وهو بيرفع أكتافه بـِ لا مُبالاة وقال:
"من إيه؟ أنا مبخافش من حاجة."
ليث بعصبية:
"ما أنا عارفك بِجح."
نوح برفض للإسلوب:
"تؤ تؤ! متقلش أدبك لا أعفرتك، أنا راجِل مش على راسي بطحة.. ولا إنت معاك دليل يديني في أي شيء، هخاف ليه؟"
إتعدل ليث وقال بعصبية مِن بين سنانُه:
"ولاا! متلفِش وتدور، لما إنت مش على راسك بطحة ولا خايف مستخبي وهربان ليه؟"
نوح بصدمة:
"أنا! إطلاقًا، أنا حُر أقعُد أو أروح في المكان اللي يعجبني، ولبسي لملابِس الشُرطة دا عشان ريأكشنك اللي لما شوفتني ظهر على وشك، أنا برضو مرضتش أدخُل ومدام منال هِنا عشان الست حامِل متجهضش مِن الخضة."
ليث بيحاول يمسِك أعصابُه:
"إيه اللي جابك إنهاردة."
نوح باللبس الميري:
"جاي أقولك، بطل فرك.. أنا عندي أهداف بخلصها، لما أخلص هجيلك بنفسي، لكِن اللي إنت بتعملُه دا هيخليك تحرق بنزين على الفاضي، هتلف تلِف وتوصل لنُقطة الصِفر تاني، فـ على إيه! اليومين دول حاول تسافر مع المدام، تقعُد مع الأولاد تشبع منهُم، يعني إعمل حاجة مُفيدة."
برق ليث بعصبية وقال:
"هي حصلت بتهددني بمراتي وولادي؟"
نوح ببرود:
"لا متطلعش مني، أنا راجِل متجوز عندي ست بحبها وعندي ولاد دلوقتي، ومقبلش حد زيهُم يتأذي.. سلام يا باشا."
قام نوح وهو بيلبس كاب الشُرطة على راسُه مرة تانية، وهو خارِج من باب المكتب عدا مِن جنب منال اللي شايلة صينية الأكل، قالها بهدوء وهو مخبي وشُه بالكاب الميري:
"تقومي بالسلامة يا مدام."
منال بهدوء:
"ميرسي."
خرج نوح تحت أنظار ليث المذهول. حطت منال الصينية وهي بتقعُد عشان ظهرها وجعها وقالت بإرهاق:
"مين دا أول مرة أشوفه، ظابِط جديد؟"
ليث بصدمة وهو بيشاورلها على الباب المقفول:
"دا نوح!"
منال بخضة:
"إييه!!!"
***
المكان: ڤيلا بدر الكابر.
تحديدًا: جناح سيليا.
شعرها كان مبلول، لابسة روب بُني تايجر لفاه عليها كويس وهي رايحة جاية وبتقول بصدمة:
"أنا مش مصدقة إنك مش مخضوض، أزاي أكون في الـPool مع جوزي وألاقي حد بيراقبنا وفين! في بيت بابي معقولة دي!"
عزيز ببرود وهو قاعد على سريرها ضامم إيديه تحت دقنُه قال:
"طليقك."
وقفت سيليا عن الحركة وهي بتبُصلُه بضيق وطلعت منها ضِحكة ساخرة وقالت:
"دا اللي لفت نظرك؟ بجد! ويا ترى طليقي جاي يتغزل فيا في نص الليل ويلمسني ليه!"
وقف عزيز وقرب مِنها وهو بيقول:
"عشان بحبك."
سيليا بعصبية:
"لا ما هو واضِح."
حضنها عزيز جامد وغمض عينيه. حُضن إشتياق وعشق. هديت هي في حُضنه ولما بص ليها عدلت خُصلة شعرها المبلولة وهي بتبل شفايفها وقالت:
"إن عمتك تراقبني دي حاجة تخوف ومش مُريحة بالنسبالي لو إنت شايفها عادي سوري يبقى عندك مُشكِلة."
حاوط عزيز رقبة سيليا بإيديه الإتنين وقال:
"هي بتراقبني أنا، عشان مجيش عندك.. لإنها زي ما عرفتي عمتي، واللي قتل أبويا كانوا عيلتك."
برقت سيليا وقالت بجدية:
"عزيز إنت سامع نفسك بتقول إيه؟ أنا أم ولادك مش عدوتك! وهي جاية تظهر في حياتنا بعد ما أنا وإنت إتجوزنا وخلفنا؟"
باس عزيز راسها وقال:
"متقلقيش أنا هتصرف معاها."
إتفتح باب أوضة سيليا ودخلت سيلا وهي بتقول بصوت عالي وسعادة:
"بااااابيسيليا بخضة: شششش وطي صوتك!"
سمعوا صوت خطوات على السلم فـ عرفوا إن في حد سمع إن عزيز هنا.
***
المكان: حارة المنيل/منزل الغُريبيتحديدًا: غُرفة عيسى القديمة.
خلعت مياسة الچاكيت بتاعها وفضلت بالفُستان. إتأكدت إن قمر نامت فـ غطتها كويس وقعدت جنب الشباك بتاع أوضته الهوا بيحرك شعرها. عربية ركنِت عند الصيدلية مشغلة عمرو دياب (لا برتاح في ليلة ولا بنساك ولا لقيت نهاية، وحتى أما ببعد ببقى معاك ومنتاش معايا، أنا عايش ومش عايش ومش قادر على بعدك).
سندت مياسة وشها على كف إيديها وهي بتفكر في عيسى لإنه بالفعل عيسى أكتر راجِل هي حبتُه. بصت للسما اللي بعتالها هوا ساقِع شتوي وشافت القمر كامِل.
بتنزل نظرها بصت على العمارة البعيد عنهُم بشارع لقت بُثينة واقفة في البلكونة ومستنية حد. دققت مياسة نظرها عليها لقتها إتنفضت بسعادة وبقت تتحرك في البلكونة. بصت لقت عربية عيسى ركنت تحت. رفعت مياسة حاجب بضيق وهي بتعُض ضوافر إيديها. فكرت تعمل حاجة فـ فتحت الضلفة التانية وعدلت شعرها بدلع. شافتها بُثينة فـ وشها إتقلب من سعادتها برجوع عيسى لـ غيرة من إن في واحدة قاعدة في أوضتُه.
بصت مياسة على عيسى لقتُه مش متوازن. سحبت الچاكيت بتاعها لبستُه وجريت على برا. حماتها كانت بتتوضى فـ فتحت مياسة الباب وطلعت لـ برا لقت عيسى ساند راسُه على العربية. راحت ناحيتُه والعربية مشغلة أغنية ( يا ناسي وعدك وعدك ليا بُعدك والله صعب عليا).
حطت مياسة إيدها فوق كتف عيسى وهي بتقول بصوتها الحلو:
"عيسى."
رفع راسُه وبصلها. ضوء القمر كان جاي على وشها وفي ضهرها دُكان الغُريبي. وشها جميل، أبيض وعينيها واسعة ملونة ووشها صغير.
إبتسم وهو بيضيق عينيه وبيحُط إيدُه على خدها وقال بتعب:
"يا نبض عيسى."
عينيها وسعت بصدمة وهي بتبُص وراها وبترجع تبُصله بشك، إنُه مُمكِن يكون بيتخيل وبيقولها الكلام دا كـ أمل.
لاحظ هو نظرات الشك على وشها فـ إبتسم بهدوء وهو بيقول:
"يا نبض عيسى والعقرب، يا ماسة."
إبتسمت غصب عنها ووشها إحمر. بصت للأرض وقالت:
"كُنت قاعدة في أوضتك على الشباك، ولمحتك دايخ فـ نزلت أتطمِن عليك."
حط إيديه على وسطها فـ برقت. شالها وقعدها على العربية. رجعت خُصلة شعرها ورا ودانها وهي مكسوفة وسند بإيديه الإتنين على العربية حوالين جسمها وقال بجدية:
"إنتِ أنقى وأصدق حد أنا عرفتُه في حياتي، وكان إختياري ليكِ كـ مراتي وأم لبنتي إختيار في محلُه."
بصتلُه هي بنظرة عتاب وقالت:
"يعني إنت عارف إن في ناس بتلف وتدور عليك."
إبتسم عيسى وقال:
"ومُتأكِد، وعايش عليهُم دور العبيط المصدق، لما تنتهي القِصة دي.. هتكوني معايا ولا مُصممة على إنك تتجوزي حد تاني؟"
نزلت مياسة عن العربية وقالت بتوتُر:
"أنا معرفش أنت شارب إيه مخليك بتتمطوح وبتقول كلام غريب، بس يلا نطلع عشان والدتك قلقانة عليك وأنا كُنت جيالك في موضوع."
جتت تتحرك من قُدامُه مسك معصم إيديها ثبتها في مكانها. بصت لإيديها اللي بين إيديه والأغنية اللي إتغيرت من نفس العربية ( إرجعلي زي زمان مفيش وقت لزعل، أيامنا وحشاني إرجع مستني إيه).
سحبها من معصم إيديها بـِ بُطء فـ وقفت قُدامه وهي بتقول بتكشيرة بسيطة:
"كُنت فين يا عيسى؟ عودتني مسمعش منك كلام حلو غير لما تكون مع واحدة تانية."
لفت مياسة وبصت الناحية التانية لقت بُثينة واقفة على مقربة منهُم وبتعيط دموع بس بتنزل على وشها.
بصت مياسة لعيسى وهي بتضحك بسُخرية وبتقول:
"واحدة من ضحاياك أهي."
بعدت إيديه عن إيديها وقالتلُه:
"يلا لو سمحت عشان عوزاك في موضوع مُهم."
طلعت العُمارة وسابتُه فـ خبط بإيدُه على كبوت العربية. جِه عشان يطلع بس لاحِظ إن دُكان الغُريبي في حد بيكاول يرفع البوابة الحديد لفوق.. بس من جوة!
***
المكان: قصر أمير الذهبيتحديدًا: غُرفة شجن هانِم
خرجت صِبا مِن جناحها وهي بتتمشى ناحية السلم لقت الخدامة ماسكة صينية عليها عصير وساندوتش. وقفت قُدام الخدامة وهي بتقول بتعجُب:
"دا لشجن هانِم؟"
الخدامة قالتلها بأدب:
"أيوة يا هانم."
سحبت صِبا مِنها الصينية وقالِت:
"هدخلها انا روحي إنتِ."
مشيت صِبا ناحية باب الأوضة وشالتها بإيد واحدة والإيد التانية خبطت بيها على الباب وهي بتقول بصوت هادي:
"ماما شجن، أنا صِبا!"
خبطت تاني محدش بيرُد. شكت إنها نامِت على نفسها. فـ فتحت الباب بهدوء لقيتها قاعدة على الكُرسي وباصة للشباك.
شالت الصينية بإيديها الإتنين ودخلت وهي مُبتسِمة وبتقول:
"كُنت عارفة إني هلاقيكِ زعلانة وباصة للشباك كـ عادتِك، بس عوزاكِ تاكلي حاجة عشان ميعاد الدوا، مش كفاية متغديتيش؟"
قربت صِبا مِنها لقتها نايمة. هزتها بالراحة بعد ما حطت الصينية على جنب وقالت:
"يا ماما!"
شجن جسمها وقع على الكُرسي. صِبا رجعت لورا خطوتين بخضة. مدت إيديها اللي بتترعش لجسم شجن وجت تصحيها لقتها قاطعة نفس، ومفيش نبض.
شهقت كذا مرة ورا بعض من الخضة بعدها صوتت. صويت قطع سكون القصر كلُه!
والخادمات إتلموا وهُما شايفين إنهيار صِبا. واحدة منهُم جريت وهي بتصوت وتقول:
"شجن هانم ماتت، شجن هانم ماتت!!"
في الجهة التانية، كانت رفيف بتتمشى بولادها في الجنينة. بعد ما طلعت أمنة لجناحها، دخلت رفيف وهي شايلة ولادها الإتنين وبتاخُد نفسها. لقت حد نايم على سريرها فـ قالت بتعب وهي بتقلع الصندل بتاعها وبتحُط الولاد في السراير:
"إنت قررت تقيم معايا هنا ولا إيه؟"
موصلهاش رد فـ كررت وقالت:
"يكون في علمك يا نوح بيه، براضيك عشان ولادي بس.. لكِن عُمري ما هسامحك، لو برخي شوية فـ دا عشان خوفي منك ومن ردود فعلك الغير متوقعة."
مردش عليها برضو فـ كشرت وقامت من مكانها وهي بتقول:
"بطل تتجاهلني أنا بني أدمة أستحق منك شوية تقدير!!"
سحبت الغطا عنُه، لقت أمنة مقتولة والغكا غامق مش مبين.
برقت رفيف وهي بتوقع على الأرض وبتزحف لورا وبتصوت بهستيريا.
كان نوح لسه واصل ملحقش يغير هدومُه جري على الطابق اللي فيه رفيف اللي مبطلتش صويت وبصويتها صحت العيال.
نوح بزعيق وخضة من صوتها:
"في إيه؟?"
رفعها من تحت إيديها ورجليها مش شيلاها. بصت لنوح وهي بتصوت وبتعيط وقالت:
"قتلوا الخدااامة، قتلوها كان ممكن ابقى أنا مكانه."
برق نوح. وخالد جري غير آبِه للعواقِب. بص وشاف أمنة غرقانة في دمها!
***
_داخِل غُرفة عيسى القديمة.
مياسة كانت قاعدة على السرير وعيسى بيخلع الچاكيت بتاعُه بتعب. بتبُصله وهو واقِف. وقفت قُصاده ونور القمر جاي على وشهُم.
قالتلُه بتساؤل وقلق:
"أنا شوفت المّفتاح الصُغير، اللي في السلسلة.. دا مُفتاح إيه؟"
إبتسم عيسى وهو بيبين سنانُه وقال بإعجاب:
"كُنت عارف إنك ذكية، وهتكتشفيه بسهولة."
مياسة بنفس التوتُر:
"أيوة مفهمتش دا مُفتاح إيه؟"
كشر عيسى وقال:
"دا المُفتاح اللي هيوصلك لنهاية كُل الخيوط، وهيخليكِ تفهمي كُل حاجة."
مياسة بفضول:
"طب إشمعنى سيبتهولي أنا؟ ليه مش والدتك أو أخوك خصوصًا إننا مُنفصلين!"
عيسى بجدية ونبرة خوفتها:
"مينفعش حد يشوف اللي هتشوفيه بفضل المُفتاح دا غيرك، مراتي والست اللي شاركتني الحياة والسرير."
بلعت مياسة ريقها وقلبها بدأ يدُق.
يتبع..