تحميل رواية «العبث الاخير» PDF
بقلم روزان مصطفى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حملتُ قلبي على كف يدي نازفًا، أسير بين الجموع ناظرًا لهُم أني أموت ببطء، أرفض أن يمد لي أحدهم يد العون. لقد قتلني صديقي بيديه التي كنت ألفها، كيف لي أن أثق بأي أيادي أخرى. كانوا قاعدين على الرمل قدام البحر، وقت الغروب. واقف عيسى شايل بنته قمر، وقدامه نوح لابس قميص أبيض زي بقية السفراء. مد عيسى هزار إيديه الاتنين اللي شايلين بنته لنوح وهو بيضحك بسعادة وبيقول: "خُد يا رايق." نوح يمد إيده يمثل إنه هياخدها. يروح عيسى باعد إيده ببنتُه، يكررها تاني والبنت تضحك. عزيز وأمير واقفين بيشوا حاجات على الجريل...
رواية العبث الاخير الفصل الحادي عشر 11 - بقلم روزان مصطفى
هي كـ الماء وأنا النيران، إن إقتربت لأروي شوقي تجاهها ستنطفيء للأبد ولن أراها مُجددًا، وإن إبتعدتُ عنها سيرتوي غيري مِنها ليزيد إشتعالي، وأحرق المدينة.. أنا بين خيارين، إما أن تكون هي ضحيتي الوحيدة، أو أن يقترِب أحد مِنها ليُثير غيرتي.. فـ ينتهي كُل شيء.. سأظلُ محرومًا مِنها في كِلتا الحالتين.
المكان: غُرفة مُضاءة بالضوء الأصفر الباهِت.
كان قاعِد على طرف السرير ببنطالُه الجينز الأسود، قدامه الشوز السودا السيفتي، مُتَدلي من رقبتُه سلسال غير اللي إداه لمياسة. إنحنى عشان يلبس الشوز والراديو اللي على طرف الشباك يصدح مِنُه صوت جارة القمر وهي بتقول "فايق شو حكينا بليالينا وزرعنا بالسهرات غنيات فايق شو بنينا أمانينا وضيعنا تنهيدات وحكايات".
قام وقف بعد ما لِبس الشوز بتاعُه، وبص للمرايا وهو بيقفل زراير القميص بتاعه الإسود ماعدا أول زرار من فوق عشان بيتخنق. لبس فوقه الجاكيت الإسود بتاعُه وهو بيعدل شعرُه بصوابعُه.
"شكلك حلو أوي يا عيسى!"
صوت طفولي لبنوتة صغيرة. صوت مش غريب عليه. عينيه الشمال رفت كالعادة وهو بيبُص على رُكن الأوضة. أمل الطفلة كانت قاعدة في الرُكن وضامة رجليها لصدرها وهي بتبُصله وبتضحك مبينة أسنانها.
جاتلُه رعشة مِن الرهبة إنُه شايفها قُدامُه. ورجعت ليه ذاكرة سنين كتير أوي فاتت.
[مُنذ سنوات]
كانت الدنيا ليل، واقِف الغُريبي جنب مراتُه في الشارع مستنيين تاكسي يعدي، ومعاهُم عيسى اللي كان لابِس بدلة أولاد صُغيرين سودا وقميص أبيض ومركز عشان يوقف هو التاكسي.
نزلت أمل وهي بتتنطط على السلم مع أهلها. كانت فاردة شعرها الأشقر الطويل المُجعد مِن الأطراف، ولابسة فُستان تحت الرُكبة بحاجة بسيطة لونه أبيض وبيلمع.
عيسى لما شافها بصلها بإعجاب فـ قرب مِنها وهو بيبُصلها بنفس نظرات الحُب. إبتسمت أمل وهي بتبُصله وقالت:
"شكلك حلو أوي يا عيسى!"
كانت بُثينة واقفة مع مامتها وشيفاهُم وعينيها دمعت. لوت بوزها بطفولية ورفعت راسها وهي بتبُص لمامتها بحُزن وبتقول:
"ماما هو انا وحشة؟"
بصتلها مامتها بصدمة وهي بتحُط إيدها تحت دقنها وبتقول:
"دا إنتِ زي القمر يا ماما ليه بتقولي كِدا؟"
بُثينة بلوية بوز وهي بتبُص على عيسى وأمل:
"عيسى كان بيكلمني أنا الأول وبيلعب معايا بس لما أمل جت هي وباباها ومامتها سابني وبقى معاها دايمًا."
مامتها بهدوء:
"طب ما تلعبي مع حد تاني وسيبيهم سوا."
بُثينة ودموعها بدأت تنزل:
"بس أنا عايزة عيسى وبس!"
[الوقت الحالي]
فاق مِن شروده في الذكريات وأخد مفاتيحه وقفل الراديو ونزل. مُقرر يحضر جنازة السيدة شجن والدة أمير.
المكان: قصر أمير الذهبي.
تحديدًا: كُرسي شجن هانِم.
أمير كان قاعِد على كُرسي شجن وهو باصِص مِن الشباك، والأفكار عمالة تروح وتيجي في بالُه. حزين. بعدها تيجي حقيقة موت مامتُه فـ يبرق ويترعش من فكرة وجوده في العالم مِن غيرها. ينفُض راسُه عن الأفكار دي، وخايف يبُص وراه يشوف جُثتها اللي على السرير متغطية ولو كلمها مش هترُد.
قربِت مِنُه صِبا وهي بتعيط وبتقول:
"متعملش في نفسك كدا عشان خاطري، يا حبيبي إدعيلها أنا جنبك أنا وإبنك واللي جاي في السِكة كمان."
بصلها أمير وقال بتوهان:
"أدعي لمين؟"
صِبا ضمت شفايفها بحُزن وهي بتمسح دموعها وبتقول:
"طب عيط او صرخ حتى، إنت مِن ساعة ما شوفتها وإنت ساكِت أنا مرعوبة عليك يا أمير عشان خاطري."
بص قُدامثه ومردش عليها، وشُه كان أصفر، نَفسُه تقيل وقلبُه بيدُق جامِد. والهوا برا مِن الشباك بيحرك الشجر والعصافير بتطير الصُبح.
خبر وفاة شجن هانم إنتشر بسبب خدم القصر على الإنترنت، بالإضافة لتحضيرات الجنازة والدفن.
قعدت صِبا على طرف السرير وهي بتعيط جنب جُثمان شجن. أمير قال بعقلانية مِن غير مايبُصلها وبصوت رجولي:
"بطلي عياط، الحُزن غلط على الحمل، وأنا مفيش فيا حيل أخسر غالي تاني."
رفعت صِبا راسها بإستغراب مِن تماسُكُه وعقلانيتُه في وضع زي دا. بعدها حطت إيدها على قلبها وهي بتقرأ قُرأن بهمس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المكان: منزل أعلى تل مُرتفِع.
تحديدًأ: جناح رفيف.
كان الدكتور واقِف وهو بيمسح العرق بتاعُه وبياخُد نفسُه وبيقول لنوح:
"قعدت طول الليل بحاول في الجرح بتاعها، الـ 24 ساعة اللي جايين هُما اللي هيحددوا بقت بخير ولا ربنا هيستلم امانتُه."
كانت مرام واقفة قرب الباب بتترعش وبتعيط وهي بتفتكر أخِر محادثة حصلت بينها وبين أمنة. ووراها واقِف خالِد مداري دموعه ورا الماسك بتاعُه.
خرج الدكتور ورفيف شايلة ولادها الإتنين على دراعها وهي بتحرك راسها يمين وشمال برُعب وبتقول:
"أنا مُستحيل أبات في الأوضة دي بعد اللي حصل، إنت مُلزم تشوفلي أوضة تانية أبات فيه."
بصلها نوح بتكشيرة حازمة وقال جدية:
"هتنامي معايا إنتِ والولاد في جناحي، روحي خُدي حاجتك وإستنيني هناك."
إتحركت رفيف لبرا. بينما بصت مرام لنوح وهي بتترعش فقالها بنبرة أمر:
"إمسحي الدم اللي مالي المكان دا وعقمي الأوضة طالما فيها مريضة."
خرج نوح ومرام واقفة في نص الأوضة بتبُص على أمنة اللي وشها أزرق وخلصانة. عيطت مرام وهي بتحاول تبعد دموعها عن وشها وبتقول بصوت مش طالِع:
"سامحيني.. سامحيني يا أمنة انا السبب."
دخل خالِد وهو بيشيل الماسك عن وشه. وشُه كان أحمر ومعيط وهو بيقرب لأمنة وبيقعد على ركبه قُدام السرير وهو ساند راسهُه على دراعها وبيعيط وبيقولها برجاء حزين:
"متسبنيش يا امنة، متعمليش فيا كدا.. إنتِ كُنتِ الأمل الوحيد إن أدميتي ترجعلي ونُخرج مِن هنا سوا، أنا من غيرك وحش بِلا روح."
كانت مرام مراقبة اللي بيحصل وبتعيط خايفة على أمنة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المكان: سيارة أمير.
كانت قاعدة جنبُه صِبا وهي مستغربة البرود اللي هو فيه وطريقتُه في التعامُل بشكل عادي رغم تعلُقه الكبير بوالدته الراحلة. لابسة فُستانها الإسود بالاكمام، لابسة على راسها بُرنيطة سودا كلاسي. وأمير لابِس بدلتُه السودا وسايق وهو ساكِت تمامًا وشارِد ودا كان مخوف صِبا لاحسن يعملوا حادِث أو شيء. مُسبقًا ودت الولد عند مامتها عشان تقدر تكون مع أمير بكامل وعيها.
وصلوا للمدفن الخاص بالعائِلة.
أمير بدأ يركِن عربيته. اما صِبا حطت صوابِع إيديها على زُجاج العربية وهي بتتحسسُه وبتقول بهدوء:
"الدنيا بتمطر، والسماء غيمت."
أمير بهدوء وهو بيفتح باب العربية عشان ينزل:
"إنزلي الموضوع مش هياخد وقت."
نزلت صِبا وهي بتبُص لأمير بإستغراب. سرعت خطواتها وهي بتلحقه تحت المطر وقالت بحذر:
"أمير إنت مُتأكِد إنك كويس؟ طب عندك فِكرة إحنا هنا ليه؟"
وقف أمير في مكانه وهو بيكور إيدُه وبيغمض عينيه مُحاولًا التحكم في نفسه وقال:
"صِبا، أنا متجننتش لدرجة إني مزعلش على أمي، أنا بس مستني أنيمها في مرقدها بسلام ولما أروح بيتي هنهار، متقلقيش التماسُك الكتير بييجي بعدُه إنهيار."
بلت صِبا شفايفها بلسانها وهي بتحُط إيديها في إيد أمير وبتمشي معاه.
الأجواء كانت مُغيمة زرقاء والسُحب مُمتلِئة بالأمطار اللي بتنزل مِنها بغزارة.
وقفوا صفوف متساوية حوالين المدفن بعد ما خرج جُثمان السيدة شجن وبدأوا يدفنوها. نزل أمير معاهم وبدأوا في الدفن.
بدأ الشيخ في تلاوة القُرأن والدعاء للميتة. ظهرت عربية سودا فخمة بتركن على جانِب الطريق. شافها امير وهو بيضم شفايفُه بتكهن عن مين صاحِب العربية دي. نزِل منها نوح وهو لابِس بدلة رجالية فخمة وغالية ونظارة شمسية سوداء. فتح المظلة الشفافة بتاعتُه وهو بيقرب مِن الجنازة وبعدها دخل بهدوء وثِقة وسط الناس.
في نفس التوقيت وصلت عربية شُرطة ونزِل مِنها ليث ومنال بدون أمر رسمي لحضورهم. قرب نوح لأمير ووقف قُدامه وهو بيرفع نظارتُه على شعرُه وبيبُص لأمير بنظرات ثابتة وبيقول بهدوء مِن تحت مظلتُه:
"البقاء لله."
أمير رد بطريقة غير متوقعة:
"كويس إنك عارف."
ضحك نوح ضحكة رجولية بسيطة وقال بعيون جريئة:
"اللي تشوفه يا بياع السِبح."
بعدها بص لـ صِبا وقال:
"البقاء لله يا مدام."
إتحرك نوح ووقف جنب الرجالة المُصطفين أمام المقبرة. مالت منال على ليث وهي بتقول بهمس:
"هو واقِف كِدا بأريحية مِن ساعة ما جالك مكتبك في النيابة وهددك بشكل واضِح بمراتك وولادك، واحد زي دا نقدر نثبت عليه شيء ويخلصنا من القضية دي للأبد؟"
بصله ليث وقال بنفس الهمس ردًا عليها:
"مقدرش أتحرك ضِدُه مِن غير دليل، إثبات، أي مُستند إدانة قُدام النيابة العامة."
صِبا كانت باصة لنوح بإستغراب وخوف. بصت لأمير مِن تحت البُرنيط بتاعها وقالت:
"طالما حابب يعمل واجِب مجابش رفيف معاه ليه؟"
أمير مِن غير ما يبُصلها قال بحزم:
"ملناش دعوة، توقفي جنبي زي الألِف متتحركيش ولا تروحي ناحيته عشان تسأليه."
مسكتتش صِبا بل قالِت بنبرة شك:
"هو أنا ليه حاسة إنُه شمتان؟ طريقة كلامُه معاك بتدُل على كدا."
هِنا بصلها أمير مِن غير ما يتكلم وكان باين عليه الحُزن العميق والكِتمان فـ بصت صِبا للأرض وسكتت إحترامًا لحالتُه.
بدأ الشيخ ينعيها بالأدعية والكُل بيقول أمين وراه، لغاية ما عربية عيسى جت وركنت على جنب. نزل عيسى بهيئتُه المُلفتة وهو بيعدل مِن شعرُه اللي طار على عينُه وبيرفع النظارة لفوق. المطر لازال مُستمِر. وقِف عيسى في مكانُه بعيد عن الجنازة بخطوتين وهو بيفتكر أول مرة راح للمدافِن، كانت رهبة كبيرة بالنسبة لطفل يشوف صديقتُه وأقرب حد ليه جسمها ساكِن. ملفوفة في قماشة بيضا وبينزلوها لتحت الأرض.. ويغمروها بالتُراب.
فاق عيسى مِن شروده وقرب بخطواته ناحية أمير، لغاية ما وقِف قُدامه وبص للأرض وهو بيقول بنبرة فيها تردُد:
"البقاء لله وحدُه."
أمير فضل ساكِت، باصص لعيسى مِن غير أي ريأكشن. وفجأة سحب عيسى لحضنه وبدأ جسمه يتهز شوية. أدرك عيسى إنه بيعيط فـ حاوط جسمُه بدراعاته وهو بيقول:
"إستهدى بالله وشد حيلك، كُلنا لها وإنت أكتر واحِد عارف."
بعد أمير ووقف بثبات وهو بيحرك راسُه وبيقول:
"ونعم بالله، شكر الله سعيكُم."
إستغرب عيسى وهو بيبُص لعيون أمير المُتحجِرة اللي منزلتش ولا دمعة. عارف هو الشعور دا كويس. إختبرُه يوم وفاة والدُه الغُريبي.
إتحرك عيسى ناحية صِبا اللي واقفة وقال بهدوء:
"البقاء لله."
إبتسمت صِبا إبتسامة مكسورة وقالت بهدوء:
"شُكرًا على حضورك، مياسة فين؟"
إبتسم عيسى بمرارة ورد قال:
"هو إنتِ متعرفيش إننا أتطلقنا؟"
بصت صِبا للأرض بحُزن وسكتت. إتحرك عيسى يوقف وسط ناس. كان الرايق متابعُه بعينيه من بعيد. إتنهد الرايق وهو بيتكلم مع اللي جنبُه. واحِد مِن الأرانب بدون ماسك وقال:
"هقف الناحية التانية خليك إنت هنا ولو حصل أي شيء مُريب كلمهُم يقربوا بالعربية من المدافِن."
الأرنب بصوت واطي:
"أمرك يا باشا."
إتحرك نوح بثبات وعيون أمير، ليث ومنال عليه. لغاية ما راح وقِف جنب عيسى وقال من غير ما يبُصله:
"إزيك؟"
ضحك عيسى ضحكة خفيفة وساخِرة وقال:
"رايق."
ضحك نوح وبعدها قال بصوت واطي:
"هو انا اطول؟"
عيسى بنفس النبرة الهادية:
"تطول إيه؟"
الرايق بنبرة بدأت تبقى حزينة وواقعية:
"أبقى زيك.. قلبي نظيف زيك."
عيسى وهو مكشر من ورا نظارتُه قال:
"لمعلوماتك مفيش حد فينا إحنا الأربعة قلبُه نظيف، إحنا قتالين قتلة وهنتجمع في الجحيم جزاء أعمالنا. بُص للأرض كدا وإنت تفهم، لإنك زيي معملتش حساب اللحظة دي."
سكت نوح شوية بعدها بلع ريقه وقال ببحة صوت:
"أنا بس جاي أقولك إني أكتر واحد يهمه تكون بخير، حتى لو كنت وسخ معاك في اللي عملتُه.. يهمني إنت بالذات تعرف إن مش مسموح لحد يأذيك في وجودي."
قال عيسى بنبرة لامُبالاة وبرود:
"بعرف أحمي نفسي شاكرين جهودك العظيمة."
إتحرك نوح ووقف جنب الأرنب مرة تانية، وبدأوا يستنوا ظهور عزيز. سواء السُفراء أو الشُرطة. منال وليث.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المكان: سيارة سوداء مفيمة.
الطريق إلى الجنازة.
كانت شغالة أغنية فرنسية قديمة بصوت إديث بياف. في المقعد الأمامي للسائِق كان قاعِد رجُل في مُنتصف الأربعينيات مِن عمره قال فجأة:
"مُهم نزولك قبلنا عشان عيون عيسى تزوغ معاكِ، شخص زيُه بعد ما عرفنا سِر مرضُه مفيش حاجة هتجيب أجلُه غيرك.. ظهورك هيشتته ويخلينا نتصرف بشكل أسرع."
قالت هي بتوهان وصوتها الهادي كالعادة:
"مفيش إحترام للأموات."
الشخص اللي قاعد على المِقعد المجاور للسائِق لف وبصلها وهو مصوب في وشها سلاح وقال بجنون:
"لا متقوليش كدا أكيد كلنا بنحترمك."
وأنهى جملته بضحكة عبثية. لكِن هي بلعت ريقها بتوتر وقالت:
"مش هتقدر تموتني إلا لما ننهي مشوارنا مع عيسى وتوصل للي إنت عايزة مِنه."
قال وهو باصص قُدامه:
"صدقيني بلاش تختبري صبري كتير، أنا مش دافع ملايين لتجميد جُثتك عشان في الاخر تتصرفي على هواكِ."
بعدها وجه كلامُه للسائِق وقال:
"فاضل كتير؟"
السائِق بتركيز في الطريق:
"نُص ساعة مش أكتر."
بصت لهُم وهي بتبلع ريقها ومرعوبة. مِن إجبارهُم ليها على مواجهة عيسى!
وبينما كانت السيارة المجهولة دي في طريقها للجنازة، كان الوضع كما هو عليه. أمير مراقِب جميع الحاضرين بعينيه ومستغرب وجود منال وليث، لكِنُه مش قادر يواجِه أي شيء حتى لو نظرات. فِقدان شجن شيء قاسي لأبعد حد على قلبُه، وفوق تعبُه العقلي والنفسي يُضاف سبب أخر لكونه غير مُدرِك بخطورة أفعالهُ اللاعقلانية على الواقعية.
المطر خف، لكِن موقِفش. وإكتملت الجنازة بحضور عزيز ومياسة.
قدم عزيز التعازي لأمير وإتحرك بهدوء يوقف جنب عيسى. كان مرجع شعرُه لورا، خُصلة واحدة بس اللي تمردت ونزلت على جبهتُه. لابِس قميص رمادي فاتِح وبدلة سودا. ودُقنه أصبحت ظاهرة عن الأول، ناهيك عن نظارتُه الشمسية اللي محدش قدر يحدد ريأكشنات وشه بسبب إنُه لابِسها.
وقِف جنب عيسى وهو بيفتح أول زُرار من فوق للقميص بخنقة ومتكلمش، كذلِك عيسى فضل باصِص قُدامه والمطر الخفيف نازل عليهُم.
سلمت مياسة على صِبا وألقت التعازي على أمير. بعدها وقفِت جنب صِبا وعينيها على عيسى.
بلعت صِبا ريقها وقالت لمياسة بهمس:
"مش هعرف أقولك روحي أوقفي جنبُه عشان هو واقِف وسط رجالة، بس لازم الخِلاف اللي وصلكُم للطلاق يتحل عشان بنتكُم قمر."
مياسة كانت واقفة ساكتة. مِن تحت البُرنيط الإسود قالت:
"الموضوع أكبر مِن مُجرد خِلاف، أنا على وشك الجواز يا صِبا خلاص."
برقت صِبا وقالت:
"إنتِ أكيد إتجننتي!"
مياسة:
"ششش، بس نتكلم بعدين عشان حُرمة الأموات."
كان الناس إبتدوا يتحركوا بعد ما إنتهت مراسِم الدفن، على ميعاد حضور العزاء في القصر بالليل.
وسط حركة الناس قربت مياسة مِن عيسى وهي بتقول والمطر نازِل عليها:
"إنت ليه فونك مقفول؟"
عيسى بهدوء:
"مش بستعملُه كتير الفترة دي، عودي نفسك مش هتلاقيني بمُجرد ما تعوزيني الفترة الجاية."
قالت ببحة صوت من البرد:
"أنا بس عاوزة أعرف، سِر المُفتاح اللي أنا لاقيتُه في السلسلة! إنت ليه مش راضي تقولي! أنا لو قعدت أفكر سنين مش هعرف لوحدي."
سكت عيسى وضم شفايفُه بخيبة أمل وقال:
"إنتِ مبتحبيش المُعافرة في شيء، حتى معافرتيش تبقي ليا لأخر نفس!"
وطت راسها وبعدها رفعتها بكبرياء وقالت بثقة مجروحة:
"يعني إنت اللي كُنت هتبقى ليا؟"
قلب عينيه مللًا مِن تِكرار الحديث دا بينهُم. رفع نظارتُه الشمسية فزق شعرُه وبصلها وقال:
"قمر فين؟"
مياسة بهدوء:
"سيبتها مع مامتك عشان أتحرك بخفية، مش ناوي تقولي دا مُفتاح إيه؟"
برق وهو بيقول من بين سنانُه:
"ششش! أنا كأني مديكِ سِر فيه حياة أو موت، متخرُجيش بيه في أي مكان ولا تكلمي حد عنُه، أنا وثقت فيكِ عشان أم بنتي.. خليكِ قد الثقة دي ولو لمرة في حياتك."
سحب كف إيدها وحطُه على السلسلة اللي في رقبتها وضغط عليه جامد بمعنى حافظي عليه بسرية. هزت راسها بتفهُم وجت تمشي من قُدامه لكن لفت نظرها شيء بيلمع في رقبتُه. مدت إيديها لرقبته وهي بتتلمس السلسال المُنسدل منه وقالت:
"للدرجة دي السلسال كان شاغل حيز في حياتك ومقدرتش تسيب مكانه فراغ؟"
وقبل ما يوصلها إجابة مِن عيسى كان في عربية مفيمة سودا وقفت على جانِب طريق الجنازة. تابع عيسى العربية بعينيه لغاية ما الباب الخلفي إتفتح بهدوء، ظهرت مِنُه قدم لابسة هيلز سودا في نبيتي ومكشوفة تدُل إن الشخصية دي لابسة قُصير. نزلت مشن السيارة بفُستان إسود أنيق وسيمبل،لكن كانت باصة للأرض ومغطي راسها ووشها بُرنيط كبير مش مبين مِن ملامحها شيء.
مياسة إلتفتت وبصت للنُقطة اللي باصص لها عيسى، وشافت البنت دي بتمشي بهدوء وبحرص إن وشها متغطي ميبان. بصت مياسة لعيسى تاني وهي مكشرة بإستغراب وقالت:
"مين دي؟ حد من عيلة الذهبي؟"
عيسى بغموض:
"أتمنى يكون لا.. كفاية اللي حصل لنانسي مِن تحت راسي."
ساب مياسة وهو رايح ناحية البنت دي. كان مُدرِك إن في فخ لظهورها في مكان ميخصهوش ولا يخصها. فـ بعد مسافة عن مياسة. بصتله مياسة بخذلان بعدم فهم. وبدأ بقية السُفراء لاحظوا وجود غُرباء وشيء مش مريح بيحصل.
قرب عزيز لعيسى وهو بيقول بصوت هامِس:
"مين دول؟"
وقبل ما عيسى يجاوِب كان في طلق ناري مِن الجماعة دول. في لحظة أمير كان مطلع سلاحُه وبيبادله ثم طلقات النيران ودا اللي خلا عيسى يبرق مِن الصدمة إن أمير ليه معرفة بيهم وجاهزلهم. المُشكلة إن أمير ونوح الوحيدين المتجهزين بالأسلحة لإن عزيز وعيسى قالوا رايحين جنازة يحترموها.
أمير فضل ثابت عند مدفن والدته بيتصدى الطلقات وبيضرب طلقاته. أما ليث ومنال حاولوا قدر الإمكان يوقفوا التبادُل الناري اللي بيحصل بأسلحتهُم الميري فشلوا فـ أخدوا صِبا ومياسة ركبوهم عربية الشُرطة لحمايتهُم وعشان يوصلوهم بيتهم بأمان.
صِبا بزعيق لليث اللي بدأ يطلُب الدعم:
"أنا عايزة أنزل لجوزي حالًا هيموتوني."
ليث بعد ما إدى الإشارة للقسم قالها بنبرة جادة:
"مينفعش، هو على الأقل معاه سلاح إنتوا لا، منال خليكِ معاهم لازم أنزل بسلاح."
بدأت صِبا تنهار وهي بتقول:
"نزليني مش عايزة أدفن حماتي وجوزي في يوم واحِد."
غمضت منال عينيها وأخدت نفس عميق وهي بتقول:
"مدام صِبا حاولي تساعدينا ومتصعبيش الأمور."
أما مياسة كانت بتتلفت على عيسى من العربية بتشوفه فين. لقت نوح ساحِب عيسى وعزيز وراه وبيجروا برا المدافِن.
عيسى كان بيقول لنوح بغضب:
"إحنا كدا بنهرب وبنسيب أمير لوحده!"
نوح بعصبية:
"إنت وعزيز مش معاكُم أسلحة، انا سايب رجالتي كلهم مع أمير.. يلااا!"
جريوا لبرا ناحية عربية نوح لقوا في رجالة محاوطين عربياته ثم كلها! واضِح إنهُم عصابة كبيرة.
وقف عزيز وقال بعصبية وزعيق:
"دا تلاقيه ملعوب وسخ من ألعابك زي زمان، قتلك هيكون على إيدي يا رايق وقف المهزلة دي."
نوح بجدية وحلفان:
"ورحمة أمي الغالية انا ما أعرفهم حلفتلك بالست اللي مبحلفش بيها كذب أبدًا."
كملوا جري على الطريق لغاية ما لقوا ميكروباص شعبي معدي بالصُدفة، شاوروله فـوقف.
كان في أربع كراسي في أماكن مختلفة، طلعوا وركبوا والميكروباص إتحرك.
أخد عيسى نفسُه وهو بيعدل شعره ومكانش مستغرب الناس اللي حواليه لإنه أصلًا من منطقة شعبية.
عزيز كان قاعد جنب ست لافة حوالين راسها إيشارب بُني ولابسة عباية سودا، بتاكُل لبانة وحاطة الفون الصغير جوة الإيشارب وبتتكلم فيه.
والسواق مشغل أغنية (نزلت سوق الجمال أختار لقلبي حبيب).
الست اللي جنب عزيز بتقول للي معاها فون:
"من إمبارح وهي بتـ*خ على روحها، أه بتتصير يا عيني معدتها سايبة، صحيت أخدت دكر البط اللي زغطته تتأوت بيه.. وماله يما لاحسن سلفتها تقول بنستخسر دا ولية لسانها متبري منها."
عزيز بص بقرف لنوح اللي بصله وسكت وهو كمان مش مرتاح. الراجِل اللي جنب نوح تحت دراعه كان عرقان وريحته صعبة. كل شوية يرفع إيدُه وهو بيشاور للسواق وبيقول:
"الكوبري معاك يسطاا."
السواق:
"مش سامع."
الراجل رفع إيده وهو بيشاور ونوح كان معدته قلبت وقال:
"ياعم بيقولك الكوبري معاك، نزله عند الكوبري.. نزله بسرعة!"
السواق وهو بيبُص لنوح وعيسى وعزيز في المرايا قال بفضول:
"والبهوات يحبوا ينزلوا فين، أصل لامؤاخذة يعني الحتت الهاي مبعرفش أدخُلها بعربيتي."
عيسى بهدوء:
"سيبها على الله يسطا إحنا هننزل قريب هنا، كُلنا ولاد تسعة زي بعض."
وقِف السواق على جنب ونوح كان معاه كاش حاسبُه، نزلوا من الميكروباص وهثما واقفين في الشارع بياخدوا نفسهُم بالعافية فـ قال نوح بتريقة:
"الراجِل كل ما يتكلم يرفع إيده وريحته رنجة."
حط عيسى إيديه في جيبُه وقال ببرود:
"معلش الدنيا مبتديش كُل حاجة.. دا راجِل شقيان في عز النهار حتى لو شِتا.. المجهود بيخلي الشخص يعرق، عاوز يصرف على بيتُه وعياله بالحلال. ودا عرق الحلال مش فلوسك الجاهزة اللي كلها حرام في حرام، أنا زيك اه لكِن أقِل مِن الناس اللي عيشت وسطهم طول عمري لا.."
نوح بسُخرية:
"يا حبيبي يا حنين، النظافة الشخصية ملهاش علاقة بغني او فقير، متضُرش غيرك."
ضحك عزيز بصوت عالي وبص لنوح وقال:
"ما إيه يخويا؟ طب إعمل إنت بالمثل دا الأول."
تجاهل نوح تعليق عزيز وقال بتعب وإرهاق:
"أنا حاسس غني عطشان، مفيش ماركِت قريب مِن هنا نجيب مِنُه مياة او عصير حتى؟"
بص عيسى لمحل صغير كدا بعدين قال بهدوء:
"تعالوا ورايا."
وقف عيسى قُدام الراجِل وقال:
"عايز ثلاث كوبايات عصير قصب كُبار."
نوح بضيق:
"كويس إقتراح القصب برضو، بيروي."
عيسى بهدوء:
"أنا لما لمحته ريقي جري عليه."
حط الراجِل قُدامهم الكوبايات وخلصوها وطلبوا تاني. بينما عيسى تفكيره كله في اللي بيحصل في المدافِن.
في المدافِن كان أمير واقِف وجنبه ليث ومنال، وعدد مِن أفراد الحكومة بيتفحصوا المكان والطلقات المضروبة في كُل جهة. بعد ما أنهوا سؤال امير عن كُل اللي حصل وكذلك منال وليث وكمان قالوله لو إستدعيناك ضروري تحضر.
إتحركوا وهما بيدوا ليث التعليمات بكُل شيء وبعدها مشيوا وأمير واقِف مكانُه زي الصنم. قرب مِنُه ليث وهو بيقول بجدية:
"مدام صِبا ومدام مياسة تاكدنا وصولهم لبيوتهم بامان، بعد ما تأكدنا إنك سايب كل الحرس الخاص بيك في القصر بتاعك!"
أمير ببرود:
"متوقعتش يحصل كدا في جنازة والدتي."
ليث بشك وهو بيبُصله:
"اومال جايب سلاح معاك الجنازة ليه؟"
أمير بنفس البرود:
"يعني لا حرس ولا سلاح؟"
منال بتعب وإرهاق:
"في إيه يا ليث إنت بتلمح لإيه؟"
مردش ليث عليها وفضل مثبت نظره على أمير وبعدها قال بهدوء:
"عمومًا زي ما رامز باشا قالك، لما نحتاجك للتحقيق ياريت تيجي."
أمير بإختصار:
"أوك."
إتحرك ليث مع منال عشان يركبوا العربية ويمشوا فـ قال ليث بعتاب:
"إنتِ بجد بتسأليني بلمح لإيه قدامه؟ المفروض إني أشارِك أفكاري وشكوكي قدام مُشتبه فيه! مالك يا منال الحمل مأثر ولا إيه؟"
ركبت منال في المِقعد الأمامي وهي بتتنهد بتعب وبتقول:
"أه والله مأثر فعلًا، نفسي في فطيرة شرقي باللحمة."
ليث وهو بيتحرك بالعربية:
"والله ما هرد، أنا منمتش بقالي ثلاث أياام، أنا جعان نوم."
المكان: غُرفة مجهولة.
قلم نزل على وشها خلاها تتحدف على السرير وهي بتعيط برُعب. قرب مِنُه الشخص التاني وهو بيقول:
"كفاية كدا متنساش يا أخي إنها عاملة عملية وبشرتها لسه لينة وحساسة."
بعده عنه بغضب وهو بيرد عليه وبيقول:
"يا حنين! البت دي كانت هتضيعنا بغبائها، نبهت عليها قبل ما نتحرك لمكان الجنازة وأنا بديها التعليمات وتتصرف إزاي."
قعد التاني اللي كان بيحاول يهديه وولع سيجار وهو بيقول بغضب:
"بلاش حجج فارغة! هي مش الشماعة اللي هنعلق عليها عجزنا عن اخد حقنا منهُم، إحنا اللي فشلنا نخلص عليهم."
قعد جنبه وهو بيرد ويقول بخيبة أمل:
"أعمل إيه عشان أخلص منهم!"
نفث الأخر دُخان سيجارُه وقال:
"نعكس الأدوار."
الشخص التاني بإستغراب:
"مش فاهم؟"
ضحك الأخر بسُخرية وقال:
"بما إن الطُعم اللي رميناه معرفش يصطاد الحوت، ننزل بطُعم الجمبري."
التاني بضيق خُلق:
"ياعم هات من الآخر."
بصلُه بطرف عينُه بخُبث، وبعدين حرك نظرُه ناحية اللي مرمية على السرير بتعيط وقال:
"عيسى مش قادر يشوف أمل.. عشان مراته اللي كانت واقفة مع في الجنازة، هي الحاجِز الكبير بينه وبينها."
وسعت عيون الشخص التاني وقال بصدمة:
"نقتلها؟"
إبتسم الأخر ابتسامة جانبية ضئيلة وقال:
"نخليها تحب واحد فينا، يظهر في حياتها زي طوق نجاة مِن شبح عيسى، والعلاقة بينهم تخرب للأبد.. حد مننا يتجوزها بعد ما يوقعها في شباكُه.. أنا عندي اخبار إنهم مُنفصلين في الأساس."
كشر التاني وهو بيكور إيدُه بغيظ وبيضغط على سنانُه وبيقول:
"لاا، مش عجباني الفكرة دي، لإن اللي سمعتُه إنها اصلًا داخلة على جواز من الواد إبن صاحِب العُمارة اللي إسمُه أيمن، فـ كدا كدا عيسى سامحلها تموڤ أون ومش فارِق معاه، اللي تفرِق معاه بجد هي أمل، والبت دي لو متعدلتش وسمعت الكلام ونفذت اللي بنقوله بالحرف هتبقى ناهيتها."
بصتلهُم برُعب وهي بتنكمِش على نفسها وبتضُم رجليها لصدرها بخوف!
______________________________________
المكان: حارة المنيل.
تحديدًا: أمام دُكان الغُريبي.
كانت واقفة والدة عيسى بترُش مياه بملح وبتنظف الباب الحديد بتاع العِطارة بمنشفة صغيرة. كانت أم بثينة شارية حاجات للعشا. رفعت عبايتها وهي معدية مِن قُدام الدُكان وبتقول:
"سلام عليكُم يا حجة."
وقفت والدة عيسى وهي بتمسح وشها بمعصم إيديها وبتقول:
"عليكم السلام يا أم بثينة، تعالي إتفضلي."
ضحكت أم بثينة وقالت:
"أتفضل فين دا إنتِ غرقتي الدُنيا مياه، ليه ياختي دا حتى الجو شِتا."
أخدت أم عيسى نفسها وهي بتقول:
"عشان البركة متروحش، الحج الغُريبي الله يرحمُه كان متعود يعمل كِدا."
أم بثينة قعدت على الرصيف العالي وقالت وهي بتاخُد نفسها:
"وإزي عيسى ومراتُه على حِسُه؟"
لفت والدة عيسى الطرحة كويس وهي بتتنهد وبتقول:
"ياختي ما إنتِ عارفة اللي فيها ما هُما متطلقين، ربنا يصلح الحال."
والدة بُثينة بلهفة:
"طب بقولك إيه، مطلُبش مِنك طلب بس مترُدنيش؟"
والدة عيسى بفضول:
"خير ياختي."
والدة بُثينة:
"عزماكُم على الغدا بُكرة إنتِ وعيسى ويوسف ومراتُه، أمانة عليكِ مترُدنيش."
أم عيسى برفض لطيف:
"إنتِ عارفة إني بحب أطبخلهُم بنفسي وألمهُم حواليا وكدا، وكمان عيسى كريه عينُه ياكُل وبنته مش في حضنه، أه منفصل عن مراته بس هي شهادة لله بنت أصول مبتحرمهوش من شوفة البت."
جت عربية عيسى ركنت على جنب بعد ما راح جابها بنفسه من مكان الجنازة.
أم بثينة لما شافت عربية هيسى قالت بسرعه:
"وماله هاتي طليقته وبنته البيت يساع، بس مترُدنيش."
مسحت أم عيسى وشها بنفاذ صبر وقالت بهدوء:
"ربنا يعمل اللي فيه الخير."
قامت وقفت وهي شايلة الأكياس وعدت من جنب عيسى وهي بتقول بإبتسامة:
"يا عيسى، هنستناكُم بكرة إنت وماما وأخوك والجماعة، يجعلك ربنا عتبة جديدة حلوة وثابتة."
مشيت راحت ناحية عُمارتها فـ إتلفت عيسى وراه لقى بُثينة كـ العادة مستنياه في البلكونة لغاية ما يرجع.
رفع كف إيدُه كـ سلام من بعيد فـ مسكت هي السور بتاع البلكونة بإيديها وهي بتبُص بلهفة وبتشاور بإيديها الإتنين، عينيها دمعت وهي بتضحك عشان شاورلها، فـ بص لأمه وهو بيمشي بحذر عشلن ميوقعش وقال:
"إيه يماا اللي إنتِ عملاه دا؟ هو دا السر اللي حكيتهولك."
والدته بهدوء:
"بيتهيألك إن حد كان بيحاول يرفع الباب، أنا قريت قُرأن وأنا برُش المياة وإن شاء الله ربنا الحارِس."
جت عينيها على بُثينة فـ قالت وهي باصة عليها:
"البت دي من ساعة ما نزلت وهي قاعدة كدا، كل يوم بتستناك في البلكونة لغاية ما ترجع من برا، أول ما إنت ترجع هي بترتاح ولما تطلع العمارة هي بتدخُل.. كان نفسي يا عيسى.."
قاطعها عيسى وقال بضيق:
"هي تستحق حد أحسن مني يماا البت دي غلبانة.. ربنا يوفقها بالأحسن."
ضم عيسى والدته من دراعها وهو بيقول:
"تعالي نطلع عشان تغيري هدومك الجو برد."
طلعوا سوا للعمارة وعيون بُثينة عليهم، وهما طالعين على السلم قال عيسى بهدوء:
"هي أم بثينة بتقول مستنياكم ليه؟"
والدة عيسى بتنهيدة شيل هم:
"بتقول عزمانا كُلنا على الغدا عندها بكرة."
عيسى بسرعة:
"لا لا إعفيني أنا، أنا ورايا شُغل مش هقدر."
فتحت والدة عيسى باب الشقة لقت نور الصالة مطفي فـ قالت بإستغراب:
"إيه دا؟ هي ماسة نامت ولا إيه؟"
عيسى بلهفة عليها:
"هشوفهم أنا، غيري هدومك إنتِ."
إتحرك عيسى ناحية الأوضة وفتحها بهدوء، كانت مياسة نايمة على ظهرها ومغمضة عينيها وفوقيها قمر نايمة على بطن مياسة.
قرب عيسى بهدوء وهو بيخلع الكوت بتاعُه، مال على قمر باس راسها وهو بيهمس ويقول:
"وحشتيني."
كان بيقولها لقمر، فتحت مياسة عينيها ولأن عيسى منحني. على قمر كان وشه قريب من وش مياسة.
قعدوا يبصوا لبعض من غير كلام لمدة دقيقة، لغاية ما مياسة إتعدلت وعيسى عدل وقفته وهو بيتنحنح وقال:
"إتعشيتي؟"
مياسة وهي بتحط قمر على السرير وبتغطيها من غير ما تبصله قالت:
"دا قبل ما تسيبني في الجنازة ولا بعد؟"
قعد عيسى على السرير وقال:
"لو تلاحظي إني ممشيتش غير بعد ما ركبتي عربية الشُرطة!"
مياسة بهدوء:
"مبتكلمش عن النقطة دي، لما كنت واقفة قصادك بكلمك وعينك راحت ناحية حاجة تانية، عمرك ما هتتغير يا عيسى."
رجع عيسى شعرُه لورا وقال:
"مش هتفهميني، لما ييجي الوقت المناسب هتفهمي."
صوت تخبيط على باب الأوضة فـ قال عيسى بهدوء:
"إدخُل."
دخلت والدته وهي شايلة صينية أكل وقالت:
"متناموش غير لما تتعشوا."
مياسة برفض:
"لا يا ماما تسلم إيدك أنا مش جعانة."
والدة عيسى بهدوء:
"لا إزاي أنتِ بترضعي، إتعشوا عشان عيسى يروح ينام في أوضة يوسف."
عيسى بفهم:
"متقلقيش أكيد مش هبات هنا يعني."
طبطبت والدته على كتفه وخرجت. رن فون مياسة وكان بعيد عنها فـ قال عيسى بهدوء:
"هجيبهولك أنا."
قام مِن مكانه وبص على الفون لقى أيمن اللي بيتصل.
ضغط على الفون بإيديه جامد وهو باصصلها وبعدها حدف الفون عليها وهو بيقول بقرف:
"ردي."
مياسة ببرود:
"ما أكيد هرد."
خرج عيسى من الأوضة ورزع الباب فـ قالت مياسة بصوت واضح:
"البنت هتصحة مخضوضة أيه الهمجية دي!"
لسه مكملش خطوتين لأوضة يوسف سمعوا صوت صويت في المنطقة من عيلة صغيرة. عيسى جري ناحية الباب وهو بيفتحه وبينزل على تحت، ووراه والدته وهي بتحط الطرحة وبتقول:
"سترك يارب، لا إله إلا الله."
مياسة كانت بتتكلم في الفون فـ قالت من كتر الصويت:
"معلش يا أيمن هكلمك بعدين، تمام باي."
لبست الچاكيت بتاعها فوق التيشيرت والبنطلون السبورتي، ولفت بنتها في البطانية وشالتها ونزلت لتحت وراهم عشان كانت خايفة.
نزلت تحت لقت عيسى واقِف جنب بنوتة صغيرة وشها أصفر وبتترعش جامد، وجنبها البوهيمي وشيخ المسجد ويوسف كان جاي جري من بعيد.
شيخ الجامع بهدوء:
"إهدي يا بابا خدي نفسك، إيه اللي طلعك فوق."
البنت كانت بتترعش وصحابها اللي كانت بتلعب معاهم واقفين بعيد مرعوبين.
البنت بصويت:
"شوفتها ولمستني، والله العظيم لمستني."
شيخ الجامع:
"مين دي!!"
البنت برُعب:
"الـ العفريتة، كانت بـ.."
كلهم باصين لها مستنيين تنطق فـ قالت بهستيريا:
"ماسكة عروسة بتسرحلها، والله العظيم يا عمو انا مبكذبش والله هي العفريتة اللي صورتها في الجورنال القديم، اللي.. اللي متعلق في دُكان عمو شِحتة."
برق يوسف من الخوف وقال:
"أمل!"
عيسى فضل متنح وساكِت، ومياسة حضنت بنتها وهي متضايقة، بُثينة كانت واقفة وراهُم وهي مغطية بوقها بإيديها. رُعب الطفلة يأكد إن الكلام صح. البنت بصت لشباك أوضة أمل اللي بقت مكان لفراخ أم عيسى حاليًا. كان في خيال صغيرة بشعر طويل واقف عند الشباك، بصوا مطرح ما هي باصة وشافوها! لدرجة إن مياسة دفست وشها في بنتها.
شيخ الجامع بتكرار لأية الكرسي وهو مش عارفيشيل عينه.
فجأة ظهرت ام البنت وهي بتحضنها وبتشيلها وبتمشي بيها.
شيخ الجامِع بخوف على البنت:
"لحظة من فضلك يا مدام."
الست وهي حاضنة بنتها وماشية بيها:
"بنتي لا شافت حاجة ولا تعرف حاجة دي خيالات عيلة."
بُثينة للست وهي معدية من جنبها:
"بس إحنا شوفنا!"
تجاهلتها الست وراحت ناحية عمارتها.
شيخ الجامع لما لقى الشباك فاضي قال للناس اللي واقفين خايفين:
"يا جماعة إستهدوا بالله، البنت توفت من سنين في عز طفولتها بطريقة وحشة، طالبة الرحمة يمكن حصل كدا عشان تترحموا عليها."
طالب ثانوية عامة عدل من نظارة وشه الطبية وهو بيقول وبيترعش:
"أنا كُنت سمعت، إن الأرواح المعلقة بتظهر كتير لغاية ما يرجع حقها."
عيسى بإهتمام:
"يعني إيه الأرواح المُعلقة؟"
بصله الشاب وهو بيبلع ريقه وبيقول:
"يعني اللي أتقتلوا غدر، بدون ذنب وموتتهم كانت وحشة، روحهم بتفضل تحوم في المكان اللي أتقتلوا فيه لغاية ما حقهُم يرجع."
عيسى وهو بيكلم نفسه:
"بس أنا أخدت بحقها!"
شيخ الجامع بإيمان:
"صلوا على اللي يشفع فيكم، وأدعوا للبنت بالرحمة."
الناس بدأت تتفرق وهما بيتكلموا عن اللي حصل، ما عدا عيسى فضل واقِف مكانه. مياسة شافت بثينة هتقربله فـ قربتله هي وقالت:
"أنا خايفة، مش عايزة أطلع فوق."
عيسى بص لـ مياسة وقال بتبريقة صدمة:
"دي ظهرت لكُل الناس! كُل الناس شافوها! يعني أنا.. أنا معنديش إنفصام زي ما بيقولوا؟ أنا مبتخيلش يا ماسة!"
______________________________________
المكان: منزل أعلى تل مُرتفِع.
تحديدًا: الطابِق السُفلي.
خالد كان حاطط راسُه بين كفين إيديه وبيعيط على أمنة مش مستوعِب فِكرة إنها ممكن تروح بعد ما حبها وعلق أمله بيها!
وقف قُصاده نوح وهو مُبتسِم أبتسامة غريبة. رفع خالِد راسُه وبص لنوح وقال:
"باشا."
نوح بنفس الأبتسامة قال وهو بيهرش في دقنُه:
"قتلت أمنة ليه يا خالِد؟"
أتفزع خالِد ورجع لورا في مكانُه وقال:
"لاا!! مقتلتهاش! أنا بحبها مستحيل أعمل كدا!"
واحد من الأرانِب قرب من الرايق وقال بهدوء:
"يا باشا خالِد تعبان عنده متلازمة كابجراس أكيد كان شايفها حد تاني، مفيش سبب يأذيها وسعادتك عارِف."
خلع نوح ساعة إيدُه وفتح أزرار أكمام قميصُه وهو بيقول:
"ما هو عشان أنا عارف، مخليه تحت عيني، ومخليه الجارد المُميز بتاعي، داخِل طالع براحتُه على الطابِق اللي فيه مراتي وولادي، متوقعتش مرضُه يتفشى بالسُرعة دي، أنا مثلًا عشان أبقى بالحيونة اللي أنا فيها خدت سنين، إنما المرمية فوق متصفي دمها دي أعمل فيها إيه!"
بدأ خالد ينهار ورافِض يدق فِكرة إنه هو اللي طعن أمنة. وقِف قُدام نوح وهو بيترعش وبيقول بإنهيار:
"مكانتش أمنة دي واحدة.. واحدة انا عارفها كويس مُنتحِلة شخصية أمنة، فـ أنا.. عشان متأذيهاش والله عملت كدا عشان متأذيهاش."
ضربُه نوح قلم جامد خلى مناخيرُه تنزل دم ةقال بعصبية وهو بيرفعُه من رقبتُه:
"كُنت حاجزك زي الكلب من ساعة ما خلصتك من إيد الشمامين اللي كُنت وسطهُم، فاكِر يالا؟؟ عشان تتعالِج.. مش عايز اعالِج نفسي بس بعالجك ومعرفش هل أنا الجنون وصل معايا لدرجة أحتفظ بواحد زيك وسط الناس اللي بتعامل معاهُم، دا إنت مُمكِن تغدُر بيا."
رفع نوح السلاح وحطُه على مُقدِمة راس خالِد وقال:
"لازم أصحح أخطائي!"
الجارد اللي كان بيقوله عن مرض خالد مسك أيد نوح وهو بيبوسها ويقول:
"أبوس أيدك يا باشا، هنعالجُه بس سيبه دا واد غلبان."
خالد كان بيترعش من الصدمة وباصص لنوح مش فاهِم حاجة.
نوح بأمر قال بضحكة مُسلية:
"إرموه مع اللي فوق، نحُط رهان لو خلص عليها يبقى مخفش وهيحصلها، مخلصش عليها يبقى في طريقه للعلاج."
واحد من الجاردز:
"بمُناسبة البنت القعيدة اللي فوق يا باشا لا بتاكُل ولا بتشرب، ورافضة أي كلام."
نوح بضيق منها:
"في ستين داهية، أنا دي بالذات مش هقتلها، هسيبها لحظها مع الموت."
سابهم وراح طلع الطابِق التاني عشان يتطمِن على أمنة، ورفيف والأولاد.
أول ما طلِع قرب مِنُه الجارد وهو بيقول:
"ليه عملت كدا يا خالد، ليييه!"
خالِد بصدمة وعياط:
"مكانتش هي، هي مش هتسامحنيي!"
______________________________________
المكان: قصر أمير الدهبي.
تحديدًا: جناح شجن هانِم.
دخلت صِبا الجِناح وهي شايلة إبنها وبتبُص على أمير اللي قاعد متربع على السرير زي الطفل المتذنِب.
صِبا قالت بهدوء:
"إبنك موحشكش! إنت مشوفتهوش طول اليوم."
مردش أمير عليها فضل منزل راسُه لتحت. بعد وقفة طويلة حوالي خمس دقايق أدركِت إنُه مش قادِر يتكلم. لفت عشان تطلِع فـ قال أمير من غير ما يرفع راسُه:
"أنا أمي ماتت مسمومة."
برقت صِبا وهي بتقرب للسرير وبتقعد عليه وبتقول بصدمة:
"إيه؟؟؟"
________________________________________
صباح اليوم التالي.
بعد ما غسل عيسى وشه وخد شاور صباحي، وهو بينشف شعره بالفوطة وصله إتصال على فونه، خاف إن أهل البيت يصحوا من صوت الفون فـ سحبُه ولقاها سيلا! بِنت عزيز.
رفع حواجبه بسعادة ورد وهو بيقول:
"لا أنا زعلان لا، نسيتيني كدا؟"
سيلا بطفولية:
"يا عيسى أنا عاوزة أشوفك أقابلك."
عيسى بنكش:
"أشوفك وأقابلك الأتنين؟ فين بابا طيب أخدتي الإذن منه؟"
سيلا بدأ صوتها يبقى عياط هستيري وهي بتقول:
"أخدوا بابا يا عيسى."
عيسى بخضة:
"مين اللي أخدوه؟ مين يا سيلا فين ماما طيب؟"
سيلا بعياط:
"ماما مع جدو بدر في المستشفى وسيباني مع تيتة."
عيسى إبتدا يقلق وقال:
"فهميني طيب إيه اللي حصل بالراحة!"
صحيت مياسة على صوت عيسى وهو بيتكلم، كانت لابسة عبايتها. نزل عيسى الفون وهو باصصلها وقال:
"رايحة فين؟?"
مياسة ببرود:
"هشتري حاجات من الصيدلية اللي تحت البيت."
عيسى برفض:
"شوفي عايزة وهجيبهولك بنفسي مفيش نزول."
مياسة صوتها بدأ يعلى:
"أنت ملكش حُكم عليا أقولك بتاع إيه؟ لو تلاحظ إني مخطوبة مش من حقك!"
عيسى لـ سيلا في الفون:
"طب إقفلي يا سيلا أنا جايلك."
قفل الفون وسحبها من دراعها وقال من بين سنانُه:
"لما إنتِ مخطوبة وماليش حُكم عليكِ قاعدة عندنا ليه؟؟ ما تغوري على بيت خطيبك وعمارته، ولا عشان عارفة إنه عيل طري مش هيعرف يحميكِ؟"
مياسة بألم وغضب:
"سيب دراعي!"
عيسى بتكملة:
"ولا أقولك روحي بيتك القديم بتاع نبيل، بيللي! فكراه ولا أفكرك؟?"
سحبت دراعها من إيدُه وهي بتقول بزعيق:
"والله ما أنا قعدالك فيها."
خاف صوت زعيقها يصحي مامتُه فـ كتم بوقها بإيديه وهو مبرقلها. قعدت تتحرك عشان تفلت منه معرفتش.
بلع ريقه وهو بيبصلها بين إيديه. ومقدرش يتحمل. فـ مال عليها وقبلها.
كانت بتحاةل تبعد بس هو كان بينفث غضبه فيها، وفجأة بعدته من صدره وهي بتمسح شفايفها وبتقول بعصبية:
"حيوان صحيح!"
وجريت على السلم وهي بتتلفت وراها. مسح عيسى بوقه بمعصم إيديه وهو بيتنفس بسُرعة. إفتكر عزيز فـ جري على السلم هو كمان ورزع الباب. صحيت مامته على صوت عياط قمر فـ شالتها وقعدت تسكتها.
دخلت مياسة الصيدلية وهي بتقول:
"السلام عليكُم."
البنت اللي واقفة في الصيدلية:
"عليكم السلام لحظة بس أخلص مع الأنسة وهشوف حضرتك."
بصت مياسة جنبها لقت بُثينة هي اللي واقفة، فـ قالت بسُخرية وبرود:
"أزيك يا بُثينة.."
بصتلها بُثينة ولسه هترُد، شافت حاجة بتلمع حوالين رقبتها. سحبت بُثينة السلسلة لبرا عباية مياسة وهي لسه لبساها وقالت بخضة:
"جبتي السلسلة دي منين!!!"
يتبع..
رواية العبث الاخير الفصل الثاني عشر 12 - بقلم روزان مصطفى
عيناكِ جعلتني أؤمن بأن هناك ألوان أخرى في هذا العالم، غير لون الدماء. رجل مثلي ظل يرتجف فقد أحبابه، كيف لعشقك أن يجعله يشعر بهذا الاكتفاء!
***
سحبت مياسة السلسلة من بين أصابع بثينة وهي تقول بحِدة:
إنتِ مالك إنتِ؟ ومين سمحلك تلمسي حاجة مش بتاعتك؟
بثينة كانت عينيها متعلقة على السلسلة وهي تضم شفايفها بحزن وقالت بخفوت:
أنا آسفة.
قلبت مياسة عينيها وهي تعدل شعرها. لم تعد قادرة على تحمل النساء في حياة عيسى. الصيدلانية أعطت بثينة الكيس الخاص بها، فأخذته وخرجت وتركت مياسة في الصيدلية. مرت من أمام دكان البوهيمي فسمعته ينادي عليها ويقول:
أبلة بثينة.
وقفت وبصت له وهي تقول بحزن:
نعم.
قال وهو يمد يده بكيس:
والدتك طلبت الحاجات دي، بتقول عندكوا عزومة. أما بالنسبة للحاجة الساقعة، لسه العربية بتاعة الشركة مجتش، لما تيجي هطلعهالكوا بنفسي.
ابتسمت بفتور وهي تقول:
كثير خيرك.
وأخذت الكيس وتحركت. قابلت يوسف في وشها فقالت له بهدوء:
إزيك يا يوسف وإزي نيللي؟
يوسف بذوق:
تسلمي، بخير الحمد لله.
شفايفها كانت تترعش والسؤال محيرها. قالت ليوسف وهي مترددة:
يوسف هو... يعني عيسى ناوي يرد مراته صح؟
استغرب يوسف من تدخلها في خصوصيات لا تعنيها وقال:
الحقيقة أنا مبتدخلش في حياتهم، بس طبعًا نتمنى عشان عيسى بيحبها وكمان عشان بنته.
كلامه أوجع قلبها، فبصت للأرض. فهم يوسف حبها لعيسى، فقال بابتسامة:
عقبالك مع ابن حلال بإذن الله، عن إذنك.
سابقها ومشى، وخرجت هي للعمارة. دخلت الشقة لأن مامتها دائمًا فاتحة الباب. وجدت أمها جالسة متربعة فوق كنبة وتحتها شبشبها وتنقي الأرز. رفعت والدتها رأسها وبصت لها وهي تقول:
إيه يا جميل، مكشر ليه؟
حطت بثينة الحاجة على الطاولة وجلست بجانب والدتها بتعب وهي تقول:
مفيش، أصل قابلت ماسة في الصيدلية وحصل بيننا شد شوية.
برقت مامتها وهي تقول:
شد يعني إيه؟ ليه كدا؟ بتبوظي كل حاجة أنا بعملها، ما إحنا عازمينهم على الغدا النهاردة! مش قادرة تمسكي نفسك!
قالت بثينة بغيرة واضحة:
يا ماما، كانت لابسة السلسلة اللي عيسى دائمًا بيلبسها.
والدتها بزعيق:
ما تلبس هو إياكش يلبسها عفريت! مليون مرة أقولك لازم تبقي عاقلة ورزينة وتحكمي عقلك قبل أي شيء.
بثينة بحزن:
بعرف أحكم عقلي في كل حاجة، إلا في الحاجات اللي بتتعلق بعيسى.
طبطبت والدتها على رجليها وهي تقول:
طب قومي كدا، استهدي بالله واغسلي وشك عشان تساعديني نجهز لعريسك الأكل.
بثينة عينيها لمعت وقالت بسعادة:
عريسي!
والدتها بتشجيع:
أيوة، قومي يلا بلاش لكاعة.
قامت جري بحماس ناحية الحوض. فقبل وجه والدتها بحزن على حال ابنتها وقالت:
ربنا يا بنتي يسعد قلبك ويسهل لك الحال يا رب.
***
داخل منزل الغريبي.
دخلت مياسة وهي شايلة الكيس، لقت والدة عيسى جالسة مع قمر تطبطب عليها. حسّت بالإحراج لأنها تركت البنت ونزلت، فقالت:
أنا آسفة يا ماما، بس كنت محتاجة حاجة ضروري من الصيدلية.
والدة عيسى بهدوء:
صوتك أنتِ وعيسى كان جايب آخر الحارة على الصبح. أنا لا عاوزة أعرف حصل إيه ولا بتزعقوا ليه، بس الحارة دي فيها ناس كتير هيشمتوا لما يلاقوا الحال وصل بيكم لخلاف فيه زعق. وبنتكم حتى لو انفصلتوا، ليها حق عليكم تعاملوا بعض باحترام ومودة وحب. فهماني يا ماسة؟
رجعت مياسة خصلة من شعرها ورا أذنها وهي تقول:
أنا أصلًا كنت هلم حاجتي عشان أمشي، لازم أرجع بيتي.
والدة عيسى بحزم:
ده بيتك وبيت بنتك. عيسى أكد عليا مسيبكيش تمشي، لسه مكلمني في التليفون، بيقول خايف عليكي.
مياسة قلبها دق وبلعت ريقها وهي تقول:
طب حضرتك حطي نفسك مكاني. لو خطيبي سألني انتِ فين أقول إيه؟ لأني المفروض مأجرة شقة في عمارة والده.
طبطبت والدة عيسى على ظهر قمر وهي تقول:
قولي له أنا رجعت لبيتي عشان بنتي. الحقيقة مش عارفة أقول لك إيه، بس لغاية ما عيسى ييجي مش هعرف أخليكِ تمشي.
تنهدت مياسة بغلبة على أمرها وقالت:
طب هو ممكن أدخل أستحمى لو ينفع.
والدة عيسى بهدوء:
ادخلي يا بنتي، البيت بيتك. وجهزي نفسك، النهاردة رايحين لأم بثينة عشان عزمانا على الغدا.
مياسة قالت بعصبية غصب عنها:
هي الست دي عايزة منا إيه هي وبنتها؟ مش ممكن كمية الفرك اللي بيعملوها دي؟ إيه واحد مبيحبهاش؟ هو بالعافية.
ابتسمت والدة عيسى لأنها عرفت إن مياسة لسه بتحب عيسى وأوي كمان، لكن بتكابر. فقالت:
أهو أنا عايزكِ تيجي معانا مخصوص عشان كده، وتنفعيلي قدامهم كده عشان يشيلوا الأمل من عيسى خالص.
مياسة قالت بكسرة:
أمل... عمرها ما هتتشال.
دخلت الحمام وقفلت الباب. فقالت والدة عيسى:
يا عيني يا ماسة، محاوطك الهم من كل جهة.
دخل يوسف البيت لأن الباب مفتوح عشان يجيب هواء، وقال:
سلام عليكم يا ماما.
والدة عيسى بهدوء:
إيه يا بني، عشان أعوزك بقيت بتصل بالتليفون؟ أم بثينة عزمانا على الغدا النهاردة، وخالفت مية يمين لازم نروح.
يوسف وهو يفرك عينيه:
تؤ، مش عارف هقدر أجيب نيللي ولا لأ. الحمل تاعبها فعلًا وبقت تقوم للحمام بالعافية... هشوف ربنا يعمل اللي فيه الخير. أومال عيسى فين؟
والدته بهدوء:
راح مشوار، هييجي بعد الظهر إن شاء الله.
مال يوسف على قمر وقعد يلاعبها وهو يقول:
إيه يا عمو، إيه العيون الحلوة دي.
ابتسمت والدته وهي تدعو أن يقوم زوجته بالسلامة عشان تشوف أحفادها حواليها.
***
داخل فيلا بدر الكبير.
فتحت سيا الباب بنفسها، لقت عيسى قدامها. فابتسمت وقالت:
أهلًا وسهلًا، اتفضل يا عيسى، دي سيلا مبطلتش كلام عنك.
استغرب عيسى روقان سيا رغم خطف عزيز وتعب بدر وعياط البنت. دخل وهو يتنحنح ووقف عند الباب وهو يقول:
مش هقدر أدخل لجوه عشان مفيش حد. أنا بس عاوز أعرف بدر بيه في أنهي مستشفى، عشان أفهم من مدام سيليا اللي حصل بالظبط.
بصت سيا باستغراب لعيسى وقالت:
بعيد الشر يا ابني، مستشفى إيه؟ بدر مريح في أوضته فوق! ولو عاوز سيليا، هي بتاخد شاور تخلص وهبلغها.
استغرب عيسى من كلامها وقال:
وعزيز!
سيا زاد استغرابها وقالت:
مين اللي قالك الكلام ده؟ خطف إيه ومستشفى إيه؟ فهمني بهدوء لو سمحت!
نزلت سيليا وشعرها مبلول، لابسة بنطلون جينز أسود وبلوفر نبيتي غامق شتوي، وهي تقول:
إيه يا مامي... عيسى؟ بتعمل إيه هنا؟
عيسى بلهفة:
مدام سيليا، فين عزيز متعرفيش؟
لوت سيليا بوزها بضيق وقالت:
في البيت التاني، هييجي بالليل.
استغرب عيسى. فـ قالت سيليا بهدوء:
ردني لذمته إنهاردة الصبح، ووصلني أنا وسيلا هنا، وراح هو هناك يتطمن عليهم.
عيسى بابتسامة:
ألف مبروك، يعني هو بخير؟
نزلت سيليا آخر سلمتين وقالت لعيسى:
ما تفهمني طيب، إيه؟
سيا بهدوء:
تحب تشرب إيه؟ تعالى اتفضل استريح.
دخل عيسى بعد ما تأكد من وجود بدر فوق. قعد على السوفا وقعدت قدامه سيليا. قالت سيا بابتسامة:
بعمل كل حاجة بنفسي، مبحبش خدم يحطوا إيديهم في أكلنا. ها، قولي تشرب إيه؟
عيسى بهدوء:
تسلم إيديكِ، أنا تمام، مش عاوز حاجة.
سيا بذوق:
خلاص، هعملك على ذوقي.
راحت للمطبخ. فبصت سيليا لعيسى باستفسار وقلق. تنهد عيسى وقال:
طالما كلكم بخير، الظاهر سيلا كانت بتعمل فيا مقلب بس تقيل شوية.
سيليا بصدمة:
سيلا؟ إزاي!
عيسى وهو يعدل شعره قال:
كلمتني الصبح قالت لي إنك وباباكي في المستشفى، وفيه ناس جم أخدوا عزيز، فـ طبعًا كنت سايق بسرعة عالية عشان ألحقكم.
وقفت سيليا بانفعال وقالت:
هي حصلت الكذب؟!
بعدها نادت بصوت عالٍ وقالت:
سيلا!! سيلا إنتِ يابنت!
وقف عيسى قدامها وهو يقول بهدوء:
اهدي بس، طبيعي طفلة في سنها تكذب عادي. كلنا كنا كده، بس تعاملي معاها بشكل أهدى.
بصت سيليا لعيسى وقالت:
بتعامل معاها أحسن معاملة وربنا يشهد. خروج بخرجها، وقت؟ معظم وقتي معاها بحاول أوفق بينها وبين أخوها الصغير. بقوا هما شغلي الشاغل. بنيمها في حضني وبكلمها زي الصحاب. يبقى ليه تكذب؟ إيه المبرر؟
عيسى بذكاء:
هي جابت سيرتي الأيام اللي فاتت؟
سيليا بابتسامة:
كتير أوي. وسألت باباها عنك كتير، وهو قال لها إنك مسافر.
زعل عيسى من عزيز عشان بدل ما يكلمه ويتنازل عن كبريائه، كذب على بنته. سمع صوت رجلين بتنزل على السلم. لف لقاها سيلا. شعرها مفرود ناعم وتقيل زي مامتها، لونه بني فاتح، بعينيها الواسعة الطفولية، لابسة منامة بيت لونها رمادي فاتح عليها تويتي، ولكلوك عشان البرد. جريت عليه وهي تقول:
عيسى.
فتحت ذراعيها له، فشالها وهو يبوس خدها ويقول:
في الخدمة دائمًا.
حضنته سيلا من رقبته. جت سيليا تتكلم عشان تعاتبها، فشاور لها عيسى بعينيه إن سيب الموضوع ده عليا. عدل عيسى من شعر سيلا وهو يقول لسيليا باستئذان:
تسمحي لي آخذها أفسحها وأجيبها؟ مش هأخرها ساعتين بالكتير.
كتفت سيليا يديها وقالت:
دي مكافأة ولا عقاب؟
عيسى بابتسامة حلوة:
الاثنين.
نزل عيسى سيلا على الأرض وقرص خدها بلطف وهو يقول:
اطلعي غيري هدومك عشان نتحرك.
سيلا بحماس:
هيييه! بس لو طلعت هتمشي؟
جت سيا وحطت كابتشينو قدام عيسى وكيك، فـ قال:
على ما أشرب القهوة تكوني خلصتي، مش همشي.
قعد عيسى. فـ قالت سيليا:
على فكرة ده كابتشينو.
سحب عيسى المج وقال:
أهو، كله كافيين.
ضحكت سيليا عليه لأنه لسه زي ما هو.
***
المكان: قصر أمير الذهبي.
تحديدًا: غرفة النوم داخل الجناح.
صبا بعد ما سابت ابنها على السرير قالت بعصبية:
إزاي تخبي عني حاجة زي دي؟ ولو ميتة مسمومة، ليه الطب الشرعي مفحصش الجثة وعرف الأسباب؟ إزاي وافقوا على الدفن من غير الإجراءات الاعتيادية لو في اشتباه في قتل!
رفع أمير رأسه وعينيه حمرا، لكن مفيش دموع بتنزل منها. وقال:
اتسجل جرعة دوا زيادة... بس الحقيقة مش كده. الحقيقة إن فيه حد دخل القصر هنا، عن طريق حد من الخدم... وهو اللي عمل كده في أمي.
بدأت دموع صبا تنزل وهي تقول:
يا حبيبتي يا طنط! يعني مش مكفيهم اللي هي فيه، كمان سعوا إنهُم ينهوا حياتها...
بصت صبا لأمير لقتُه منزل رأسه. رفعت ذقنه بيديها عشان يبص لها وقالت:
عشان خاطري عيط، صرخ، عبر عن مشاعرك، متكبتهاش... أنا خايفة عليك أوي.
أمير بتوهان:
مش عارف أعيط يا صبا. من وأنا صغير متعود العياط والنوم في حضنها هي. وقفت قدام القبر... بس ده تراب! فين أمي!
قربت منه صبا وحضنته جامد وهي تبكي وتواسيه وتقول:
في الجنة ونعيمها بإذن الله. ربنا يغفر لها ويغفر لنا... أنا جنبك وحواليك أنا وابنك واللي في بطني.
دفن أمير رأسه في رقبتها وحاول يعيط معرفش، لكنه فضل على الوضع ده وقت طويل وقال:
العياط بيحسسني لما أخلص منه وأهدى... بالغضب. عشان كده عايز أعيط، عشان أجيب حقها.
حضنته صبا أكثر وغمضت عينيها وهي تشم رائحته. والفترة الأخيرة بقت تحس بالأمان معه أكثر من أي شيء ثاني في الدنيا!
***
المكان: منزل جايدا.
تحديدًا: حديقة المنزل.
كان نائم عزيز على ظهره وباصص للسماء، وجنبه ابنه بنفس الوضعية ونفس المشهد اللي بيبص له عزيز. وبيقول:
ستة.
عزيز وهو يضيق عينيه ويركز:
متبقاش غشيم، ركز الأول عشان متعدش غلط.
حط ابنه رجل فوق الثانية وهو يقول:
طب ليه مش نصطادهم زي ما الكل بيعمل؟
عزيز بكلام له مغزى:
مبصطادش طيور، بصطاد حاجات تانية.
بصله ابنه، فـ بصله عزيز وغمز له. خرجت جايدا من البيت للحديقة وهي شايلة صينية عليها سندوتشات وعصائر، وتقول:
أهو بابا هنا، كل معاه حاجة. إنت متغديتش...
اتعدل عزيز في قعدته وقال:
إنت صحيح متغديتش لغاية دلوقتي؟ ده وعد الرجالة اللي وعدتني بيه.
قعد متربع وهو يقول بضيق:
يا بابا، ماما عاملة كوسة محشية لحمة مفرومة بالبشاميل وأنا مبحبهاش. يعني معرفش ليه معملتش مكرونة!
قعدت جايدا وهي لابسة سويت بانتس بيج وهودي أسود عليه، وقالت:
الكوسة مفيدة أكتر.
ركزت بنظرها على عزيز لأنه كان واحشها، وحست إنها مبسوطة إن الراجل اللي هي حبتُه من قلبها قاعد قدامها، جوزها من جديد وحواليهم ابنهم... اللي للأسف مش هيبقى له إخوات منها هي تاني.
تنهد عزيز وهو يبص للشمس ويقول:
إيه رأيكم ندخل سينما ونتغدى بره؟
قالت جايدا بهزار:
يعني المفروض أفهم إن كده أكلك مش عاجبكُم.
عزيز وهو يقوم وبيشيل ابنه على كتفه، ماسك إيديه وفارد ذراعاته وبيقول:
طالما راجل البيت اللي هيشيل اسمي مش عاجبه الأكل، يتغير كله، ونروق عليه كمان.
كان مبسوط مع باباه جدًا. خرجت جايدا فونها من جيب البنطلون بتاعها وبقت تصورهم فيديو، وهي ضحكتها لآخرها.
عزيز كان بيقرب للكاميرا وبيقول:
تاخدي تشيلي شوية.
جايدا بضحك:
لااا.
عزيز بجدية مزيفة كهزار:
قدامك خمس دقايق تغيري فيهم عشان نتحرك، وإلا هنسيبك. هتقولي لي ميك أب ولبس؟ لأ.
جريت جايدا بسعادة لجوه وقالت:
حالًا.
عزيز كان بيحاول بقصارى جهده يوازن بين البيتين، عشان يحسس ابنه هنا بالأمان وبوجوده، ويحسس بنته هناك بنفس الشعور.
***
كان سايق عيسى العربية ومقعد جنبه سيلا، وبيقول لها:
تحبي تروحي فين يا آنسة؟ النهاردة الدنيا الشمس طالعة عكس امبارح أمطار وبرد.
سيلا بسعادة:
نروح الملاهي.
رفع عيسى حاجبيه وقال:
يعني مش عايزة تروحيها مع بابا؟
سيلا بحماس:
روحتها مع بابا وماما من يومين، بس عايزة أروحها معاك. إنت وحشتني يا عيسى.
عيسى بهدوء:
وأنتِ كمان وحشتيني أوي على فكرة... بس زعلان منك حبة صغننين.
سيلا بلوية بوز:
ليه!
عيسى وهو يبص على الباركينج قال:
أركن بس عشان ننزل نتغدى الأول، بعدين نروح الملاهي. هكلمك واحنا بناكل وأقولك ليه.
فتحت سيلا الباب ونطت من على الكرسي. نزل عيسى وجه يمسك إيدها، راحت حطت إيدها الاثنين في وسطها وقالت:
شيلني.
فرد ذراعيها الاثنين، فشالها عيسى وهو يقول:
بس متتعوديش على كده، أنا عجوز يا بنتي مش شباب زيك.
ضحكت سيلا، فضحك ضحكة خفيفة وقال:
بتضحكي على إيه؟
سيلا بطفولية:
عشان كرتون ليلى والذئب. الذئب كان عامل نفسه تيته، وراح... وراح قال لليلى عايز أحضنك وبعدين أكلها.
قرب عيسى من رقبتها عامل نفسه هياكلها وقال:
خلاص يبقى بالهنا والشفا عليا إني أكلك.
صوّتت سيلا بضحك ودخلوا المطعم. قعدها على الكرسي اللي قدامه وقعد. جه الجارسون، فـ قال لها عيسى:
يلا، هتاكلي إيه؟
سيلا بحماس:
برجر.
عيسى وهو يسلم المنيو للجارسون قال:
تمام، واحد برجر. وأنا عايز قهوة مظبوط.
بص لـ سيلا وقال وهو يتنهد:
هااه، كنا بنقول إيه؟
سيلا بلوية بوز:
إنك زعلان مني.
عيسى قال بهدوء:
أيوه، لأنك كذبتي عليا. كذبتي ليه؟ كان ممكن تقولي لي إني وحشتك وهجيلك ساعتها.
الحزن بان في عيون سيلا وقالت:
عشان أنت وبابا متخاصمين ومبقتش تيجي. كمان بابا منعني أكلمك عشان بيقول عمو عيسى مش عاوز. بس أنا بحبك وبحب أكلمك.
حس عيسى بضيق وخنقة من عزيز وقال:
عزيز قال كده؟
حركت سيلا رأسها بمعنى آه، فـ غمض عيسى عينيه وبعدها فتحها. مد إيده ولمس إيد سيلا وهو يقول بحنية:
توعديني متكذبيش تاني تحت أي ظرف وتحت أي شعور، سواء خوف أو توتر أو رغبة أو أي شيء؟ عايزك شخصية شجاعة وجريئة. توعديني؟
سيلا قالت بهدوء:
أوعدك.
ضغط على أيديها وابتسم. جه الأكل والقهوة وقعد يهزر معاها عشان تاكل بنفس.
***
المكان: منزل أعلى تل مرتفع.
تحديدًا: علوية المنزل.
بعد ما طلعوا خالد للعلوية، بص للسقف لقاه فيه فتحة صغيرة مسلطة شعاع ضوء بطريقة أفقية، ومرايا طويلة مركون على جنب متغطية بجرائد، بس نص الجرائد دي متقطع، وصوت خرفشتها بفعل الهوا يبث الخوف في النفس، وحاجات تانية متغطية بملايات بيضا مليانة تراب. كان مكان غير مناسب لشخص بيعاني من هلاوس معينة زي خالد، وحاجات مش حقيقة. فاق من شروده في تفاصيل المكان على صوت الكرسي المتحرك الطبي بيتحرك شوية، وبتظهر من وراه بنت بتزحف على إيديها ونصفها التحتاني معطل. بتكح وحالتها صعبة! شعرها مجعد ومفرود حواليها. عندها جرح بسيط جنب شفايفها نازف والدم متجلط على وشها. متبهدلة تراب، لابسة بنطلون جينز متوسخ وتيشيرت أبيض ربع كم في عز الثلج! ومفتوح من ناحية الصدر.
اتهبدت رأسها على الأرض من التعب، فزحف خالد ناحيتها لأنه كان مربوط بأمر من نوح مؤقتًا. قدر يوصلها بسهولة، فـ حط رأسها على رجليه وهو مبرق على الآخر وفاتح بوقه يتنفس بسرعة لدرجة إنه بينهج. ببعد شعرها عن وشها لقى وشها أصفر وحالتها صعبة. قال بصوت متقطع:
إنتِ تعبانة! جالِك برد من لبسك الخفيف وشكلك مأكلتيش بقالك مدة، وشفايفك جافة لازم تشربي وتاكلي وتتدفي.
مروة بصوت رايح تمامًا من التعب:
عايزة أموت، تعبت أوي. من يوم ما اتولدت مرتحتش.
خالد كان بيترعش وهو مبرق ويبصلها. خلع الجاكيت بتاعه لأنه مربوط من رجله، ولبسه لها رغم رفضها. قفل لها سوستة الجاكيت وقعد يدفيها بإيديه.
لما حسّت بالدفء جسمها بدأ يهدى من الرعشة، وحست بالتعب... كانت سخنة واخدة دور جامد. شوية ودخل واحد من الأرانب شايل صينية أكل وبيقول:
ست عبير بعتالك الأكل ده، هي قعدت تتحايل على نوح باشا ووافق.
خالد وهو على نفس الريأكشن قال:
عايز تلج ضروري!
ضحك الأرنب بسخرية وقال:
عايز إيه يا خويا؟ إنت تحمد ربنا إن الباشا مخلصش عليك، ده إنت تودينا كلنا في كلبوش.
خالد بخضة:
البنت هتموت، دي سخنة!
الأرنب بنفس النبرة:
ما إنت قاتل واحدة تحت، جاتلك الحنية دي منين! كل وإنت ساكت ومتعملش دوشة كتير عشان متتأذيش.
خرج الأرنب وقفل الباب وراه بالمفتاح. مروة بدأت تحس بالخوف فـ حاولت تتعدل، لكن إيد خالد ثبتتها مكانها وهو يقول:
إنتِ فاهمة الموضوع غلط. اللي بيقولوا إني قتلتها دي... أكتر إنسانة حبيتها في حياتي. أنا بس مكنتش في وعيي، ولما أدركت خطأي...
بللت مروة شفايفها بلسانها وقاطعتُه:
وإيه اللي جابك هنا؟
خالد وهو يرجع رأسه لورا وقال بحزن:
نوح باشا قرر يحبسني بعد ما قتلتها...
صمت لمدة أربع ثواني، بعدها بدأ جسم مروة يتهز وبدأت تضحك، وصوت ضحكاتها يعلى أكتر وأكتر.
خالد باستغراب:
إيه اللي بيضحك؟
مروة قالت بتعاسة وهي باصة للفتحة في السقف اللي نازل منها نور أبيض:
المفروض يفتخر بيك، إنك ماشي على خطاه... هه.
خالد بتساؤل فضولي:
طب وأنتِ هنا ليه؟ الباشا مقالش لي، يمكن قال للحراس التانيين بس أنا لأ، وليه مموتكيش؟
مروة بنبرة الموت:
أنا هنا عشان بلغت عنه وفشيت سره للحكومة. مموتنيش عشان...
حامل منه.
برق خالد وقال بصدمة:
إيييه!!
***
المكان: حارة المنيل.
تحديدًا: منزل والدة بثينة.
كانت بتحط المفرش على الطاولة وهي سعيدة، لابسة فستان لونه نبيتي، والساعة بتاعة الحيطة دقاتها بتزود ضربات قلبها. خرجت والدتها من المطبخ وهي بتحط صينية البشاميل وتقول:
يا بنتي، اقفلي البلكونة، الجو تلج هيبرد الأكل.
بثينة بتوتر:
ما عشان بشوف كل شوية جم ولا لسه.
والدتها بابتسامة:
إنتِ قضيتي نص عمرك في البلكونة دي بتستني عيسى يرجع المنطقة. هانت، بس فتحي مخك معايا.
بثينة بتفاؤل وابتسامة حلوة:
يمكن ربنا عمل كل ده عشان يبقى ليا في الآخر، تفتكري يا ماما؟
والدتها بتنهيدة:
أه، أفتكر. يلا، قدامي على المطبخ.
بدأوا يجهزوا الأكل على السفرة. بينما والدة عيسى كانت ماشية جنب مياسة اللي شايلة قمر، وهي شايلة علبة حلويات شرقية وبتقول:
لا بحب أتعزم عند حد ولا أروح لحد، بس مرضيتش أكسر بخاطرها امبارح. هنقعد خفافي كده وبعدين نتكل على الله. وفوتي لبثينة، والله دي بت غلبانة.
مياسة بغيرة من جواها قالت بهدوء:
أفوت لها إيه؟ لو ليها نصيب هي وعيسى براحته، زي ما شوفت حياتي، من حقه يشوف حياته.
والدة عيسى بنفس الهدوء:
إنتِ عارفة إنه بيحبك ومش هيعمل كده.
ابتسمت مياسة بسخرية وقالت:
أكيد مش أكتر من أمل.
ركنت عربية عيسى، فـ بصت والدته وراها لقتُه بيركن. راحت قائلة لمياسة:
استني، ده عيسى جه أهو. الحمد لله، نطلع كلنا سوا.
عدلت مياسة قمر على ذراعها وهي تطبطب على ظهرها وملامحها عليها حزن. نزل عيسى من العربية وشافهم، فـ قرب لهم وهو شايل علبة تورتة وبيقول:
أنا آسف بجد، كان عندي مشوار مهم أخلصه، وقولت أجيب حاجة يعني عشان مندخلش فاضيين.
رفعت والدته العلبة بتاعة الحلويات الشرقية وهي مبتسمة وبتقول:
جبت أنا وماسة، متقلقش.
بص عيسى لـ مياسة بشرود، فـ بصت للأرض، فـ قال لها:
إزيك.
مياسة بهدوء:
الحمد لله.
تحركوا ناحية العمارة وطلعوا لقوا الباب مردود. وقفت والدة عيسى ووراها عيسى ومياسة، وهي تقول:
سلام عليكم يا أهل الدار.
رحبت بهم والدة بثينة وهي تدخلهم البيت. البلكونة كانت واسعة وبيبانها مفتوحة، والشقة برد. سحبت والدة بثينة الستارة وهي تضحك وتقول:
والله لسه قايل لها تقفلها عشان الأكل ميبردش. بثينة، يا بت!
خرجت بثينة من أوضتها وعينيها كانت بتلمع من السعادة. بثينة لم تكن بجمال بالغ مثل مياسة وأمل، لكن كانت ملامحها جميلة. سلمت عليهم جميعًا، بعدها قعدت جنب مامتها وعينيها على عيسى اللي هرش في مناخيره وبص للأرض. بدأت مياسة تتوتر، فهزت رجليها وهي شايلة قمر.
قطعت والدة بثينة جو التوتر ده وهي تشاور للطاولة وتقول:
اتفضلوا الغدا، يا مرحب يا أهلًا وسهلًا.
شالت مياسة قمر وهي بتتحرك بها، فـ مدت والدة بثينة يدها لمياسة وهي تقول:
هاتي أشيلها عشان تعرفي تاكلي براحتك.
مياسة بابتسامة وذوق:
مفيش داعي بجد، عشان متعطش وتزن.
والدة بثينة بهدوء:
متقلقيش، بعرف أتعامل مع الأطفال. يلا بسم الله.
قعدوا حوالين الطاولة وكان يوسف ونيللي هناك. نيللي كانت حامل وتعبانة.
بدأت بثينة تحط لعيسى أكل في طبقه. سابت مياسة المعلقة وهي تبص لوالدة عيسى اللي طمنتها بعينيها تعدي اليوم ومتتأثرش. يوسف لاحظ اللي بتعمله بثينة، فـ بص لـ نيللي اللي مكانتش مركزة غير في الأكل لأنها بترضع.
في وسط الأكل قام عيسى وقف وقال بهدوء:
سفرة دايمة.
والدة بثينة بعتاب:
أكلك ضعيف، يرضيك كده يا أم عيسى؟
عيسى بذوق:
معلش والله عشان بتعب لو زودت. تسلم إيديكم طبعًا...
بص على إيديه، فـ قالت بثينة بسعادة:
تعالى أوريك مكان الحوض.
مياسة بسخرية مقدرتش تكتمها:
إيه ده؟ هو الحوض حاطينه في حتة غير الحمام؟
والدة بثينة فهمت إن مياسة غيرانة على عيسى، فـ قالت:
حاطينه برا الحمام عشان الضيوف لو حبوا يغسلوا إيديهم من غير حرج دخوله. وطبعًا عيسى مش ضيف.
مياسة اتضايقت منها، فـ ردت بخبث زيها وقالت:
طبعًا، إحنا صحاب بيت طالما ولاد منطقة واحدة.
تحرك عيسى مع بثينة، فـ ابتسمت والدة بثينة ابتسامة صفراء وقالت:
أيوه كده، عايزينك تعتبري المنطقة منطقتك وتاخدي عليها.
بصت مياسة لوالدة عيسى تاني، فـ هنا والدة عيسى ردت:
هي كده كده منكوهة، طالما منطقة عيسى تبقى أم بنته، مش غريبة عليها.
وقف عيسى عند الحوض وغسل إيديه سريعًا، وبثينة واقفة جنبه شايلة الفوطة على ذراعها وهي ساندة رأسها على الحيطة وبتقول بابتسامة واسعة:
مش قادرة أصدق إنك هنا.
ثبت عيسى إيديه وهو مستغرب وبص لها، لقاها هيمانة فيه، فـ قال بهدوء:
في بيت أختي. متصدقيش ليه؟
عدلت رأسها ووقفت وهي تبص له وعينيها في ثانية اتملت دموع وقالت بنبرة مجروحة:
من ساعة لما... أمل جات المنطقة، مبقتش حتى أختك. كنت بتنزل وتعدي من جنبي متسلمش حتى عليا... كنت بقعد على سلم العمارة أستناك... من يومها اتعلمت انتظارك. فضلت عن الجنة... نارك!
عيسى معرفش يرد. قفل المياه وبص لعينيها اللي ماليهم الحزن، وتحتها خطين من الهالات السودا قد يُخفيها. واضح إنها مبتبطلش عياط... ومبتنامش كويس.
سحب منها الفوطة وهو يقول:
مفيش داعي نجيب سيرة أموات يا بثينة.
نشّف إيديه وحط الفوطة على ذراعها تاني. وطى شوية عشان هي أقصر منه وبص لها. قلبها بدأ يدق جامد ونفسها ضاق لأنها مش مستوعبة قربه، وزود ارتباكها لما قال:
يمكن عشان كنت طفل انبهرت بحاجة وسيبت حاجة، لكن إنتِ تعزي عليا والله.
دموعها نزلت اللي كانت محبوسة وضحكت. عدل هو أكمامه وقال:
هو أنا ممكن أشرب سيجار في البلكونة؟
بثينة بحماس:
آه طبعًا، تعالى اتفضل.
مشيت معاه للصالة وراحت ناحية البلكونة، شاورت لمامتها إنها هتوقف معاه، فـ بدأت مامتها تشيل الأكل. ومياسة قاعدة على تكّة عياط. غمضت عينيها وخدت نفس عميق. فـ ماما بثينة قالت:
استريحي على الكنبة، أنا ثواني وهعمل لكم الشاي يدفيكم.
وقفت نيللي تشيل معاها الأطباق وهي تقول ليوسف:
لو فوني رن تبقى ماما رد وطمنها.
يوسف بهدوء وهو يبص في الفون:
حاضر، متقلقيش بس متجهديش نفسك، اقعدي أنتِ.
شالت مياسة قمر وقعدت بيها على الكنبة اللي بتبص على البلكونة. كانت عايزة تعيط وهي شايفة بثينة بتتلزق فيه، بس تعيط ليه؟ ملهاش أي حق في كده بعد ما طلبت الطلاق واتخطبت لراجل تاني. دعت ربنا إن اليوم يخلص عشان يمشوا لأنها مش هتقدر تستحمل. وفضلت عينيها متعلقة على البلكونة.
عيسى حط السيجار بين شفايفه ولسه بيرفع الولاعة عشان يولعها، لقى بثينة لسه واقفة وبتبص له بشرود.
عيسى بهدوء:
ممكن تدخلي جوه عشان الدخان ميضايقكيش.
بثينة بمرح:
يووه، ده أنا كل يوم بركب المواصلات وبيكون فيه دخان أكتر من كده، وريحته صعبة وبتحمل... إنما...
بص لها عيسى بعد ما ولع السيجار مستنيها تكمل، فـ قالت:
إنما دخان خارج من أنفاسك أنت!
بص للأرض وحس إنه اتحرج. بعيدًا عن إنه نسوانجي وجريء، لكن بثينة مشاعرها فياضة كفيلة تحرج أي حد.
بص عيسى قدامه ومردش وهو بينفث الدخان، فـ بصت بثينة معه للشارع وقالت:
كل يوم بفضل واقفة مستنياك هنا لغاية ما ترجع. كان في أيام بتبات فيها بره، مبترجعش في نفس اليوم. كنت بنام على نفسي في البلكونة... وماما تيجي تصحيني عشان أنام جوه.
بص لها عيسى وقال بهدوء:
يا بثينة، إنتِ طيبة وقلبك أبيض، وجميلة. ربنا يرزقك باللي يستاهلك.
عينيها جمعت دموع مرة تانية وقالت:
يحرم عليا أي راجل غيرك يا عيسى... هعذب نفسي مع غيرك ومش هقدر. مع إنك عمرك ما حسيت بيا ولا شوفتني... كنت شفافة بالنسبة لك. تخيل بنت من طفولتها بتتخيل إنها مراتك وعايشة معاك؟ خدت الخيال وسيبت لغيري الواقع.
بدأ عيسى يزعل عليها، فـ بصت للأرض ودموعها نزلت وهي تقول:
عمري ما حبيت أبين لك ضعفي... بس غصب عني كان لازم ييجي يوم وأكلمك عن مشاعري طالما مش شايفني وبتتعمد تتجاهلها. اهو أبقى عملت اللي عليا عشان لو جرالي حاجة...
حط عيسى كف إيده على شفايفها عشان متكملش.
شافت مياسة المنظر ده، قامت هبت من على الكنبة وهي تقول بضيق:
يوسف، من فضلك أنا نازلة.
يوسف باستغراب وهو يلاعب ابنه:
نازلة فين طيب؟
مياسة بعصبية عشان متعيطش:
هجيب حاجة من تحت وأجي.
يوسف بهدوء:
طب قولي لي عايزة إيه وأنا أجيبهولك!
مياسة بضيق لأن خلاص دموعها كانت هتنزل:
يووه.
خرجت نيللي من المطبخ وهي تشيل قمر عنها وتقول:
هاتي لغاية ما تيجي، هاتي حاجتك وتعالي.
سابت مياسة قمر مع نيللي وبدأت تهوي بإيديها على وشها عشان متعيطش وجريت برا الشقة. لاحظ عيسى جري مياسة لتحت، فـ طفى السيجار وقال لبثينة وهو بيقطع كلامها:
عن إذنك ثواني.
خرج من البلكونة جري على تحت عشان يلحقها. كانت باعتة لأيمن المكان، وأول ما شافته واقف تحت حضنته وقعدت تعيط.
أيمن وقف مكانه زي المتكهرب مش فاهم هي بتعيط ليه، فـ طبطب على ظهرها.
عيسى كان نازل على السلم لقاها في حضن أيمن وبتعيط قدام المنطقة! حارة شعبية! والقيل والقال وبعيدًا عن كل ده... هي في حضن راجل!!!!
راح ناحيتها وسحبها من حضن أيمن... ومشي بها ناحية العمارة. أيمن مشي وراه وهو بيزعق وبيقول:
عليا النعمة ما هسكت لك تاني يا...
قبل ما يكمل جملته، عيسى بطحه برأسه في رأسه.
وقع على الأرض لورا وهو ماسك رأسه وعيسى بص له بتحذير. سحب مياسة على فوق وهي تثبت رجليها في الأرض وبتقول:
سيب إيدي يا نسوانجي يا قذر.
كانوا في مدخل العمارة...
ومفيش حد حواليهم. وبدون سابق إنذار نزل على وشها بكف.
حطت كف إيدها على خدها وهي تبص له بصدمة. كان باصص لها بقرف وهو يقول بضيق:
تسيبي بنتك مع أمي، وتنزلي تركبي مع الـ **** اللي تحت ده. لمي حاجتك وتغوري... أنا مش استبن عندك تنامي في بيتي وتصبيحي في حضن عشيقك.
إيدها لسه على خدها وهو بينطر ذراعها من بين إيديه بقرف.
جريت على السلم عشان تخرج من العمارة تاني. سمع عيسى صوت ضرب نار، فـ نزل جري وهو بيخرج السلاح بتاعه من الحزام من ظهره ونازل يشوف إيه!
***
المكان: قصر أمير الذهبي.
تحديدًا: غرفة مكتبه.
كان قاعد ورا المكتب لابس هاي كول أسود وبدلة سودا، مرجع شعره كله لورا وهو بيقلب في الأوراق الخاصة بالأملاك بتاعة عيلة الذهبي. دخلت عليه صبا وهي لابسة بنطلون سكيني أسود وبوت أسود طويل للركبة، وهاي كول أسود أكتافه مكشوفة لكن أكمامه طويلة، وحزام جملي.
قفلت باب المكتب وهي تضم يديها لبطنها وبتمشي ناحية أمير وتقول:
برضو مش عاوز حاجة تاكلها؟ حتى لو سندوتش خفيف يسندك.
هرش أمير في مقدمة مناخيره وهو يقول:
سيبني لوحدي.
صبا بسؤال بديهي:
طب عيطت؟
بصله أمير بتبريقة ضيق وقال بملل منها:
تؤ! اخرجي وسيبني.
تجاهلت كلامه كالعادة وقعدت على طرف المكتب وهي تبص للأوراق اللي بيدور فيها وقالت:
بتدور على إيه بالظبط من الصبح؟
رزع أمير الورق على المكتب وقال بتكشيرة وتنهيدة نفاد صبر:
صبا، روحي شوفي ابنك وسيبيني.
صبا بعناد كالعادة:
لما أعرف.
أمير ببرود:
براجع على كل ممتلكاتنا وبحسب نصيبك أنتِ وولادي عشان أكيد نانسي بنت عمي ليها نصيب لازم يتحفظ باسمها، عشان لما يجرالي حاجة أكون أمنتكم على الأقل.
وشها اتغير وقالت بخضة وهي بتقعد على رجليه:
بعد الشر!! ليه الكلام ده؟ ربنا يخليك ليا ولولادك.
أمير بجدية:
هزود عليكِ حراسة، عشان هضطر أسيبك مع الولد هنا في أمان، واتحرك عشان أجيب حق أمي.
قامت صبا من على رجله وبصت له بفضول وقالت:
تجيب حقها؟ من مين! إنت مخبي عني حاجة!
بص لها بنظرة ميتة ومردش، ورجع بص في الورق. بلعت هي ريقها عشان أمير مش طبيعي، ومن وجهة نظرها طالما معيطش يبقى مشاعره مكبوتة وهيتضرر!
***
المكان: منزل عزيز الإبياري.
تحديدًا: الجناح الخاص.
كان يأخذ شاور وسيليا قاعدة على السرير لابسة روب وماسكة الفون.
خرج عزيز وهو لابس بنطلون أسود ومش لابس تيشيرت وقال وهو ينشف شعره:
برضو زعلانة مني؟ يا حبيبي مش أنا خدتك أنتِ وسيليا وروحنا الملاهي واتغدينا بره؟
رفعت سيليا عينيها وبصت له وهي تقول:
لأني المفروض أنا الست اللي إنت بتحبها، ده طبيعي. إنما واخدها هي معاك ليه؟
قعد عزيز على السرير ومسك إيد سيليا وقال:
عشان هي أمه. تصدقي وتؤمني بالله، أنا تعاملي معاها كان في أضيق الحدود، إنما خروجي معاكِ أنتِ وسيلا، كنت بحضنك. بخطف بوسة... بـ...
كان يتكلم ويقرب لها، فـ اتعدلت في قعدتها وهي تقول:
اتلم، إحنا لسه كنا سوا.
حاول يقرب منها تاني، لكنها لاحظت جرح في رقبته من تحت، وباين جرح مش بسيط. نزلت التيشيرت شوية، لقتُه جرح طولي من رقبته لكتفه، يعني كان فيها موته.
سيليا اتعدلت أكتر وهي مخضوضة وبتقول:
إيه ده يا عزيز؟ مين عورك بالمنظر ده وشكلها مش قديمة! حصلك إيه؟
سحب عزيز التيشيرت من بين إيدها وقال بضيق:
مفيش حاجة. كنت بحلق والموس نزلته على رقبتي لغاية تحت بالغلط، يعني حاجة بسيطة.
سيليا بعصبية:
ده كلام ميدخلش عقل عيل صغير... لو بتحلق على الأقل رقبتك من فوق اللي هتتضرر. مخبي عني إيه؟
وقف عزيز وقال وهو يسحب التيشيرت بتاعه من على ضهر الكرسي:
يووه، كفاية زن، قولت محصلش حاجة.
وقفت سيليا وهي تحاوط رقبته بإيديها وقالت بهدوء:
يا حبيبي مش بزن، أنا بسأل عشان قلقت عليك. مش ناوي تصارحني؟
بصله عزيز بإعجاب وحب، بعدها قال بهدوء:
ناس غريبة اتهجمت عليا فـ...
سيليا وهي تبص له مستنياه يكمل:
فـ؟
عزيز وهو يبص ناحية تانية عشان عينه متجيش في عينيها:
قتلـ|تهم.
سيليا بخضة وصوت عالي:
يالهوي!
عزيز بتبريقة:
ششش! أومال عايزاني أعمل إيه؟ الواد ركب ومسكني من رقبتي من ورا، كان عاوز يدبحني. لولا عندي سرعة بديهة كان زمانك بتترحمي عليا.
حضنته سيليا جامد وهي تقول بسرعة:
بعد الشر!
غرز عزيز رأسه في رقبتها وهو مغمض عينيه وبيقول:
لسه حلوة زي ما إنتِ، زي أول مرة شوفتك فيها.
ابتسمت وهي في حضنه وقالت:
مبتزهقش؟
رفعها من خصرها وحاوطت خصره برجليها وقال:
عمري ما أشبع منك!
مفهمتش سيليا إنه بيغير الموضوع ويداري على اللي حصل. رغم إنها كانت واحشاه، بس خوفه من إنها تحس بالخطر تاني وهي معاه كان مسبب له قلق. مكانش مستعد ينفصل عنها وهو حاسس إنه هيحصل شيء. كان حابب لو دي نهايته تكون على ذمته لآخر نفس.
***
المكان: حارة المنيل.
تحديدًا: أسفل بناية بثينة.
كما توقع عيسى، عربيتين مجهولين بدون أرقام بيحاولوا يخطفوا مياسة. وأيمن مداري رأسه بين إيديه وقاعد على ركبه بيصوت. سحب عيسى مياسة اللي مستخبية ورا حيطة العمارة وخلاها وراها وهو مصوب سلاحه ناحية العربيتين. بيحاول يصوب على الإزاز أو على الأشخاص اللي بتضرب نار، أو على العجلات عشان يعيقهم. ومياسة ماسكة في هدومه من ورا بخوف وهي بتترعش. قام أيمن ووقف ورا مياسة اللي واقفة أصلًا ورا عيسى وهو بيترعش ومبرق... لغاية ما العربيتين مشيوا بعيد عشان عيسى كان بيصوب بطريقة محترفين.
بثينة ونيللي ويوسف وأمهاتهم كانوا واقفين في البلكونة بيتفرجوا وبيصوتوا. لف عيسى وهو يبص لمياسة بعتاب صامت وضيق منها. وبص بتقليل لـ أيمن اللي كان خايف. اتضايق أيمن من نظرات عيسى، إيه ونظرات مياسة لعيسى اللي شافته بطل، فـ قال بضيق:
تلاقيهم تبعك أصلًا وعملت النمرة دي عشان تلفت نظر خطيبتي ليك من تاني.
بوز السلاح بتاعه ضرب عيسى أيمن في رأسه. وبعدها نزل بكوعه عليه في بطنه، فـ صوت أيمن. نزل يوسف جري والبوهيمي خرج من الدكان بتاعه عشان يحوش وهو بيقول:
خلاص يا عيسى، سيبه لي أنا.
نزل يوسف برضو ومسك عيسى من الناحية التانية فـ قال عيسى بعصبية:
إنت كنت واقف مستخبي وراها، يعني هي اللي هتحميك بعد كده يا ***.
كان حاطط أيمن إيده فوق راسه وهو يقول:
والله لا أعمل فيك محضر، يلا يا مياسة.
مياسة بصت لعيسى وكانت خايفة تروح مع أيمن. فـ عيسى ضغط على أسنانه وقال:
مش هتروح معاك في حتة. تقوم كدا بدل ما أخليك خط منتصف الطريق. يلا يا ****.
يوسف بزعيق:
ما تنجز يا عم وتغور!
قام أيمن وهو يقول:
محضر تعدي عليا واحتجاز خطيبتي.
عيسى بعصبية:
آه، طيب ماشي جدع، يلا روح عيط للحكومة زي النسوان.
ركب أيمن عربيتُه وساقها بسرعة ومشي. بصت مياسة لعيسى بذنب وهي لاوية بوزها. فـ مقدرش عيسى يقاوم. مد إيده لها وهو بيقول بجدية وغضب:
هاتي إيدك.
حطت إيدها في إيديه ومشيوا سوا ناحية عمارتهُم هما، سايب عيسى وراه بثينة عينيها مليانة دموع كالعادة، والحسرة مالية قلبها.
دخلوا العمارة وبعدها الشقة. ساب عيسى الباب مفتوح وفتح أول زرارين عشان يتنفس وهو بياخد نفسُه بالعافية. راحت مياسة المطبخ ورجعت بمنديل. قعدت جنبه وبدأت تمشي المنديل على وشه تمسح له العرق. بص لها عيسى وهو ساكت، فـ قالت هي بـِ رقة مسمعهاش منها من فترة:
أنا آسفة.
عيسى بصوت رايح من كثر الزعيق:
على إيه بالظبط؟
رفعت عينيها وبصت لعينيه وهي ترمش وبعدها قالت بهدوء:
إنت شايف إيه؟
بص لـ وشها بعيونه من فوق لتحت وهو مقرب وقال بتكشيرة:
أنا شايف إنك فرس عنيد، وصاحبه فشل يروضه، وكل ما يهرب من صاحبه يدافع الحرية ويروح لحد تاني. بيعرف إن مفيش حد هيراعيه ويحميه... غير صاحبه اللي هو في الأساس ملكه.
ابتسمت ابتسامة خجل على جنب وهي تبص للأرض. بعد شعرها الطويل الناعم على جنب عشان يشوف ملامحها، فـ نزل شعرها من الجهة التانية وهي تبص له وتقول:
أصل اللي بيحاول يروضني، بيحاول يخليني نسخة من فرس قديم... وأنا عمري ما هكون غير أنا، حتى لو مقابل ده هفقد شعور الأمان اللي بحس بيه. فاهم حاجة؟
عيسى وهو يعض على شفته السفلى قال:
آه فاهم... عقبالك.
الصمت كان ثالثهم، لغاية ما عيسى قرر يفوق من سحرها وقال:
بالليل هتفوت عليكِ ست في منتصف الثلاثينات، هتاخدك معاها لمشوار بخصوص المفتاح اللي في السلسلة.
حطت مياسة إيدها على رقبتها وهي لامسة السلسلة وبصت لـ عيسى بـ ريبة، فـ طمنها بنظرته وقال:
متقلقيش، أمان. روحي معاها وافتكري مأمنتِش حد غيرك على اللي هتشوفيه.
حركت رأسها بمعنى حاضر. رجع سرح فيها تاني، وهي بصت له بنظرات خجل وحب. جه عشان يقرب منها، دخلت والدته وهي تقول بخضة:
إيه يابني اللي حصل في الحارة ده؟؟
***
المكان: منزل أعلى تل مرتفع.
تحديدًا: جناح الرايق.
دخل نوح الجناح وهو يقفل الباب برجل واحدة ويرجع شعره لورا بإيديه بعصبية وهو يتنهد. كانت قاعدة رفيف على السرير حاطة قدامها ركان وريان وهي تبص لنوح باستغراب وتقول:
مالك، إيه؟
فرك نوح عينيه وهو يقول:
مفيش حاجة، أنا بس... عايزك تقفلي على نفسك الجناح أنتِ والعيال كويس ومتفتحيش لمخلوق لغاية ما أجي. الباب مصفح صعب فتحه إلا إذا سيادتك قررتي تفتحي الأقفال من جوه.
رفيف كشرت بعدم فهم وهي تبص له وتقول:
مش فاهمة، إنت خارج؟
بصله نوح بثبات وقال:
أيوه، ورايا شغل مهم... هخلصه وأرجع.
ضحكت رفيف بسخرية وقالت:
طبعًا شغل مهم، زي شغلك اللي قبل كده.
نوح بتبريقة على طريقتها:
فوقي واعرفي إنتِ بتتكلمي إزاي، لا إلا هفوقك بطريقتي. تسمعي كلامي عشان أنا مش واثق في الحرس اللي هنا، وبصراحة مش واثق فيكِ تفتحي الباب وتاخدي العيال وتجري بيهم... ساعتها تبقي حكمتي عليهم يعيشوا أيتام من غير أم.
غطت رفيف أولادها وقامت وقفت قدام نوح وهي تقول بصدمة:
للدرجة دي روحي مش مهمة عندك؟
نوح قالها بوجع منها:
وهو أنا اللي مهم عندك أوي؟ إنتِ نفسك في أي فرصة عشان تهربي مني... مش متقبلاني ومتقبلة حياتي وتقولي هروح لآخر العالم معاكِ لأني مبحسش بالأمان غير معاك.
رفيف عينيها احمرت وضحكت بسخرية تاني وهي تقول:
أديك قلتها بنفسك... مبحسش بالأمان غير معاك. أحسُه إزاي بعد اللي إنت عملته فيا.
كور إيديه ورفعها، فـ انكمشت رفيف على نفسها. راح خبط إيده في الباب المصفح جامد. اتخضت هي. فتح الباب وخرج ورزعه وراه وراح قافل بمفتاح من برا. رزعت هي على الباب بإيديها وهي تقول بزعيق:
هي حصلت بتحبسني!! ماشي يا نوح.
الأولاد ابتدوا يعيطوا، فـ هديت وقربت منهم وهي بتبكي وبتقول:
حقكم عليا، مقصودش أزعق.
قعدت تهدّي فيهم عشان يبطلوا عياط وهي تبص للباب بضيق.
اتحرك نوح ووراه رجاله، وواحد منهم بيقول:
مش هنجيب خالد معانا يا باشا؟ كان بيساعدنا كتير!
وقف نوح وبص لهم وهو يقول:
كنت هقولك خالد محتاج علاج، بس لقيتها جملة هزلية... لأني شخصيًا المفروض أتعالج. هطلع أجيبه بنفسي، وبالمرة أشوف التانية.
***
المكان: حارة المنيل.
تحديدًا: منزل الغريبي.
مياسة كانت قاعدة على الكنبة تمسح إيدين قمر بالوايبس الطبية. بصت والدة عيسى من المطبخ وهي تسأل:
مقالكيش رايح فين بعد كده؟
عدلت مياسة قمر وقعدت تطبطب على ظهرها وهي تقول:
لأ يا ماما، هو قال وراه شغل بس، وقالي أقولك على الست اللي هتفوت عليا عشان تفرجني على حاجات قمر.
والدة عيسى باستغراب:
آه، ما هو اتصل بيا وقالي، بس إشمعنى بالليل؟ ده خطر عليكِ يا بنتي.
مياسة بهدوء:
يعني تفتكري عيسى هيخليني أروح مع واحدة هو مش واثق فيها؟
خرجت والدة عيسى من المطبخ وقعدت جنب مياسة وهي تقول:
مش قصدي كده، أنا بس مش مرتاحة شوية.
مياسة بابتسامة:
متقلقيش، قمر رضعتها أهو وغيرتلها، خليها معاكِ معلش على ما أخلص مشواري.
شالت والدة عيسى قمر وهي تقول:
ياختي، أحب ما على قلبي. بكرة نيللي تولد وأشيل ولادها برضو.
دخلت مياسة تغير هدومها، وهي بتغير سمعت صوت الجرس، فعرفت إن الست اللي تبع عيسى جت. لبست مياسة سويتر كحلي وبنطلون سكيني جينز أسود، وعملت شعرها بوني تيل. بصت للست اللي أم عيسى بتحاول تضايفها والتانية بتقول إنها مستعجلة.
كانت ست ثلاثينية، شيك، لابسة بوت طويل وفستان شتوي غامق. بصت لمياسة وابتسمت وهي تقول:
جاهزة؟
مياسة بهدوء بتحاول بيه تخفي التوتر:
آه.
اتحركت معاها وركبوا عربية الست ومشيوا.
وقفت العربية عند محطة القطر، وكان باين عليها التعب. استغربتها مياسة وسألتها:
هو حضرتك كويسة؟ شكلك تعبانة أوي.
الست بهدوء:
متقلقيش، أنا بخير. هنزل بس أروح التويلت وأجي نكمل مشوارنا.
مياسة بهدوء:
أوك.
نزلت الست من العربية وهي تضم هدومها عليها من البرد، وسابت مياسة في العربية مستنياها. استنت مياسة ربع ساعة، بعدها زهقت وفتحت الراديو.
"مع راديو مصر، هواك هوانا."
"قمرين دول ولا عينيك؟ قلبي بيسألني عليك."
"الداخلية تشدد على ضرورة التزام المواطنين بـ..."
قفلت مياسة الراديو وهي تتأفف بعد ما قلبت في القنوات. الجو كان برد وليل... ومحطة القطر بس اللي منورة وشكلها مفيهاش ناس كتير. قررت تنزل تستعجل الست. نزلت من العربية بعد ما سحبت مفتاح العربية منها وقفلته، واتحركت ناحية المحطة وهي تلتفت حواليها. ملقتهاش، فـ قررت تروح للحمامات. دخلت وهي تبص على الأبواب... لقت باب واحد بس اللي مقفول.
خبطت عليه وهي تقول لأنها نسيت تسألها عن اسمها:
إنتِ هنا؟ الجو برد أوي وأنا استنيتك كتير!
...
خبطت مياسة تاني لكن موصلهاش رد. فـ قررت للأسف تتصرف من دماغها.
***
الساعة 1 منتصف الليل.
رجع عيسى لبيته اللي في الحي الراقي. نزل من العربية ولسه بيتحرك عشان يطلع، خبطة على رأسه من ورا وقعته في الأرض... وسحبوه في عربية سودا مفيمة ومشوا بسرعة.
أصوات متداخلة، ألم شديد في رأسه... عدم القدرة على فتح عينيه من شدة الألم. حس بنقط مياه على وشه، فـ فتح عينيه بـبطء.
نور الشمس وشكل السما الزرقا أول حاجة شافها. رمش بعينيه كذا مرة، لقى وش بنت فوقه بتقول:
عيسى، شكلك هوت بالقميص الأبيض واللبس الصيفي.
صيفي!
اتعدل عيسى، لقى نفسه لابس شورت جينز أسود، وقميص أبيض مفتوح أول ثلاث زراير منه، والسلسلة بتاعته منسدلة على جسمه. بص حواليه، لقى نفسه على شاطيء بحر! وعلى حواف الشاطيء ستات لابسين فساتين بيضا وماسكين دفوف بيستعملوها مع ألحان الأغنية.
بصوت أحمد منيب: (الليلة... الليلة يا سمرا يا سمارة، الليلة يا سمراا).
يتبع..
رواية العبث الاخير الفصل الثالث عشر 13 - بقلم روزان مصطفى
فاق عيسى ولقى نفسه ممدد على الرمال بقميصه الأبيض المفتوح، والبنات واقفين على حواف الشاطئ ماسكين دفوف ولابسين فساتين بيضاء تزامناً مع لحن أغنية (الليلة يا سمرا) لأحمد منيب.
فرك عينيه عشان يدقق في تفاصيل المكان حواليه، لقى ترابيزة بلاستيك عليها شمسية كبيرة قاعد تحتها ثلاث رجال وفي بنتين واقفين وراهم بيعملوا لهم مساج، ونوح قاعد معاهم على الترابيزة، الجهة التانية عزيز كان لابس شورت أسود مايوه وأمير كان ممدد على شيزلونج الشاطئ لابس نظارة سودا وساكت باصص للسما.
بص عيسى للبنت اللي وراه لقاها قاعدة على ركبها جنبه وبتبص له برغبة وبتقول:
"سألت عنك قالولي اسمك عيسى، من ساعة ما جيت وإنت مغمى عليك.. لفت نظري تفاصيلك وملامحك.. مقدرتش أقوم جيت أصحيك."
خد عيسى نفس وهو بيقول بصدمة:
"أنا فين؟"
البنت بابتسامة على خضته:
"إنت في الساحل متقلقش، الجو النهارده مناسب تصيف، حتى الجو بقى بيخرف يا عيسى."
كان باصص بتوهان لعزيز وأمير، عزيز لف وشاف عيسى صحي فرفع إيده لفوق باتجاه نوح وهو بيشاور له بعينيه على عيسى، قام نوح بعد ما فهم الإشارة وكان ماسك كاس في إيده، قرب منهم وقال لعزيز:
"روح فهم عيسى اللي حصل عشان يبقى معانا على الخط."
عزيز عشان مبيحبش حد يديه أوامر:
"مش رايح خلي أمير يروح."
نوح بضيق:
"ده رخيص مش هيرضى يروح."
عزيز بتصميم:
"أنا أرخص منه ومش رايح."
قرب نوح من أمير اللي كان قالع التيشيرت بتاعه وبيستمتع بالشمس اللي ظهرت فجأة في منتصف الشتا، قال نوح:
"إلبس الفانلة بتاعتك وروح فهم عيسى اللي حصل."
بصله أمير وسكت فـ قال نوح بضحكة مكتومة:
"فانلة لاتيه هههه."
عزيز بضيق:
"يوووه."
قام أمير وهو بيسحب التيشيرت وبيلبسه، اتعجب نوح وعزيز من إن أمير مجادلش معاهم وراح ناحية عيسى، عيسى كان بيترقب أمير وهو بيقرب منه وأول ما قعد جنبه قال عيسى بصدمة:
"إحنا فين هنا ومين دول."
أمير ببرود حزين:
"في الساحل، ودول الجماعة اللي نوح بيشتغل معاهم اللي مصدرين له الرجالة بتوعه وكانوا بيساعدوه في اللي حصلنا."
اتنفض عيسى وقام وقف وهو بيقول بزعيق:
"وإزاي يقعدونا مع ناس زي دول!! إحنا أصلا مش طايقينه من ساعة اللي حصل يقوم يجيب الأشكال دي تقعد معانا!"
قام أمير وقف وهو بيهديه وبيقول:
"هو قال دول الوحيدين اللي هيوصلونا للي ضربوا نار علينا في الجنازة، هيعرفوا يجيبوهم صدقني."
عيسى بتبريقة:
"أصدقك ليه؟ ليه أصدق أي واحد فيكم من الأساس؟ معنديش بربع جنيه ثقة فيكم.. أنا ماشي بلاش كلام فارغ."
وقف عزيز قدام عيسى وهو بيقول:
"اهدأ وبطل شوشرة الناس بدأت تتفرج علينا."
عيسى بعد إيد عزيز بعنف وهو بيقول:
"ملكش كلام معايا أحسن لك!! روح اقعد مع بنتك وقولها إني سافرت ومش عايز أشوفها."
عزيز باستغراب:
"وإنت شفت بنتي فين؟"
اترسم على وش عيسى رياكشن صدمة إن عزيز بالفعل قاصد يمنع سيلا منه فـ قال بنفس الرياكشن:
"جميل الكلام ده، ضهرك عشان أعدي."
كان واقف أمير ومش قادر يتكلم ولا يعمل أي شيء يمنع عيسى يستنى بيه، نوح كان ناوي يتحرك في اللحظة الأخيرة لكن واحد من الرجال اللي نوح بيشتغل معاهم وقف قدام عيسى وهو حاطط سيجار فاخر على طرف بوقه وبيقول:
"مسيو عيسى، تسمحلي آخد من وقتك نص ساعة بالظبط أشرحلك فيها كل حاجة؟ وشوية معلومات عرفتها عن الجماعة اللي بيلاحقوك بقالهم فترة، منهم البنت اللي بتدعي إنها جارتك الميتة."
بهت وش عيسى وقال بصدمة:
"إنت تعرف جارتي منين؟ طبعًا الرايق بيه حكالك وعرفك كل كبيرة وصغيرة عننا."
ابتسم الراجل على جنب ابتسامة صغيرة وقال:
"صدقني إنت فاهم غلط، مش هتخسر حاجة.. اللي أعرفه إنك من أيام شغلك مع المايسترو بتحكم عقلك قبل ما تتصرف بغشومية، عشان كده لقبك العقرب، المعلومات اللي عندي تستحق تديني فرصة نقعد النص ساعة دي سوا."
كان واقف عيسى محتار، غضبان وهو بيبص لنوح اللي واقف ورا بعدها حرك عينيه ببرود للراجل اللي واقف قدامه وقال:
"ماشي.."
اتحرك عيسى معاه ناحية الترابيزة وقعد، جت البنت اللي كانت قاعدة جنب عيسى بتحاول تعمله مساج في أكتافه فـ اتقدم عيسى بجسمه لقدام وهو بيقول بحزم:
"مش عايز حد يلمسني."
شاور الراجل للبنت وقال:
"روحي إنتِ."
***
المكان: حارة المنيل
تحديداً: غرفة عيسى.
والدة عيسى شايلة قمر وهي بتطبطب عليها لأنها بتعيط، ومياسة وشها أحمر ومعيطة وهي بتلم في حاجتها بعصبية، والدة عيسى وهي بتحاول تهديها قالت بهدوء:
"يابنتي استهدي بالله أكيد عمل كده لسبب."
مياسة من بين سنانها وهي بتعيط:
"عايز يعطلني ويخوفني عشان يعرف يمشي ورا البت إياها زي المسحور، مين قاله أصلا إنه لو عايز يشوفها أنا هتضايق، أنا وجودي غلط زي ما هو قال ولازم أقعد في شقتي اللي في عمارة خطيبي."
والدة عيسى بحزن عشان هتفارق قمر:
"وتحرمني من حفيدتي؟"
مياسة من غير ما تبصلها قالت:
"أنا هسيبلك العنوان لو حابة تيجي أكيد بيتك، وأيمن مش هيعترض هو محترم ومقدر."
سحبت مياسة شنطتها من السرير للأرض وهي مغمضة عينيها عشان متعيطش وهي بتقول لوالدة عيسى:
"البنت لو سمحتي."
مدت والدة عيسى إيديها لمياسة بقمر فـ أخدت مياسة البنت والشنطة وكانت ماشية بالعافية، قابلت يوسف على نص السلم وهو مصدوم وبيقول:
"هتروحي فين يا ماسة؟"
بلعت ريقها وقالت بهدوء:
"معلش يا يوسف هرجع شقتي عشان محتاجة أرتاح مع نفسي بعيد عن كل حاجة هنا."
سكت يوسف وقال بأسف:
"حقك طبعًا، هاتي عنك."
سحب منها الشنطة وشالت هي قمر ونزلت السلم وهي بتعيط، أيمن كان واقف تحت لابس قميص نص كم لونه بيبي بلو وبنطلون قماشي أسود.. وصلت مياسة لتحت فـ ابتسم أيمن وهو بيفتح لها باب العربية وبياخد الشنطة من يوسف، يوسف بص له بقرف بعدين بص لمياسة وقال:
"لو احتاجتي أي شيء أنا أخوكي الصغير وموجود عشانك دايماً."
ابتسمت مياسة بكسرة وقالت:
"ربنا يديم وجودك."
ركبت العربية وركب أيمن وهو بيمسح المرايا الأمامية وبيقول:
"سبحان مغير الأحوال، حد يصدق ييجي يوم حر كده وسط الشتا والبرد الشديد اللي إحنا فيه، إيه يا حبيبتي ساكتة ليه؟"
كشرت مياسة وهي بترمش كذا مرة بعدين قالت بصوت باهت:
"مفيش بس عايزة أروح البيت آخد شاور وأغير للبنت وأنامها."
ضيق عينيه وقالها بشك:
"إنتِ كنتِ فين امبارح بالليل صحيح؟"
غمضت مياسة عينيها وهدت نفسها عشان متتعصبش عليه بعدين قالت:
"كنت في مشوار مع صاحبتي، لو التحقيق بتاعك خلص ياريت نتحرك."
اتحرك أيمن بالعربية وخرج من الحارة، كانت بثينة واقفة في البلكونة أول ما شافت مياسة مشيت دخلت جري على جوه وقالت بسعادة:
"ماما ماسة مشيت، خدت بنتها ومشيت، معنى كده مرجعوش معنى كده خلاص الطلاق ثبت."
مامتها كانت بتحشي حمام بالرز المتبل قدام التليفزيون، بصتلها بطرف عينها بعدها رجعت بصت للحمام تاني، السعادة اللي على وش بثينة بهتت وهي بتقول:
"هو أنا كده وحشة وشمتانة؟ والله ما أقصد شماتة، أنا بس ربنا العالم أنا بحبه قد إيه."
كانت والدتها رابطة على راسها طرحة لمة بيها شعرها، أخدت حبة من كوباية الشاي بتاعتها وكملت حشي في الحمام وهي بتقول:
"شوفيلي الزبيب فين، وتابعي الرز البسمتي الأصفر على النار هو بياخد سوا عن العادي، خلينا نخلص الغدا."
بثينة قعدت على الكنبة وهي بتقول:
"هو في حد جاي ولا إيه يا ماما؟"
والدتها بصوت عالي:
"يابنتي إحنا عايزين نتغدى! قومي حركي نفسك."
جريت بثينة على المطبخ وبدأت تعمل اللي والدتها قالتلها عليه.
قالت والدتها بصوت عالي عشان تقدر تسمعها:
"حطي ملح وحبهان في مياه سلق الحمام يا بس بس."
سكتت بثينة شوية بعدين قالت بصوت عالي:
"الملاحة فاضية يا ماما الملح خلص."
والدتها بضيق:
"يييه، طب خدي البوك وإنزلي هاتي من الدكان كيسين ملح، قوليله ناعم مش خشن."
كانت بثينة بتحب لبس الفساتين، كانت لابسة فستان كحلي فوق الركبة حاجة بسيطة، وليه فيونكة لونها سوفت بينك على الصدر، وجاكيت قصير بأكمام، شعرها قصير تحت ودانها بحاجة بسيطة لونه بني فاتح، بيضا ووشها مدور، عندها حسنة فوق شفايفها لونها بني صغيرة، وعينيها عسلية نعسانة.
لبست الصندل بتاعها ونزلت، دخلت دكان البوهيمي وهي مبتسمة وبتقول للبوهيمي:
"صباح الخير."
ابتسم هو بحب وقال:
"صباحك زيك يا أبلة بثينة."
رجعت شعرها ورا ودانها وهي بتقول:
"عايزة كيسين ملح، وماما بتقولك ناعم مش خشن."
دخل جابلها كيسين الملح وحطهُم قدامها وهو بيقول:
"مفيش أنعم منك."
بدأت ملامحها تتضايق وقالت وهي بتكتف إيديها:
"قصدك إيه بكلامك ده؟"
رفع أكتافه وقال:
"قصدي إنك رقيقة، ده مدح."
أخدت كيسين الملح وسابت الفلوس قصاده وقالت بتكشيرة:
"طب متبقاش تكررها تاني، عيسى لو سمعك مش هيحصلك كويس."
خرجت من الدكان فـ كشر هو، دخل يوسف الدكان وهو بيقول:
"يا عم ما قولتلك مينفعش، دي أكبر منك ودماغها مشغولة من سنين بأخويا."
محمد البوهيمي قال بتنهيدة:
"هو من إمتى السن كان مشكلة؟ أنا بحبها عشان رقيقة وحزينة وكمان جميلة، يعني الحاجة الوحيدة اللي بتخليني أشكر أخوك إنه بيكون السبب تقف في البلكونة بالساعات عشان بتأملها، بس لما بفتكر إنها واقفة مستنياه أنا بتضايق، متزعلش مني يا يوسف إنت صاحبي وبصارحك بمشاعري."
يوسف بهدوء:
"بنات حارة المنيل كتير وحلوين، سيبها لإنها لو مش من نصيب عيسى مش هترضى بغيره، بكلمك بصفة أخوة والله.. وعيسى عمره ما فكر فيها يعني انتوا الاتنين حالكم يغُم."
غرز البوهيمي صوابعه في شعره وهو بيزفر بضيق بعدين رفع راسه وضيق عينيه وهو باصص ليوسف وقال:
"كنت جاي تشتري حاجة ولا جاي عادي؟"
يوسف بهدوء:
"كنت طالع عند حماتي سمعتكم فـ قولت آجي أنبهك للمرة العاشرة، شيلها من دماغك في مليون عائق بينكم."
خرج يوسف من الدكان وساب البوهيمي سرحان وبيبص على بلكونة بثينة.
***
قعد عيسى معاهم وهو بيسمعهم، اتكلم الراجل اللي باين عليه كبير الليلة دي وقال:
"اللي هقولهولك ده كان صعب تعرفه بنفسك، أنا عشان ليا تعامل معاهم عارف تفاصيل كل حاجة، أمل.. جارتك البنت الصغيرة، يا ترى اتقتلت ليه؟"
عيسى ببرود:
"وإيه يخصك فيه إيه؟ أو إيه علاقته بالبنت الشقرا والرجال اللي معاها بيطاردونا."
ضحك الراجل بسخرية وقال:
"أتمنى متكونش مصدق إن البنت الشقرا دي أمل."
عيسى بنفس الثبات والبرود:
"عارف إنها مش هي بس بحاول أجيب آخرها."
الراجل بإصرار على تساؤله:
"طب جاوبني!"
عيسى رفع عينيه بملل وبعدها قال:
"عشان أبوها لعب بديله مع العصابة اللي كان شغال عندهم اللي هو المايسترو وجماعته فـ انتقموا منه فيها."
الراجل وهو بيطفي السيجار قال:
"كل ده عبث ملوش أساس من الصحة، الحقيقة اللي هتسمعها مني قاسية لكن لازم تعرفها، والد أمل كان شغال مع المايسترو وجماعته وفي يوم اتغابى واخد بنته معاه الشغل، كان رايح يقبض فلوس من شغلة عملها فـ قال الوضع تمام هاخدها لإن والدتها كانت عند أهلها ومينفعش البنت تقعد لوحدها في البيت، اللي مكانش عامل حسابُه ساعتها إن كان في صفقة بين المايسترو وبين واحد من تجار الأعضاء، ممددين راجل على ترابيزة خشب وبيصفوا جسمه من أي عضو حي، أبوها قالها استنيني في العربية اللي مأجرها ونزل، البنت زهقت ونزلت سرحت مع نفسها في المكان، وشافت كل حاجة.. كأي بنت صغيرة طفلة لما تشوف شيء دموي أو مشهد مخيف غير مألوف بالنسبالها، فقدت التحكم في نفسها وعملت على نفسها من الرعب.. المكان مهجور وقديم، لو وقعت فيه إبرة هتسمع صوتها.. صوت الماية اللي نازلة منها سمعوه وبصوا لقوها واقفة ورا الباب بتراقب اللي بيحصل وشافته كله.. بنت صغيرة وشافت شيء خاص زي ده، طبيعي هيعملوا حجة عشان يخلصوا منها عشان يفضلوا في الأمان.. وانتهى الحال زي ما شوفت، نيجي بقى للنقطة اللي مش هتكون سهلة عليك.. والدك الغريبي.. دفن البنت مع أهل الحارة ده صحيح، لكنه كان على علم إن جثتها اختفت من المقبرة بعد تلات أيام من دفنها مع ذلك مبلغش أهلها ولا أهل الحارة ولا النيابة.. كفى على الخبر ماجور زي ما أهلنا في الأرياف قديمًا بيقولوا.. وأي حد كان بيسأله على مكان المقبرة "الفاضية" بيدله عادي، لو كان نطق لأي حد باللي حصل كان زمان البنت دي مرتاحة في مقبرتها."
وقف عيسى بغضب وهو بيحاول يتهجم على الراجل وبيقول:
"اخرس يا ***، بتفتري على أبويا وهو بين إيدي ربنا."
وقف الراجل وقال بغضب:
"كل الكلام ده اتقال على لسان المايسترو في تسجيلات صوتية هخرم ودانك بيها لو حابب، أنا مقولتهوش لنوح قولته ليك إنت في وشك عشان متأكد وواثق منه، أبوك كان شغال مع المايسترو هو وأبو أمل لكن لما أمل اتقتلت على إيديهم خاف عليك إنت وأخوك وبعد عنهم وتاب، وسكت عن حقها عشان يفضل في الأمان، اسأل والدتك هي عارفة الكلام ده كويس، محبيتش تبقى مغفل وبتلف في نفس الدايرة، مكانش بالساهل المايسترو يعتبرك زي ابنه ويكتبلك ثروته، إنت عوضته وبزيادة أوي عن مكان أبوك في الشغل معاه، كنت أشطر وأجرأ من أبوك فـ كنت دراعه اليمين، مسألتش نفسك ميراثك من أبوك جه منين؟ من دكان العطارة المخستع أبو 200 جنيه في اليوم؟ حكم عقلك يا عقرب وفوق لنفسك."
اتهد عيسى على الكرسي وهو فاتح بوقه ومصدوم، قعد الراجل وقال بهدوء:
"لو تحب أعرفك حاجة ياريت تسألني، خيوط المافيا كلها بين إيديا، أنا الماريونيست اللي بحركهم وعارف كل حاجة."
بص عيسى بعد ما أخد نفس عميق للراجل وقال:
"مين البنت الشقرا والرجالة اللي معاها وعاوزين مننا إيه؟"
ابتسم الراجل بهدوء وقال:
"البنت دي هسيبك تعرفها بنفسك، أما الرجالة اللي معاها هما السبب في كل اللي بيحصل يعني البنت مغلوبة على أمرها معاهم، دول قرايب المايسترو وعارفين كويس أوي إنت عملت فيه إيه، وبما إنهم اتحرموا من ورثهم منه بسببك لإنه كتبلك كل حاجة، راجعين من برا يخلصوا منك عشان الحقوق تعود لأصحابها حسب اعتقادهم، ومش هيرازوا فيك إنت وبس، هيرازوا في صحابك الثلاثة نوح وعزيز وأمير، هما عارفين إن في الشدايد بتبقوا سوا فـ هيلعبوا عليكم من كذا اتجاه عشان يشتتوكم، واحتمال يوقعوكم في بعض هما خبثاء شوية.."
عيسى كان مصدوم، فاقد النطق، ونوح قاعد واخد الصدمة زيه، باصصله وساكت، عين عيسى الشمال بدأت ترف، نوح بصله بجمود وهو عارف لما عين عيسى بتررف بيحصل إيه..
***
وصلت مياسة على شقتها في عمارة أيمن، دخلت وهي بتحط قمر على السرير وبتغير هدومها وبتعيط.. كانت متغاظة جداً من حركة عيسى إنه بعتها مع واحدة عشان يشتتها، متعرفش إنه كان حاسس بالخطر فـ حب يحميها هي وقمر بالطريقة دي.. ويبعدها عنهم عشان ميعملوش فيها حاجة.
غيرت هدومها وحست بالجوع لكن مكانش ليها خلق تطبخ أي حاجة، مسكت الفون واتصلت على أيمن وهي بتقوله إنها جعانة، قالها إنه طالع لها دلوقتي.
شوية وجرس الباب رن لقى أيمن في وشها، كان ناوي يدخل لكنها مدت إيديها لصدره بتمنعه وهي بتقول:
"رايح فين؟ أنا لوحدي في الشقة ميصحش.."
أيمن ببجاحة:
"جرا إيه يا مياسة هو أنا هاكلك؟ هنقعد نتكلم سوا."
مياسة بضيق خلق:
"مش قادرة أتكلم، لو معاك رقم مطعم قريب ياريت تجيبه أكل بس عشان دايخة."
أيمن بتناحة:
"أطلبلك إيه طيب؟ فراخ مشوية؟ ولا تحبي تاكلي إيه."
كانت أعصابها مشدودة وعصبية لإن كل حاجة بتحصل حواليها مش على هواها ومضغوطة نفسيًا فـ قالت بضيق:
"خلاص هنزل بنفسي أجيب أكل!"
أيمن بهدوء:
"تمام تمام هطلبلك أكل كويس يغذيكِ، خشي ارتاحي شوية وساعة بالكتير والأكل يوصلك."
نزل أيمن فـ قفلت مياسة الباب ومددت على الكنبة، فتحت التليفزيون ووطت صوته عشان قمر نايمة.. كانت بتتفرج بعقل شارد، لغاية ما فونها رن فـ قامت بتعب ناحية الفون ومسكته ببرود، رقم برايفت اللي كان بيتصل عليها، ردت بملل وقالت:
"أيوة؟"
وصلها صوت راجل بيقول:
"مدام ماسة؟"
قالت بضيق خلق:
"مياسة.. مين حضرتك؟"
الراجل بصوت مهذب:
"مع حضرتك موظف من بنك "..."، العميل الخاص بينا مستر عيسى الغريبي قال إن حضرتك المفروض تيجي تستلمي الأمانة من الخزانة الخاصة بيه وهو مفوضك بالنيابة عنه لأنه هيسافر، أقدر أعرف المفتاح مع حضرتك ولا إيه؟"
مدت مياسة إيديها لرقبتها ومسكت السلسلة وهي بتقول بتوتر:
"آه أيوة، هي الأمانة عبارة عن إيه بالظبط؟"
الموظف بذوق:
"معنديش فكرة يا فندم دي خزائن أمانات، حضرتك تقدري تشرفينا في خلال ساعة؟"
مياسة قالت بحماس:
"أنا جاية دلوقتي."
قفلت معاه وجريت عشان تغير هدومها، لبست جيب جلد سودا فوق الركبة حاجة بسيطة، وبوت وكوت جلد أسود وتحتهم قميص أبيض، ولمت شعرها كله لفوق، لبست قمر وشالتها ونزلت بيها جري من الشقة، شافت أيمن واقف تحت فـ قالها بصوت عالي عشان مش لاحقها لإنها بتجري:
"على فين كده؟"
مياسة بصوت عالي:
"مش هتأخر."
وقفت تاكسي وقالتله على اسم البنك فـ اتحرك بيها..
***
المكان: قصر أمير الدهبي
تحديداً: الباحة الرئيسية.
كانت قاعدة صبا على الكنبة في الباحة اللي قصاد البوابة الداخلية للقصر، شايلة ابنها وبتلاعبه عشان ينام، ومخها عمال يودي ويجيب قلق على أمير..
شوية ودخل أمير وهو لابس القميص والبنطلون اللي خرج بيهم، بس رقبته محمرة شوية من الشمس، ضيقت صبا عينيها وهي شايلة ابنها وقامت من مكانها قربت لأمير وهي مبرقة بعصبية، بعدها سألته بلهجة حادة لكن بصوت واطي عشان محدش يسمعهم:
"أقدر أفهم حضرتك كنت فين؟"
أمير بملل:
"ميخصكيش."
كان هيسيبها ويطلع فـ قالت بحزم:
"لو ميخصش مراتك أم ولادك هيخص مين؟؟ أنا قاعدة ميتة في جلدي من الرعب تكون رايح تتهور وتعمل مصيبة منك لنفسك، فهمني متسبنيش على أعصابي كده.. مستاهلش منك كده أبداً يا أمير."
وقفت مكانه وكان فعلاً خلصان طاقته، اتنهد بيأس بعدها مد إيده وقال بصوت مبحوح من التعب:
"تعالي."
قربت منه صبا فـ ضمها لحضنه وطلع بيها على فوق، دخلوا الجناح بتاعهم وهنا نيمت صبا ابنها في سريره وهي بتتنهد وتقول:
"من ساعة اللي حصل لشجن هانم الله يرحمها، مش بأمن أسيبه مع واحدة من الخدم، حتى الجناح مبسمحش لحد يطلع ينظفه بعمله بإيدي."
سحبها أمير من إيديها وقعدها قدامه على السرير، وهو بيرجع خصلات شعرها ورا ودانها وبيتأملها، ابتسمت هي بخجل وأنوثة بتستعيدها معاه وقالتله:
"متحاولش توه عن سؤالي باللي بتعمله."
أمير قال بهدوء:
"كل اللي أنا عارفه إن في حد من الخدم مزنوق عليا خصوصاً عشان يسم والدتي ويتسبب في وفاتها، أو حد باع ذمته منهم مقابل الفلوس.."
كانت بتبص له صبا وبتسمعه بتركيز، مسك إيديها الاتنين بين إيديه وباسهم وهو بيقول:
"كل اللي طالبه منك تثقي فيا، وتبطلي تسأليني وتضغطي عليا الفترة دي، إنتِ مراتي وشريكة حياتي عايزك تدعميني وتوقفي جنبي وبس."
رجع التوتر لملامحها تاني وهي بتقول:
"آه بس بجد، أنا بقلق يا أمير مبحبش تخرج من غير ما تقولي، افرض جرالك حاجة ده أنا أروح فيها والله."
أمير بحزم:
"لا! مينفعش تبقي بالضعف ده عايزك ست قوية، مهما جرا تبقي واقفة على رجلك وقادرة تهندلي شغلي وأموري وتحافظي على ولادنا، توعديني؟"
مسكت وشه بين إيديها بحنان وهي بتقول:
"اوعدني إنت الأول متسبنيش، وتحافظ على حياتك مهما كان التمن، لآخر رمق، زي ما هربنا على أمريكا عشان نحافظ على حياتكم ومنتحرمش منكم."
حضنها أمير، ضمها لحضنه جامد وهو بيشم رقبتها وقال:
"ربنا ما يحرمني منك إنتِ، إنتِ كل حاجة ليا، لو أنا أمير فـ إنتِ ملكة.."
طبطبت صبا على ظهره وهي مبتسمة.. ومتطمنة أوي معاه، وهو كان محتاج لحضنها ده أكتر من أي شيء.
***
المكان: فيلا بدر الكبير.
واحد من الحرس خبط على الباب، فتحت له سيا كالعادة وهي بتضم الشال على جسمها، الجو غريب ومش مفهوم! الصبح شمس ودفا وفي نص اليوم برد مميت.
بصت سيا للجارد وهي بتقول:
"محتاجين حاجة؟"
الجارد بأدب:
"في ست يا سيا هانم عايزة تقابل حضرتك وتقابل سيليا هانم."
استغربت سيا وقالت:
"سيليا في بيت جوزها، ست مين دي؟"
ظهرت عمة عزيز من ورا الجارد وهي بتقول:
"تسمحيلي أتكلم معاكِ شوية؟"
ضيقت سيا عينيها باستغراب وهي بتقول:
"مين حضرتك؟"
ابتسمت هي بخباثة وقالت:
"عمة عزيز.. جوز بنتك."
كانت سيا واقفة مايلة ساندة على طرف الباب بخمول، اتعدلت في وقفتها وهي بتبص لها بقلق وبتبلع ريقها، بعدين غمضت عينيها وفتحتها للجارد بمعنى تمام روح إنت، شاورت لعمة عزيز بالدخول وهي بتقول:
"اتفضلي."
دخلت عمتُه وهي بتتفحص الفيلا بعينيها وقالت بكيد:
"على كده شغل المافيا كسبكم كتير."
توقعت سيا تلاقيح الكلام والأجواء المتوترة اللي هتكون بينهم فـ قالت:
"حسبتك عارفة بما إن توفيق أخوكي ربنا يسامحه بقى كان شغال نفس الشغلانة."
قعدت عمة عزيز بكبرياء وهي بتقول بجدية:
"اسمعي يا سيا، أنا مش جايه أصغر عقلي ونفسي معاكِ، هي كلمة مش هتتكرر.. بنتِك ملهاش مكان وسط عيلتنا، اتدلق على وشه حبها واتجوزها بكرة ينساها، وولادنا كده كده معانا."
ضحكت سيا باستفزاز وهي بتقول:
"ولادكم اللي هما مين؟ بدر وسيليا؟ وإنتِ كنتِ شوفتيهم من إمتى عشان تقولي عنهم ولادك، عايزة تحرميهم من أمهم وقاعدة بتهدديني، عايزة إيه بالظبط يا ست إنتِ؟"
عمة عزيز بإنفعال:
"أنا مش هقبل إن دم أخويا يروح هدر على إيد واحدة زيك إنتِ وجوزك، وده سبب رجوعي اللي للأسف متأخر."
وقفت سيا وقالت بضيق:
"معندناش قهوة ولا شاي، شرفتي."
بصتلها عمة عزيز بكبرياء وخرجت من الفيلا، سيا كانت شايطة ومرضيتش تشغل بال بدر باللي حصل فـ مسكت تليفونها واتصلت على عزيز اللي كان لسه راجع بيته بعد الساحل، رد عزيز بتعب وهو بيقول:
"ألو."
سيا بعصبية مفرطة:
"من فضلك يا عزيز تيجي من غير ما سيليا تعرف إنك جاي ليا، لازم نتكلم ضروري."
عزيز بقلق:
"خير حصل حاجة؟"
سيا بضيق:
"آه، هستناك."
قفلت معاه وقررت تقعد تستناه عشان يشوفوا حل في الضيف الغير مرغوب فيه ده "عمتُه".
***
المكان: بنك الـ VIP
وصلت مياسة البنك ونزلت من العربية، دخلت وهي متوترة وبتبص على الناس المحدودة اللي واقف، واضح إنه بنك للـ VIP.
وقفت محتارة وهي مش عارفة مين كلمها بالظبط في الفون، فـ قررت توقف على مكتب من المكاتب وهي بتسأل:
"من فضلك لو ليا خزنة في الأمانات أروح إزاي؟"
خرجت الموظفة دفتر شيك وهي بتقلب في صفحاته وبتقول لمياسة:
"اسم حضرتك إيه؟"
قالت لها مياسة بهدوء:
"مياسةءءء"
قاطعها موظف تاني وهو بيقول بتضييق عين:
"مدام مياسة حرم عيسى الغريبي؟"
مرضيتش مياسة تقوله سابقاً اكتفت بإنها هزت راسها بمعنى آه فـ قال لها الموظف وهو بيقوم من مكانه:
"اتفضلي معايا."
مشيت مياسة وراه لغاية ما وصلوا عند أسانسير سيلفر حديث، طلبه الموظف ولما وصل سمح لمياسة تدخل الأول ودخل بعده، طلب الدور الثالث ولما قفل الأسانسير بص لمياسة بابتسامة رسمية وقال:
"خزن الأمانات فوق عشان خصوصية العميل ومتكونش لعامة العملاء، ممكن أشوف المفتاح؟"
خرجت مياسة السلسلة من جوة هدومها وهي لابساها وفتحت الحديدة ورته المفتاح، اتفتح الأسانسير وخرج منُه الموظف ووراه مياسة وهي بتبص على المكان بصدمة، مكان واسع جداً مدهون بالأبيض الناصع وسيراميك أبيض مزركش بخطوط عرجاء رمادية فاتحة وعلى الجانبين رفوف خزنة كتيرة ومرصوصة بعناية حديثة ومحكمة، كتب الموظف كود للخزنة هو حافظه وخرج مفتاح من كيس شفاف صغير معاه الكيس مكتوب عليه اسم عيسى ورقم معين، فتح الخزنة وخرج منها شنطة غريبة! شبه الصندوق اللامع لون أسود زاهي شنطة مستطيلة وحجمها متوسط، قرب الموظف وسَلمها لمياسة، قعدت مياسة على الترابيزة الصغيرة وهي الشنطة قدامها، مسكت المفتاح وفتحت بيه الشنطة فتحة صغيرة بتحاول تعرف محتوياتها، الموظف كان عنده فضول فـ حاول يبص يشوف محتويات الشنطة إيه لكن مياسة قفلتها فجأة وبسرعة وهي بتقول:
"شكراً لوقتك، عن إذنك."
وخرجت بسرعة وهي مخضوضة من اللي شافته جوة الشنطة وشايلها بإحكام بين إيديها، ركبت وروحت لعماراتها وأول ما نزلت من العربية لقت أيمن في وشها بيقول بنبرة فيها قلق:
"خضتيني عليكي روحتي فين؟"
مياسة باستعجال:
"كنت في مشوار، وسع كده عشان أطلع الشقة."
أيمن وهو بيبص على اللي في إيديها:
"تطلعي فين؟؟ إيه الشنطة الغريبة اللي في إيدك دي!"
مياسة كانت بقالها فترة تعبانة فـ صوتت في وشه وقالت:
"هو تحقيق ولا إيه أنا عايزة أطلع الشقة!"
رفع إيديه الاتنين علامة الاستسلام وهو بيرجع لورا بيديها مجال تطلع شقتها.
طلعت دخلت الشقة، غطت قمر وحطت الشنطة بخوف على الترابيزة وهي إيديها الاتنين بيترعشوا، مسكت الفون بتاعها بإيد وهي بتتصل على عيسى والإيد التانية بتعض ضوافرها بقلق وتوتر، الرقم غير متاح فـ رمت الفون بعصبية على الكنبة وقعدت فاتحة رجليها وحاطة راسها بين إيديها وهي بتهز رجليها الاتنين جامد، فجأة غطت بوقها عشان متشهقش من الخوف وبعدين حطتها على قلبها بتحاول تهدي نبضاتها العالية.
الوقت مبيعديش عندها، لازم تشوف عيسى وتتكلم معاه، لقت نفسها مش قادرة تتحرك ولا تتصرف راحت مسكت فونها واتصلت على يوسف.. اللي رد بعدها بفترة قصيرة فـ قالت بلهفة:
"آه يا يوسف أنا مياسة."
يوسف بهدوء:
"إزيك يا ماسة، مسجل رقمك طبعًا."
اتنهدت وخدت نفس عميق وهي بتقول:
"وصلني بعيسى بأي طريقة، أرجوك!"
يوسف باستغراب:
"هو لسه مجاش بس أكيد لو جه أبلغك، طب ما تيجي؟"
أعصابها كانت فالتة ومش قادرة تتحرك فـ قالت بسرعة:
"لا لا، هو لو جه قوله يكلمني ضروري، يلا سلام."
قفلت معاه والانتظار بينهش فيها.
***
المكان: حارة المنيل
تحديداً: أمام دكان الغريبي.
كان سايق عيسى عربيته بأقصى سرعة ولما وصل ناحية الدكان لف بالعربية حوالين نفسها لغاية ما وقفها، نزل من العربية وهو معاه طفاشة وقرب ناحية قفل الدكان وهو بيطفشه لغاية ما اتفتح، سحب الباب الحديد لفوق بجسمه وبعدها فتح شنطة العربية بتاعته، خرج بنزين ورشُه في أرجاء المحل، بعدها خرج ولاعة من جيبه وجه عشان يولعها لقى يوسف بيمسك إيده اللي فيها الولاعة وبيقول بصدمة:
"بتعمل إيه يا عيسى؟"
عيسى بنظرات شيطانية:
"سيب دراعي."
يوسف بزعيق:
"لا مش هسيبه، عايز تولع في دكان أبوك؟"
اتفتح الشيش بتاع شقة أمه وهي بتبص وبتقول:
"فيه إيه مين بيفتح الدكان؟ عيسى!"
يوسف بزعيق:
"الحقي يا امااا عيسى عايز يولع في دكان أبويا."
خبطت أمه على صدرها وهي بتقول بصدمة:
"يخرااابي امسكه يا ولاا."
نزلت جري فـ قال عيسى بتحذير ليوسف:
"لآخر مرة هقولك سيب دراعي أنا مش عايز أأذيك."
يوسف بيقول بحزن:
"إيه اللي جرى لك؟ كأن راكبك شيطان، ده دكان أبونا اللي أكلنا من خيره!"
عيسى بزعيق:
"أبوك إنت، اللي صدعني بالحلال والحرام وهو كان شغال في ملهى ليلي مع نفس الراجل اللي أنا كنت بسكر معاه."
كانت والدة عيسى وصلت لمدخل العمارة ووقفت مكتومة من اللي بتسمعه، سكتت منطقتش ومكملتش خطواتها في إنها تقرب لعيسى.
بص لها عيسى وقال:
"وإنتِ عارفة وساكتة، عارفة كل حاجة حصلت، أكمل؟?"
جريت عليه وكتمت بوقه بإيديها وهي بتبوس كتفه وبتقول:
"أبوس إيدك، متعذبش الأموات في تربتهم."
بعد عيسى إيديها عنه وهو بيقول بتبريقة انهيار:
"جثة أمل فين؟ باعها لمين!!! كانت لسه بلحمها وجلدها متحللتش.. تلات أيام من الدفن والجثة اختفت، فين جثتهاا!!!"
خرجت بثينة للبلكونة جري أول ما سمعت صوته، والناس بدأت تبص في الشارع، وفي غيرهم وقف في البلكونات.
والدته بغضب وهي بتحرك راسها يمين وشمال:
"وإحنا مالنا! بنت وربنا قدر لها تموت إيه علاقة أبوك جثتها موجودة ولا لا، أبوك دفنها مع رجالة الحارة واللي كان كان، بقالك سنين معيشنا في كابوس بسبب حتة بت صغيرة كانت صاحبتك وإنتوا صغيرين."
بص عيسى لأمه بعيون مبرقة من الغضب، ووشه ورقبته بيترعشوا من العصبية.. عروق رقبته بانت، وعينيه الشمال بدأت ترف جامد، وراح رامي البنزين على المحل فـ جريت أمه وقفت في المحل وهو بيرمي البنزين، جه عليها البنزين وبصتله وقالت:
"لو قادر تولع في أمك وهي حية اعمل كده."
يوسف كان مصدوم أما عيسى رمى الجيركن الفاضي على الأرض وقال ببرود:
"من النهارده أنا اسمي عيسى العقرب، ماليش علاقة بعيلة الغريبي نهائي، ولا ليا علاقة بيكم، اعتبروا نفسكم متبريين مني."
أمه بصدمة:
"بتتبرى من عيلتك عشانها! ليه هي كانت عملالك إيه؟"
مردش عيسى عليها، بل اتحرك ببرود لعربيته وجريت أمه وراه وهي بتقول:
"استنى بس، مش هقدر أتحرم منك تاني، يا عيسى!"
بص عيسى من شباك العربية وصرخ بانهيار:
"خدعوك فقالوا، إن الغريبي رجل دين ويعرف الله."
مشي بالعربية وسابهم وراه وهو مش شايف قدامه، قرر يروح المكان اللي نط من شباكه للبنت الشقرا اللي بتمثل إنها أمل عشان يخلص عليهم.. لوحده!
***
المكان: منزل أعلى تل مرتفع.
تحديداً: الطابق الثاني.
دخل نوح وهو حاسس إنه منهك من اليوم الطويل ده، قابله واحد من الأرانب وهو محني الرأس وقال:
"نوح باشا في ثلاث تحديثات جديدة حصلت في غيابك."
خلع نوح القميص من على جسمه وهو بيسحب كاس وبيقول:
"أشجيني."
بلع الأرنب ريقه وقال:
"أول حاجة أمنة فاقت لكِن وعيها مش قوي."
رفع نوح حواجبه براحة وقال:
"ممتاز المهم عدت مرحلة الخطر، نبقى نكافئ الدكتور، اللي بعده؟"
قال الأرنب بتوتر:
"في حد من عيلة حضرتك، تحديداً عيلة والدتك مقدم فيك بلاغ بيتهمك فيه إنك السبب في اختفاء خالتك."
نوح ببرود:
"عالم غريبة، محتفلش يعني؟ مش متوفر عندنا خناجر فـ اتصرفت، ها إيه التحديث الثالث."
بصله الأرنب وقال بخوف:
"خالد دخل في حالة هستيريا، وطلب من الأرانب اللي فوق على بوابة العلوية إنهم يخرجوا البنت القعيدة اللي معاه، لإنها بتقول إنها حامل.. منك يا باشا."
نوح نزل الكاسة عن بوقه وهو بيقول:
"نعم يخويا!؟؟؟"
الأرنب بقلق:
"والله هي اللي بتقول يا باشا، هي اللي بتقول."
رمى نوح الكاسة على الأرض فـ وقعت اتكسرت، طلع جري على السلم لغاية ما وصل لبوابة العلوية وأول ما شاف الأرنبين واقفين على الباب قال بصوت غليظ:
"افتح الباب إنت وهو."
فتحوه بسرعة ودخل نوح زي البركان الشايط، لقى مروة نايمة على رجل خالد فـ سحبها من شعرها وقال بقسوة وقلة ذوق:
"هو مين ده اللي إنتِ حامل منه يا نص أنثى يا مسخ."
شعرها مكنش بيوجعها قد معايرته لإعاقتها ما وجعتها، فـ بدأت تعيط بهستيريا وهي بتقول:
"سيبني، حتى لو مخرجتنيش مبقاش يفرقلي هموت هنا."
نوح من بين سنانه:
"طلبتيها ونولتيها."
سحب سلاح من واحد من الجاردز الواقفين على باب العلوية وصوبه عليها.
***
وصل عزيز لـ فيلا بدر الكابر ووقف متوتر بعد ما طلب من الجارد يقول لـ سيا عن وجوده.
الجارد بذوق:
"اتفضل يا عزيز بيه سيا هانم عندها علم بوجودك."
دخل عزيز وهو بيتنحنح فـ وقفت سيا وهي بتفرك جبينها بصوابعها وبتقول:
"تعالى يا عزيز اتفضل."
دخل بهدوء وهو بيسلم عليها وقعد وقال وهو بيضيق عينيه:
"إنتِ قلقتيني بس، حصل حاجة؟"
قالت له سيا بهدوء:
"عمتك كده هنا وسمعتني كلمتين وحشين عني وعن جوزي وبنتي، وقالت إنها مستحيل تقبل بنسب اللي قتلوا أخوها."
تجاهل آخر كلمتين وبص لـ سيا بدهشة وهو بيقول:
"جت هنا!!"
غمضت عينيها وفتحتها بمعنى آه بعدها قالت:
"اسمعني يا عزيز أنا عارفة إنك راجل وتقدر تحمي بنتي، لكن لما الموضوع يكون بيخص عمتك بخاف لسبب واحد بس، هي مهما كان أخت أبوك ومن دمك."
عزيز بمقاطعة:
"وسيليا حبيبتي ومراتي وأم بنتي، واللي حصل ده مش هسكت عليه، سيبلي أنا الموضوع ده."
سيا بتوتر:
"أنا لا عايزة مشاكل ولا حاجة، كل اللي عاوزاه أطمن إن بنتي وأحفادي بخير."
ابتسم عزيز بهدوء وقال:
"متقلقيش دي مسؤوليتي، أنا هستأذنك دلوقتي لإني هروح لها وأحطلها حد."
وقفت سيا وقالت بهدوء:
"هو ينفع أسألك سؤال يا عزيز؟"
عزيز بسرعة:
"اتفضلي."
سيا وهي بتضيق عينيها:
"بحسك مش قريب لوالدك ولعيلته أوي، يعني.. متزعلش مني، بحس في جواك أذى نفسي منهم، مش قادر تسامحهم على شيء، بس بعدين برجع أقول اومال تعرفه علينا إنه عايز ينتقم مننا، طب ليه؟"
سكت عزيز وبان على وشه علامات زعل، بعدها قال ببرود:
"أوعدك اللي حصل من عمتي مش هيتكرر، عن إذنك."
خرج من الفيلا ووشه غضبان بيحاول يتحكم في دموعه المتعلقة في عينيه، ركب العربية ومشي بيها بعيد شوية بعدها ركن على جنب وهو بيفتكر قسوة أبوه معاه.
"عزييييز!!"
"_ااااه، مش هعمل كده تاني يا بابا."
كان توفيق ماسك الحزام وهو بيقول:
"عايز تطلع خايب وعديم شخصية، زيك زي الحريم تاكل وتشرب وتقعد في البيت."
كانت دي وجهة نظره في الستات، إنهم كائن اتكالي.. عشان كده راجل بسلبيته وتفكيره العقيم كان لازم يموت على إيد واحدة ست، ولوحده وينازع..
خبط عزيز الدريكسيون كذا مرة وساق العربية وقرر يروح لعمتُه اللي هي في الوقت الحالي قاعدة مع جايدا وابنه.
وصل لبيت جايدا ونزل من العربية مش شايف قدامه، دخل البيت ولقى جايدا واقفة بتعمل شوربة في المطبخ، وابنه قاعد يذاكر وعمته قاعدة على الكرسي قدام التليفزيون، جايدا كانت عملت قاعدة تليفزيون وترابيزة بجانب المطبخ تسهل عليها المسافة.
وقف عزيز قدام شاشة التليفزيون وهو بيقول لابنه بهدوء:
"ادخل أوضتك ذاكر جوه يا حبيبي، هتكلم مع تيتة في حاجة وجايلك."
قام الولد بهدوء وأخد كتبه، وعمة عزيز بصت له ببرود وهي بتسرب من قهوتها، وعزيز باصصلها بضيق، وبمجرد ما ابنه قفل الباب قال عزيز بتبريقة عصبية:
"إنتِ إزاي تتجرأي وتروحي لأهل مراتي تقوليلهم الكلام ده؟"
حطت عمته الفنجان وهي بتضحك بخفية وقالت:
"هي لحقت جريت عليك تشتكيلك؟ كنت مستني مني أعمل إيه! وأنا شايفة العبث ده بيحصل، مراتك اللي في المطبخ المايعة دي مبقبلهاش، بس وجودك معاها عشان ابنكم يتبلع لإنها في الأول والآخر هي وأهلها معملوش لأبوك حاجة وحشة، إنما التانية بنت الكابر دمها نجس زي أبوها وأمها، مش هسكت غير لما.."
جري عزيز عليها وكأنه راكبُه شيطان وهو ماسكها من رقبتها بيخنق فيها وبيقول بغل:
"مش هتعرفي تعملي حاجة، مش هسمحلك تعملي حاجة.. أنا كابوسك.. لو وحشك أخوكِ هوديكِ ليه."
خرجت جايدا جري من المطبخ وهي بتحوشه وبتقول بخضة وهمس عشان ابنه ميسمعش:
"عزيز من فضلك، سيبه يا عزيز هتموت في إيدك!! الولد يا عزيز ابنك جوه!"
آخر الجملة فوقُه فـ ساب رقبتها من بين إيديه، مسكت هي رقبتها وقعدت تكح جامد فـ قال عزيز وهو بيترعش من كتر العصبية:
"أقسم بالله، لو حسيت بأي شكل من الأشكال إنك عاوزة تأذي مراتي وعيالي، نهايتك هتكون على إيدي."
خرج عزيز من البيت والشيطان راكبُه، وقرر يروح لسيليا وولاده.. بينما عمته بعد ما خدت نفسها قالت بشر:
"والله لأحرق قلبك عليهم واحد ورا التاني."
***
المكان: منزل مجهول.
تحديداً: غرفة الفتاة الشقراء.
دخل عيسى من الشباك زي المرة اللي فاتت، كانت قاعدة على التسريحة بتحسس على وشها بقطنة كالعادة، نط عيسى جوة الأوضة فـ اتخضت هي والحاجات اللي على التسريحة وقعت وهي بتبص لعيسى بصدمة وبتقول:
"إنت إيه اللي جابك هنا؟ امشي بسرعة من مكان ما جيت!"
عيسى بنبرة غريبة:
"أنا النهارده يا قاتل يا مقتول، هاتي كل اللي عندك، إنتِ مين وبتعملي كده بأمر من مين؟"
البنت خافت وبدأت إيديها تترعش وهي بتقول:
"مش هقدر أقولك، عشان خاطر ربنا امشي هيقتلوك."
قرب عيسى خطوتين.. كانت أوضتها بإضاءة باهتة خفيفة، مزيج ما بين البينك الباهت والأوف وايت، وشماعة خشبية ستاند متعلق عليها شال من الفرو الأبيض وبرنيطة... السجادة اللي تحت رجله من القش، كان واقف بجاكيتُه الأسود الجلد.. عينه الشمال بتررف كالعادة، ماسك السلاح في إيده ورايح من غير رجالة.
بصت له بخوف، صوب ناحيتها السلاح فـ قالت وهي مبرقة:
"أنا مبقتش أخاف من الموت، هيبته راحت في عيني بحس بيه في اليوم ألف مرة، بس إنت هيموتوك لو فضلت هنا، اسمع كلامي وامشي."
عيسى بترديد كلام:
"إنتِ مين بالظبط؟"
وهو مصوب سلاحه عليها اتفتح باب أوضتها، وظهر واحد منهم من وراه وهو مبتسم بسعادة ومبين سنانه وقال:
"قطعة الجبنة اللي حاطينها في المصيدة، أخيراً قدرت تجيب لنا الفار."
عيسى بص ناحيته وقال:
"أعظم أحلام الفئران إن الأسد هو اللي فار، وهما الأسود."
صوب سلاحه تجاه الراجل وقال:
"أنا عارف كويس إنت مين وبتعمل كل ده ليه."
دخل الراجل ببرود كأنه مش فارق معاه السلاح وقال:
"فعلاً؟ وطالما إنت عارف بتسألها ليه عن هويتنا."
رفع عيسى حواجبه وقال بابتسامة خبيثة:
"أحب أسمع تحوير اللي قدامي."
البنت كانت واقفة بتترعش وقالت:
"سيبوه يمشي، مش من الصح تهاجموه وإنتوا كتير وهو لوحده."
سحبها الراجل من شعرها، وبدراعُه لفُه حوالين رقبتها وضغط وقال:
"إجابة السؤال التاني عندي أنا، اللي قصادك دي هي.."
دخل الراجل التاني قبل ما ده يكمل، وكأنهم لقوا قطعة أثرية نادرة.
عيسى مبقاش عارف يصوب سلاحه على مين.. ضغط الراجل على الراديو اللي في أوضة البنت فـ صدحت الأغنية اللي كان بيسمع عيسى وهو نازل من بيته كل يوم عشان يلعب مع أمل، كان راديو دكان البوهيمي أيام ما كان أبوه اللي واقف فيه بيصدح منه الأغنية دي (يا ليلة عودي تاني يا ليلة كوني تاني) بصوت محمد منير، الاستغراب نهش قلبه إنهُم عرفوا التفاصيل الدقيقة أوي دي، وسرح وهو بيفتكر.
ملحقش يكون الذكرى في عقله، في حاجة اتغرست جامد في رقبته فـ الصوت تحول لصوت صفير، والصورة غلوشت في عينيه.
وقع بين إيديهم عيسى فاقد الوعي.
ساب الراجل البنت وجري على شريكه وهما بيبصوا لبعض بسعادة، بص واحد منهم للبنت وراح طلع مسدس وقال:
"دورك انتهى، ميرسي على الهدية."
ضرب عليها النار فـ وقعت على الأرض زي حمامة الصيد.
سحبوا عيسى معاهُم، كل واحد ماسكه من دراع وساحبينه لبرا وهما بيغنوا بهستيريا.
(يا ليلة عودي تاني، يا ليلة كوني تاني
يا ليلة عودي تاني، يا ليلة كوني تاني
خدينا طهر وروح وردي فينا الروح
خدينا ضمينا، دفينا
خدينا ضمينا،
دفينا
يا ليلة عودي تاني
لا أنا بخبي مكاني ولا كمان عنواني
قطر المحبة نساني عدى وليه عداني؟)
كانت سامعاهم وهي بتنازع، الأغنية لحنها حزين وفيها تمني لعودة حاجات عمرها ما هترجع.. تحاملت على نفسها وهي بتبص للشباك اللي مفتوح اللي دخل منه عيسى، مش قادرة تفتكر كام من الوقت أخد لغاية ما قدرت تخرج من الشباك وتوقع على الأرض، تهرب من الشباك للحديقة الخلفية!
مشاهد من هروب سيا أيام التسعينات من بدر الكابر وكينان، اتعادت.. ديچافو.
كانت تمشي خطوتين وتوقع، وتوقف نفسها بالعافية..
لقت عربية عيسى تحت فـ بصت لها وهي بتترعش.. مكانتش شاطرة في السواقة بل عملت كذا حادثة، لكن مفيش قدامها حل تاني.
ركبت العربية ولقت عيسى سايب المفتاح فيها، عقله مكانش فيه.
دورتها ومشيت.. وصوت الأغنية العالي جوه مغلوش على أي صوت تاني.
- المكان: قسم الشرطة.
تحديداً: مكتب ليث.
منال كانت بتتنفس بصعوبة من الحمل ومرجعة ضهرها لورا وهي بتقول:
"كل الضحايا اللي تمت جرائمهم بطريقة بشعة خلال الفترة اللي فاتت من عيلة نوح، عيلة أمه تحديداً.. وده للأسف اللي مخوفني على الباقي، اللي ممكن في أي وقت يبقوا ضحايا."
ليث بتفكير وهو بيتحرك بالكرسي يمين وشمال:
"آخر بلاغ اتقدم ضده محيرني، اللي قدمت البلاغ عرفت منين او خمنت منين إن اللي عمل كده نوح؟ أكيد في سبب، حاجة مقدرناش نشوفها في مسارح الجريمة اللي روحناها، حد وصل لها قبلنا."
منال بهدوء:
"ليه ميبقاش كمين يشتتنا؟"
اتعدل نوح وقال:
"شكيت بس رجعت قلت لأ، ليه مفيش جرائم تانية بتحصل غير الجرايم بتاعة عيلته!"
كان في صوت زعيق برا فـ قام ليث من مكانه بسرعة ووراه منال، خرجوا من المكتب لقوا الظباط ملمومين حوالين بنت بتطلع في الروح، نزفت كتير وهدومها غرقانة دم من دراعها المصاب.
برق ليث بصدمة ومنال غطت بوقها بإيديها.
البنت بأنفاس متقطعة:
"هيـ.. هيمو توه.. هيقتلوا.. يقتلوا عيـ عـيسى.."
وقعت من طولها.
منال بعلو صوتها:
"اطلبوا الإسعاف بسرعة!!!"
***
لغاية الليل ومياسة مستنية مكالمة يوسف، متصلش فـ قررت هي تتصل..
صوت رنين المكالمة ومحدش بيرد.
وقمر بنتها نايمة، وهي حاطة الفون على ودنها مستنية يوسف يرد..
الشنطة اتفتحت لوحدها!
وفي صوت من الشارع كإنه أغنية في عربية (يا ليلة عودي تاني يا ليلة كوني تاني)
مياسة بدأت ترعش زي المحمومة، وعينيها محمرة من عياط الخوف المكتوم.
وهي بتبص على الشنطة..
وفجأة..
يتبع..
رواية العبث الاخير الفصل الرابع عشر 14 - بقلم روزان مصطفى
كانت قاعدة والدة عيسى على الكنبة وهي بتعيط بشحتفة، ويوسف واقِف قُدامها مذهول من اللي هي حكِتُه.
قال يوسف: أنا مِش قادِر أصدق بِجد!! إزاي هانِت عليكِ أمل وكُنتٓ عارفة كُل حاجة إنتِ وبابا وساكتين!
بصتلو والدتُه وعينيها مليانة دموع وقالت: يعني أعمل إيه! أفشي سِر أبوك وسِر شُغله معاهُم عشان يروح في حديد؟ وأعيش على طلباتكُم لوحدي من غير راجِل إزاي بولدين صُغيرين، إنسى يا يوسف معادش يجيب فايدة الكلام في اللي راح، إنسى ورجعلي أخوك.
برق يوسف بصدمة منها وقال: دا إنتِ حتى مش ندمانة يا ماما! أنا مُستحيل أنسى، وحتى لو أنا نسيت عيسى صعب.. إبنك تعبُه كُله بسبب اللي حصل لأمل، وزود عليه اللي عرفُه عنك وعن أبويا.. دا لو مش هيموت من الحكومة أو الرُصاص، هيموت بـِ عِلة التفكير المُميت، وأم أمل اللي إتعمت مِن كُتر عياطها على بِنتها مصعبِتش عليكِ؟! فِكرك لما كُنت تزوريها وتعمليلها الأكل وتهتمي بيها دا هيخفف شوية من سكوتك؟
والدتُه بعصبية: مكونتش هضيع أبوك عشان أي حاجة، كفاية دا أنا لو جبل كان إتهد.. يابني هي قدرها تموت كدا.. ملناش يد في المكتوب.
يوسف بنبرة هادية أخيرة: بس لينا يد في اللي إتكتب وشوفناه.. كان لازم تضغطي على أبويا وتعرفي ودوا جُثتها فين، حرموها من حياتها وطفولتها وعذبوها في موتها وكمان مش سايبينها ترتاح في قبرها.
سكتت والدتُه وحطت راسها بين إيديها وهي مش قادرة تستحمِل كلام زيادة، فـ خرج يوسف من الشقة وعينيه معبية دموع وهو ماشي في الحارة وبيرمِش كذا مرة عشان ميعيطش، راح لعمارة حماتُه وطلِع والبوهيمي بيبُصله بإستغراب لإنه مش حاسس باللي حواليه.
***
وقِف ليث باللبس الميري وجنبُه منال قُدام الدكتور في الردهة.
قال ليث بتساؤل: طيب هل نقدر نتكلم معاها عشان نفهم؟
الدكتور بهدوء: يا ليث باشا مينفعش هي فقدت الوعي لإنها نزفت دم كتير، إحنا خيطنالها الجرح ومعلقين ليها محلول ودم.. مُمكِن على بالليل تفوق وتتكلموا معاها.
برق ليث وقال: بالليل إيه يا دكتور إحنا الفجر دلوقتي وفي حياة بني أدم في خطر ومتوقف على كلامها عشان نقدر نعرف هو فين ونوصلُه! طب مفيش أي طريقة تِصحى بيها؟
الدكتور بأسف: للأسف صعب، عن إذنُكم.
بص ليث بصدمة وتوتُر لمنال وقال: وبعدين يا منال! دي حتى مش معاها إثبات شخصية ولحد دلوقتي طارِق مكلمنيش عشان يعرف من شكلها هي مين.. كدا عيسى في خطر فعلًا!
منال بتفكير: ما يمكِن عيسى تاني غير اللي عارفينُه؟ دا برضو متوقِف على إنها تفوق وتحكي.
مسح ليث وشه بإيديه وهو بيقول بتعب حقيقي: اللهُم لا رد لقضائك يارب.
منال بتوتُر هي كمان: مُمكِن نعرف حد مِن صُحابه، هيتحركوا أسرع مننا.
برق ليث وقال: إنتِ إتجننتي يا منال صح! عيزاني أروح لقتالين قُتلة ومرضى نفسيين وعقليين أقولهم صاحبكم هيموت عشان يجيبوه بس يقتلوا التانيين ومنعرفش نحقق معاهُم ونعرف مين دول؟ وبعدين ما إنتِ لسه قايلة يمكِن عيسى تاني ما مصر فيها مليون عيسى، شيلي الموضوع دا من دماغك لازم إحنا نوصله بنفسنا.
ضيقت منال عينيها بصدمة وهي بتقول: أنا مش قادرة أصدقك، إنت مش فارِق معاك المخطوف المُعرض للخطر قد ما فارِق معاك تكسب بونط قُصاد الداخلية إنك الظابِط المُجتهِد اللي ماشي على القانون بحذافيرُه.
ليث بصدمة من كلامها: يعني إنتِ شيفاني كِدا؟
قالتلُه بخيبة أمل: إثبتلي عكس كِدا.
كشر ليث وقال بجفاء: معنديش غير اللي قولتهولك.
قالتلُه منال بضيق وهي بتشاورله بعينيها على غُرفة العناية المُركزة: خلاص خليك جنبها لغاية ما تفوق عشان تغرف هي تقصُد إيه بعد خراب مالطة.
إدتُه ظهرها وسابتُه ومشيت وهو بيقول وهي مطنشاه: يا منال مش وقت قمص إفهميني طيب، طب رايحة فين طيب فهميني!
وقبل ما يحاول يفكر هي رايحة فين رن فونُه، فـ خرج الفون من جيبُه لقاه طارِق راح رادِد بِسُرعة: عرفت حاجة؟
طارق بصوت واثِق: عرفتِلك هي مين يا باشا.
ليث بحماس: قول بسُرعة! ولا أقولك أنا في مستشفى ****، تعالى وهات معاك كُل اللي تعرفُه عنها.
طارقِ بأدب: أوامرك يا باشا.
وقفل ليث معاه وهو مستني على نار.
***
كان حاطط راسُه على رجلها وهي بتلعبله في شعرُه وبتقول: هي إزاي تعمِل كِدا بجد؟ تروح لمامي وتضايقها وتقولها الكلام دا، وعشان إيه وهي متعرفناش ولا إتعاملت معانا.
عزيز بهدوء: يا سيليا دا أخوها وأنا مقدر دا، وأنا عشان عندي عُقد نفسية بسببُه ويُعتبر هو جُزء كبير من اللي أنا فيه كُنت إنتقمتلُه.. بس كُل ما بفتكرُه بيولع جوايا نار بدُخان إسود مِن مُعاملتُه معايا.. كان شايفني غبي، مش هقدر أكون زي ما هو عايز.
سيليا وهي بتحاوِل تخفف عنُه: النتيجة مش هتتغير لو فضلت تفتكِر كُل دا، دا مُقدر وحصلك وهو مات.. لازم تتعافى يا حبيبي عشان تقدر تعيش حياتك الحالية مِن غير ما تتعب نفسك بالتفكير في ماضي.
سكت وهو بيحضُنها وبيفكر، الفترة اللي عمتُه غابت فيها عنه وعن مصر كانت فترة زمنية كبيرة جدًا، وكان مِن المُفارقات بينُه وبينها إن اللي ربتُه أم چايدا، في حين كانت الأقرب ليه عمتُه، نفض الأفكار دي عن راسُه وباس خد سيليا وهو بيقول: أنا هقوم أتطمِن على سيلا، لو بدر صحي هاجي ألعب معاه.
إبتسمت سيليا وهي بتطبطب عليه وبتقول: تمام يا حبيبي.
خرج عزيز مِن الجناح وإتحرك ناحية أوضة سيلا، خبط خبطتين هاديين على الباب لغاية ما سيلا قالِت بصوت عالي: إدخُل.
دخل عزيز وهو مُبتسِم بحنان وقال: مخلف عسكري أنا.
ضحكت سيلا بطفولية فـ دخل عزيز وقفل الباب وقرب منها وهو بيبوس راسها وبيقول: عاملة إيه يا حبيبتي؟ محتاجة حاجة أجيبهالك؟
سيلا بطفولية: أه عايزة عيسى.
إبتسم عزيز بكسرة وقال: هو مشغول بس شوية لكِن هييجي متقلقيش.
سيلا بحُزن: يا بابي هو إنت ليه مخاصِم عيسى أنا بحبُه وبحب أقعُد معاه.
عزيز بهدوء: مش مخاصمه يا حبيبي، هو بيشتغل وأنا بشتغل، بيروح يزور عيلته وأنا بروح أزور أخوكِي يعني يومي ما بينك وما بينُه، لما بنلاقي وقت بنتلاقى، فهمتيني؟
حركت سيلا راسها بمعنى أه فـ حضنها عزيز، رغم مقدرتُه على حماية عيلتُه لكِنُه عُمره ما ضمن غدر الأعداء.. كان خايف عليهُم جدًا وزعلان عشان بقى لُه نُقط ضعف مش نُقطة واحدة، بيحبهُم كلهُم زي بعض لكِن سيلا! ليها معزة خاصة عندُه، بنتُه الوحيدة على ولدين ودلوعتُه.
***
في العلوية ونوح مصوب سلاحُه على مروة كان الجميع مرعوبين بما فيهم الحرس.
صرخت مروة دفاع عن حياتها للمرة الأخيرة وقالت: إكشف عليا والكشف هيكون الفيصل بيني وبينك.
ضحك نوح بسخرية وهو بيقول: واحدة زيك ممكن يكون أي واحِد مِن الحرس إغتصبها وعايزة تلبسهالي،مش عليا الحركات دي يا بنت الأبالسة.
مروة بصريخ خوف على حياتها: في تحليل الـ دي إن إيه لو حابب.
برق نوح وبدأ يخاف، مُمكِن مكانش في وعيه وهو بيعمل كدا؟ مُمكِن هي بتحاول تكسب وقت عشان تعمل حاجة مُعينة في دماغهاّ!
ضيق عينيه وهو بيبُص لخالد عايز يبعدُه عنها بس خايف يخرجُه يكونوا متفقين هُما الإتنين على خِطة مُعينة.. خصوصًا إن خالُد بقى بينُه وبين نوح حاجِز مِن ساعة ما نوح أمر يحبسُه هنا وتخلى عنُه كـ شخص أمين ضِمن رجالتُه، بص نوح ليهم بنظرة أخيرة وقال بغضب للحرس: إحبسوه في مكان تاني بعيد عنها وعينكُم عليهُم هما الإتنين ممنوع تردوا على أي أسئلة يسألوها، لغاية ما أشوفلهُم صِرفة.
بعدها شاور بصوباعه على مروة وهو بيقول: وإنتِ.. لو طلِع كلامك كِذب وإفتراء عليا والله لاكون فاصِل راسِك عن جسمِك، كدا كدا راسِك بس اللي شغالة.
ضحكوا الأرانِب على جُملة نوح وزعلت هي وبدأت تترعش بخوف، قرب أربعة من خالد وسحبوه من عندها وخرجوه برا وهُما بيحبسوها تاني ويقفلوا عليها، حست بالغيظ والغضب جواها فـ بدأت تصرُخ زي المجنونة وهي بتشِد في شعرها بقسوة وبتصوت من كُتر الضغط النفسي اللي هي فيه.
دخل نوح جناح رفيف لقى الباب مردود، فـ وقِف بيبُص عليها مِن فتحة الباب وهي قاعدة على السرير متربعة وعلى كُل رجل من رجليها ولد مِن التوأم، وبتغنيلهُم "كان ياما كان الحُب مالي بيتنا ومدفينا الحنان، مدفينا الحنان.. زارنا الزمان سرق مِنا فرحتنا والراحة والأمان"
بصلها بشغف وحُب، نوح طول حياتُه مالوش في النسوان كان هدفُه شغله في المافيا وإنتقامُه وبس، رفيف كانت الست الوحيدة اللي قِدرت تقتحِم حصونه وتوقعُه في حُبها، ويقرر يخليها شريكة حياتُه وينجب مِنها، دمُه يتكون في بطنها وتبقى أم ولادُه!
معندهوش عُقدة من الستات، لكن مفيهوش داء الستات..فتح الباب بهدوء فـ رفعت رفيف راسها وبصتلُه وهي ساكتة، قفل الباب وراه وهو بيقول بهدوء: الزمان دا كناية عني؟
بصت على الشباك وهي بتغطي ولادها كويس وبتقول بهدوء: دي أغنية ميادة الحناوي، كلماتها بتقول كدا.
ضيق نوح عينيه وقال: وأنتِ هتغني حاجة مش حساها بالحُزن دا لمُجرد إن كلِماتها كِدا؟ مبقتش قادر أفهمِك.. ساعات بحسك تقبلتي إنك لازم تكوني مع جوزك في أي مكان هو فيه، وساعات بحسِك بتعتبريني عدو.
بصتلُه رفيف بحُزن وقالتِت: أنا عرفت اللي بيدور فوق، هي حامِل منك مش كِدا؟
إتعدل نوح في قعدتُه على الكُرسي زي المحموم وقال بخضة: مين اللي قالِك الكلام دا؟؟
عيون رفيف دمعت وقالت برقة: مش مُهم مين قالي، ليه خلفت مني لما عندك إستعداد تخلف من أي ست تانية غيري؟ ولسه بتمثل عليا إني الست الوحيدة اللي حركت مشاعرك، بتكذب على نفسك وعليا ليه يا نوح؟
دموعها نزلت على وشها وهو ملامحه لانت خالص، مهما تملكُه غضب ونفور من العالم بيرجع يرِق معاها.
قال بهدوء وهو بيمسك كف إيديها بين إيديه: البنت دي كذابة، عارف إن فيا كُل عِبر العالم.. بس والله العظيم ما لمستها ومُتأكِد من دا، هنكشف عليها ولو طلعت بتكذب هـ..وسكِت..
كملت رفيف وقالت وهي بتبُصله بترقُب: هتقتلها؟
غمض عينيه وفتحها بمعنى أه فـ قالت بدوخة: حاسة إني في كابوس، مِش مُمكِن اللي إحنا فيه يكون حقيقي، أنا إتجوزت قتال قُتلة وأختي بتتعالِج في مصحة، وخلفت منُه!
نوح بهدوء حزين: مقدرش أوعدك إن كُل حاجة هتكون أحسن معايا، لكِن أقدر أضمنلِك إن لو جرالي حاجة هتكوني بأمان إنتِ والولاد.
سكتت ودموعها نزلت أكتر.. هو لغاية دلوقتي مش قادِر يفهم إنها بتحبه بطريقة هوس، وخايفة عليه أكتر لإن الجاي مش بيبشر بالخير.
***
قعدت عمة عزيز على الكنبةوهي بتتألِم مِن رقبتها.
جت چايدا وقعدت جنبها وقالِت بقلق: إنتِ بخير؟؟ عاملة إيه دلوقتي؟
بصت لها عمة عزيز وقالت بضيق: بدل النحنحة بتاعتك دي قومي هاتيلي قُماشة أو فوطة صغيرة مبلولة بمياه ساقعة متلِجة عشان أحُطها حوالين رقبتي، الهمجي إبن أخويا كان عايز يقتلني عشان بنت الكابر.. العيلة دي أكيد ساحرالُه.
إتنهدت چايدا وقالت بهدوء وهي بتقوم: حاضِر.
راحت جايدا للمطبخ وجابت فوطة نظيفة وطبق فيه مياة فيها ثلج وراحت ناحية عمة عزيز قعدت جنبها على الكنبة وهي بتحُط الفوطة في الطبق وبتحُطها حوالين رقبة السِت.
وقالت بهدوء وهي بتحاول تهدي الوضع: أكيد عزيز ميقصُدش هو بس خاف على ولادُه مِن سيليا.. بدر وسيلا.
بصت عمتُه قُدامها بـِ غِل وغضب وهي بتقول: كمان مسمية الولد على إسم أبوها المُجرِم البِجحة!
كان واقِف ورا باب الأوضة بتاعتُه إبن چايدا وعزيز بيسمع هُما بيقولوا إيه، سمِع مامتُه بتقول: أنا مُمكِن أساعدِك إن إحنا نخرجهُم برا حياة عزيز خالِص.
عمة عزيز وهي بتقول: هتساعديني إزاي؟ هتعملي إيه يعني؟
حطت چايدا رجل على رِجل وبصت لعمة عزيز بـِ ثِقة وقالِت: ليا طُرقي.. مُمكِن نبعدهُم عنه ونخرجهُم مِن حياتُه مِن غير ما نأذيهُم.
ضحكت عمتُه بسُخريةوهي بتقولها: كان القرد نفع نفسه، ما إنتِ بقالك فترة ومُدة طويلة معاه ومرمية هِنا زي الإستبن مبيجيلكيش غير كُل فين وفين وعلى طول في حضن الثانية..
وبعدين مين قالك إن أنا مِش عايزة أأذيهُم؟
بلعت چايدا ريقها وهي مِش مستوعِبة جبروت السِت دي.. أما إبن چايدا برق بِصدمة وهو بيطلع الفون بتاعُه مِن جيب بنطلونه وبيدوس إتصال على رقم أبوه.
***
كان قاعِد ليث على كراسي الإنتظار بيحاول يتصل بمنال عشان يبلغها باللي قالُه طارُق، لكِن فونها غير مُتاح.
قفل فونه بعصبية وقال: مش وقت قمص يا منال بجد.
رفع راسُه لقى طارِق جاي عليه بإبتسامة فـ وقِف ليث بحماس وهو بيقول بعيون بتلمع من الفضول: هاا عملت إيه؟
سلِم طارِق الملف لليث وهو بيقول: دي كُل المعلومات اللي قدرت أجيبها عنها، إسمها سارة محمد البنهاوي، بِنت عندها 18 سنة يعني طالِبة ثانوية.. كانت شغالة في الملهى الليلي اللي إتفحم من فترة.. بتنظفه يعني تكنس وتغسل وتعمل..
بص ليث لصورتها وضيق عينيه وهو بيقول: أيوة بس، مش دي اللي شوفناها مضروبة بالنار في دراعها.. دي واحدة تانية!
طارق بهدوء: حسب معلوماتي يا باشا إنها إتعرضت لحادثة كبيرة تم تسجيل دخولها مستشفى(...) بتاريخ(...) وإختفت من المستشفى متعملهاش تسجيل خروج، الطاقم الطبي فكروها هربت لكِن في كذا دكتور أكِد إنها حالتها الصحية متسمحلهاش توقف على رجليها في الوقت اللي كانت موجودة فيها.
ليث بتنهيدة تعب: تقصُد في حد خطفها من المُستشفى؟
طارِق بجدية: مظبوط يا باشا، المعلومات دي جبتها عنها من كذا مصدر موثوق.. تحليل الدم كان الفيصل إننا نتأكد هي ولا لا.
ليث بتفكير وهو بيحُط طرف الملف على شفايفُه: كِدا مفاضلش غير إنها تفوق عشان أسألها، طب بقولك ياطارق معلش طلب أخير، فاكِر عيسى الغُريبي بتاع حارة المنيل؟
طارِق بإبتسامة ضيق: أكيد يا باشا، واحِد من العابثين معانا الفترة الأخيرة.
ليث بجدية: البنت دي قبل ما تفقد الوعي من كُتر ما نزفت، قالت إنهُم هيموتوه.. هُما مين أنا مش عارِف، وطبعًا لو لفيت مصر من شرقها لغربها مش هقدر أوصله، ولاد الـ.. بيبقى ليهُم أماكِن متخطُرش على دماغ الأبالسة.
طارِق بمُحاولة للمُساعدة: هحاول من ناحيتي يا باشا إني أعرف.
إتحرك طارِق عشان يرجع لشغلُه ومسِك ليث الفون بتاعُه مرة تانية عشان يكلم منال يعرفها المعلومات اللي عنده، كان غير مُتاح برضو.
قعد وهو بيتنهد وبيقول: يارب يا منال متعُكيش الدُنيا..
***
وقِفِت بعربيتها قُدام قصر أمير الذهبي، نزلت من العربية وهي مُترددة وخطواتها تقيلة لكِن مفيش قُدامها أي حل تاني، السلبية اللي إتكلم بيها ليث تخليها تحاول تعمل اي حاجة عشان تِلحق عيسى، متعرفش هي بتعمل كِدا ليه عشان عيسى لكِن حاجة جواها بتصرُخ إنُه مينفعش يموت مقتول كدا.
وصلت عند حرس القصر وقالت بهدوء: من فضلك بلغ أمير بيه إن نقيب منال واقفة برا وعيزاه ضروري.
خرج الحرس اللاسلكي وبلغ حد مِن جوة بالكلام دا، وقفت منال عشر دقايق برا لغاية ما خرجِ ليها صِبا وهي مكتفة إيديها وبتمشي بهدوء ناحية منال، وصلت عندها وقالت ببرود: إتفضلي.
دخلتمنال وهي بتقول بسُرعة: فين أمير؟
قالت صِبا بإندفاع: عيزاه فـ إيه سيبوه في حاله بقى، أمه لسه ميتة ملحقش يزعل عليها، ولا عشان..
قاطعتها منال وقالت بضيق: فين أمير خلصي في حد من صُحابُه هيموت!
برقت صِبا وهي بتقول: مين!!
منال بزعيق ليها: إندهي أمير بقولك!
خرج أمير مِن القصر وهو لابِس بنطلون إسود وسويت شيرت رمادي وبيقول بصوت مبحوح: خير؟
قربت منال مِنُه وهي بتقول بسُرعة كإنها روبوت: في بنت جت القسم على الفجر وهي بتنزف من دراعها واخدة طلقة فيه، وبتقول بصوت ميت نلحق عيسى عشان هيموتوه.
برق أمير وقال بلهفة: إنتِ بتقولي إيه؟؟ فين البنت دي.
حركت منال راسها يمين وشمال بسُرعة وقالِت: مش هتعرف تاخُد منها كلام هي فاقدة الوعي عشان نزفِت كتير، أنا جيالك تتصرف بمعرفتك إنت وعزيز ونوح وتحلقوه قبل ما يموتوه لإن أنا وليث مش هنعرف نتصرف.
جري أمير على القصر وهو بيقول: أنا هكلم عزيز ونتصرف.
بصت صِبا لمنال بفضول وقالِت: وإشمعنى أمير اللي فكرتي تجيلُه؟
منال بـ رد مُختصر: عشان أعقل واحد في المجانين..
إتحركت منال وخرجت برا القصر، قعدت في عربيتها وهي بتبُص على عربية أمير، لقتُه خرج من القصر وأخد مُفتاح عربيتُه من الحرس ونط فيها وساق بسُرعة، جت تمشي وراه رن فونها كان راغِب.
ردت وهي سايقة وماشية ورا أمير.
منال: أيوة يا حبيبي أنا في الشُغل.
راغِب بضيق: معناه إيه إن ليث يتصل عليا يقولي منال هتعُك الدُنيا إلحقها؟ وبعدين ما إنتِ فونك بيرن عادي أهو، أومال ليه ليث بيقول جايبلي غير مُتاح!
منال وهي بتقلب عينيها: عشان أنا عملالُه بلوك، هخلص شُغل وأكلمك.
راغِب بحزم: مفيش شُغل إنهاردة إرجعي على البيت إنتِ حامِل، لو حصلك حاجة مش هسامحك يا منال.
كشرت منال بتركيز وهي باصة لظهر عربية أمير اللي مُتتبعاها وقالت: مش هيحصلي بإذن الله، سلام دلوقتي.
وقفلِت قبل ما تسمع ردُه، وقفِت الفون تمامًا وهي مركزة عشان تعرف أمير رايح فين.
وصل أمير عند بيت عزيز وسيليا ووقف عربيتُه، ونزل جري وهو بيكلم الحرس اللي فتحوله البوابة فورًا ودخل، كانت منال عمالة تخبط على الدريكسيون بضوافرها بتوتُر وهي مش عارفة لما يوصلوا لعيسى هيكون بالفِعل مات ولا لسه فيه الروح!
مغابش كتير جوة هي لقت عزيز خارِج بيلبس چاكيتُه وبيجري على عربية أمير بيركب جنبه وأمير كذلِك، ساق العربية بسُرعة فـ طلعت وراهُم بعربيتها وغالِبًا بيحاولوا يوصلوا لنوح بالفون لإن مكانُه مِش معروف!
فضلوا يلفوا بالعربية لغاية ما ركنوا على جنب، منال كانت أعصابها مشدودة وهي واثقة إنهُم على نفس حالها، عدا وقت حوالي ساعة ونِصف ولقت عربية سودا مفيمة وصلت نزل منها نوح، وركب معاهُم والعربيتين إتحركوا!
إستغربت منال إنهُم عرفوا بالفعل يتواصلوا معاه، وفضلت ماشية معاهُم تشوف هيروحوا فين.
***
كان سايق بأقصى سُرعة وجنبُه عزيز ونوح قاعد ورا ماسِك تاب وهو بيترعش ويقول بتوتُر: خُد أول يوتيرن هيقابلك وبعدها على طول بعدها إدخُل يمين.
غرز عزيز صوابع إيديه في شعرُه وهو بيقول بهستيريا: مش قادِر أستنى عايز أنُط من العربية، لو عملوا فيه حاجة مش هسامح نفسي!! وإزاي يروح لوحده من غير الجماعة بتوعه لمكان غريب!
بص أمير في مرايا الأمامية لنوح وهو بيقول: إتأكدت بنفسك إنه مش فخ من منال وليث؟
نوح وهو بيبُصله قال ببديهية: ولو مش متأكد كنت جيت ركبت وقولتلك إتحرك؟؟ التتبُع اللي مُخترِق بيه جهاز عيسى جابُه في مكان بعيد وغريب.
ضيق عزيز عينيه وقال بلحظة إستيعاب:*** إنت زارِع في تليفوناتنا تتبع عشان تعرف بنعمل إيه؟؟
مردش نوح عليه وركِز في الموقِع اللي ظاهرلُه في التاب فـ قال أمير: مش وقت الكلام دا يا عزيز.
عزيز من بين سنانُه: نِخلص بس مِن اللي إحنا فيه، ووحياة أمي ما هعتقك.
نوح بنفاذ صبر: إتكلم على قدك.. أنا خُلقي ضيق دلوقتي ومعمي،معنديش إستعداد أتحمِلك.
***
الغُرفة كانِت بارِدة كـ ثلاجات الموتى، مُمدد جسده على فِراش معدني بارِد بيصيبُه بتنميل في جسمُه مِن شِدة البرودة.
لم تكُن البرودة العامِل الوحيد المؤثر على الجسد،لكٍن حُقنة التخدير اللي أخدها في رقبتُه أفقدتُه الوعي لفترة لا يعلم مُدتها،كُل اللي كان قادِر يحركُه في جسمه هو عيونه وهي شايف بصورة مغلوشة رجُلين واقفين قُصاد ترابيزة طبية حديدية بالية،عليها أدوات ومشارِط.
ومُسجِل قديم صوتُه مُتقطِع بتصدح مِنُه أغنية قديمة غناء لُطفي بوشناق"لاموني اللي غاروا مني،وقالولي وش عاجبك فيهاهالطفلة اللي غيرتوا منها،وحبيتوني باش ننساهالاموني اللي غاروا مني.. وقالولي وش عاجبك فيها"
لف واحِد مِنهُم وهو ماسِك مِشرط بيمسحُه بقُطنة فيها كحول طبي،إبتسم إبتسامة خفيفة وهو شايف عيسى مفتح وقال:إنت صحيت؟ حاولنا نعاملك مُعاملة حُصان ونديلك حُقنة الرحمة بس حظك تحِس كُل حاجة هتحصلك.
قرب مِنُه الشخص التاني وهو بيقول:هديك أخِر فُرصة،توقع على تنازُل على كُل ميراثك مِن المايسترو،حاجة مش حقك متتذاكاش وتاخثدها.
عيسى مكانش قادر يحرك لسانه حتى حاسس إنه مشلول وعينه بس اللي بتتحرك،المذياع بدأ يصدر صوت مُزعِج فيه وش ووشوشهُم كانت بتتحرك في عيون عيسى،الأوضة أجواءها أجواء الموت..والإضاءة الصفرا الداكِنة الضئيلة مسببالُه شعور غير مُريح بالمرة،لكِن مكانش خايف بالرغم مِن كُل داعين عيسى وسعت فجأة،مكانش قادر يحرك جِسمُه أه..لكِن حس بالنصل البارِد اللي إتغرز في بطنُه..
بص بعينيه للي واقِف قُدامه وقال الراجل بهستيريا ضحك:على بال ما تأثير المُخدِر يروح،لو فوقت قبلها هناخُد الفلوس،مفوقتش وموتت يبقى أشوفك في الجحيم مع المايسترو.
عين عيسى وسعت أكتر وهو شايف نصل تاني بيتغرز من الناحية التانية من بطنه ،كان الراجِل التاني وبيضحك برضوالتيشيرت بتاعُه إتلوث بسُرعة باللون الأحمر الغامِقوصوت نُقط الدم نازل على الأرض بيخبط فيها كإنُه بيستنجد بيها.
المُخدِر بدأ مفعوله يقِل،قادِر عيسى يتكلِم لكِن صوتُه مكانش طالِع مِن شِدة الألم ..كان بيطلع مِنُه صوت ألم ونواح ضئيلمِن شِدة الألم نزل خط دموع من عينُه على خدُه.
***
كان قاعِد ليث على كُرسي جنبها وهي دايخة وقال بفضول: مالُه عيسى؟ وتعرفيه منين؟
سارة كانت دايخة ولما سمعت أسم عيسى قامت مخضوضة فـ دراععها وجعها راحت مصوتة.
ليث وهو بيحاول يهديها: إهدي! إهدي وفهميني، في إيه اللي تعرفيه عشان ألحق أتصرف!
بصت على إزاز الشباك بتاع الأوضة اللي مبتعد عنه الستار وقالت وعينيها أتملت دموع: خلاص مش هتلحق.. زمانهُم موتوه.
ليث بنفاذ صبر وعصبية: هُما مين ما تفهمينيي!!
بصتله سارة وهي بتعيط وبتترعش وبتقول: رائد ورائِف، يبقوا ولاد أخو المايسترو،صاحِب الملهى الليلي اللي أنا وعيسى كُنا شغالين فيه.
ليث بربط بين المعلومات اللي عندُه: كِدا أنا فهمت، وإيه علاقتك بـِ رائِد ورائِف دول؟
سارة وهي بتترعش: لما عيسى حرق الملهى، كُنت أنا فيه، الله يباركله وينجيه كان لما يشوفني بنظف يديني فلوس كتير يقولي اشتريلك لبس وحاجات حلوة، روحي ذاكري متدفنيش نفسك هنا، في اليوم دا نسيت محفظتي في الملهى فـ رجعت ومكونتش أعرف إن عيسى هيولع فيه هو مشاني في اليوم دا.
والحريق طالني.. كان صعب وبشع وشكلي.. يعني كُنت بين الحياة والموت، كانوا موجودين في البلد معرفش ليه، جولي المستشفى وإتفقوا معايا ينجوني، عملت عملية تجميل بس مرجعتش أنا.. مرجعتش سارة، بقيت واحدة تانية، ومن يومها مخلييني تحت طوعهُم.
ليث كان مصدوم فـ عيطت سارة وهي بتقول: العقرب كان حنين عليا والله كان بيعاملني زي بنته، كان بيديني فلوس ومش حارمني من حاجة، كان فيه جواه حاجة تحسه.. تحسه مش لايق على المكان دا، أبويا عايش ومكانش حنين عليا زيه، بالله عليك لو لحقتوه وطلع عايش خلوه يسامحني، قولوله سامح سارة دي مغلوبة على امرها، خايفة يكونوا موتوه من غير ما يسامحني.. أنا.. أنا حقيرة، إستغليت مرضه ولعبت عليه.
***
وصلوا الثُلاثي ونزلوا من العربية جري، والأرانِب نزلت وبدأوا يخلصوا على الحرس اللي واقفين، منال ركنت على جنب وهي بتعبي سلاحها عشان تلحقهُم.
كسروا الباب ودخلوا وهُما بيندهوا بصوت عالي: يا عيسى!!!عــــيــــســــــى...
كان في صوت مذياع قديم صادِح مِنُه صوت أغنية ( يا ليلة عودي تاني) بصوت مُنير.
إتجهوا ناحية الصوت ونزلوا لتحت، لقوا باب القبو الخشبي فـ كسره نوح، دخل عزيز ووراه أمير ونوح.
برق عزيز لما شاف عيسى ممدد على السرير المعدني والتيشيرت بتاعه غرقان دم، وبقعة دم كبيرة معمولة من نقط الدم..والإتنين عمالين يدخلوا السكينة في جسمه ويخرجوها وهو فقد المقاومة والإحساس.. والحياة!
إتخضوا اول ما شافوا عزيز وامير ونوح، ورجعوا لورا، إتقدم عزيز بخطوات مش متوازنة ناحية عيسى، وعدل وشه من حده بحنية، سند راس عيسى في حُضنه، وهو ضامم شفايفُه وبيبُص للسقف بعدم استيعاب.
خرج من عزيز صرخة مكتومة غليظة مليانة ألم وهو بيضم جسم عيسى ليه جامد.
امير كان واقف فاتح بوقه ومصدوموعزيز باصص لجسم عيسى الهامِد، وسابُه جسمه إترزع على السرير.
"قائِل عبارة أن تصِل مُتأخِرًا خيرًا من أن لا تصِل..ليتني لم أصِل أبدًا.. "
سحب نوح عصاية غليظة مسنودة ورا الباب وكإنُه إتحول، وكسر اللمبة والمذياع، وهو بيقربلهُمرائِد بخوف: يا سااامر، يا رحييييم (الحرس بتوعهُم)
عزيز بدأ يعيط وهو مش مستوعِب! بيحاول يقزم عيسى لكِن عيسى هامِد تمامًا.
***
كانت ساندة والدة عيسى على الشِباك وهي بتقول لمياسة اللي راحتلها من الخوف: مشي وهو زعلان، يارب ييجي.. يكون نسي حاجة ويرجع.
كانت مياسة شايلة قمر بتطبطب عليها وبتقول: اتصلت عليه كتير تليفونه غير مُتاح، محتجاه ضروري بجد.
وهُما قاعدين قُصاد الشِباك وقعت فرخة من شباك شقة أمل، من الفراخ اللي مربياها أم عيسى، وقعت في الشارِع.
شافتها مياسة فـ سابت قمر مع حماتها وهي بتقول: خليكِ هرجعها أنا مكانها.
حماتها بإستغراب: مش هتخافي؟
إبتسمت مياسة بسُخرية وقالت: خااص جلدي نحس من الخوف.
طلعت للحارة ومسكت الفرخة، بصت على بلكونة بُثينة لقتها واقفة مستنية عيسى كالعادة، الدم غلي في عروقها فـ طلعت العُمارة وهي بتشتم بُثينة في سرها، فتحت القفل اللي كان المُفتاح فيه بتاع باب الشقة ودخلت وهي بتقول: ريحتكُم صعبة بجد وريحة أكلكُم كمان.
كملت كلام ووجهت كلامها للفرخة وقالِت: وإنتِ إيه اللي وقعك من الشباك، ايه اللي فتح الشباك أصلًا.
الجو كان برد.. ريحة الأوضة بتاعة الفراخ دِهان حيطة جديد وسِرس وعلف، والبلاط القديم المترب ساقِع وخلاها تترعش.
كانت في لمبة برتقالي دافية وخافتة فوق الفراخ عشان تدفيهم بس المُثير للإستغراب إنها كانت مطفية.
دورت مياسة على الزُرار بإيديها وفتحت اللمبة، لقت سِت مدياها ظهرها، لابسة عباية سودا قديمة وعليها تراب أبيض مطرح القُعاد، ولابسة إيشارب إسود على راسها، كانت ماسكة فرخة وبتنتف منها ريش وبترميه على الأرض.
مياسة سابت الفرخة اللي في إيديها مِن الرُعب وبدأت تترعِش زي المحمومة، لفت الست وبصت لمياسة.. كانت أم أمل.. بوقها مكرمش زي العواجيز، وعينيها خط مسحوب لونه إسود ونازل منها سائِل إسود.
صوتت في وش مياسة، فـ مياسة وشها إحمر على الأخروقبل ما تصوت، سمعت صوت واحِد بينادي على يوسف والبوهيمي بصوت عالي في الحارة" يا يوسسسف، يا بوهيميي.. يا يوسفف.. أخوك عيسى إتقتل يا يووسف"
بُثينة كانت بتسمع اللي بيتقال، وحست الدُنيا لفت بيها، فقدت الوعي فـ جسمها إتقلب من البلكونة ووقعت في الشارِع من بلكونة بيتها، وصوت كسر طلع من جسمها.
أما والدة عيسى قالت بصويت عشان يسكُت: لاااا متقولش كدااا، متقولش على إبني كدايا عـــــيـــــــــــســــــــــى.
"وهي بتشُق جلابيتها"يا حبيبي يابنييإنجدووني يا ناس هاتولي عيسى.
وقفت والدة بُثينة في البلكونة وهي بتلطُم على عيسى.
بتبُص لقت بنتها مرمية تحتفـ لطمها زاد وبقت تصوت هي التانيةوصوت فيروز طالع من الراديو بتاع البوهيمي عشان من الخضة نسي يطفيه( وحدُن بيبقوا، مِتل زهر البيلسان، وحدهُن بيقطفوا وراق الزمانيا زمااان، يا عشِب داشِر فوق هالحيطان)"أحلامهُم تُدفن قبل أن تُنطق، لم يُكتب لهُم المشيب.. أطفال هذه الحارة، تِلك البُقعة الملعونة.. محكومون بالفِقد مُنذ الميلاد"..
رواية العبث الاخير الفصل الخامس عشر 15 - بقلم روزان مصطفى
حين يعود من حافة الموت، لا ينظر إلى الأشياء كما نفعل نحن، الوردة ليست مجرد وردة بل معجزة صغيرة تشهد أن الحياة لا تزال تمنحه وقتًا.
***
المكان: منزل مجهول.
تحديدًا: غرفة القبو.
شاهد أمير عزيز متوترًا ويبكي، فقرب منه ووضع إصبعيه على رقبته، كان هناك نبض بسيط فقال أمير بلهفة:
"لسه فيه الروح، شيلوه معايا بسرعة!"
نادى نوح بصوت عالٍ على الأرانب وأمرهم أن يأخذوا هذين الشخصين إلى بيته. حمل أمير وعزيز عيسى، وتقدم نوح معهم وهو يكتم الجرح الذي ينزف دمًا. كانوا يجرون به وأمير يقول:
"نزف كثير، نريد أن نلحقه بسرعة!"
لم تنل منال من النزول من السيارة، لكنها خشيت أن يعرفوا أنها مشت وراءهم. وضعوا عيسى في السيارة وقاد أمير بأقصى سرعة، وخرجت منال وراءهم بالسيارة.
الوقت كان فارقًا، هل سيلحقونه أم لا؟ لكن عيسى كان ينازع ورأسه على رجل عزيز الذي يقول له:
"لا تسبني وتمشي يا صاحبي، وحياة الأيام التي بيننا يا عقرب ما تمشي بالمنظر هذا."
قال نوح وهو يرفع تيشيرت عيسى بالراحة:
"في ثلاث جروح سطحية أصابت اللحم والجلد فقط، لكن في جرح رابع هو دا الذي سبب النزيف كله، سأكتمه بيدي لنلحق."
شاطر نوح في التقطيع ومعرفة الجروح السطحية والعميقة، معه شهادة خبرة معتمدة من عائلة أمه.
وجد أمير مستشفى على الجانب، فأخذ اليوتيرن وركن السيارة. نزل الثلاثة وهم يحملون عيسى، ونوح يصرخ بأعلى صوته:
"معنا واحد بين الحياة والموت، أي دكتور يلحقنا!"
جرى عدة دكاترة وممرضين عليهم وهم يحملون عيسى بحذر ويضعونه على الترولي. منظره كأنه ميت من كثرة الدم ومنظر التيشيرت وعدم استجابته!
لكن الدكتور عمل نفس الحركة التي عملها أمير عند رقبة عيسى وقال بلهفة:
"في نبض، لكنه ضئيل، على العناية المركزة بسرعة!"
جروا بالسرير ووراءهم عزيز ونوح وأمير. وعندما أدخلوه العناية، أغلقوا الباب. لم تعد رجلا عزيز تحملانه، وأصبح ينهج من كثرة الجري والخوف، فجلس على الأرض وسند ظهره على الحائط وهو يأخذ نفسه. ومع كل نفس يأخذه، يشهق شهقة فيها بكاء. نظر نوح إلى يديه فوجدها غارقة بالدم، فبلع ريقه بتوتر وحزن. لم يخفه الدم أبدًا، لكن هذه المرة كان الدم دليلًا على فقدان غالٍ، فكان خائفًا منه.
غطى أمير فمه بيديه الاثنتين وهو متوتر ويرتعش.
قال نوح وهو يبلع ريقه:
"إيه اللي وداه لوحده هناك؟"
قام عزيز وغضب الدنيا كلها فيه، وهو يمسك نوح من هدومه ويقول بعصبية:
"مش عارف إيه اللي وداه، ما تنضف وتبطل وساخة، دا إنت قعدتنا مع الرجالة اللي كانوا بيأذونا عشان يسموا بدنُه ويعرفوه حقيقة أبوه، إنت أديته الحبل وقولتله إشنق نفسك بيه!"
فصل أمير بينهم وهو يقول:
"يا جدعان بس بقى! الراجل بيموت جوه وإنتوا بتعملوا إيه؟"
عدل نوح هدومه وهو ينظر بغضب إلى عزيز ويقول:
"مش هرد عليك دلوقتي، نطمن على عيسى بس وبعدها لينا رووقة."
خرج اثنان من الممرضين يجرون، وزاد التوتر على الثلاثة الواقفين لا يفهمون شيئًا.
***
المكان: حارة المنيل.
خرجت والدة عيسى بجلابيتها المشقوقة وهي تصيح وجالسة على ركبتيها في الأرض تقول:
"إنجدوني هاتولي عيسى، ابني مات يا ناس.. ابنيييييي!"
خرج يوسف جري والبوهيمي وهما يمسكان الولد الذي قال ذلك. هز يوسف الولد وهو يقول ببكاء:
"إنت بتقول إيه!! عيسى مين اللي مات!!!"
أبعد الولد يد يوسف عنه وهو يقول ببرود:
"يا عم بقولك اتقتل مماتش! في ست كدا من الحكومة لابسة بدلة ميري قالت أبلغكم!"
نظر يوسف ببكاء إلى البوهيمي وقلبه ينتفض، والناس مجتمعة حول بثينة وأمها التي تصيح هي الأخرى.
قال البوهيمي من بين أسنانه:
"اتقتل يعني مات!"
قال الولد ببرود:
"بيقول زمايله خدوه المستشفى وهو مقتول يعني مضروب بسكينة.. لسه مماتتش."
قامت أم عيسى وهي تنظر إليه بغل ومسكت الولد ووقّعته على الأرض، وأصبحت فوقه وهي تضربه وتخدش في وجهه وتصيح:
"بتتبلى على ابني بالصوت الحيواني، دا أنا هقطعك بسناني هاكل مصارينك."
ويوسف والبوهيمي يحاولون سحبها من فوقه. نظر يوسف فوجد مياسة واقفة في مدخل العمارة، وجهها أصفر ومسحوب سحبة صعبة، كأنها رأت عفريتًا.
جرى عليها وهو يقول لها:
"إنتِ كويسة يا ماسة؟"
لم تكن قادرة على النطق. سمع صوت قمر بنت أخيه، فجرى داخلًا وجلبها ورجع لماسة وهو يقول:
"مالك!! عيسى بخير في المستشفى مماتش!! فوقي!"
لم تكن تعرف أن تتكلم ولا تتحرك، كانت كالمحمومة. والناس حملت بثينة في سيارتهم وجروا بها إلى المستشفى ومعهم أمها. كانت ليلة صعبة لا يوصف عليها سلطان حارة المنيل.
قامت أم عيسى من فوق الولد بعد ما أهانته، وهي تمسك هدوم يوسف وتقول بصوت مبحوح من الصياح:
"وديني لأخوك، أشوفه بعيني، هموت من بعده مستحملش فيه الشر، وديني عشان أراضيه.. لما أراضيه هيفوق."
قال البوهيمي بضيق:
"هيفوق إيه يما، هو واخد ضربة شمس دا مطعون بالسكينة، نعرف منين هو في أنهي مستشفى."
نظر يوسف حوله فوجد الولد فر بجلده وجرى، فقال بتكشيرة:
"قال صحابه معاه، أنا معايا رقم عزيز هتصل أسأله."
أمه بلهفة وبكاء وكل جسمها يرتعش:
"طب اتصل، اتصل بسرعة."
قربت نيللي من مياسة وقالت وهي تأخذ عنها قمر:
"سيبيني أنا قمر وروحي معاهم عشان تتطمني على أصل عيسى، وبالله عليكم تطمنوني أنا لولا الحمل كنت جيت."
تركت مياسة قمر مع نيللي وقربت من يوسف وجسمها يرتعش كما لو أنها تترنح من الرعب والتوتر والخوف. فتحت فمها وهي ترمش بعينيها المليئة بالدموع، لم تستطع النطق.
بعد رنين كثير من يوسف على عزيز، رد عزيز أخيرًا، فقال يوسف بلهفة:
"إنت مع عيسى؟"
عزيز بصوت راح من البكاء:
"أيوة."
يوسف بلهفة ورعب:
"مستشفى إيه بسرعة؟"
عزيز:
"مستشفى (...)."
أغلق يوسف معه وهو يضع الهاتف في جيبه ويقول بنبرة بكاء مكتومة:
"يلا يا بوهيمي نروح، خليكي إنتِ يما."
لطمت أمه وهي تقول بصياح:
"أخليني فين هعملها على روحي، خدني لأخوك."
تحركوا كلهم، والبوهيمي قلبه يأكله على بثينة، لكن عيسى غالي عليه أيضًا.
***
المكان: المشفى الخاص.
تحديدًا: الردهة أمام العناية المركزة.
وصل أهل عيسى، وكان واقفًا أمام غرفة العناية ثلاثي السفراء، دون الضلع الرابع الذي هو عيسى.
والدة عيسى شفاهها كانت مضمومة، تحاول أن توقف البكاء حتى تتمكن من الكلام. ونظرت إلى عزيز وقالت:
"عيسى يا عزيز، عيسى ابني ما مات؟"
عزيز عيناه كانتا حمراوين من كثرة البكاء وقال بصوت مبحوح:
"لسه فيه الروح، لكن نبض القلب ضعيف."
ضرب نوح عزيز بكوعه حتى لا يتعب أم عيسى، وقال نوح وهو يحاول التماسك:
"بإذن الله خير، متقلقوش."
غطى عزيز عينيه بأصابع يديه وهو يمشي من أمامهم وذهب إلى التواليت لأنه كان صدره مليئًا بالحزن على عيسى. حاول أن يتمالك أعصابه في الحمام ولا يبكي وهو غير قادر على استيعاب ما حدث.
أما بالخارج، وقف يوسف عند باب غرفة العناية وهو راجع رأسه للخلف يتمتم بدعاء لأخيه أن يشفيه ويقومه بالسلامة. مر حوالي ثلاث ساعات حتى خرج الدكتور وهو يجفف عرق جبينه وقال بإرهاق وتعب:
"إحنا هنستنى الـ 48 ساعة الجايين عشان نشوف حالته هتستقر ولا لا. محتاجين فصيلة دم تنفع لفصيلة دمه عشان عندنا عجز في بنك الدم، وهو نزف كثير."
رفع أمير يديه وقال:
"أنا اتبرعت له بدم قبل كدا."
أشار له الدكتور أن يذهب مع الممرضة لتسحب منه دم.
قرب نوح بملامح متجهمة وهو يحاول أن يخفي غضبه وقال للدكتور:
"حالته إيه دلوقتي بالظبط؟"
بلع الدكتور ريقه وقال:
"مأكذبش عليك، نبض القلب ضعيف جدًا. إحنا عملنا إنعاش كذا مرة لقلبه لغاية ما استقر النبض، لكن ممكن في أي لحظة يوقف! ودا اللي إحنا بنسعى عشان ميحصلش، هيرافقوه ممرض وممرضة بالمناوبة خلال فترة الـ 48 ساعة الجايين."
مشى الدكتور من أمام نوح الذي ساند ظهره على الحائط وهو غير مستوعب أنه ممكن يفقد عيسى في أي وقت.
رجع عزيز من التواليت وكان قد أبلغ سيليا باللي حصل اختصارًا في الهاتف بعد ما قلقت واتصلت عليه. نظر إلى والدة عيسى التي كانت منهارة وترتعش، ولا تصدق أنها ستخسر سندها ابنها الكبير من بعد زوجها. ولنوح الذي كان دائمًا يكن له معزة خاصة لعيسى أكثر منهم جميعًا. ولأمير الذي فواجع الموت لا تلحقه دون توقف، مرة والدته والآن صديقه. ولنفسه، كان عيسى صديقه الوحيد والمفضل قبل أن يصبحوا جماعة وأصدقاء. كان يسمعه ويواسيه ويخرجون سويًا منذ زمن. جمعهم طريق الهلاك ألا وهو المافي.
يفكر عزيز كم كان مخطئًا وهو يمنع سيلا من الاتصال به، ويمنعها من رؤيته. بعد ما فعله نوح، فقد الثقة فيهم جميعًا. لم يقدر أن يتحمل، وكان يريد أن يبكي لكنه يمسك نفسه.
قربت منه ممرضة وهي تحمل كيساً فيه هاتف عيسى والتيشيرت الأبيض الذي جاء به ملطخًا بالدم، وساعته والسلسلة التي كانت متدلية من رقبته. قرب عزيز منها، فأعطته الكيس وهي تقول بتعب:
"دي المتعلقات الشخصية بالمريض، لو تقدروا تجيبوا له هدوم نظيفة عشان لو ربنا كتب له عمر وفاق يلبسها، إحنا بنسيبهم في الأمانات لغاية ما يتخطى مرحلة الخطر، كمان لأن الجو بارد في المستشفى."
عزيز وهو يشعر أنه سيقع من طوله:
"تمام، هروح أجيبه أنا الحاجة."
قال أمير لعزيز بهدوء:
"أنا جاي معاك عشان نرجع هنا سوا."
كان عزيز مكشرًا بدلًا من أن يبكي، فتحرك نوح وأمير وراءه وهم ينظرون إلى مياسة الواقفة مبرقة وشكلها عندها صدمة عصبية، لا تقدر أن تفوق منها!
خرجوا من المستشفى وركبوا سيارة عزيز التي ساقها وذهب ناحية بيته هو وسيليا. وقال بتعب:
"هروح بس أطمن الجماعة وأغير هدومي وبعدها نتحرك بسرعة."
سند نوح رأسه على كف يده وهو لا يتحمل الألم النفسي والجسدي الذي هو فيه بعد ما رأى منظر عيسى. أن تقتل أحدًا أو تراه مقطعًا أمامك شيء، وأن يكون هذا الشخص أحدًا تحبه وله غلاوة عندك، فهذه حاجة أخرى لا تثبت. خوفك من فقدانه يتخطى اعتيادك على مناظر الدم.
وصل عزيز بسيارته أمام بيته وركنها. كانت سيلا واقفة في زجاج النافذة بالصالة بعد ما جرت عليه لما سمعت صوت سيارة جاءت. وبدأت تتنطط بسعادة وهي ترى عزيز أباها يفتح الباب وينزل من السيارة، وينزل أيضًا نوح وأمير. جرت على والدتها وهي تتنطط وتقول بفرحة:
"بابا وعيسى جم، بابا جه، عيسى جه."
صدمت سيليا ونظرت من النافذة فوجدت الثلاثي بدون عيسى. فارتعشت وهي تجري على سيلا التي جرت على باب البيت بسرعة وهي تقول بصوت عالٍ بسعادة:
"عيسى."
فتحت الباب، فجرت سيليا عليها وهي تحضنها من ظهرها وواقفة تنظر إليهم، وترى ملامح الحزن على وجوههم.
خبأ عزيز التيشيرت الخاص بعيسى وراء ظهره، لكن لمحت سيليا ولمحت الدم على هدوم زوجها، فشهقت وهي تلف وجه سيلا الذي لوى فمه وهي تقول بحزن:
"عيسى ما جاش."
حركت سيليا شفتيها بكلمة "مات؟"؟ فحرّك عزيز رأسه يمينًا وشمالًا بمعنى لا. ارتبكت وهي تنظر إلى نوح وأمير، فقالت أخيرًا:
"تعالوا اتفضلوا، كنت بغدي سيلا.. الغدا جاهز."
نوح وهو ينظر إلى الأرض:
"متشكر بس هنستنى عزيز يغير عشان نتحرك."
دخلوا البيت، فقالت سيليا وهي تلاحظ دم عيسى على هدومهم وأيديهم:
"الحمام من هنا، خدوا راحتكم."
صعدت مع عزيز فوق، الذي خلع تيشيرته وحذفه على الأرض بغضب. ثم جلس على السرير ووضع رأسه بين كفيه بقلة حيلة.
دخلت سيليا وراءه وأغلقت باب الجناح وهي تقول بهمس حتى لا تسمع سيلا:
"طالما مماتش، ليه وشوشكم عاملة كدا؟ وإيه كمية الدم دي، دا لو دبيحة مش هتنزل الكمية دي!"
وقف عزيز وهو يدور بين هدومه على تيشيرت ليلبسه ويقول بفتور:
"مطعون كذا طعنة صعبة، هو مماتتش بس لسه حالته مش مستقرة، وممكن في أي لحظة..."
كتم الكلمة، لم يقدر أن ينطق بها. فغطت سيليا فمها وهي تقول:
"لا متقولش كدا، إحنا هنخرج برا مصر ومش هنرجع، وهنبقى كويسين كلنا."
خرج سويت شيرت أسود ورماه على السرير وهو ينظر إليها وجفونه ترف، ويقول:
"مفيش هرب خلاص، وقتنا جاي جاي.. أنا بس نفسي يومي يبقى قبل يوم عيسى عشان..."
وضعت سيليا وجه عزيز بين كفيها وهي تقول:
"متقولش كدا يا حبيبي، عيسى هيكون بخير وإنت كمان."
لم يعد يبدو أنه قادر على التماسك أكثر، فشدته سيليا إلى حضنها، وبمجرد أن احتضنته، بدأ يئن ويبكي بعمق وصوت وجسمه يرتعش وهو يقول:
"قتلوه يا سيليا، ااااه يا عيسى."
ربتت سيليا على ظهره وهي تحتضنه جامد وتقول:
"متقولش كدا طالما لسه عايش، ربنا مدينا الأمل."
ابتعد عنها قليلًا وهو يتشحتف كالأطفال، وهي تمسح دموعه وتقول بحزن على عيسى:
"إهدى عشان خاطري عشان سيلا، أصلًا بتسأل عليه."
مسح دموعه ووجهه كويس، وقال بصوت راح من البكاء:
"أنا هلبس وهنروح نجيب له هدوم من بيته تبقى موجودة احتياط عشان لو فاق يلبسها."
لبس السويت شيرت الخاص به، وسحب تيشيرت عيسى مرة أخرى. التي أمسكتها سيليا بيدها وهو في يد عزيز، وقالت:
"يالهوي التيشيرت مقطوع كذا قطعة ومليان دم!"
سكت عزيز وخرج من الجناح وهو يداري تيشيرت عيسى داخل السويت شيرت الخاص به. جرت عليه سيلا وهي تقول:
"بابا عاوزة عيسى."
عزيز بدون أن ينظر إليها قال:
"هو في الشغل يا بابا يخلص وهيجيلك."
لوت فمها لتحت، فنزلت على السلم. أمسكت سيلا الهاتف واتصلت على رقم عيسى، فلقت صوت هاتف في جيب أبيها يرن.
اتسعت عيناها وفمها تلوي أكثر وهي تنظر إلى والدتها. تماسكت سيليا حتى لا تبكي، لكن عزيز تدارك الموقف وهو يمثل الصدمة ويقول لنوح:
"يااه عيسى نسي تليفونه معايا، يلا عشان نروحله الشغل نتغدى معاه ونديله التليفون."
خرجوا من البيت، فقال أمير بحزن:
"إنت واخد حاجة عيسى معاك لجوه؟ دا اسمه كلام!"
عزيز وهو يضيق عينيه:
"فكرت أسيبهم جوه بس خوفت سيلا تشوفهم، فـ رجعت في كلامي."
نوح بغضب يحاول أن يتحكم فيه:
"طب يلا على بيت عيسى عشان نجيب له هدوم نظيفة."
ركبوا السيارة وتحركوا ناحية بيت عيسى وهم معهم المفتاح في الكيس الخاص بمتعلقاته.
***
المكان: منزل أعلى تل مرتفع.
تحديدًا: غرفة ملحقة بالباحة الجانبية.
دخل الأرانب وهم يسحبون الاثنين ويرمونهم على الأرض بعنف. تألم واحد منهم وصرخ بهستيريا:
"أنا عايز اللي مشغلك ييجي يتكلم معايا، أنا مش خايف."
الأرنب بعنف:
"مشغلني عنده بروح أمك؟ اسمها مشغلني معاه.. والباشا ييجي وقت ما يحب."
نظر لأخيه بجنون، ثم نظر إليهم وهو يصرخ أكثر:
"مش عايز أتحبس هنا، خرجوني من هنا."
سند واحد من الأرانب على الحائط بظهره وهو يولع سيجارة ويقول:
"هنصحك نصيحة بس، أمور الجنان اللي بتعملها دي مش هتجيب نتيجة مع الباشا لأن الجنون لعبته، ولو صرخت بآخر رمق في حنجرتك محدش هيسمعك، الأبواب هنا مصفحة ومنعزلين عن العالم."
الغرفة التي كان الأرانب يحبسون فيها كانت متوسطة نوعًا ما، جدرانها باللون الرمادي الباهت، فتبعث في النفس أنها عمارة مهجورة أو شقة قيد التشطيب، وأرضيتها باردة كالثلج من شدة البرودة. بدأ عظمهم يوجعهم من البرودة، فابتسم الأرنب وهو يبين أسنانه وبدأ يخرج من الغرفة وهو يمسك مقبض الباب ويقول:
"معلش بقى مفيش أكل ولا شرب، وواجب الضيافة هيعمله معاكم الباشا لما ييجي."
وخرج وأغلق الباب وراءه. نظر المذعور إلى أخيه بعد ما أدرك أن هذه نهايتهما، لا مفر. راح يصرخ بأعلى صوته بالفعل.
***
مر يومان على عائلة الغريبي والسفراء، الانتظار قاتل. الوقت يمر بصعوبة.
كانت مياسة ووالدته أشبه بالأموات من عدم النوم. ومياسة ساكتة تمامًا في حالة من الصدمة والرعب، لم تنطق منذ يومين، منكشمة على ذاتها وتايهة. الأصوات متداخلة في رأسها وصوت صفير في أذنيها. قمر فضلت مع نيللي تراعيها مع ابنها لغاية ما مياسة تفوق من اللي هي فيه. ووالدة عيسى لسانها لم يتوقف عن التمتمة بالدعاء والرجاء لله سبحانه وتعالى، وطلب العفو عنها وعن عيسى لأنها خبت ما فعله زوجها لو هذا ذنبها، وأن يسامح عيسى لو أخطأ. امرأة على قدها في التعليم، ليست مدركة يعني إيه مرض نفسي وعقلي، ومعندهاش دراية كافية عن التحول في شخصية المريض على مدار السنين وتطور مرضه، ممكن يخليه يعمل إيه.
خرج الدكتور من غرفة عيسى، وكانوا كلهم ينتظرونه. قرب عزيز ويوسف وأمير ونوح منه وهم قلقون، والإرهاق باين عليهم جدًا. لما رآهم الدكتور قال بتعب:
"الحمد لله حالته استقرت، لكن لسه مفاقش.. يعني نقدر نقول بثقة إن بفضل الله تجاوز مرحلة الخطر."
عزيز ضيق عينيه وقال بعدم استيعاب:
"طالما حالته استقرت، ليه لسه مفاقش؟"
بلع الدكتور شفتيه وهو يرى مياسة تتسند على الحائط بدوخة من كثرة البكاء وقلة الأكل. رجع نظر إليهم مرة أخرى وهو يقول:
"المشكلة في المخ، مبيديش للجسم إشارات إنه يحصل له صحوة ويفوق.. المخ واضح إنه تعبان."
والدة عيسى بعد ما كانت مبسوطة أن ابنها تجاوز مرحلة الخطر، رجعت خافت مرة أخرى وبدأت تبكي. قال نوح بهدوء للدكتور:
"يعني إيه؟ فيه احتمال إنه يدخل في غيبوبة؟"
قال الدكتور بأسف:
"منقدرش نستبعد الاحتمال دا، ادعوله وربنا يعمل الخير، عن إذنكم."
مشى الدكتور بعيدًا. وهنا مياسة وضعت يديها على مقدمة رأسها بعدم استيعاب، وهي تشعر أنها تريد أن تبكي.
الصدمة تملكت منهم لمدة ربع ساعة. استجمع نوح نفسه وقال وهو يتنهد:
"تمام، مدام ماسة هتيجي عندي البيت تقعد مع رفيف لغاية ما عيسى يقوم بالسلامة، هتكون في حمايتي."
عزيز باعتراض:
"في حمايتك إنت؟ متضحكناش بقى على المسا يا بتاع النو ريسك نو فان."
حرك نوح لسانه على طرف شفتيه وهو يقول بنبرة هادئة لكن ساخرة:
"هتسيبها مع مين، خطيبها اللي شبه الدبدوب القطن يحميها؟ أنا لسه مقعدتش مع الـ **** اللي عملوا في عيسى كدا ومعرفش ليهم أطراف برا تساعدهم أو لا، الحماية عندي إكسترا."
مياسة كانت عيناها حمراوين وتحت عينيها هالات حمرا. مسحت دموعها وهي مكشرة وقالت لنوح:
"متخرفش، تحت حمايتك بتاع إيه؟ أنا وعيسى منفصلين ومتطلقين، يعني هو ملوش سلطة عليا، وحتى لو مش متطلقين مش هروح مع مختل منحرف زيك."
رفع نوح إصبعه في وجهها بتحذير أن لا تغلط، وكان مبرقًا. بعدها قال بتضييق عين:
"ولما هو ملوش كلمة عليكي ومتطلقين، إنتِ هنا بتعملي إيه؟"
بلعت مياسة شفتيها بلسانها وهي تقول بانفعال:
"دا أبو بنتي، وبينا عشرة وأيام حلوة، الخاين اللي زيك ميفهمهاش."
نوح بحزم:
"من غير غلط، كدا كدا عزيز وأمير هييجوا معايا البيت عشان الـ *** اللي أنا حابسهُم هناك.. وإنتِ تيجي تقعدي مع رفيف."
مياسة بانفعال:
"لا! لا مش عايزة، ملكش دعوة بيا."
ظهر أيمن وهو يقرب من مياسة. أمسكها من ذراعها وقال بغضب:
"بتصل مبترديش ليه! بتعملي إيه هنا أصلًا، يلا امشي معايا إنتِ هتبقي على ذمتي، اقطعي صلتك بالماضي."
قطع نوح المسافة بينه وبين أيمن ومسكه من رقبته وهو يخبط جسده في الحائط جامد ويقول بعنف:
"صوتك ميعلاش ومتديهاش أوردر وأنا موجود، ولاا! أوعى تفتكر عشان عيسى في العناية يبقى حلال عليك تعمل فيها اللي إنت عايزه؟ هتلاقيني في وشك.. وصدقني عداوتي وحشة لأبعد حد."
كان عزيز واضعًا يده وراء ظهره ويتحرك يمينًا وشمالًا وهو يهز رأسه ويقول:
"أه أه صدقه، دا حتى صداقته فيها غدر، ما بالك عداوته."
أيمن وهو يحاول أن يأخذ نفسه:
"جاي آخد خطيبتي، دا حقي."
نوح بعصبية من بين أسنانه:
"كسر حقك، لو شوفتك هنا تاني هعمل من وراك شيش طاووق، اتكل! مش عايز أشوفك حواليها تاني، لا إلا هتلاقيني أنا في وشك."
زقه نوح ووقعه على الأرض، فأسند أيمن بيديه الاثنتين على الأرضية وهو يتنفس بسرعة. بعدها قام ومشى وساب مياسة التي بدأ صوتها يعلو على نوح وقالت:
"إنت مين إنت عشان تتحكم فيا وفي اللي في حياتي، بص أنا فعلًا أعصابي تعبانة ونفسيتي بايظة، لو سمحت ملكش دعوة بيا يا نوح."
نوح بجدية لم يعهدها معهم:
"مدام مياسة، أنا متطاولتش عليكي ولا قليت ذوقي معاكي، دا واحد **** بيعاملك معاملة مش تمام وقدامي، فـ بدافع عنك، وسبب رغبتي في وجودك عندي مع رفيف هو بهدف حمايتك، محدش معارض دا هنا غيرك."
نظرت مياسة لحماتها التي كانت حالتها يرثى لها، فبادلتها والدة عيسى النظرات وهي تقول بتعب:
"روحي معاهُم يا مياسة، عزيز قال دا الأمان ليكي."
قالت مياسة وعيناها ترف بالدموع:
"أمان إيه دا خاين، مستحيل أروح معاه، أنا هقعد ببنتي في الحارة لغاية ما عيسى يفوق بالسلامة."
أغمض نوح عينيه وهو يهب نفسه الصبر، بعدها فتحها وقال:
"أنا عارف إن اللي عملته مش هين، وبالفعل ندمان، ومزود ندمي وقهرى وجود عيسى هنا ولسه مفاقش عشان يسامحني، صدقيني وخوفًا عليكي وعلى بنتك عندي أمان أكتر، مدام سيليا عزيز ووالدها موجودين يعني عندها حماية إكسترا، لكن مكانها معروف ومدام صبا نفس الوضع، بيتهيا لي إنتِ فهماني ليه مينفعش أسيبك في مكان معروف."
نظر إلى رقبتها! على سلسلة عيسى التي هي لابساها. لمست طرف السلسلة بإصبعها ونظرت إليه بذهول وهي تحاول استيعاب، هل يعرف عن الأمانة التي معها؟
بلعت ريقها وهي تنظر إلى الواقفين، فابتسم نوح بهدوء ابتسامة ذات معنى، لكنها غير متناسبة مع المكان والموقف، وقال:
"يلا؟"
عضت أظافرها بقلق، بعدين كشرت وقالت بعناد:
"متخرفش، متطلعش جنونك عليا."
قرب منها خطوتين، فارتدت خطوتين لورا. وقف بينه وبينها عزيز وهو مدي لها ظهره وقال لنوح:
"إياك! لو مش حابة تروحي معاك خلاص، دي مرات أخويا مش هسمحلك!"
يوسف كان يكلم نيللي في الهاتف، ووالدة عيسى جلست ووضعت رأسها بين يديها.
نظر نوح إلى عزيز وقال بجدية:
"عشان مرات أخونا، بحاول أحميها، لكنها عنيدة.. لو عندك حل ياريت تقوله."
لف عزيز ونظر لمياسة بحزن عميق، التي رفعت عينيها ونظرت إليه وهي تتنفس بسرعة وترتعش. قال عزيز بنبرة هادئة:
"أنا عارف إن الوضع مش أحسن شيء بالنسبالك، بس للأسف هو معاه حق، هو آمن مكان ليكِ دلوقتي، وقريب هجيب لك سيليا تشوفيها."
رفع نوح كتفيه وقال بتعب من المناهدة:
"وكدا كدا رفيف هناك، يعني مش هتبقى لوحدها."
قالت مياسة بنبرة بكاء:
"عايزة بنتي طيب، سبتها يومين مع نيللي، كنت تعبانة نفسيًا."
أغمض عزيز عينيه وفتحهما علامة الاطمئنان وقال:
"هجيبهالك، اركبي معاه وهنروح أنا ووالدة عيسى الحارة نجيب حاجتك وبنتك ونيجيلك، حماتك هتقعد معاكي عند نوح."
لبس نوح نظارته الشمسية وهو يشير لمياسة بيديه أن تمشي معه. مشت بجانبه وهما يخرجان من المستشفى. نظر أمير بوجه جامد خالٍ من المشاعر وقال لعزيز:
"أنا هروح أطمن على صبا ومحمد، وبعدين هرجع هنا تاني."
عزيز ضم شفتيه وقال:
"إنت معانا على الخط؟ بنقول هنروح عند نوح عشان اللي هو ماسكهم هناك!"
أمير بنفس البرود:
"معاكم، بقول هتطمن على مراتي وابني وأجيلكم!"
عزيز بنفاد صبر:
"ماشي، على ما أوصل والدة عيسى الحارة وأجيب قمر تكون إنت خلصت ونتقابل هناك."
تحركوا كل واحد فيهم في اتجاه. وقف نوح عند سيارته، لقى مياسة تفتح الباب الخلفي للسيارة. رفع نظارة الشمس على شعره وهو يقول:
"ما الكرسي جنبي فاضي؟"
رزعت مياسة الباب اللي ورا وفتحت الباب اللي جنبه وركبت. تحرك نوح بالسيارة وفضلوا ساكتين شوية، لغاية ما مياسة قالت:
"عايزة أبقى أجي أشوف عيسى، مش تحبسني زي ما حابس مراتك."
نوح بهدوء:
"أكيد لما الدكتور يبلغني إنه فاق هاخدك ونروح نشوفه، المهم إنه تجاوز مرحلة الخطر."
سندت مياسة رأسها على الشباك، فنظر إليها نوح وقال بهدوء:
"أجيب لك إزازة مياه أو عصير؟"
كشرت وقالت بقرف من التعب اللي هي حاسة بيه:
"مش عايزة حاجة، عايزة أستريح شوية بس وأشوف بنتي."
بعد طريق طويل شوية، وصل نوح أخيرًا للبيت. فتح باب سيارته ونزلت مياسة والهواء يحرك شعرها وهي تنظر للبيت الذي أمامه الحرس تبع نوح، والأبواب المصفحة التي في كل جوانبه. أشار لها نوح بيده أن تدخل، فدفعت نفسها بذراعيها. كانت لابسة سويت شيرت أسود مخطط أبيض بخطوط عريضة وبنطلون أسود. وجهها باهت تمامًا وعيناها ورمة.
مر نوح من أمام الحرس ومعه مياسة ودخلوا لجو. أول ما دخلوا، سمعت مياسة أغنية من المطبخ، موسيقى تحديدًا. هادئة، تليق بليلة شتوية باردة. اتخضت من صوت نوح الذي قال:
"لو تحبي تاكلي حاجة في المطبخ قبل ما أوديكِ جناح رفيف."
نظرت إليه مياسة وهي ترجع شعرها وراء أذنها وقالت:
"لا، وديني لرفيف أشوفها وأرتاح في أوضتها."
أشار لها أن تأتي وراءه، وعدت من باب مصفح. بمجرد ما دخلت، الحرس أغلقوه وراءها. صعدت على السلم وهي ترتعش من البرد والخوف، لغاية ما وصلت عند باب غرفة خشبي.
خبط نوح خبطتين، فقالت رفيف من وراء الباب بصوتها الرقيق:
"اتفضل."
فتح نوح الباب ومد رأسه وهو ينظر إليها. كانت تمسك كريم لجسم الأطفال وتضعه على أجسامهم، وهي لابسة السكارف تبع الشعر وخصلتين متمردين منها وفستان لونه أزرق رقيق. تنح نوح شوية وهو ينظر إليها وسرح، فحرّكت رأسها وقالت:
"عايز حاجة؟"
نوح بهدوء:
"جبت لك مفاجأة."
رفيف بدون أن تنظر إليه:
"شكرًا، مش عايزة حاجة."
فتح نوح الباب على الآخر، فبصت رفيف لقت مياسة واقفة وراءه وكان حالتها صعبة. اتسعت عيون رفيف وهي تقول بسعادة حقيقية:
"ماسة!"
جرت مياسة إلى الداخل واحتضنت رفيف جامد وهي تبكي بصوت عالٍ، ورفيف مخضوضة وتربت عليها وتقول بهدوء:
"مالك بتبكي كدا ليه؟"
بعدها نظرت إلى نوح بغضب وقالت:
"عملت فيها إيه؟ مش ناوي تكفي الناس من شرك!"
ابتعدت مياسة عن حضن رفيف وهي تنظر إليها باستغراب وتقول:
"هو إنتِ! إنتِ متعرفيش اللي حصل لعيسى؟"
الذهول تملك ملامحها وهي تنقل نظراتها ما بين نوح ومياسة وتقول:
"إيه اللي حصل لـ عيسى؟؟ في إيه يا ماسة!"
نوح كان يمسك هاتفه ويبعث رسالة لواحد من الحراس ليناديه مرام. مرام وصلت عند باب الغرفة التي هو واقف عندها وقالت:
"تحت أمرك."
نوح بهدوء:
"خدي مدام مياسة ودخليها أوضتها ترتاح وجهزوا لها أكل وحاجة تشربها."
نظرت مياسة لنوح، فقال بهدوء:
"استجمعي نفسك، خذي شاور دافئ وارتاحي شوية، بعدين اقعدي مع رفيف، زمان عزيز جاي في الطريق وجايب لك قمر معاه."
ربتت مياسة على ذراع رفيف وهي تقول:
"هجيلك بالليل أقعد معاكي ونتكلم، أنا فعلًا لازم آخد شاور لأن حالتي صعبة."
تحركت مياسة مع مرام، وفضلت رفيف واقفة مكانها مصدومة. فاقت من صدمتها على صوت قفل باب الغرفة ونظرت لقت نوح يقرب منها، فرجعت لورا وهي تصوب إصبعها في وجهه وتقول:
"متتقربليش! لو سمحت اطلع برا، أنا مرضيتش أقولك كدا قدام مياسة."
نوح بعناد:
"مش طالع! رفيف أنا ملمستهاش!! إزاي هتكون حامل!"
رفيف عيناها امتلأت بالدموع، لكن كشرت حتى لا تنزل، وقالت:
"كل اللي بتقوله ميخصنيش، اللي يخصني أولادي ومستحملة كل حاجة عشانهم، ويكون في معلوماتك هي مش هترمي نفسها في النار لو مفيش حاجة فعلًا."
نظر إليها نوح بجمود وقال:
"بيني وبينك تحليل الـ DNA."
وخرج من الغرفة ورزع الباب. انتفضت رفيف على الرزعة وراحت ناحية أولادها تطمئن، صحوا من الصوت أم لا.
***
المكان: حارة المنيل.
نزل عزيز من السيارة وهو يساعد والدة عيسى على النزول. لقوا شباب لابسين باك باج على ظهورهم وماسكين بخاخات ألوان وفرش يرسمون على السور: أمل وبثينة وعيسى!
كانوا راسمين أمل ووراها أجنحة بيضاء، وبثينة وعيسى.
وقفت والدة عيسى تنظر للرسمة وغطت فمها بيديها وهي تبكي، فحاضنها عزيز وهو يهديها ويقول:
"بإذن الله هيفوق، بإذن الله، يلا نجيب قمر عشان نتحرك؟"
نظرت إليه والدة عيسى وقالت بحزن:
"سيبني أنا معلش، محتاجة أقعد في بيتي عشان أرتاح.. خد قمر لأمها وخليها تحافظ عليها، وأنا هاجيلكم لما أخلص اللي ورايا هنا."
عزيز بهدوء:
"طب إيه اللي وراكِ؟"
رفعت والدة عيسى كتفيها بقلة حيلة وقالت:
"محاولة أخيرة مني، روح يا ابني خد البنت وديها لأمها."
دخلت والدة عيسى العمارة وهي تنظر إليهم يرسمونهم. فضل عزيز واقفًا ينظر على السور والرسومات، لغاية ما لقى يوسف جاي وشايل بنت أخيه. أول ما عزيز شافها ابتسم. ابتسم يوسف بحزن وهو يديله قمر وقال:
"هو أنا لو عايز أشوفها أعمل إيه؟"
عزيز بهدوء:
"كلمني وهاخدك لغاية هناك."
نظر يوسف لرسمة أخيه على السور وابتسم، ثم نظر إلى الأرض وهو يمسح عينيه الاثنتين من الدموع التي ستنزل. راح عزيز شاده من التيشيرت بتاعه وحضنه، وهنا بدأ يوسف يبكي بقلة حيلة.
طبطب عليه عزيز وهو يقول:
"أنا همشي وهكلمك لو في جديد."
يوسف بهدوء:
"تمام."
حمل عزيز قمر بيده وشنطة حاجتها باليد الأخرى وهو يبوس خدها ويقول:
"روح قلب عمو من جوه."
ضحكت له قمر، فضحك وهو يبوسها مرة أخرى ويقول:
"عسلية والنبي عسلية."
ركب السيارة وتحرك بها على بيت نوح، عشان يبدأوا يتكلموا مع الاثنين اللي هما ماسكينهم.
***
المكان: قسم الشرطة.
تحديدًا: الردهة.
مشت منال وهي تحمل كوباية ورق فيها لبن وذاهبة ناحية مكتبها، كان باين عليها التعب والإرهاق تبع الحمل. خرج ليث من مكتبه أول ما رآها ومشى بجانبها وهو يقول:
"لسه زعلانة مني؟"
نظرت إليه بطرف عينها وقالت:
"أنا بشتغل بطريقة متتناسبش معاك، فـ خلي كل واحد فينا يشتغل لوحده بطريقته أفضل، وطريقتي اللي مش عجباك دي هي اللي أنقذت عيسى في اللحظة الأخيرة."
ليث تنهد بضيق وقال:
"طريقتك غلط يا منال! نوح وعزيز وأمير خطفوا الرجالة اللي عملوا كدا في عيسى ووصلولهم قبلنا، وإنتِ عارفة إن دي هيعطل سير القضية بشكل أو بآخر، رغم ناديتك وحاولت أمنعك تعملي حاجة زي دي، لكِن مفيش فايدة فيكِ."
وقفت منال مكانها ولفت ونظرت إليه وهي تقول:
"كنت عاوزني أعمل إيه؟ أضحي بواحد منهم عشان أقبض على اتنين وأكسب القضية! اللي يهمني في القضية دي غير اللي يهمك، أولوياتي غير أولوياتك!"
ليث باستغراب:
"إزاي يعني؟"
أغمضت منال عينيها وهي تأخذ نفسًا عميقًا حتى لا تتعصب وتقول:
"يعني يهمني إن الأربعة يتحجزوا في المصحة النفسية بدون أي عواقب وخيمة زي فقدان حد منهم مثلًا، واللي حصل لعيسى سبب لي ذعر!"
ليث ببرود:
"ما يولعوا بجاز، ما هما قتلوا كتير!"
بينما منال وليث يتشدون مع بعض في الممر، سمعوا صوت خطوات وراءهم. ولأن الدنيا كانت ليل، فالقسم نوعًا ما كان فاضيًا شوية، كأن الناس قررت تلتزم بالقوانين في هذا اليوم.
نظر ليث وراه هو ومنال، فوجدوا ستًا قصيرة ورفيعة، لابسة عباية سودا وجزمة حريمي للسيدات الكبار سودا، حاملة شنطتها على ذراعها، والحجاب مبين شعرها من الأمام بلونه الأبيض.
قربت منهم وهي تقول بخوف وتوتر:
"السلام عليكم."
ضيقَت منال عينيها وقالت باستغراب:
"وعليكم السلام، خير يا ماما؟"
الست وهي تستجمع نفسها:
"مكتب ليث بيه فين لو سمحتوا؟"
ليث بهدوء:
"أنا ليث، خير في حاجة؟"
بلعت شفتيها وقالت:
"عندي حاجة تهمُه يعرفها بخصوص نوح."
نظر ليث إلى منال وبعدها إليها، وبعدين قال بسرعة:
"اتفضلي في مكتبي طيب."
دخلوا المكتب، جلس ليث وراء مكتبه، والست جلست أمامه على الكرسي، وأمامها منال.
نظرت الست إلى منال، فقالت لها الأخيرة:
"أنا ماسكة معاه نفس القضية."
رفعت حواجبها باستنتاج وقالت:
"آه، أصل لامؤاخذة اللي هحكيه حرج أوي، وخاص أوي.. مش عارفة هو هيفيدكم ولا لا، بس قولت أقوله لإن نوح رافض يقابل حد من عيلة أمه، اللي عرفته إنه بيروح لهم بنفسه عشان.."
سكتت من الخوف ويدها بدأت ترتعش، فقال ليث:
"تمام يا حاجة، أنا سامعك."
بلعت ريقها وقالت:
"الموضوع بدأ لما الله يرحمها أم نوح قالت تسيبه عند أهلها عشان.. عشان تعنس تروح تواطئ عيلة أبوه باللي بيعملوه فيها من ظلم وافترا. ساعتها كان نوح صغير وفي إيد أمه دايمًا، كان هادي ومسالم خالص.. كان طيب."
"أنا كنت بشتغل في بيت جدته أم أمه، ولما سيدي اتوفى الله يرحمه، أخواتها الولاد وأختها البنت اطمعوا في بيت أبوهُم دايمًا بحجة الميراث."
"سابت الولا معاهم ونبهت عليهم لو حد من عيلة أبوه جه ياخده يحاولوا يمنعوهم بأي شكل."
"كنت في المطبخ يوميها، وحاطين ورق وألوان لنوح قاعد على الترابيزة بيلون لغاية ما أمه ترجع. خالته الشيطانة.. أستغفر الله، ربنا يسامحها بقى."
"قالت له تعالى يا نوح هلعبك لعبة."
"وخدته برا.."
"بيني وبينك الفضول خدني ووقفت أتسنط (أسترق السمع)."
"لقيتهم حاطين مبخرة كبيرة على الأرض، والصالة كلها دخان بخور ريحته وحشة.. وفي راجل قاعد شكله عامل زي الدجالين."
"قال لخالته وخالته يمددوه على الأرض جنب المبخرة، الولد خاف وحاول يهرب منهم، كتفوه ونيموه على الأرض، الراجل حط على صدره وبطنه رماد، وجاب إزازة فيها دم حيوان ورش الدم على الرماد، وبدأ يقول كلام غريب بصوت عالٍ.. بدأ الدم يتفاعل مع الرماد، أنا مش عارفة إزاي، والولد يا حبة عيني بيصرخ بصوت عالٍ كأنُه بيتحرق، مقدرتش أعمل حاجة غير إني حاولت أتصل على أمه من تليفون المطبخ، بتصل على بيت أبوه لأني عارفة إنها هناك، لكن محدش بيرد."
"واد من كثر رعب وصياحه عيونه جحظت لبرا، وجسمه هدى فجأة، لكن بوقه بقى ينزل منه سائل أسود، فضل يرتعش زي المحموم وسكت خالص."
"ساعتها الراجل الدجال دا قال (كذا الشيطان دخل جسمه، وهيؤذيهم، سيبوه مع عيلة أبوه هيخلص عليهم واحد ورا الثاني، ومش هيجراله شيء عشان عيل هيودوه إصلاحية)."
ليث كان يسمع وهو مصدوم، ومنال مبرقة مش مستوعبة!
لغاية ما الست كملت وقالت:
"لما اكتشفوا جثة المحامي، وبعدها جثة خالته منها لله."
"روحت لشيخة أعرفها مبروكة، قالت لي إن الشيطان سكنه.. واتملك منه.. وخلّاه مش متحكم في غريزة الشر، اتقلب السحر على الساحر."
"يعني الشر اللي المفروض يتوجه لعيلة أبوه، بقى كله لعيلة أمه، السبب في تحضير الشيطان دا جواه، وليه تصرفات بيعملها، بيجيله حالة ندم وذعر من نفسه بعديها."
"خلّته يفقد عقله من كثر البشاعة."
***
المكان: المشفى.
تحديدًا: غرفة عيسى.
انفتح الباب ودخلت ممرضة حاملة كرسي متحرك تدخله إلى الغرفة، وضعت الكرسي المتحرك قريبًا من السرير وهي تقول بصوت هادئ:
"خمس دقائق بس عشان متعمليش مشاكل، تمام؟"
بثينة بصوت مبحوح:
"تمام."
خرجت الممرضة، فعدلت بثينة رأسها بالعافية لأن رقبتها فيها كسر وكدمات، وكذلك ذراعها ورجليها وظهرها. بلعت ريقها بصعوبة من الألم وهي تنظر إليه. أمسكت يده التي كان متصلاً بها عدة محاليل وهي تقول:
"أنا ممكن أتحمل أعيش كطرف بعيد بيبص عليك ويتطمن إنك موجود حتى لو.. حتى لو مع ست تانية."
بدأت الدموع تنزل من عينيها وهي تكمل وتقول:
"بس ميحصلكش حاجة، بتمنى أموت قبلك دايمًا، مبعرفش أحط راسي على المخدة وأنام وإنت مجيتش لسه، لسه برا مش في بيتك."
"بتعصب أوي لما ألاقي واحد بيتقدم ليا، بيعترف لي بحبه."
"أنا ملكك لآخر يوم في عمري، لو ليا نصيب فيك ياريت، ماليش يبقى هفضل زي ما أنا.. شعري يشيب وأنا في البلكونة، أهون عليا من إن راجل يلمسني غيرك."
كان بالفعل جسمها كله يوجعها وتتألم، لكنها مالت عليه وهي تقرب شفتيها من شفتيه وتبكي وتقول:
"بقالى 12 سنة بتخيلها في عقلي."
قبلته قبلة عميقة، وسندت أنفها على أنفه، ثم أعادت جهاز التنفس على فمه مرة أخرى.
وهي تغمض عينيها جامد من الألم، رفعت يديها السليمة نوعًا ما إلى شفتيها وهي تضحك وترتعش بسعادة وتقول:
"يالهوي! يالهوي يا عيسى! دا.. دا أسعد يوم في حياتي، أنا في نعيم! يارب تقوم، نذرًا عليا لو قمت بالسلامة حتى لو عضمي مفكك من بعضه، لأخدك في حضني حتى لو هيقتلوني بعدها."
دخلت الممرضة وهي تقول بتحذير:
"يلا الخمس دقائق خلصوا، خليني أرجعك أوضتك."
السعادة كانت مالئة وجهها وكانت لا تزال ترتعش وواضعة يديها على شفتيها بصدمة وتضحك بسعادة!
أخرجتها الممرضة من غرفة العناية لتوديها إلى غرفتها.
***
دخل نوح على الغرفة التي محبوسة فيها مروة ورزع الباب وهو ينظر إليها بغضب. رجعت مروة بيديها على الأرض وهي تجر رجلها وتبص له بخوف.
حرك نوح رأسه لفوق وتحت وهو يقول:
"قولتيلي حامل مني؟"
كانت ترتعش وهي مبرقة وتنظر إليه وتق
رواية العبث الاخير الفصل السادس عشر 16 - بقلم روزان مصطفى
المكان: الدرج المؤدي لجناح رفيف.
كانت قاعدة على السلم وهي ماسكة الوشاح بتاعها مدارية بيه جسمها من فوق، وباصة للأرض بتعيط بقهر وهي بتغمض عينيها وبتاخُد نفسها بالعافية، بينما كان نوح بيلبس هدومُه وهو مش مستوعِب!
قعد جنبها على السلمة وهو بيشيل شعرها اللي نازل على وشها وبيقول بأسف حقيقي: حقِك عليا، أنا حقيقي..
بصت لُه رفيف وهي بتترعش وبتعيط، لمست رقبتها وهي بتقول بـِ ألم: هي مِش غلطتك، أنا اللي كُل مرة بديك الأمان بتكسرني وتِكسر ثقتي فيك.
قالت جُملتها دي وجريت على السلم لـ فوق عشان تروح جناحها..
بينما نوح فضل قاعِد على السلِم والندم بياكُل فيه وهو بيتمتِم بـِ صدمة: مقصُدش! مِش عارِف عملت كِدا ليه..
"باشا."
قاطِع عِتاب نوح صوت واحِد مِن الأرانِب، وقف نوح وهو بيعدل بنطلونُه وبيقفل حِزامُه مِن تاني وقال: في إيه؟
الأرنب أحنى راسُه وقال بـِ خوف مِن ردة فِعل نوح: البنت المشلولة اللي حابسينها.. تقريبًا ماتِت.
قفل نوح أخِر زُرار مِن قميصُه وقال ببرود: في داهية، لفوا جُثتها كويس عشان نرميها في أي داهية، المفروض تكون مُمتنة إني مدوقتهاش العذاب اللي بدوقه لـِ عيلة أُمي الأعِزاء.
المكان: جناح رفيف.
دخلت وهي بتقفِل الباب وراها ودموعها الدافية بتنزِل على وِشها، بصت للسرير لقتُه فاضي، بصت في أرجاء الأوضة لقت مياسة قاعدة في رُكن مِنهُم بتترعِش والفون مرمي قُدامها.
جريت رفيف عليها وهي بتقعُد قُدامها، بتبعِد إيديها عن وِشها وبتقول بـِ قلق: مالِك؟؟ قاعدة كِدا ليه!
مياسة بتمتمة وهلوسة: عيسى لازم يقوم، أنا مِش هقدر أتحمِل.. عيسى لازم يفوق.
زعقت رفيف فيها وهي بتقول بتوتُر: قولي إيه اللي حصل!
عيطت مياسة وهي بتشهق وقالِت: أمل.. أمل إتصلت بيا.
عقدت رفيف حاجبيها وقالت بتفكير: مين أمل؟
لما إستوعبت بصت لـِ مياسة بنفاذ صبر وهي بتقول: إنتِ بتخرفي ولا بتحلمي ولا إيه حكايتك؟
حركت مياسة راسها يمين وشال وكانت لسه هتدافِع عن نفسها لكِنها إتصدمت لما شافِت شكل رفيف قالت بِـ خضة: إيه اللي مبهدِلك كِدا؟
وقفت رفيف على رجليها بِـ صعوبة وهي بتقول بـِ حُزن حاولت تخفيه: مفيش حاجة، هدخُل أخُد شاور، خلي بالك لو الولاد صحيوا لغاية ما أطلع.
أخدت رفيف البورنص بِتاعها ودخلت الحمام بينما مياسة قامِت مِن على الأرض وقعدت جنب بِنتها النايمة وولاد رفيف.
وقفت رفيف تحت المياة وهي بترجع شعرها لورا بـِ إيديها وبدأت تعيط وتطلع كافة إنفعالاتها، لدرجة إن صوت شهقات عياطها علي.
سمعت مياسة الصوت فـ قامت مِن السرير بالراحة وهي بتقرب مِن باب الحمام، خبطت خبطتين بُساط وقالت بـِ ترقُب: إنتِ بخير؟ رفيف!
مسحت رفيف وشها بـِ المياة وقالِت بـِ نبرة حاولت تخرُج منها طبيعية: أه أنا طالعة أهو.
بعدت مياسة عن الباب شوية عشان تديها مساحتها تخرُج.
خرجت رفيف وتحت عينيها هالات وردية مِن العياط، لافة شعرها بالمنشفة ولابسة البوىنص بتضُمه لـِ صدرها وهي ساكتة.
قعدت قُدام المرايا وهي بتشيل المنشفة وبتسرح شعرها، بتبُص لـ مياسة اللي شايلة ريان وقالت: عيط كتير؟ هنشِف شعري وأقوم أرضعُه.
مياسة بـِ هدوء: لا هو بينام تاني أهو، أنا اللي عاوزة أتكلم معاكِ وأعرف مالِك.
إبتسمت رفيف بـِ بُهتان وقالِت: مفيش حاجة يابنتي، عينيا دخل فيها شامبو بس.
مياسة بتركيز: وقبل الشامبو، هدومك كانت عاملة كِدا ليه وشعرك!
شغلت رفيف الإستشوار عشان صوته يسكت مياسة، حطت مياسة ريان في سريرُه تاني وهي بتقرب مِن رفيف، سحبت السلك مِن الكهربا فـ بصت ليها رفيف وقالت بعصبية: مش عاوزة أتكلم أنا! مِش بالعافية!
حطت مياسة إيديها على كتف رفيف وقالت بـِ هدوء: عاوزة تتكلمي بس خايفة، أو.. أو ضاغطة نفسك تكتمي ودا مش كويس عشانك.
ضحكت رفيف بسُخرية وهي بتقول: ماشاء الله فجأة بقى كُله يعرف إيه الكويس عشاني وإيه اللي لا.
زعلت مياسة مِن إسلوبها وقالت ببرود: أنا هنزل أشرب مياة وأجي.
خرجت مياسة مِن الجناح ونزلت للطابِق السُفلي.. وصلت للمطبخ لقتُه فاضي تمامًا حتى مِن الخدم فـ إستغربت! إتنهدت بتعب وفتحت باب الثلاجة وخدت إزازة مياة ،قفلت باب الثلاجة لقت نوح واقِف وراها، شهقت وإتخضت وهي بتحُط إيديها على قلبها، بعدها كشرت وهي بتقعُد على الترابيزة وسيباه واقِف يضحك بـِ هدوء، فتحت إزازة المياة وشربت مِنها وهي بتقول: خير.
قعد نوح قُدامها وهو بيقول: بكسر الصمت اللي بيني وبينك، متكلمناش مِن ساعة ما جيتي.
قفلت الإزازة وهي بتبُصلُه بـ نِصف عين وقالت: إيه نوعية الكلام اللي مُمكِن تكون بيني وبينك أصلًا!
بص نوح على رقبتها وقال بِصراحة أدهشتها: السلسلة مثلًا.
مياسة بجمود: دي سلسلة عيسى وهو إدهالي بِنفسُه.
إبتسم نوح إبتسامة جانبية وقال: عارف.
رفعت أكتافها بمعنى طيب؟ فـ قال نوح: إنتِ ليه بتمثلي إنك متعرفيش حاجة عن اللي جوة السلسلة؟
بلعت ريقها، حركة اللُعاب في رقبتها ورمشة عينيها أثبتت لنوح إنها بالفِعل تعرف.
إبتسمت مياسة إبتسامة جانبية وقالت: وأنا عمالة أقول هيجيب أخرُه إمتى، دلوقتي عرفت إنت صممت أجي هِنا ليه.
قام مِن الترابيزة وسحب كاس صب فيه ويسكي وقال: طب بذمتِك مش معايا حق؟
وقفت مياسة وهي بتقول بجدية: لا مِش معاك، السلسلة دي أمانة لغاية ما عيسى يفوق، وهو لو كان عاوز يديهالك كان إدهالك بس هو مكانش بيثق فيك ولازال، وكُلنا كِدا.. وأظُن إنت عارِف السبب إيه!
ضحك نوح ضحكة طويلة وبعدها قال: أيوة أمانة، أمانة في رقبتك هههه.
وقف قُصادها وهو بيقرب مِنها وقال: بُصي يا بِنت الناس اللي معاكِ دي أمانة كبيرة إنتِ مِش قدها، وفي غيري كتير عاوزينها ومُستعدين يقتلوكِ عشان يوصلولها، فـ أنا جيبتك إنتِ وبنتك هِنا عشان تكونوا تحت عيني وحمايتي.
رفعت مياسة أكتافها وقالِت بخُبث: طب ما هي محلولة أهي! انا هِنا تحت حمايتك والسلسلة معايا، يبقى عاوز السلسلة ليه؟ إنت كذاب وملاوع.. ومش هديهالك لو عاوزها إستنى عيسى يصحى وخُدها مِنُه بمعرفتك.
سابتُه ومشيت وهو واقِف ماسِك الكاس وبيبُص لأثرها، لما إختفت رمى الكاس على الأرض إتكسر مية حِتة وهو بيضغط على أسنانُه وبيقول: ماشي يا بنت الناس الطيبين.. ماشي.
رجعت مياسة للجناح لقت رفيف بترضع ولادها، فـ بعدت وشها عنها وهي بتقول بإقتضاب: هاخُد قمر ونستنى برا لغاية ما تخلصي.
رفيف بـِ هدوء ولوية بوز وإبتسامة: مياسة.
بصتلها مياسة بـِ طرف عينها ومردتش.
فـ قالت رفيف: تعالي إقعُدي جنبي هحكيلك، أنا بس.. أنا بس كُنت مخنوقة أوي ومُش قادرة أتكلم.
قعدت مياسة جنبها وهي شايلة قمر وبتقول: أنا مقصُدش أتدخل أو اتحِشر أنا بس قلِقت عليكِ.
عدلت رفيف هدومها وهي بتنيم ولادها في سرايرهُم وبتتنهد وبتقول: لا مفيش حاجة جديدة، دي نوبات الجنون بتاعة نوح مِش أكتر.
مياسة إتضايقت لما سِمعت سيرتُه فـ قالت بـِ ضيق: عمل إيه؟
بلت رفيف شفايفها وقالِت: خد حقُه غصب عني.
مياسة شهقت وقالِت: إغتصااب!!
رفيف بصدمة: ششش وطي صوتك في إيه!
مياسة بـِ همس: في جناحُه؟
وش رفيف إحمر وقالِت: على السلِم.
مياسة بتبريقة: على السلِم! إنتوا قُطط يا بنتي ولا إيه!
ضحكت رفيف وقالِت: ضحكتيني والله، بس أنا مِش هتكلِم معاه ولا هعديهالُه المرة دي.
مياسة وهي بتتعدل قالِت: هو كان في مرات قبل كدا؟
رفيف غطت وشها بـِ الغطا وهي بتقول: تصبحي على خير.
المكان: المشفى.
تحديدًا: غُرفة عيسى الغُريبي.
لسه مفاقش، وصوت الأجهزة حواليه بيقطع السكون. ممانش عارف هو بيحلم ولا لا، كان قاعِد قُدام بحر.. على صخرة وماسك كمية من الحجر الصُغير بيرميها للبحر.. شارِد تمامّا، سمِع صوت خطوات على الرمل بتقرب مِنُه، مِن غير ما يبُص إبتسم إبتسامة هزلية وقال ببرود: الحج الغُريبي، أكبر كذاب عِرفتُه في حياتي.
قرب أبوه مِنُه، الشمس كانت جاية عليه مخلياه باهِت زي شخصية في حلم، وقال بحزم: عيب يا عيسى، مربيتكش على العقوق وقِلة الحيا.
وقف عيسى وهو بيرمي الحجر تحت رجليه وقال بإنفعال: واللي إنت عملتُه معايا دا مِش عقوق؟ مظلمتش بنت صغيرة بريئة بـِ سكوتك وشُغلك معاهُم؟ بتجيب القُدرة منين تصلي وتدعي الفضيلة وتوقف قُدامي تحاسبني على شُغلي معاهُم، بل وتقاطعني كمان! وإنت نفسك كُنت واحِد مِنهُم!
الحج الغُريبي بإبتسامة صافية: يمكِن دا الشيء الوحيد فعلًا، اللي مخليني بتعذِب في الحياة التانية، لكِن أنا توبت عشانكُم وعملت أعمال صالحة كتير.. جِه دورك يا عيسى.
عيسى بصدمة: يعني إيه جِه دوري؟ مِش فاهِم!
أبوه بـِ نبرة حانية: تتوب، تصلي، إعنل شيء ولو بسيط يعدِل ميزان الكفتين، كفتك الصالحة خفيفة.. مرفوعة لفووق مِن كُتر ثُقل الكفة الثانية.
سكِت عيسى، الهوا حرك خُصلات شعرُه وهو بيبُص لأبوه بـِ حنين.
الغُريبي قال بإبتسامة: أنا كويس متقلقش عليا.
عيسى بلهفة: أمل مجاتش معاك ليه؟
حرك أبوه راسُه وقال بـِ هدوء: مبتبطلش صراخ، بس مش راضية تيجي عندي.. متعلقة!
مد الغُريبي إيدُه لـعيسى وقال: تعالى معايا يا عيسى.
عيسى برفض: لا!
أبوه بدهشة: كُنت فاكِر إني واحشك، وحابب تكون معايا!
عيسى بتكشيرة: مِش ميعادي، ورايا لسه حاجات كتير لما أخلصها هبقى أجيلك!
إبتسم أبوه وقال: كِدا! طب السلامُ عليكُم، إطلُبلي السلام يا عيسى.
وإدالُه ظهرُه، ومشي!
فجأة قام عيسى مِن الغيبوبة بينتفِض! وعينيه قفلت تاني، فتحها بصعوبة وجسمُه بيترعِش مِن البرد.
شال جهاز الأكسجين مِن على وشُه، وجِه عشان يتعدِل ويقعُد، حس بـِ ألم رهيب غير مُحتمل في معدتُه، فـ نام على ظهرُه تاني وهو بيضغط بأسنانُه على شِفتُه السُفلى مِن الألم، وبقى يلهث كإنُه كان بيجري..
سند بإيديه اللي متوصل ليها محاليل على حديد السرير، وعدل نفسُه بصعوبة وهو بيكتم الألم الرهيب.
لغاية ما إتعدل.. ولما وقِف كان هيوقع مِن طوله، لكِن قبضة إيدُه على حديد السرير سندتُه وتداركت الموقف..
كان محتاج شيء يتسنِد عليه ملقاش غير علاقة المحلول، سحبها وتماشت معاه بسهولة عشان بـِ عطلات، وبقى يمشي خطوة خطوة بالراحة مُتحمِلًا الألم اللي بيصدُر مِن الخطوات دي.
فتح باب الغُرفة بإيدُه التانية، كانِت أضواء الممرات مقفولة لكِن شغال الأضواء الخافتة، وصوت تليفونات منزلية بترِن في أرجاء المشفى.
قرب عيسى مِن قِسم الإستقبال لقى مُمرِضة قاعدة بتراجِع في ورق، رفعت راسها وبصتلُه وقالِت: محتاج حاجة؟ إيه اللي قومك من سريرك؟
عيسى بصوت مبحوح: هي الساعة كام؟
بصت المُمرِضة في فونها وقالِت: إتنين ونُص بالليل، ثواني هو مش إنت المريض اللي جيت مطعون ودخلت في غيبوبة؟ إنت فوقت! لازم نبلغ أهلك الصُبح.
عيسى بجدية: عايز فوني ومفاتيح عربيتي.
المُمرِضة بصدمة: مينفعش تخرُج في حالتك دي! إنت أصلًا!
عيسى قاطعها وقال: فينهُم؟
المُمرضة قامت مِن ورا المكتب وقربت مِنُه وهي بتقول: سلمنا حاجتك لصحابك اللي جابوك هِنا، مُمكِن ترجع معايا للأوضة تستريح شوية عشان كدا غلط على بطنك؟
عيسى بـِ ضيق: وحتى هدومي سلمتيهُم؟
المُمرضة بهدوء: كانت غرقانة دم ومتقطعة إثر السكين، أيوة سلمناهُم.
كان تعبان ودايخ، حس هيوقع مِن طوله فـ سندتُه هي وقالِت: شوفت أهي دي المُضاعفات نتيجة إنك قومت على طول من سريرك، تعالى إرتاح والصُبح هنكلمهُم عشان جروحك متنزفش مِن تاني، أرجوك!
مشي معاها عيسى عشان يرجع الغُرفة لإنُه مقدرش يقاوم أكتر مِن كِدا، رجعتُه للأوضة وساعدتُه يطلع على السرير وتحامل على نفسُه من تاني، جت عشان ترفع لبس المستشفى وتبُص على بطنُه راح مسِك إيديها وقال: إنتِ إسمك إيه؟
قالت بإبتسامة خجولة: دُعاء.
عيسى بدوخة: طب إسمعي يا دُعاء، أنا بردان والهدوم دي خفيفة، تقدري تجبيلي حاجة أتقل؟
دُعاء بهدوء: الهدوم بتاعة المستشفى فضفاضة ومناسبة أكتر لحالتك عشان جروحك، ومكان العملية نغيرلك عليه، بس هجيبلك غطا كمان فوق دا.
حرك راسُه بمعنى تمام وخرجت هي، إتحرك بالعافية وراها وقرر ميعتمدش إنُه يسند على حاجة، الألم بيزيد بس كان مُضطر.
خرج مِن الغُرفة كان قِسم الإستقبال فاضي، فكر دقيقة وشاف إنه لو خرج مِن الباب العادي للمشفى الأمن هيبقوا موجودين فـ قرر يدور على باب الطواريء..
كان بيمشي خطوتين بعدها يوقف يسند على أي باب أو حيطة عشان ياخُد نفسُه من الألم اللي بيضغط عليه، قرر يقاوم ويكمل وهو حاسس بدوخة شديدة..
مش معاه فلوس ولا فون ولا أي شيء، لكِن حس إنُه لازم يخرُج، خرج من باب الطواريء للشارِع وهاجمِتُه موجة برودة خلت جسمُه يتنفض، لقى تاكسي راح ركِب وهو بيقول بتعب: إطلع على العنوان اللي هقولك عليه.
بصلُه سواق التاكسي في المرايا الأمامية وهو بيقول بإستغراب: إنت كويس؟
عيسى بألم: أيوة.. إطلع!
المكان: قِسم الشُرطة.
تحديدًا: مكتب ليث الصفتي.
دخل المكتب وهو بيقلع الچاكيت بتاعُه وبيقول بإرهاق: الحسنة الوحيدة اللي حصلت إنهاردة إن مسرح الجريمة دا ميخُصش الرايق، دي مشاكِل عائلية بين أشخاص وخلصوا على بعض.
قعدت منال على الكُرسي اللي قُدامه وهي بتتنهد وبتقول: إنت لازِم تبطل تربُط أي جريمة بتحصل بيهُم! إحنا ظُباط شُرطة يا ليث يعني طبيعي يبقى في مُجرمين غيرهُم.
رجع ليث ظهرُه لورا وبص لـِ منال نظرة ذات معنى وقال: مين اللي بتقولي كِدا؟ حضرة الظابِط منال اللي راحت تستنجِد بيهُم ينقذوا عيسى؟
إتأففت وقالت بتكشيرة: إنت مفيش فايدة فيك! حسبتك هتفرح إني لحقتُه بغض النظر عن الطريقة، لإنك حاببهُم يتحجزوا في مصحة مش يموتوا، ولا إيه يا ليث؟
ليث بتفكير: أنا قلقي كُله مِن نوح، الراجِل دا غير متوقِع، وبعد اللي سمعناه مِن الست عن اللي عيلة أمه عملتُه فيه، خُدي جرايم كتير الفترة الجاية.
منال بقلق: ربنا يستُر.
المكان: حارة المنيل.
التوقيت: الثامِنة صباحًا.
صحي البوهيمي ونزِل عشان يفتح الدُكان، بص على بلكونة بُثينة بِـ حُزن وبعدها كمل فتح الدُكان، بص على الجِدار اللي عليه رسمة بُثينة وعيسى وأمل وإبتسم..
دائِمًا كانوا حديث الحارة، على مدار السنين.
بعد ما فتح سمِع أصوات سِتات، لف ولقى والدة عيسى ووالدة بُثينة بيوزعوا رُز بلبن ومهلبية.
والدة عيسى وهي بتقدم طبق لـِ واحدة معدية: بالهنا والشفا، إدعي لإبني يقوم بالسلامة.
ووالدة بُثينة بتدي طبق لواحد: إدعي لبنتي ربناينجيها.
شافتُه أم عيسى فـ قربِت مِنُه وهي بتقول: خُد يا محمد، رز بلبن طازة هيعجبك.
البوهيمي بهدوء: مفيش أخبار عن عيسى يا خالتي؟
أم عيسى بـِ حُزن: الزيارة كمان ساعتين، هروحله وبإذن ربنا أسمع خبر حلو من الدكتور.
سكِت محمد شوية بعدها قال: وبُثينة؟
إبتسمت والدة عيسى وقالِت: ياريتها ترضى بيك، أو بـ أي حد، مش عايزة تطلع عيسى من عقلها، والله البت دي صعبانة عليا.. خُد بقى طبقك إيديا خِدلت.
ضحك البوهيمي ضحكة قصيرة وقال: تسلم إيدك ويارب عيسى يقوم بخير.
منزل والِدة نيللي.
قام يوسف وهو بيقلع التيشيرت بتاعُه وبيلبس القميص، إتعدلت نيللي في السرير وقالِت بـِ صوت نعسان: رايح فين مِن الصُبح كِدا!
يوسف بـِ همس عشان حماتُه: هزور عيسى في المُستشفى رايح مع أمي، هتعوزي حاجة من برا؟
نيللي بتعب: أه اللبن بتاع البيبي خِلص، وعايزة بامبرز كمان، وهاتلي..
قاطعها يوسف وهو بيقول: طب السلامُ عليكُم أنا.
لوت بوقها بـِ زعل فـ إبتسم يوسف وهو بيقعُد جنبها على السرير وبيقول: قولي يا حبيبي نفسك فـ إيه؟
نيللي بهدوء: نفسي في كيكة غرقانة شوكولاتة، كدا من فوق كدا سايحة.
يوسف بـِ إستغراب: ودا من إيه؟
بصتلُه هي فـ قال: عينيا حاضر هعدي على محل الباستري وأجيبلك، يلا سلام.
خرج لـ برا وسلم على حماتُه ونزل، لقى أمه مستنياه وهي شايلة كيسين، شالهُم عنها وقال بتساؤل: دا إيه دا؟
أمه بهدوء: ساندوتشات بانيه وكفتة ورز بلبن، هوزعهم على الممرضات والدكاترة عشان يراعوا اخوك.
يوسف بتكشيرة: إيه يا ماما الجو دا، هو في ثالثة سادس ونظره ضعيف عايزة تقعديه قدام؟
خبطته أمه على دراعه وهي بتقول: ملكش دعوة أنت الإطعام دا نعمة من ربنا بيسهل الحال، يا شافي يا مُعافي يارب.
ولسه هيطلعوا على أول الشارِع لقوا عربية فخمة بتوقف قُدامهُم بالعرض.
إتخضت أم عيسى ولزقت في يوسف اللي إبتسم وقال: دا عزيز يا ماما.
نزل عزيز من العربية وهو بياخُد الأكياس من يوسف وبيقول: إتأخرت عليكُم؟ كان زحمة مرور بس.
طبطبت أم عيسى على ظهره وقالتله: ربنا يرضى عنك ويحفظك لولادك من كل سوء، ويقوم عيسى بالسلامة.
عزيز بإبتسامة: أمين، إتفضلي إركبي جنبي قُدام يا أمي.
ركب يوسف ورا وركبت هي جنب عزيز، وإتحرك بيهُم على المُستشفى.
المكان: شقة عيسى الغُريبي
كان ممدد على الكنبة وهي بتشيل الشاش والبلاستر عشان تغير على الجرح، لما سحبت البلاستر وشه أحمر جامد وعض إيدُه مِن الألم.
رمت أماندا الشاش والبلاستر القُدام في الزبالة وهي بتعقم إيديها وبتقول: أنا نفسي أفهم إنت خرجت مِن المُستشفى ليه وإنت تعبان!
عيسى وشه كله إتملى عرق مِن كُتر ما بيضغط على نفسه، رد وقال: عشان نوح هيحاوِل يوصل للسلسلة بتاعتي من مياسة، مُتأكِد إنه بيحاول يعمل دا مُستغِل غيابي.
أماندا وهي بتعقم مكان الخياطة: للدرجة دي اللي جوة السلسلة مُهِم؟
مكانش قادر يتكلم من الألم، غيرتله الشاش وحطت البلاستر راح سحب قميصُه ولبسه وهو بيقول: أكتر مما تتخيلي، بلغي بقية جماعة الرمادي يجهزوا نفسهُم، أنا هبدأ أتحرك عشان أخلص كُل شيء.. قبل ما يتقبض علينا بسبب الرايق.
أماندا بـِ هدوء: طب لما تتعافى يا سفير، متتحاملش على نفسك جروحك صعبة، أنا عاوزة أفهم إزاي فوقت من الغيبوبة وإتحركت عادي بدون مُضاعفات؟
شاور عيسى على نفسُه وهو بيقول: دا منظر واحِد بدون مُضاعفات؟ دا منظر واحِد كويس؟
بصت ليه بصة حُزن وقالت: ليه كُنت بتنتحِر بالطريقة دي؟ تسلم نفسك لإتنين ميسووش.. كُل دا عشان المايسترو ووالدك أء..
قاطعها عيسى بحزم وقال: متفتحيش الموضوع دا.
إتنهدت وخدت نفس عميق وهي بتقول: تمام يا سفير، تحب أعمل إيه غير تبليغ رسالتك لـِ جماعة الرمادي؟
سحب عيسى عُكازُه عشان ميتحاملش على رجليه وبطنه في المشي، وإتحرك ناحية بار المطبخ وهو بيقول: عايزك تجيبيلي مياسة، هِنا.. من غير ما هي تعرف ولا نوح يعرف.
أماندا رفعت حواجبها بإندهاش وهي بتقول: من غير ما هي تعرف سهلة، لكِن نوخ ميعرفش أعملها إزاي؟
عيسى وكإنُه خافِظ خطوات نوح قال: على حسب علمي إن الإتنين اللي عملوا فيا كِدا تحت إيدُه، عزيز مش هيقدر ياخدهُم عندُه عشان هنا إبنه والناحية التانية بنته، وأمير مراته صِبا فضولية وبتاعة نكش ومشاكِل الرايق أسهل واحِد فيهُم في الأذية، وبما إنهُم عنده مش هيخلص عليهُم غير لما يسحب منهم بنك المعلومات بتاعهُم.
أماندا بتفكير: تقصد فلاشة؟ فون.. لابتوب؟
حرك أكتافه بمعنى حاجة زي كدا فـ قالت أماندا: يعني هيبقى مشغول في اللي بيعمله في الوقت الحالي، هحاول أتواصل مع مياسة.
شاورلها عيسى بصوباعُه وقال: خُدي بالِك، متعمليش دا بـِ مسدچ على الفون، نوح هاكر ومنعرفش دخل فونها أو لا.
أماندا وهي بتتجهز: تمام هبتدي اتحرك، ليا عندك رجاء أرجوك متتحركش من البيت وإنت تعبان كدا، ولو حسيت بالعطش الشديد يكفي تشرب مياة بلاش أي شيء تاني على ما الدكتور يبعتلنا المفروض تاكل إيه وتشرب إيه.
حرك عيسى راسُه بمعنى ماشي فـ خرجت هي ورجع هو يرتاح على الكنبة.
المكان: فيلا عزيز الإبياري.
تحديدًا: غُرفة سيلا.
سيليا بتعب: يلا يا ماما عشان ألبسِك الشورت بعدين الشراب الكولون.
سيلا برفض: مش عاوزة أنا مش بردانة، عاوزة عيسى.
سيليا بهدوء: طب ينفع بنوتة جميلة زيك تروح وهي مش لابسة حلو؟ قربي عشان أسرحلك شعرك كمان.
سيلا بلوية بوز: وهتوديني لعيسى؟
إبتسمت سيليا وقالت: حاضر يا ماما، يلا تعالي بقى.
لبستها سيليا هدومها ومسكت المشط عشان تسرحلها شعرها وهي بتقول: إيه الشعر الجميل دا، مين أحلى بنوتة في الدنيا كلها؟
سيلا بحماس: أناا.
باست سيليا راسها وهي بتقول: براڤو.
بينما هي بتلبسها خبط باب الغُرفة فـ قالِت سيليا بهدوء: إدخُل.
دخلت الخدامة بتقول: سيليا هانم، في واحدة تحت بتقول إنها عاوزة تقابِل حضرتك.
حضنت سيليا سيلا بنتها وقالت بإستغراب: واحدة مين يعني وعاوزة إيه؟ أنا مش قولت مية مرة متفتحوش لحد طالما عزيز بيه مِش هِنا.
بلعت الخدامة ريقها وقالِت: بتقول إنها عمة عزيز بيه.
شهقت سيليا وقالِت: دي عايزة إيه دي! روحي إنتِ وأنا جاية وراكِ.
قامت سيليا من على السرير فـ قالت سيلا: ماما هاجي معاكِ.
سيليا بهدوء: خليكِ هِنا يا ماما إوعي تخرُجي من الأوضة لغاية ما أجيلك.
حست انها زعلت فـ شاورتلها على مطبخها اللعبة وقالت بمرح: إيه رأيك تعزميني على قهوة عندك؟
سقفت سيلا وهي بتقول: وكوكيز.
طبطبت سيليا عليها وهي بتقول: وكوكيز، يلا عشان نجيب أخوكِ بدر من عند نانا سيا.
خرجت من الغُرفة ونزلت تحت لقت عمة عزيز قاعدة بغرور مستنياها.
نزلت سيليا وقفت قدامها وقالت بهدوء: أهلًا وسهلًا.
بصت ليها عمة عزيز من فوق لتحت وقالت بتهكُم: إنتِ بقى بنت الكابِر اللي خسر أهلُه علشانها؟
كتفت سيليا إيديها وردت ليها نفس النظرة وهي بتقول: أها، وأكيد حضرتك عمتُه اللي مهانش عليكِ تحتضنيه في طفولته، وسيبتيه لچايدا ومامتها..
وقفت عمة عزيز قُدامها وهي بتقول بعصبية: إسمعيني كويس، أنا عكس أخويا وإبنُه تمامًا، أنا النقيض.. اللي عملتُه أمك زمان مش هنساه زي ما إبنه الجاحد عمل، وإتجوز بنت قاتلين أبوه.
فتحت سيليا إيديها وقالِت: قُدامك أهو، اللي عاوزة تعمليه إعمليه.
عمة عزيز حطت إيديها على كتف سيلياوهي بتخبطها خبطتين وبتقول: بلاش تشوفي رد فعلي يا شاطرة، أحسنلك إطلُبي الطلاق، بدل ما عِرق الإبياري يطلع ويزعلك.
مسكت سيليا إيديها اللي على كتفها وهي بتضغك على صوابعها جامد، إتألمت عمة عزيز فـ قالت سيليا بـِ همس عشان محدش يسمع: عرق الإبياري دا مامي قطعتُه من سنين، المُتاح عِرق الكابِر ودا لو طلِع! هندمِك إنك رجعتي تعبثي في حياة إبن أخوكِ بعد السنين دي كُلها، بلاش أنا..
سحبت عمة عزيز شنطتها وهي بتقول: أنا بلغتك باللي عندي، وصدقيني أنا مبعملش حساب لولاد عزيز، زي ما هو معملش حساب لأبوه.
خرجت من الڤيلا فـ رمت سيليا جسمها على الكنبة وهي بتتنفض من الغضب والخوف، سحبت فونها وإتصلت على عزيز مستنياه يرُد عشان تحكيلُه.
-في المشفى.
والدة عيسى بـِ صوت عالي: يعني إيه إبني اللي في غيبوبة مش موجود في أوضته؟ دي مستشفى ولا سويقة!
البنت في الإستقبال: مُمكِن حضرتك توطي صوتك في مرضى ودا ميصحش!
خبط عزيز بإيديه على مكتب الإستقبال جامد وهو بيقول: وطالما بتخافوا على المرضى في مريض مختفي من عندكم ليه وهو في غيبوبة!! إزاي مفيش دكاترة بتتابع الحالة على مدار اليوم؟ مين الدكتور المناوِب!
خافت البنت مِن غضبُه فـ رفعِت السماعة وهي بتقول: أنا هتصِل بالمُمرضة اللي كانت مناوبة إمبارح وأسألها.
عزيز بزعيق: ما كان من الأول! هتخلونا نطربقها على دماغكُم!
رن فونُه كانت سيليا فـ بِعد بعيد شوية ورد قال: إيه يا حبيبي أنا في المُستشفى..
سيليا بنبرة توتُر: هتيجي إمتى أنا أعصابي بايظة خالِص.
عزيز بهمس: خير حصل حاجة؟
فجأة سيليا عيطت وهي بتترعش وقالت: عمتك جت هنا وهددتني بالولاد عشان أطلُب الطلاق منك.
عزيز: ********.
المكان: قصر أمير الدهبي.
تحديدًا: القبو.
كانت بتدور عليه في كُل حتة في القصر ومش لقياه، قعدت على الكنبة اللي قُدام الباب الداخلي يمكِن خرج ومستنياه يرجع، لكِن بعد نُص ساعة تفاجئت إنُه طالِع مِن السِلم السُفلي اللي بيوصله للقبو.. وقفت بإستغراب وكتفت إيديها وهي شيفاه بينزل أكمام قميصُه وقالِت: كُنت بتعمِل إيه تحت؟
أمير ساكت ومردش عليها.. مِن بعد وفاة شجن هانم وهو متغير زي لوح الثلج، مشيت وراه لقتُه رايح المطبخ وبيسحب إزازة ويسكي عشان يفتحها.
قالِت بقرف: سيب البتاعة دي ورد عليا! إنت بتتصرف بغرابة كِدا ليه! ليه بارد كدا وبتعمل حاجات في الخِفا.. ما تشاركني دا أنا مراتك.
صب مِن الإزازة للكاس وقال بنفس البرود: معنديش حاجة أقولهالِك.
قعدت صِبا قُدامه وهي بتقول: مش إنت بتقول حطوا السم لـ شجن هانم؟ مين اللي حاطُه كُنت تقصُد مين؟
شرب حبة ونزل الكاس عن بوقه وبعدها ضحك ضحكة صغيرة وقال: فضولك تاعبك.. أغرق فضولك يجيبك ناحيتي وتنقذيني، أعمل حاجة ألاقيكِ في قفايا، ريحي دماغك ونفسيتك عشان الحمل، وسيبي التقيل كلُه على ضهري أنا.
صِبا بتساؤل: نوح ليه علاقة بالموضوع طيب.
ساب الكاس وقال: أنا سايبهالك خاالص، أنا لا قادر أتكلم ولا قادر أسمع.
غرزت صوابِع إيديها في شعرها بترجعُه لورا مِن كُتر التفكير، فونها رن في جيبها فـ خرجتُه وهي بتبُص تشوف مين بيتصل.
لقتُه برايڤت نمبر فـ ردت وهي بتقول: ألو؟
جالها صوت أنثوي بيقول: صِبا.
وقفِت صِبا وهي بتقول بلهفة: رفيف!! وحشتيني.
خرج أمير برا القصر وراح ناحية عربيتُه وهو بيقول للحرس: ممنوع المدام أو أي مخلوق ينزل للقبو، حسين وعلي خليكُم عند السلم بتاع القبو ضروري من تحت.
الحرس بطاعة: أوامرك يا باشا.
ركب عربيتُه وساقها رايح ناحية بيت نوح.
كان ماسِك نوح اللابتوب اللي جابوه الأرانِب مِن بيت الإتنين اللي قتلوا عيسى، بيحاول يفُك الرمز بتاعُه عشان يدخُل لكِن محمي بشفرة خاصة مش قادر يخترِقها.
وقِف قُدامه واحِد مِن الأرانِب وهو بيقول: باشا.
غمض نوح عينيه وهو بيقول: تؤ! أنا مبحبش أم الكلمة دي، مبسمعش بعدها خير أبدًا.
أحتى الأرنب راسُه فـ قال نوح بنفاذ صبر: إشجيني!
قال بتوتُر: يا باشا البنت المشلولة سعادتك مطلعتش مياتة، بمُجرد ما رموا السجادة اللي كانوا لافينها فيها حاولت تهرب.. بس رجعناها تاني.
نوح بلا مُبالاة: إكسر رقبتها وإرميها في داهية أنا مش فاضيلها.
إيه اللي إنت بتقوله دا!
كان صوت رفيف اللي حاطة ولادها في عربية صغننة عشان تمشيهُم شوية برا الجناح، رفع نوح راسُه وشاور للأرنب يمشي.
قفل شاشة اللابتوب ووقف قُدامها وقال: لما أكون بتكلم مع رجالتي متدخليش لا في شُغلي ولا كلامي، عيب..
رفيف بضيق: إنت لا تعرف عيب ولا حرام ولا عندك مشاعر، كون إنك غلطت معاها وخليتهت حامل منك يبقى على الأقل تحمل مسؤولية إبنك اللي في بطنها!
لمس نوح خدها بصوابعه فـ جاتلها قشعيرية وهي مكشرة وبتحاول تبعد، مسك فكها بين إيديه وقال من بين سنانُه: تعرفي رقتك دي بقت بتعصبني ساعات، مينفعش قلبك يبقى كبير كدا ومتفهِمة! اللي عايزك تعرفيه حاجة واحدة أنا لا قربت منها ولا من غيرها.
سكت شوية وكانت رفيف بتترعش وهي لسه مكشرة، نبرتُه رقت وهو بيتأملها وقال: ملمستش غيرك، عملت كُل شيء ممكن تتخيليه إلا إني أبقى بتاع نسوان وفلاتي.. الحتة دي مكانتش بتشدني، مفيش ست شدتني ليها غيرك.
سحبها من دراعاتها وهو بيتحسسهُم لفوق وتحت فـ قشعرت وهي بتغمض عينيها، قربها منه وأنفاسه الدافية بتغلفها وقال: وعايز أخلف منك دايمًا، عايز نسلي يبقى كلُه الجمال والنعومة دي، متحرمنيش منك ما صدقت ملكتك.
بعدت إيديه عنها وقالت: في البداية كُنا مُتناغمين سوا، بس أنا مش أرنبة.. أنا إنسانة مش من حقك تاخد حقوقك عنوة مني.
بص للعربة اللي فيها ولاده وقال: على فين؟
رفيف وهي بتجُره العربة قُدامها: همشيهم برا قدام البيت شوية نشم هوا، إتخنقنا.
خرجت بيهم على دخلة أمير اللي كان بيقلع نظارتُه الشمسية وبيقعُد جنب الرايق بهدوء.
رجع الرايق قعد مكانُه جنب أمير وقال: صديقي الصامِت، مالك مش مظبوط ليه؟
أمير بضيق: أسئِلة صِبا خنقتني فـ قولت أبعد شوية عن جو البيت، عزيز فين؟
خرج نوح سيجار وجه عشان يولعه بص وشاف رفيف بتمشي بالولاد من الإزاز بتاع البيت، راح طفى الولاعة ورجع السيجار مكانُه وهو بيقول: راح يزور عيسى مع أمه وأخوه.
أمير بهدوء: ومروحتش معاهُم ليه.
نوح وهو بيضرب الزراير بتاعة اللابتوب بإيدُه وقال: عشان بحاول أفُك أم الشفرة بتاعة الزفت دا.
ضيق أمير عينيه وقال: دا إيه مش فاهم؟
نوح بجمود: اللابتوب بتاع الـ **** اللي فوق، رجالتي جابوه من بيتهُم.
أمير بلا مُبالاة: ودا هيفيدنا بـِ إيه؟
هرش نوح في دقنه وقال: جرا إيه يا أمير؟ دول قرايب المايسترو يعني الخُلاصة كُلها هتلاقيها هِنا.
قبل ما أمير يرُد لقى نوح مياسة نازلة السلم وهي شايلة بنتها.
وقف نوح قُدامها وقال: على فين؟
بصتلُه مياسة وقالت بقرف: وأنا المفروض أديك تقرير يومي بتحرُكاتي ولا إيه؟
نوح بهدوء: تقنيًا أه عشان أقدر أحميكِ.
مياسة بنفس القرف: تحميني مِن مين؟ مفيش مؤذي غيرك في دايرتنا أصلًا.
نوح بنفاذ صبر: مُمكِن تقوليلي رايحة فين؟
مياسة ببرود: يوسف إتصل عليا عايز غيارات من شقتي أنا وعيسى.
ضحك نوح وقال بسُخرية: أه شقة الزوجية ما قبل الطلاق، هروح أنا أجيبهالُه.
مياسة بنظرات كُره: ليه هو إنت مراتُه؟
نوح بمُناكشة: يعني إنتِ اللي مراتُه؟
وشها إحمر وبصت الناحية التانية فـ هرش نوح في خدُه وهو بيقول: قوليلي يا مدام مياسة، ايمن بيه عارِف إنك رايحة شقة طليقك تطبيله غيارات وبوكسرات؟
مياسة بغيظ: إنت سافل وعديم تربية!
نوح بجدية: هخلي الرجالة توصلك طيب.
مياسة بضيق وهي خارجة: لا هروح بنفسي.
خرجت من البيت فـ قعد نوح جنب أمير تاني وهو بيحاول مرة تانية.
رن فون نوح فـ خرجُه لقى عزيز اللي بيتصل..
بعد خروج مياسة بنصف ساعة، رد نوح وقال: إيه الدنيا؟
عزيز من الجهة الأخرى: عيسى مش موجود في المستشفى ومش عارفين راح فين.
نوح وهو بيتعدل في قعدتُه قال بإنفعال: نعم يخويا؟؟ أومال مياسة راحت فـ..
سكت شوية وبعدها قال بزعيق للأرانِب: جهزوا العربية بسِرعة!!!
المكان: شقة منال وراغِب.
دخلت منال بعد يوم طويل وهي ماسكة فونها بتبعت فويس ميل لـِ راغِب وبتقول: هتفضل مبتردش عليا كتير؟ يا راغب إتناقشنا مليون مرة في الشغل وقولتلك الحمل مش هيتأثر، لما تسمع المسدچ رد عليا من فضلك.
حطت المفاتيح على الجزامة اللي جنب الباب وقفلت الباب وهي حاسة بدوخة وإرهاق.
فتحت الأنوار لقت قُدامها حاجة رعبتها!
مسكت فونها وإتصلت على ليث، أخد وقت على ما يرُد بـِ صوت نعسان وقال: ألو.
منال وهي لازقة في باب الشقة وبتبلع ريقها ومبرقة قالِت: إلحقني يا ليث، فاكِر العلبة بتاعة الهدايا اللي كان فيها جُثة المُحامي في الفندق؟
ليث بدأ يفوق وقال بتركيز: أه مالها؟
منال بخضة: أنا قُدامي علبة شبهها بالظبط في شقتي، نسخة منها!
ليث وهو بيقوم من السرير: طب إطلعي من الشقة وإستنيني في عربيتك أنا جاي حالًا!!
خرجت منال من الشقة ونزلت جري على السلم وبدأت تحس بتعب في بطنها وضهرها، وهي بتجري على عربيتها خبطت في حد، بترفع راسها لقتُه راغِب وشايل أكياس من السوبر ماركت.
حضنتُه جامد وهي بتاخُد نفسها وبتقول: راغِب! الحمدلله، الحمدلله.
حضنها راغب بخضة وقال: مالك يا منال مخضوضة كدا ليه؟ إيه اللي حصل!
فتحت مياسة باب الشقة بالمُفتاح اللي إدتُه ليها أماندا، كانت ضلمة نوعًا ما.. حطت قمر اللي نامت منها على الكنبة وحواليها مخدات عشان متوقعش وغطتها كويس، بعدها فتحت جت تفتح النور مفتحش.
حست بـِ خوف فـ قالِت بنبرتها المُميزة: عيسى؟
جت تلف خبطت في حد، حست بأنفاس دافية على وشها.
قال عيسى بهدوء وهي لازقة فيه عشان مش شايفة من الضلمة وساندة بإيديها على أكتافُه: نبض عيسى.
رواية العبث الاخير الفصل السابع عشر 17 - بقلم روزان مصطفى
كانت تترعش في الظلمة من الخوف، ومن تأثير ردّه عليها حسّت إن قلبها اتخطف.
قالت بـ همس: هو مافيش كهربا؟
عيسى بـ هدوء: هي قطعت عشان بقالنا كتير مش بنيجي الشقة، بعتت حد من جماعتي عشان يجددها. متخافيش أنا جنبك.
البكاء غلب على نبرة صوتها وقالت بـ أنوثة مبتخرجش إلا قدام عيسى: إنت بقيت كويس؟ حاسس إنك بخير؟
دارى عيسى الألم عشان ميطلعش في نبرته وهو بيرد عليها وقال: أنا بخير، آسف على كلمة نبض عيسى. متعود أقولهالك، لكن طبعًا لسه بحترم انفصالنا وإنك هتبقي على ذمة راجل تاني.
حست إنها مخنوقة وعايزة تفتح الباب وتجري لـ برا عشان متعيطش قُدامه، لكن بلعت ريقها وقالت بـ هدوء: حصل خير.
فجأة الشقة نورت، وظهر قدامها ملامح عيسى بـ وضوح وهو بيرفع عينه وبيبصلها. رمشت بعينيها كذا مرة بتحاول تبعد نظراتها عنه لكن فشلت. واحشها! ملامحه الرجولية وحضنه الحنين.. وريحته اللي بتفضل لازقة فيها. ضمت جسمها بدراعاتها وهي بتفتكر حضنه.
فسحب العكاز ومشي بيه ناحية المطبخ وهو بيقول بـ برود: تشربي إيه؟
ابتسمت بـ سخرية وهي بتقول: هتضايفني؟ أنا تمام. ممكن أعرف ليه طلبت تقابلني؟
مسك عيسى كوباية مياه وقربها من بوقه بعد ما شاورلها بيها وقال: السلسلة، خدتي الأمانة؟
رجعت مياسة خصلات شعرها المتمردة لورا وهي بتتنهد وبتقول: أيوه وفي مكان آمن. نوح صارحني إنها تلزمه هي واللي جواها، هو يعرف منين؟
رفع عيسى أكتافه وقال بهدوء: توقعت ده، عشان كدا مقعدك إنتِ والبنت عنده.
مياسة وهي بتقعد جنب قمر وبتغطيها كويس: ده مقيد حركتي وبيفتحلي تحقيق كل ما أجي أخرج. أنا اضطريت أكذب عليه عشان أجلك قلتله إنك محتاج غيارات في المستشفى.
قعد عيسى في الكرسي اللي جنب قمر وهو بيقول بتفكير: زمانهم اكتشفوا إني مش موجود في المستشفى حاليًا، وقلبين الدنيا عليا.
عقدت مياسة حاجبيها وقالت بصدمة: هو إنت مش خارج من المستشفى بأمر الطبيب؟
سكت عيسى شوية بعدها قال بصوته الرخيم: لا.. الدنيا هتبوظ أكتر لو فضلت نايم وكله بيسعى ورا الأمانة.
عينيها وسعت من الصدمة وهي بتقول: عيسى! التيشيرت بتاعك عليه بقعة دم! جروحك ملتحمتش لسه!
قام وهو بيقفل عينيه من الألم وقال: أنا بخير، أماندا هتغيرلي على الجرح. المهم دلوقتي ركزي معايا، السلسلة مهما يحصل متسمليهاش لـ نوح لأنه بمجرد ما يكتشف إنها فاضية مش هيسكت وأنا كدا كدا هظهر وهوقفه عند حده بس جروحي تهدى شوية، والأمانة بلغي أماندا بمكانها وهي تتصرف.
كانت باصة قدامها وساكتة، شاردة! قالت بنبرة تايهة: أماندا وبثينة، بتثق في اتنين مجمعكش بيهم غير شغل وجيرة، ومش واثق في واحدة كانت بتشاركك سريرك وحياتك!
عيسى بعدم فهم: إيه علاقة بثينة بالموضوع؟ أما أماندا فهي بتشتغل معايا ضمن جماعتي وسهل عليها توصلي الأمانة من غير ما حد يتعقبها!
وقفت مياسة وشالت قمر بين إيديها وهي بتقول بـ دموع بتحاول تكتمها: آه.. وسهل عليها تغيرلك على جروحك.
عيسى بحزم: دي متجوزة وعندها طفل! وإنتِ كمان قريب هتتجوزي، مقدرش أطلب منك طلب شخصي غير الأمانة لأنك.. لأنك أكتر حد بثق فيه.. أماندا مكانتش كويسة وقتها كان عندها تعب مقدرتش آمنها.
بصتله مياسة بعتاب وقالت: طب خليني أغيرلك على الجرح قبل ما أنزل.
سكت عيسى شوية وقرب منها. حركت عينيها على ملامحه وهو كان بيتأملها برغبة شديدة وحب بس بيحاول يكتمه وقال: رغم إنها صعبة عليا بس صدقيني إنتِ أخدتي القرار الصح، حقك تشوفي حياتك مع شخص مش محكوم عليه بالموت زيي، حظك كان وحش أول مرتين بس أتمنى يبقى الجاي كويس.
بقعة الدم كبرت ولاحظت مياسة إنه بيقول الكلام ده غصب عنه. قالتله بقلق: خليني أغيرلك على الجرح قبل ما أنزل، ارجوك!
***
المكان: المشفى.
تحديداً: الباركينج أمام المشفى.
ركن نوح العربية بتاعته بـ حرفية. كان لابس جاكيت جلد أسود وقميص أوف وايت، وبنطلون جينز داكن وجوانتي بايكر.
رزع الباب والعربيتين بتوع الأرانب ركنوا جنب عربيته. شاور بإيده لتحت بمعنى خليكم في العربية. رفع النظارة الشمسية على شعره ودخل المستشفى.
لقى عزيز واقف عند الاستقبال وقال بعصبية: إيه ساعة يا عروسة على ما تجهزي؟
نوح بـ برود: تؤ! في حريم وأطفال أبرياء معديين، مينفعش يسمعوا سخريتك مني بالشكل ده.
وقف قصاد البنت بتاعة الاستقبال وقال بإبتسامة غريبة: إزيك.
البنت كانت بتبصله بـ توتر وحذر لأنها سمعت من عزيز موشح غضب. بلعته بالعافية.
كمل نوح وقال: كان ليا صديقي زي أخويا بالظبط، راقد عندكوا في..
البنت قاطعته وقالت باستنكار: راقد؟
نوح بـ برود وهو بيرفع حاجبيه الاتنين: آه! اعذرني أصل فيا عرق فلاحي من بعيد طالع جامد النهاردة معايا، اعتبرني لسه جاي من الغيط.
بلعت البنت ريقها وكانت خايفة. وعزيز ساند على الحيطة وضحك ضحكة قصيرة وهو بيبعد وشه عشان هزليته نوح. وأم عيسى ويوسف قاعدين على الكراسي بيراقبوا الوضع.
هرش نوح في مقدمة مناخيره وكمل وقال: يعني بعيد عنك واخد كام طعنة كدا في بطنه وصعب يتحرك بسرعة، وخطر يتحرك أصلًا وضعه الصحي مينفعش. متعرفيش هو فين؟
البنت بارتباك: الأستاذ اللي واقف هناك ده سألني كذا مرة وزعقلي، وقولتله معرفش. أنا اتصلت بالممرضة اللي كانت مناوبة ليلتها وقالت مشافتهوش.
ابتسامة نوح وسعت شوية وقال بهمس: طب هاتي عنوانها أو رقمها وأنا هسألها بنفسي.
بصتله وسكتت وهي مبرقة بصدمة. انتفضت لـ ورا لما خبط بـ كف إيده على مكتب الاستقبال وقال بزعيق: ما تنطقي!!
حتى يوسف وأمه اتخضوا. البنت من خضتها كتبتله العنوان وهي بتترعش وحطت قدامه الورقة. مجاش في دماغها تطلب الأمن. والناس اللي معدية وقفت تتفرج وبرضو مهتموش.
حط نوح الورقة في جيبه ونزل النظارة الشمسية على عينيه وهو خارج من المستشفى. خرج عزيز وراه وهو مكشر وقال: رجلي على رجلك.
نوح من غير ما يبصله وقف عند عربيته وهو ماسك بابها وقال: أنا مش رايح حنة شيماء.
عزيز بسخرية: إنت رايح لـ شيماء نفسها. أنا خليت مراتي وولادي يروحوا عند بدر الكبير وهي في مشكلة عشان أشوف عيسى فين، فـ مش هسيبك.
نوح بتأفف: مبعرفش أشتغل صح أو أسحب معلومة من حد غير لما أكون لوحدي.
عزيز بنفاذ صبر: مش هتعرف منها حاجة هتقولك معرفش زي البت اللي جوة.
نوح بـ برود: ما أنا عارف، رايح أديها قرصة ودن عشان تنتبه بعد كدا متقعدش تشرب نسكافيه، وهرجع أشوف كاميرات المستشفى.. خد الحجة أم عيسى ويوسف ورجعهم بيتهم لغاية ما أخلص وأبلغك.
عزيز اداله ضهره ودخل للمستشفى عشان يوصلهم ويروح يشوف عمته اللي ربنا بلاها بيها.
***
المكان: منزل راغب ومنال.
وصل ليث بـ عربيته تحت البيت وطلع جري على السلم. وصل قدام باب البيت فـ فتحله راغب بعد ما شافه في الكاميرا.
دخل ليث بـ قلق وهو بيقول: دخلت بيتك إزاي دي يا منال؟
كان باين عليها الرعب وهي بتقول بصدمة: مش عارفة! أنا منظر المحامي في الفندق مبيفارقش عيني ورجعت تلات مرات كل ما أبص للعلبة دي.
بص ليها ليث وهو بيقول لـ راغب بـ حذر: ناولني سكينة بعد إذنك أو مقص أفُك الشريط الكبيرة دي.
دخل راغب المطبخ وجاب المقص اداه لليث. وعينيهم على حركة إيد ليث وهو بيفتحها. واحد مرعوب والتانية حاطة إيدها على بطنها ومبرقة من اللي ممكن تشوفه.
فتح ليث العلبة ولما شاف اللي جواها سند على الحيطة وصابته خيبة أمل. بص لـ منال بـ طرف عينه وهو بياخد نفسه وبيقول: بجد والله؟
قرب راغب من الصندوق وهو بيقول: إيه لقيت إيه؟
لما شاف اللي جواه حط إيده في وسطه وبص لـ منال بعدها بص لليث، وانفجروا هما الاتنين من الضحك.
منال بتكشيرة: ما تقولوا فيه إيه!
قربت تبص لقت البوكس مليان تشوكلت وفيه علبة فيها خاتم ألماس!
بصتلهم وهي بتقول: محدش خد باله من الخاتم الألماس ده وإن ثمنه غالي جداً على موظفين عاديين، بعدين مين ممكن يبعتلي هدية زي كدا في نفس العلبة اللي كان فيها جثة المحامي؟
تنح ليث شوية وقال: عندك حق! ما أكيد نوح ده شغله المزاولة.
شالت منال علبة الخاتم ولقت تحتها ظرف. فتحته لقت مكتوب فيه بالإنجليزي: "شكر بسيط عن مساعدتك لإنقاذ روح صديقي، نحن هنا دائما إن احتجتِ لأي شيء".
رفعت منال حواجبها بصدمة ولاحت على طرف شفايفها ابتسامة مقدرتش تكتمها.
سحب راغب الورقة بعصبية لما شافها بتبتسم زي المراهقين اللي بيعيشوا قصة حب: وريني الورقة دي.
قرأ راغب اللي فيها بعدين قرأ الامضاء باستنكار وقال: الرايق! هو للدرجة دي جريء ومبيخافش من الحكومة باعتهملهم هدية؟
تبادلت منال النظرات مع ليث تطلب منه مساعدتها في الموقف ده لكنه كان أصلا متغاظ منها عشان ساعدتهم فـ رفع حاجبيه بمعنى "إنسي".
بص راغب لـ منال وقال بضيق: معناها إيه الرسالة دي يا مدام؟ إيه اللي عملتيه عشانهم تستحقي عشانهم الشكر؟
رجعت خصلات شعرها بتوتر وهي بتتنهد وبتضحك. هنا قال ليث: أيوه، اتفضلي اشرحيله.
***
المكان: منزل أعلى تل مرتفع.
تحديداً: المطبخ.
دخلت رفيف وقعدت على كرسي الترابيزة وهي بتكلم نسرين الخادمة وبتقولها: إعمليلي كوباية نسكافيه من فضلك لو مش هتعبك.
نسرين بـ ذوق: بلاش نسكافيه وقهوة يا رفيف هانم، حضرتك بترضعي ومش حلو للبن بتاعك. أعملك حلبة باللبن حلوة هتقويكِ.
حركت رفيف راسها بمعنى تمام، وسندت راسها على كف إيدها. مرام كانت بتقطع الخضار وبتبص ليها بحقد وساكتة.
رفيف قالت بـ سؤال متوتر: هي بقت كويسة؟
مرام بـ خبث: هي مين؟
رفيف بلعت ريقها وقالت: البنت اللي كان نوح حابسها.
ردت مرام وقالت: آه، دي هربت من نوح بيه وهو مكلف رجالته يدوروا عليها.
رفعت رفيف حواجبها علامة الصدمة وقالت باستنكار: معقول هربت في حالتها دي؟
نسرين بـ شرد وهي بتغلي اللبن: الوجع بيخلقلك جناحات ويديكِ قدرة تهربي منه.
رفيف عينيها اتملت دموع وقالت بتوهان: معاكِ حق.
حطت نسرين قدامها كوباية الحلبة وهي بتقول: بالهنا والشفا.
وبينما هي قاعدة بتشرب والباقي بيشتغلوا، دخل واحد من الأرانب وهو بيقول: نوح باشا بيقولكم جهزوا سفرة عشا حلوة عشان جاي ضيوف بالليل.
مرام بـ فضول: مقالش ضيوف مين؟
بصتلها رفيف وقالت: ودا يهمك فـ إيه يا سيدة القصر؟ دا أنا مسألتش.
نسرين بـ تدارك للموقف: هي متقصدش يا رفيف هانم.
بعدها وجهت تساؤل للأرنب وقالت: مقالكش أصناف معينة نحضرها؟
الأرنب بهدوء: لا والله، بس قال تعملوا أصناف تشرف وحلويات، وقال أي شيء يحتاجوه نجيبه.
قامت رفيف وبصت بـ ضيق لـ مرام. بعدها وجهت كلامها لـ نسرين وقالت: قوليلي على الأصناف اللي في دماغك عشان نبدأ بيها.
بصتلها نسرين باستنكار وقالت: لا يا ست رفيف مش هينفع نوح بيه قال متمديش إيدك على حاجة في المطبخ.
رفيف بهدوء: وأنا مستحيل أسيبكم تشتغلوا وتتعبوا وأقعد أدي أوامر، إيدي بإيدكم هنخلص.
طبطبت نسرين على ضهر رفيف وهي بتقول: عشان ولادك يابنتي لو عيطوا أو احتاجوكِ، متقلقيش هنشرفكُم.
رفيف بإبتسامة ليها: تمام أنا هنا لو احتاجتي أي شيء.
خرجت من المطبخ فـ بصت نسرين لـ مرام بـ عتاب وهي بتقول: وبعدين معاكِ إنتِ ولسانك المسحوب منك! يعني إيه تسألي عن هوية الضيوف! من امتى يا مرام!
مرام بضيق وهي بتخرج اللحمة من الفريزر: قال يا سيدة القصر قال، بتتريق حضرتك، وهي يعني كانت مين قبل ما تتجوز نوح بيه، بكرة أبقى سيدة القصر بجد وهتشوف.
نسرين بتبريقة: شششش وبعدين معاكِ!
مرام بغيظ وهي بتكمل تقطيع الخضار: لا وعزمت عزومة مراكبية تساعدنا بعدها خرجت من المطبخ، ما هي عارفة إننا محتاسين من ساعة اللي حصل لأمنة.
نسرين بضيق: وبعدين بقى! أنا هنا اهو يدي على يدك هنخلص سوا، يلا اشتغلي بلاش لكاعة.
***
المكان: منزل عيسى الغريبي.
تحديداً: الصالة.
كان ممدد على الكنبة ومياسة بتعقم الجرح. عمالة تبعد وشها وتتنفض من شكل الدم والجروح وكانت إيدها بتترعش.
عيسى ووشه بدأ يظهر عليه حبات عرق من كتر التحمل: قولتلك صعب عليكِ التغيير على الجرح، أنا عارف إنك أرق من إنك تشوفي منظر زي ده.
بصتله مياسة بـ توتر وقالت بـ نبرة مكتومة وهتعيط: إنت ليه بتعمل كدا؟
بادلها النظرة لكن بنظرة حادة تفحصية وقال: بعمل إيه؟
حطت الشاش والبلاستر النظيف على الجرح ونزل من عينيها دمعة غصب عنها وهي بتقول بـ جمود: ترميلي كلمة غزل وسط كلامك اللي كله عبارة عن حياتي الجديدة، خلاص غيرتلك على الجرح بالشفا.
جت تقوم مسك عيسى معصم إيديها وشدها ناحيته وهو بيتعدل بـ صعوبة. سند على كوعه وهو بيتنفس بصعوبة وقال: بتعيطي ليه؟ صدقيني قرارك صح.. كفاية ربطتك بيا لما اتجوزتك، عشان لو جرالي حاجة..
وقفت مياسة وقالت بعياط: بس بسس مش عايزة أسمع، حرام عليك أنا تعبانة من ساعة ما وعيت على الدنيا مستريحتش! لا أب عدل ولا أم عدلة ولا جوازة أولانية اتنصفت فيها، حتى أول حمل ليا راح، بس إنت! إنت كنت العوض بالنسبة ليا! لغاية ما الدنيا ادتني على دماغي تاني وعرفت إني بديل لـ أمل مش أكتر، حتى بنتي سميتها على اسم عروسة أمل.
عيسى كان عاوز يشرحلها فـ شاورتله وقالت: متجبرش خاطري بكلمتين صدقني أنا مهدودة ومشاعري ميتة، متقلقش هبقى كويسة.. بس مش عايزة أسمع كلامك عن الصالح ليا، سيبوني في حالي سيبوني أعك.
سحبت بنتها فـ قام عيسى وقال: ماسة! استني!
بصتله هي وعينيها متغرقة دموع وقالت: اسمي مياسة، حاجة بسيطة تحفظها، ولا لازم اتضرب بالرصاص قدامك عشان تحبني!
سكت عيسى كأنها صابته في مقتل. قالت وهي بتعدل شعرها وبتعدل البطانية على بنتها: متقلقش الأمانة هسلمها لأماندا بطريقتي، عن إذنك.
باس عيسى قمر وجه يتعدل عشان يكلم مياسة. جريت على السلم كأنها بتنهي الحوار. مبقتش تقدر تستحمل كلامه كل شوية عن إن انفصالهم كان قرار صح، وحتى لو آخر أيامه فـ هو رافض يقضيها معاها!
خرجت للشارع ووشها مليان دموع وبتترعش. بتدور على تاكسي يرجعها الحارة ويخلصها من نوح، لكن لقت عربية وقفت قدامها.. عربية سودا مفيمة. نزل الإزاز وهو بيبصلها وبيقول: اتأخرت عليكِ؟
بصت مياسة لنوح اللي سايق راحت لوت بوقها لتحت وعيطت بهستيريا أول ما شافتُه.
نزل فتح الباب اللي ورا عشان يركبها وهو بيقول: وأنا كمان يا مدام ماسة والله.
نزل واحد من عربية تانية قريبة منهم وركب في مقعد السواق.
نوح بهدوء: وصل المدام والبنوتة على بيتي على ما أجمع بقية الحبايب للعشا.
مياسة بـ ضيق: وسيادتك مش جاي؟
نوح بإبتسامة: هطلع أسلم على العقرب، أصلي بحب الحاجات التوكسيك أوي.
اتحركت العربية ومشيت. ونوح واقف تحت بيت عيسى وهو بيحرك ميدالية المفاتيح حوالين صباعه وبيصفر.
طلع ووقف قدام باب البيت وضرب الجرس. فتح عيسى الباب وهو لابس البورنس بتاع الحمام ومرجع شعره لورا. بعد نوح وشه وهو بيقول بصوت ناعم بإستهبال: يالهوي! إخص عليك ياسي عيسى خدشت حيائي.
عيسى بـ برود: عاوز إيه، انجز!
دخل نوح من غير ما يأذن ليه عيسى بالدخول وقال: طلعت من المستشفى ليه من غير ما تقول، ومن غير ما تكمل علاجك؟
قفل عيسى الباب وهو بيقول بـ انفعال لكن بنبرة هادية: دا على أساس إنك ولي أمري ولا إيه؟
قعد نوح وقال: اشمعنى مدام ماسة اللي عرفتها بمكانك، وإحنا نعرف بالصدفة! ياخي عيب عليك.
قلب عيسى عينيه وقال بضيق: مش هنخلص من المواعظ، أنا باتألم من غير حاجة أصلا ومش طالبك! ياريت ننجز ونقول عاوز إيه.
نوح بـ برود: عازمك على العشا في بيتي، يلا البس عشان ننزل سوا.
عيسى بـ برود: عزومتك مرفوضة، اطلع برا مش عايز أشوف خلقتك ولا خلقة أي حد منكم.
نوح بضيق: إحنا اللي أنقذناك يا جاحِد!
عيسى بتبريقة: لو كنت عاوز أنقذ نفسي كان شيء سهل عليا لكن أنا كنت ناوي انتحر، بالتالي مش هسقفلك.. وبرضو اطلع برا.
نوح هدى من نبرة صوته وقال: طيب بالعقل، كلكُم عاوزكم عندي على العشا، وأهي فرصة تتفاهم مع مدام مياسة بدل ما هي نازلة معيطة وشكل النقاش بينكم وصل لحيطة سد.
قرب عيسى منه وقال: فل، كلمة واحدة كمان عن ماسة مش هعمل حساب لحاجة وهزعلك..
سكت نوح وقال وهو بيبص لـ معدة عيسى: البلاستر ده مش متقفل كويس! هتستحمى إزاي!
عيسى بـ زعل: عارف، ماسة معرفتش تعمله كويس عشان شكل الدم كان مخوفها، عشان كدا قررت أستحمى وأعمله لنفسي.
نوح بهدوء: مينفعش ييجي عليه مياه أصلا، بص أنا عارف إنك مش طايق تشوف خلقتي! بس بجد اديني فرصة أساعدك، هعملك الشاش حلو تستحمى وحاول متجبش عليه مياه ولما تطلع هعملك غيار جديد.
عيسى بضيق: مش عايز عايزكم تسيبوني لدماغي يا عم! حتى حارة المنيل مش راجعها.
نوح وهو بيسحبه ناحية الكنبة عشان يثبت البلاستر: مترجعهاش بس هو عشا بسيط، وصدقني لما تحضره هتفهم أنا ليه المرة دي قلبي عليكُم.
مدد عيسى على الكنبة وقال بسخرية: لا ما إنت أثبتلينا ده قبل كدا، شاكرين خدماتك.
سكت نوح وبدأ يثبتله البلاستر عشان يعرف ياخد شاور.
***
المكان: فيلا بدر الكبير.
تحديداً: جناح سيليا.
كانت حاضنة سيلا بإيد والإيد التانية شايلة بيها بدر وهي بتقول لعزيز: هي عايزة منا إيه؟ أنا واجهتها واتعاملت بـ قوة معاها لكن من جوايا قلبي مرعوب ومحروق على ولادي، متتمسش منهم شعرة.
عزيز كان رايح جاي في الجناح ومش قادر يتكلم قدام سيلا. قالها بحنية: لولي، قولي لـ تيتة بابا هينزل يشرب معاكِ القهوة.
جريت سيلا على برا وأول ما خرجت ملامح عزيز ا بدلت للغضب وقال: هخلص عليها هي اللي جنت على نفسها.
سيليا بتبريقة: إنت اتجننت؟؟ عزيز متتحولش واحدة واحدة لـ نوح اللي مبقاش فارق معاه حاجة، إنت في أمل فيك تتلحق!
عزيز بغضب وهو بيقعد جنبها: تهديدي ليها مجابش معاها فـ لازم أرجع زي زمان مش فارق معايا حد، أنا معنديش أغلى منك ومن ابني وولادنا يا سيليا.
سندت راسها على كتفه وقال بـ شرد: لو قالولي عمرك هينتهي دلوقتي هبقى راضية، أنا عشت معاك أحلى سنين حياتي، وكفاية على حياة عيني شفت ولادي منك.
ضم راسها لـ حضنه وهو بيبوس راسها وبيقول: يومي قبل يومك يا ملبن..
فضلت في حضنه شوية وبعدها همس وقال: البسي معلش عشان معزومين على العشا برا، وسبي الولاد هنا آمن ليهم.
اتعدلت سيليا وهي بتبصله باستغراب وقالت: معزومين فين؟
سكت شوية بعدين قال بهدوء: نوح.
قلبت سيليا عينيها وقالت بـ ضيق: مستحيل، أساسا أنا مستغربة إنت وأمير إزاي رجعتوا تثقوا فيه عادي كدا.
عزيز بـ نفس الثبات: يا حبيبي قلبي مش حوار ثقة، بس في موضوع يهمنا إحنا الأربعة نعمله سوا، أكتر من أي وقت تاني.
رجعت سيليا شعرها ورا ودانها وبصت لـ عزيز باستنكار وهي بتقول: أربعة؟ هو عيسى بقى كويس؟
***
المكان: منزل أعلى تل مرتفع.
دخل نوح البيت وهو بيبص للأرانب وقال بـ برود: لقيتوها؟
الأرنب بـ ابتسامة: أيوه يا باشا هي مستنية مع المدام.
نوح قلب عينيه وقال: مش ناقصة غباء، مبتكلمش عن مدام مياسة بتكلم عن المشلولة اللي هربت منكم يا شوية بهايم! بعد كدا هلبسكم ماسكات بهايم.
وطوا راسهم وقالوا بـ خوف: بندور لسه عليها يا باشا.
نوح من بين سنانه: هربت تاني إزاي، لو النهارده ملاقيتهاش ورجعتها لـ هنا، هعلق رؤوسكم بدل كور الكريسماس.
دخل المطبخ وقال لـ نسرين: جهزوا شوربة خضار يبقى طبق بريميوم كدا عشان في ضيف معدته حساسة ضد بقية الأكلات.
نسرين بِـ طاعة: تحت أمرك.
جِه عشان يطلع فـ جريت عليه مرام وهي بتقول: نوح بيه.
لف عليها نوح وبص ليها من غير ما يرد فـ حركت صوابعها على بعض بـ دلع وهي بتقول: كنت عايزة يعني حضرتك تعلمني ضرب النار.
برقت نسرين وهي بتحرك صوص البشاميل وبتبص ليهم فـ قال نوح بإبتسامة غريبة: وماله؟ شوفي اليوم اللي يناسبك وهخلي واحد من الرجالة يعلمك.
نسرين بـ ضحكة وهي بتسحبها: دي بتهزر يا باشا.
نوح بـ برود: لا عادي مش معضلة يعني، بس اللي عاوز يتعلم ضرب النار ده بيبقى قدامه هدف عاوز يصيبه، وأتمنى الهدف ميكونش في البيت هنا.
بصله بصة ذات معنى وهو عارف إنها مبتحبش مراته رفيف. خرج نوح من المطبخ فـ بلعت نسرين ريقها وهي بتقول بتوتر: تتقطم رقبتك على صدرك نشفتي دمي، يلا هاتي الفلفل الألوان حطيه على اللحمة عشان أجهز صينية البشاميل، يلاا!
اتحركت مرام وهي لافة بوزها وزعلانة من اهتمام نوح بـ مراته.
طلع لـ فوق ووقف قدام جناح رفيف. خبط على الباب بالراحة عشان ميفزعش الولاد فـ فتحت رفيف وهي بصاله مبتتكلمش.
قال نوح بـ هدوء: اءء.. كنت بأكد عليكِ تجهزي إنتِ ومياسة عشان الناس اللي جايين.
رفيف بـ جمود: اديت شاور للولاد وبلبسهم بعد كدا هجهز أنا.
نوح بـ زعل من اللي عمله معاها: رفيف أنا..
قاطعته وقالت بـ همس: أنا مش عايزة أتكلم في حاجة، عن إذنك.
قفلت الباب في وشه ودخلت. لقت مياسة طالعة من الحمام وهي لافة شعرها بـ فوطة ولابسة البورنس بتاع رفيف وبتقول: مين كان بيخبط؟ ومال وشك أصفر كدا ليه؟
رفيف بتوتر: مفيش حاجة، نشفي شعرك بقى عشان دورك تقعدي بالولاد لغاية ما آخد أنا الشاور بتاعي.
***
المكان: منزل متطرف على جانب أحد الطرق.
كانت ممددة على الكنبة وعمالة تحرك راسها يمين وشمال وهي فاقدة الوعي. الكوابيس مش سايباها ترتاح حتى في منامها.
قربت منها الست وهي بتحط جهاز قياس الحرارة في بوقها. سابته شوية وبعدها سحبته من بوقها وهي بتبص وبتقول: لا دا إحنا بقينا عال خالص الحرارة الحمد لله نزلت.
فتحت مروة عينيها وهي بتترعش ووشها أحمر واخدة دور برد جامد من لبسها الخفيف. الست قعدت جنبها وهي بتخيط التريكوه وبتقول: دلوقتي شوربة العدس تستوي وتقويكِ، قوليلي يابنتي إيه اللي خرجك بالمنظر ده!
اتعدلت مروة بصعوبة في مكانها وهي بتقول بصوت رايح خالص: هربت من جوزي، بيمد إيده عليا.
الست اتصدمت وقالت: عشان كدا منظرك كدا. لما تشربي العدس ويدفيكِ خدي دوش يفوقك وهلبسك جلابية تقيلة من عندي.
مروة دمعت وهي بتقول بـ قلة حيلة: كتر خيرك، أنا مش عارفة أشكرك إزاي.
الست طبطبت عليها ودخلت تشوف العدس على النار. مروة بدأت تعيط وهي بتبص لـ إزاز الشباك اللي مبين برودة الجو برا. لفت نفسها بالغطا وهي بتكح وبتتفرج على المنظر برا.
قربت الست منها وهي شايلة صينية وبتقول: وحمصتلك جنبه عيش عشان تغمسي بيه ويفتح نفسك.
قربت منها الصينية فـ حسّت مروة بـ صداع، وقالت بـ دوخة: شيليه من قدامي لو سمحتي.
الست بصدمة: مبتحبيهوش؟
مروة غطت بوقها بإيديها ومكانتش عارفة تتحرك لأنها مشلولة. هي قضت هربها زحف لغاية ما استنجدت بـ سائق شاحنة.
الست جابت كيس بسرعة ومروة رجعت فيه. ربطته الست ورمته برا وهي قرفانة وقالت: شكلك كدا حامل.
مروة فتحت عينيها بعد ما كانت مغمضاها من الدوخة وقالت: مش عارفة!
***
المكان: منزل أعلى تل مرتفع.
كان أمير وجنبه صبا اللي ماسكة كاس عصير وبتشرب منه وهي بتتفحص البيت، بس مبتتكلمش مع أمير ولا بتتكلم عامةً.
لاحظ أمير ده وإنها زعلانة منه بسبب اسلوبه معاها فـ حب ينكشها وهو بيقول: مش من عادتك السكوت يعني.
وقفت الكاسة عند بوقها وهي بتضحك وبتقول: بريح راسك من زني، وبعدين بتأمل يا ترى إيه سر تجميعة الرايق لينا؟ أكيد مش عشان يعيد الذكريات القذرة اللي جمعتنا كـ صحاب سوا.
رجع أمير راسه لورا وهو بيتنهد وقال: أنا كمان مش مرتاح، بس متقلقيش شوية وهنعرف.
دخل عيسى وهو ماشي بالراحة عشان بطنه، ماسك في إيده عكاز طبي ولابس قميص أبيض ومعطف أسود طويل وبنطلون جينز. دخل وقال بـ برود: مساء الخير.
ابتسم أمير لما شافه وقام عشان يسلم عليه. سلم عيسى عليه وهمس في ودنه وقال: في أي أخبار عن سبب تجميعة نوح لينا؟
أمير بـ نفس الهمس: لحد دلوقتي لا.
صبا بـ صوت عالي: بتتوشوشوا بتقولوا إيه!
أمير من بين سنانه: مكملتش ساعة هادية.
دخل عيسى لـ جوه وهو بيضحك. وهو داخل خبط في مياسة اللي كانت شايلة صينية عليها كاسات. برقت وشهقت عشان كانت الكاسات هتتكسر لكنها تداركت الموقف.
بص عيسى لـ عينيها بتتنيح بعدها أخد نفس وبعد عينيه وهو بيقول: مساء الخير.
بصت مياسة للأرض وهي بتتمسك بالصينية وبتقول بهدوء: مساء النور.
اتحرك عيسى بعيد عنها فـ غمضت عينيها وهي شايلة الصينية بتحاول تحبس دموعها. خضها نوح وهو ماسك عنب بياكل منه وساند بجسمه على الحيطة اللي جنبها وقال: مشاعركُم بتخليني أقشعر.
اتخضت مياسة وفتحت عينيها وهي بتضغط على أسنانها وبتقول: خلي الليلة تعدي لأني ضاغطة على نفسي عشان أقعد معاك وفـ بيتك.
قرب منها نوح وهو بيقول بهزلية: يعني تخيلي تسيبي عيسى، اللورد! العقرب ابن الناس الشيك، وتبصي لـ مديحة كلينكس اللي إنتِ خاطباه!
مياسة بتبريقة: احترم نفسك إنت فاكر نفسك مين عشان تشتمه!
ضحك نوح وقال بـ برود: مش لايق عليكِ خالص تدافعي عنه.
اتأففت وبعدت عنه وهي بتحط الصينية. عزيز كان قاعد جنب عيسى، وعيسى عينيه مع مياسة.
قربت سيليا من مياسة وهي بتقولها: وحشتيني.
حضنتها مياسة وهي بتقول: صدقيني كان نفسي نتجمع في أي مكان غير هنا.
ضحكت سيليا وهي بتقعد جنبها. كانت لابسة مياسة فستان سوفت بينك وعليه شال أوف وايت، ورابطة شعرها لـ فوق.
وسيليا كانت لابسة بنطلون جلد أسود وبوت طويل جراي وجاكيت جلد أسود.
حطت صبا بقية الأكل مع الخادمات وجت وراها رفيف. قعد نوح على رأس الطاولة وهو بيرحب بيهم وبيقول: سبب دعوتي ليكم على العشاء النهارده، تجديد العيش والملح.
عزيز بـ سخرية: والله إحنا مرجعناش العيش والملح الأولانيين عشان ناكلهم تاني ونجدد، المفروض إنت اللي تاكلهم.
عيسى كان ساكت بيقلب بالمعلقة بتاعته في الشوربة قدامه.
كمل نوح وقال: وكنت حابب اخليها مفاجأة ليكم جميعًا، لكن حان وقت إني أقولها.
أمير بنفاذ صبر: بدون مقدمات.
شرب نوح من الكاس بتاعه وضحك وهو بيقول: وسعوا خلقكم شوية، اللي ليه مصالح في منطقته أو في بيته يخلصها عشان هنعيش كلنا هنا.
رفع عيسى راسه وقال بـ برود: كلنا اللي هو مين؟
شاور نوح بالكاسة اللي في إيده عليهم وقال: يعني كل واحد ومراته..
سكت لما جت الكاسة على مياسة وعيسى.
بعدين قال: إحم، لو هنوفر أوضة زيادة يبقى..
قامت مياسة من على السفرة وهي بتقول: الشيء الوحيد اللي إنت محتاج توفره هو كلامك وأفكارك اللي إحنا في غنى عنها.
من غير ما يبصلها قال بنبرة هادية: مدام مياسة اقعدي من فضلك.
حست إن وضعها غلط فـ قعدت تاني. كمل نوح كلامه وقال: كل الحكاية إن إحنا مبقيناش مجرد متزوجين، إحنا بقى معانا أطفال.. ولاد، مسؤولية، البيت هنا متطرف وآمن عن بيوتكم في منتصف المدينة، حبيت نعيش مع بعض هنا عشان..
سكت لكن الرجال فهموه، نوعا ما ملامحهم كانت بتقول إنه موافقينه الرأي.
صبا قالت وهي بتاكل من السلطة: وبعد ما نعيش مع بعض؟
عزيز بصراحة وحزم: نوح قصده إننا كـ رجال لو اتقبض علينا أو جرالنا شيء متفترقوش إنتوا عن بعض تبقوا بـ مثابة عيلة، تعيشوا هنا في البيت ده وتربوا عيالكم وعيالنا في سلام وحواليكم حراسة.
سيليا قالت بِـ سرعة: بعد الشر.
بص نوح لـ عيسى وقال: تسمحلي؟ "بمعنى أتكلم بالنيابة عنك"
شاورله عيسى بمعنى تمام فـ قال نوح: وإنتِ كمان يا مدام مياسة لو فكرتي فيها بهدوء وبـ العقل هتعرفي أن ده أنسب ليكِ من ارتباطك بـ شخص مبتحنيش ليه أي مشاعر.
سابت مياسة كاس العصير بتاعها وبصتله وقامت من على السفرة. حست بالإحراج لتلميحه إنها مش عارفة تحب من بعد عيسى.
عيسى حس الوضع مش حلو فـ استأذنهم يشوفها. قام وراها لقىها واقفة برا في الحديقة الملحقة بالبيت.
وقف وراها بالظبط وهو بيقول: الجو برد عليكِ هنا.
مياسة من غير ما تلفله: على أساس إنك مهتم؟
بلع عيسى ريقه وقال بنبرة مجروحة: أنا بس بحاول.. أحترم المساحة اللي اتفرضت بينا.
لفت مياسة وقالتله بعصبية: المساحة دي في خيالك يعني؟
شاورلها على صباعها وقال: لا في صباعك.. إنتِ مخطوبة لـ راجل تاني.
كتفت إيديها وهي بتنزل منها دموع باردة وبتبل شفايفها بـ لسانها وبتقول: أيوه وإنت مشجعني على قراري ده جداً، براڤو عليك أد إيه إنت راجل داعم للست اللي المفروض بتحبها.
عيسى باستنكار: اللي المفروض؟
بصتله بنظرة مناشدة إنه يقولها لكنه سكت. مسحت دموعها وهي بتقول بـ ضيق: كنت متوقعة ده منك.
جت عشان تدخل وهي متعصبة سحبها من دراعها لـ حضنه. حضنها جامد حتى إنه تجاهل ألم الطعنات بـ مقابل شعور حضنها.
ضمته من رقبتها ليها وهي بتعيط وبتقول: لو كنت نطقت بـ قد إيه محتاجني أفسخ خطوبتي ونرجع مكنتش رفضت.
غرز صوابعه في خصلات شعرها وقال: إنتِ سبب رئيسي من أسباب انتحاري.
بعدت عنه شوية وهي بتبصله باستنكار فـ قال وهو باصص لـ عيونها: ليه يا قمر رفضت تبقى جاري؟
***
- على طاولة الطعام.
استأذنوا الثلاثي من صبا ورفيف وسيليا وقاموا بعيد.
نوح قال بـ نظرات غريبة: أنا خلاص أخدت اللي عايزة منهم، كفاية تعليف فيهم لغاية كدا.
عزيز بنفس النشوة: هدخل معاك، أنا ليا حق زيك تمام.
أمير كان مكتف إيديه قال بـ برود: هندخل إحنا التلاتة نخلص، بلاش عيسى عشان لسه تعبان.
نوح بـ هدوء: متقلقش.. الأوضة اللي هما فيها عازلة للصوت، الموضوع مش هياخد وقت.
- في الغرفة المحتجز بها الشخصين.
أحدهم بـ زعيق وهستيريا: خرجوني من هنا.
بدأت عروق وشه تبان وهو بيرتجف وبيكرر: خرجوني من هنا، مش هموت الموتة دي، مش هموت على إيد سلاشر.
الثاني بـ تعب: إنت بدأت تهلوس.. وطي صوتك.
برق الثاني بهستيريا وهو بيسحب الأغلال بيحاول يفك نفسه لكنه فشل فـ عيط بـ صوت عالي وقال: ده فخ من الرايق، فخ من سفراء العبث، نؤذي عيسى عشان ينتقموا مننا كدا.
الثاني وكأنه مستسلم للموت قال: العقرب قبل ما تفكر تلمسه هيكون لدغك ومخلص عليك، ده چوكر المافيا لو مش عارف.
صوت خطوات بيقرب من باب الأوضة.
بدأ يصرخ بـ صوت أعلى: لااا، لا خرجوني، خرجوني مش هموت متقطع على إيد سلاشر.
الثاني: بتهلوس..
فاقد السيطرة على أعصابه: خرجونييي
الثاني: Hallucination.. إنت بتهلوووس.
الصوت قرب لغاية ما مقبض الباب اتحرك، وهنا سكتوا خالص وهما بيبصوا بـ ترقب.
***
- الحديقة الملحقة بالمنزل.
مسك عيسى وشها بين إيديه وقال بـ ألم: هبقى أناني لو خليتك تفسخي خطوبتك عشان أنيمك في حضني لفترة بسيطة، وبعدها أسيبك مضطر.
عيطت وهي بتحرك راسها يمين وشمال وقالت: لا، متقولش كدا.
عيسى بـ تعب: بس عايزك تعرفي إني لأخر نفس فيا، بحبك.. محبيتش حد قدك.
قرب منها وهي بتراقب بعينيها قربه، غمضت عينيها عشان تحس بأنفاسه الدافية في البرد ده، وريحته الحلوة.
و..
***
- الغرفة المحتجز بها الشخصين.
قرب نوح من واحد من الأرانب وقال له في ودنه: شغل موسيقى بـ صوت عالي، ولو حد من المدامات سأل علينا قولهُم بيخلصوا شغل وجايين.
حرك الأرنب راسه بـ طاعة، وطلع عشان يشغل الأغاني بـ صوت عالي..
"عبدو ياللي كان مغروم، قرر عن الحب يصوم.
نِسوان الحي مصمودين ببيوت رجالها مخمورين
شوفي يا جارة شوفي مين
إجا يغني هالمسكين"
الأغنية بتقول بـ صوت عالي في أرجاء المنزل، يتبعها صوت خطواتهم وهما بيدخلوا الغرفة دي.. وبيقفلو الباب وراهم.
رواية العبث الاخير الفصل الثامن عشر 18 - بقلم روزان مصطفى
رواية العبث الاخير الفصل الثامن عشر 18 - بقلم روزان مصطفى
•عنوان الفصل/ نِظام مُختل.
" الإختلال مُعبق في كُل شيء حولهُم، تمدد مِن عقولهُم إلى أنظِمتهُم.. الجنون إعتيادي ولم يعُد إرتيابي
حتى الرِقة الأنثوية التي يكتنزها نِسائُهُم تحولت لـِ مخالِب قِطة تستعِد للإنقضاض.. كأنها تملُك إستشعارات للخطر
أرضهُم جافة.. وحتى الأن لم يهطُل المطر! " _بقلميي.
المكان: منزل أعلى تل مُرتفِع.
تحديدًا: الحديقة المُلحقة بالمنزِل.
سحبها عيسى مِن خصرها ناحيتُه أكتر، كانِت بتترعِش من البرد والتوتُر.
نقلت نظراتها عليه وهو نظرُه كان ثابِت على شيء واحِد بس، شفايفها!
قرب بـِ شفايفُه ليها .. مياسة حست إن أعصابها إرتخت تمامًا بين إيديه.. زاد مِن جنونُه، ولهفتُه ليها.
بعد عنها شوية لكِنُه سند مناخيرُه على مناخيرها وهو بياخُد نفسُه، وهي كذلِك!
إضطر يبعد عنها بمسافة وهو بيتأمل ملامِحها، كانت متضايقة إنُه بعد، في حُضنه هو بالذات بتحِِس إنها في أمان، وبينسيها ألم تجربتها الأولى القاسية.. وبينسيها قسوة أهلها والدُنيا عليها.
صمت غريب حال بينهُم، قبل ما ينطق عيسى ويقول: كُل ما بشوفك بعد إنفصالنا ببقى نفسي أعمل كِدا، ولإني هخسرك للأبد بجوازك وبـِ مُستقبلي المجهول، مترددتش!
إتملت عينيها بالدموع وطرف مناخيرها إحمر مِن البرد، وريحة أنفاسُه الحلوة وبرفانُه لسه في بوقها!
بلعت ريقها وقالت بـِ صوتها المُرتجِف: لما بنرجع، وبنكون سوا.. عقلك بيهرب منك، بيكون دايمًا مع أمل.. دا شيء مبقدرش أتحملُه! مبقدرش أحِس إني مُجرد بديل يعوض غيابها، خصوصًا إني حبيتك.
رفع عيسى عينيه وبص ليها كإنُه كان مستني يسمع الكلمة دي.
وقالها بـِ همس: متقوليش الكلمة دي تاني بـِ صوتك دا، هاين عليا أخدك بيتنا دلوقتي مخرجكيش مِن حُضني أبدًا، بس بُعدي عنك مِن دلوقتي أهون يا ماسة.
نزلت دموعها غصب عنها ولسه هتنطق، قربت مِنهُم سيليا وهي عاقدة حاجبيها وبتقول: مشوفتوش عزيز؟ إختفى هو ونوح وأمير مرة واحدة.
سند عيسى على العُكاز عشان الجرح بدأ يألمُه وقال بإستغراب: يعني إختفوا؟ هشوفهُم بنفسي.
دخل عيسى لجوة ووقفت مياسة تمسح تحت عينيها بطرف صوابعها عشان الميك اب، بصت ليها سيليا وقالت بقلق: بتعيطي؟ مالِك يا مياسة!
كإنها كانت مستنية حد يسألها، إترمت في حُضن سيليا وبدأت تعيط بإنهيار وهي بتقول: مش قادرة، مش هقدر أتجوز حد غيرُه أنا بحبُه أوي والله.
طبطبت سيليا على ظهرها بحنان وهي بتقول: طب وتتجوزي غيرُه ليه يا بنت الناس ماهو قُدامك ما ترجعوا عشان بنتكُم حتى!
إتشحتفت مياسة وردت: هو مش راضي، بيقول بُعادنا من دلوقتي هيكون اسهل عليا عشان لو جرالُه حاجة..
قاطعتها سيليا وقالِت بضيق: فال الله ولا فالكُم يا ساتر يارب.
ربتت على كِتف مياسة وهي بتقول: تعالي ندخُل جوة من البرد، عشان نشوف الباقي راحوا فين.
______________________________________
المكان: منزل مُتطرف على جانِب أحد الطُرق.
تحديدًا: الأريكة.
كانت ممددة مروة وغصب عنها مش عارفة تتحرك، جت الست جابت خيوط الكروشية وقعدت على كُرسيها وهي بتدندن بـِ لحن قديم وفي حلة ضغط على النار بتطلع صوت صفي،، مروة كانت بتترعش وهي شايفة الشارع من الشباك الكبير والبرد بياكُل كُل إنش فيه، وبيتسرب لـِ جسمها الضعيف!
بصت مروة للست الغريبة دي وقالت بتعب: ساعديني أروح للحمام، أنا خلاص مبقتش قادرة.
الست بغرابة: يابنتي أنا صحتي على قدي، يعني يرضيكِ أفضل قايمة جاية عليكِ بخدمك، إحنا لازم نعرف عيلتك فين عشان نرجعك ليهُم.
مروة بلهفة: ياريت! أنا عارفة عنواني ركبيني تاكسي وديني بس.. أرجوكِ!
إبتسمت الست وقامت من مكانها بهدوء، راحت ناحية أوضتها، غابت رُبع ساعة وطلعت لابسة عباية فوقها مِعطف إسود وطرحة سودا، سحبت الشمسية بتاعتها وهي بتقول لـ مروة بهدوء: هكلع على أول الشارع اشوفلك تاكسي، أهلك أولى بيكِ يابنتي.
حركت مروة راسها لـِ فوق وتحت بمعنى عندك حق ووشها عليه لهفة وحماس، كانت رابطة شعرها ب، توكة لماه بعشواىية، ولابسة جلابية مزخرفة لونها نبيتي عليها نقوشات سودا صغيرة..
خرجت الست مِن البيت ومروة قاعدة على الكنبة بتأهُب.
فات نُص ساعة والست مرجعتش، شوية لقت باب البيت بيتفتح، دخل مِنُه أربع رجالة لابسين إسود وماسكات أرانِب!
برقت وهي بتسند على إيديها بتحاول تنزل من على الكنبة، قربوا منها بسُرعة وشالوها قبل ما تفلت منهُم
كانت بتترعش من الخضة والبرد وهي مش مستوعبة وصلولها منين، وصوت حلة الضغط بيرتفع.
مروة وهي بين إيديهُم: نزلوني، يا إما تقتلوني أنا تعبت.
واحِد مِن الأرانِب: عندنا أوامِر مِن نوح باشا نرجعك ليه حية.
خرجوا من البيت وهي معاهُم، لقت الست واقعة على وشها على الأرض متعرفش قتلوها ولا عملوا فيها إيه، لما شافتها صرخت بأعلى صوتها بهستيرية، وهي مُدرِكة إن نهايتها على إيد نوح ولا مفر مِنُه.
________________________________________
المكان: منزل عزيز وچايدا.
كانت چايدا واقفة في المطبخ بتعمل الأكل لإبنها وعمة عزيز، دخلت عمة عزيز عليها المطبخ وهي بتبُصلها بـِ قرف وبتقول: هو معندكيش لبس غير العريان دا حتى في عِز البرد؟
قفلت چايدا غطا الحلة وهي بتبُصلها وقالت بهدوء: البيت دافي مشغلين الحطب في الدفاية، وعشان أخُد راحتي وأنا بطبُخ.
عمة عزيز بنفس القرف: وإبنك اللي معاكِ في البيت مش بيكبر وميصحش يشوف مامتُه كدا؟ معرفش إبن أخويا بيمد إيدُه في المُستنقع ويسحب النفايات مِنُه ليه.
چايدا بعصبية: أنا نُفايات!! طب هتفهم تقولي على سيليا كِدا عشان أهلها قتلوا أخوكِ، إنما أنا وأمي اللي راعينا عزيز وفضلنا في ضهره عشان حضرتك مكونتيش موجودة تراعيه!
عمة عزيز بصوت عالي: ياريتُه ما أخدك! تلاقيكِ أغريتيه بـِ لبسك وقرفك.
چايدا وشها إحمر من الغضب مبقتش عارفة ترُد تقول إيه، سابتلها المطبخ وخرجت منُه وعمة عزيز عمالة تسِب وتلعن فيها وفـ سيليا، راجعة تنتقم من الكُل وتخرب حياة عزيز اللي قِدر يحُط إيدُه في إيد أعداؤه ويناسِبهُم.
خرجت مِن المطبخ لقت إبن چايدا واقِف قُدامها.. مكشر، ماسِك كِتابُه بإيد والأيباد بالإيد التانية، لابِس تيشيرت كُحلي مخطط بـِ بُني
عمة عزيز بعصبية: بتبُصلي كدا ليه يا ولد؟
يزن بجدية وحزم: إنتِ هِنا ضيفة ومينفعش تغلطي في أمي، دا بيتها تلبس اللي يريحها وأنا مببصش على ماما خالص أنا مركز في دراستي.
عمة عزيز بسُخرية: ونعم التربية واقف تتصنت على كلامي معاها.
يزن بنفس الجدية والبرود: أنا متصنتش إنتوا اللي صوتكم عالي، متضايقيش ماما تاني عشان متصلش بـِ بابا وأقوله.
برقت هي وبدأت تزعق وقالت: مبقاش إلا العيال كمان اللي يهددوني، قطم رقبتك.
وقفت چايدا ورا إبنها وقالت بعصبية: إن شاء الله رقبتك إنتِ اللي تتقطم بعد الشر على إبني.
باست چايدا راس إبنها وقالِت: روح أوضتك يا حبيبي، أنا هجيلك كمان شوية وهتصل على بابا متقلقش.
لكِن يزن كان لسه واقِف وبيبُص لعمة أبوه ببنفس النظرة الثابتة.
طبطبت چايدا على دراعُه وهي بتقول: متخافش يا ماما أنا جاية، يلا يا حبيبي روح أوضتك.
طلع يزن على أوضته مقرر يتصل بـِ أبوه، أول ما طلع قالت عمة عزيز لچايدا: بتقوليلي أنا قطم رقبتي؟ حتى العاهِرات بقى ليهُم لسان.
چايدا مقدرتش تتحمل ومراعتش فرق السن ورفعت إيديها ضربت عمة عزيز بالقلم.
كبرياء عمتُه قتلها ورفعت إيديها وبكُل قوتها وصحتها خبطت چايدا على وشها وقعتها على الأرض، راسها إتخبطت في العمود بتاع البيت!
يزن كان بيتصل بأبوه وبيديلُه غير مُتاح، لما سمع حاجة بتتهبد على الأرض رمى الفون على السرير وخرج جري يشوف في إيه، لقى عمة ابوه واقفة مبرقة وفاتحة بوقها بصدمة، بص على الأرض لقى امه واقعة وراسها بينزل مِنُه دم كتير أوي.
جري على أمه بيعيط بهستيريا ووشه أحمر وهو بيقول بإنهيار: ماما، لا يا ماما متسبنيش.. ماما إصحي، قتلتيها! ماماا ماماااا.
جريت عمة عزيز على برا وسابت يزن بيحال يفوق أمه، مقدرش يستنى جري على فون البيت وإتصل على رقم الإسعاف لإنه كان بيحفظه في الدروس هو ورقم الشرطة، ردوا عليه قالهم بعياط إن مامته بتنزف وشرحلهم العنوان.
________________________________________
المكان: منزل أعلى تل مُرتفِع.
تحديدًا: غُرفة جانبية مُحتجز بِها الشخصين.
إتعدل نوح وهو سامِع صوت الألم اللي خارِج منهُم، قميصُه الأبيض إتحول لأحمر من دمهُم.. قطع رجل وإيد من كل واحد فيهم، وكإنه جراح فاهِم بيقطع فين عشان يموتوا بالبطيء مِش موت فوري.
أمير كان واقِف ساكِت كـ عادتِه، وسكوته وراه كوارِث، وعزيز بدأ يضحك بهستيريا وهو شايفهُم بيصوتوا من الألم والرُعب!
نوح وهو بيمسح العرق من على وشه بإيده اللي متغرقة دم فـ وشه بقى عليه دم قال: المايسترو، تعرفوا عنه شيء.. شيء يخص الأمانة اللي مع عيسى.. الشيء اللي تعرفوه مفتاحه مع عيسى، أنا عاوز اللي معاكُم.
اللي كانت جاتلُه حالة هستيرية قال بأنفاس مُتقطِعة: مِش من حقك، ولا من حق صاحبك.. المايسترو قريبنا وإحنا الأحق.
نوح بجنونُه المُعتاد: تؤ! حتى لو حقك هتعمل بيه إيه وإنت ميت؟ إحنا أولى، إنت قُظامك حوالي تِلت ساعة ودم جسمك يتصفى كُله وتموت بجفاف شديد في عروقك من الدم ونفاذ الدم من كل شرايين جسمك.. فـ الأفضل تقول.
الراجل كإنه إستسلم للموت وإكتسب شجاعة فـ قال: طالما كدا كدا هموت.. مش هقولك ومش هوصلك للي إنت عايزُه.
مسح نوح بوقه بـِ معصم إيدُه، فـ بوقه بقى عليه دم، ولف جسمُه ليهُم وهو مُبتسِم بـِ شر.
عزيز حرك رقبتُه يمين وشمال وهو مُنتظِر رد فعل نوح
وبدون سابِق إنذار نوح لف بالساطور طير رقبتهُم، فصل راسهُم عن جسمهُم.. وقعت الرووس تحت رجليهُم ونافورة دم خرجت من الرقبة المقطوعة.
إتنطر دم على عزيز وأمير وعلى هدومهُم.. وفجأة إتفتح الباب بتاع الأوضة.
نوح كان بياخُد نفسُه وهو بيبُص مِن اللي داخِل، لقى عيسى واقِف قُدامهُم.
دخل الأوضة ببرود وهو باصِص على الجُثث اللي بيخرُج منها الدم وهو مكشر، ساب عُكازُه عند الباب وهو واقِف بـِ ألم وبيقول: مين طلب مِنكُم تقتلوهم؟ وبدون علمي؟
فك نوح بقية أزرار قميصُه وهو بياخُد نفسُه بالعافية وبيقول: دول عجلين كدا، حلاوة رجوعك لينا بالسلامة.
عيسى رفع حاجِب وقال بعصبية: مين طلب مِنكُم تقتلوهُم!!! ما لو عاوز كُنت قتلتهُم بإيدي!
زعق نوح لأول مرة بهستيريا وقال: بناخُد حقك ودا مش هنرجعلك فيه، إنت روحت برجليك عشان تنتحر وسطهُم ولما ربنا نجاك حلفنا إحنا الثلاثة نرجعلك حقك منهُم.
زعق عيسى بنبرة أعلى وقال: وأنا مش عويل ولا ناقص إيد ولا رجل!
بص نوح للجُثتين لما عيسى قال كدا وقال: لامؤاخذة، منقصُدش نتنمر.
رجع بص لعيسى وقال: ملهومش عازة، كلبين وراحوا.
إبتسم عيسى إبتسامة غريبة وبين أسنانُه فيها وقال: لا ليهُم، بالنسبة ليا ليهُم عازة.
هرش نوح في مُقدِمة مناخيرُه وهو بيقول: ممم، ما تجيلي على السِكة الفاضية وتقول، إنت عاوز الحاجة اللي معاهُم عشان تكمل على اللي معاك وتوصل للي المايسترو سايبهولك.
مردش عليه عيسى، قرب مِنهِم عزيز وهو بيقول بِصوت غليظ: طالما قررتوا نعيش مع بعض لأخِر دقيقة لينا في الدُنيا يبقى مش حِلو جو الأسرار دا.
عيسى بعصبية: أنا مقررتش حاجة! أنا صحيت من الغيبوبة لقيت هوباوهيصة واخد مراتي وبنتي ومقعدهُم في بيتُه وخلاص دا أمر واقِع!
ضحِك نوح بسُخرية وقال: مراتك؟ ولما هي مراتك والكلام دا كُله سايبها ليه مع حصالة الخنزير اللي هي مخطوبالُه دا!
زق عيسى نوح مِن أكتافُه وهو بيقول بـِ ليڤل غضب أعلى: برا عنك! لما خدت مراتك بالهيليكوبتر من فوق المستشفى وهي حامل وغدرتنا وخونتنا محدش إتدخل! فـ ملكش دعوة بـِ أم بنتي تاني عشان مزعلكش، السلسلة معاها أه بس فاضية، اللي جوة السلسلة رجعلي من تاني ويخُصني أنا بس، ولا فاكرني أهبل وفرحان باللمة؟
رجع نوح شعرُه لـِ ورا ولزق فيه الدم برضو وقال وهو بيتنهد: زي الفُل، طالما الكلام على المكشوف خليني أساعدك، الحوار مش بونبوناية مقشرة زي ما إنت مُتخيل، نشرِك الإتنين الغلابة دول معانا فيه، زي ما أنا قولت يا هنتسجن يا هنموت فـ نسيب لمراتاتنا كُل اللي هنلاقيه، دورها في دماغك وكدا كدا تمامنا بقى مكشوف قُصاد بعض، حلو الكلام؟
عيسى بـِ ذكاء: أمييين، يعجبني قلبك الرُهيف يا رايق، طالما هنعمل دا لحريمنا والعيال، يبقى الحريم يطلعوا معانا الطلعة دي.
أمير قرب منهُم وهدومه غرقانة دم وقال: معلش على قطع كلامكُم يعني بس ريحة نتانة الجُثث طلعت، ما نطلع ناخُد شاور ونغير وبعدين نتناقِش.
نوح بص لأمير وسكِت، رجِع بص لـِ عيسى وقال: حريم مين اللي ناخدهُم معانا في الطلعة دي؟ دول كائِنات رقيقة تحب الدلع والمناغشة مِش المرمطة!
عيسى مسك السلسلة وحط الحديدة في بوقه يضغط بيها على أسنانُه عشان يخف عصبية، بعدها سابها من بين أسنانُه وقال ببرود: دا اللي عندي، لا إلا ملكش عندي حاجة.
كور نوح إيديه وخبط الحيطة بغيظ وقال من بين أسنانُه: ماشي يا عقرب، مااشي بس لوحصل لواحدة فيهُم حاجة هتبقى في رقبتك، كُل واحد يقعُد مع مراته ويرسيها، وكُل واحِد يحمي مراتُه بمعرفتُه.
أمير فكر بصوت عالي وقال: هو لازم صِبا معانا؟ أصلها مبتستُرش!
عزيز قال وهو بيفوقهُم: يلا نِطلع مِن هِنا، خلي رجالتك يخلصوا مِنهُم يا رايق.
خرجوا مِن الأوضة فـ قال نوح لواحِد مِن الأرانِب: إدخلوا نظفوا وعقموا المكان وإرموهُم في أي داهية.
الأرنب بـِ طاعة: أمرك يا باشا.
وصلوا عند المخرج مِن الممر دا لقوا قُدامهُم الأربع أرانُب شايلين مروة، كانت دايخة وبتعيط.. بمُجرد ما شافت الأربعة عليهُم دم وكإنهُم وحوش، صرخُت بـِ أعلى صوت عندها!
_________________________________________
المكان: جناح رفيف.
كانت بترضع إبنها، لما سمعت صوت الصويت شالتُه على كتفها بتطبطب على ضهرُه بحنية وهي بتقول: يا ستار إيه الصوت دا!
مياسة كانت قاعدة على الكُرسي بتاع التسريحة وحاطة أطراف صوابعها على شفايفها بتفتكر بوسة عيسى ليها وأد إيه كانت رقيقة مُفعمة بالحُب والرغبة.
عدلت رفيف هدومها وهي بتقول بخضة: سمعتي الصوت دا يا مياسة؟
فاقت مياسة مِن شرودها وقالت: ها؟ صوت إيه؟
حطت رفيف إبنها على السرير بالراحة وهي بتغطيه وقالِت: في صوت بنت بتصوت.
وقفت مياسة بخضة وقالِت: لا يكون صِبا ولا سيليا جرالهُم حاجة!
رفيف بخضة: يالهوي طب شوفيهم أرجوكِ مِش عارفة أتحرك مِن الولاد.
خرجت مياسة مِن الجناح لقت إتنين مِن الأرانِب واقفين عند الباب اللي بيخرجها للصالة الرئيسية.
مياسة بضيق: وسعوا عايزة أطلع.
الأرنب وهو باصِص للأرض: أسِف والله نوح باشا مانِع حضرتك ورفيف هانُم تخرجوا مِن الجِناح دلوقتي.
مياسة كانت أعصابها بايظة مِن اللي حصل لها مع عيسى فـ قالِت بدون ما تجادِل: طب متعرفش إيه الصوت دا؟
الأرنب بنفس الهدوء: معنديش فكرة يا هانِم.
رجعت مياسة للجناح، دخلتُه لقت رفيف لابسة فُستان أوف وايت شتوي تقيل، وسايبة شعرها وحاطة روچ نبيتي.
رفيف بقلق: مروحتيش ليه؟ أنا لبِست عشان لو حد جِه الجناح فجأة ميلاقينيش بالروب بتاع الحمام.
مياسة بـِ شرود وإبتسامة خفيفة: معرفتش أطلع الحرس بيقولوا نوح مانعنا.
رفيف بـِ رقة: الله! إنتِ جرالك إيه تايهة كدا، هطلع أنا خلي بالِك مِن الولاد.
طلعت رفيف لقت الأرانِب في وشها، إتنهدت وقالت بتعب وهدوء: وسعولي من فضلكُم.
الحرس بنفس الهدوء: تعليمات نوح باشا بتقول..
قاطعتُه رفيف بنفاذ صبر وقالِت: إنت لو مفتحتليش دلوقتي هوديك في مصيبة وأقول إنك لمستني، لكِن لو فتحتني هخلي نوح ميعملكش حاجة، وإنت مجربتش كيد النساء.
بص الحارِس لـِ زميلُه وبعدها فتحوا الباب من غير كلام، طلعت رفيف جري وبصت حواليها لقت الوضع هادي كإن محصلش حاجة.
إتحركت ناحية جناح نوح ودخلت، سمعت صوت الدوش فـ قعدت على طرف السرير وهي بتعدل خُصلات شعرها الطويلة وبتبعدها عن وشها.
شوية وخرج نوح لابِس روب الحمام الإسود بتاعُه وبينشف شعرُه بـِ فوطة صغيرة.
لقى رفيف قُدامُه قاعدة على طرف السرير، أول ما شافتُه قامت وكتفت إيديها قُدام صدرها وهي بتقول بهدوء: مُمكِن أعرف إنت سيبت الأكل وخدتهُم روحتوا فين؟ وإيه صوت الصويت اللي أنا سمعتُه دا.
نوح بصلها بإستغراب وقال: شُغل المدامات بدأ وتحقيق وبتاع؟
سابها وكان رايح يلبس فـ مسكِت دراعُه تلفُه ليها وهي بتقول بعصبية: مدامات لا عيب، أنا أم ولادك أنا مش أجيرة جايبها تكملك النسل وخلاص، في إيه اللي بيجرى.
ضحك نوح ضحكة قصيرة من غير صوت، رمى الفوطة اللي كان بينشف بيها شعرُه على السرير وسحب رفيف مِن إيديها الإتنين مسكهُم بإيد واحدة، والإيد التانية مشاها على شعرها وهو بيقول: مبتعرفيش تمثلي إنك قادرة، ودا اللي بحبه فيكِ، الستات المسترجلة اللي شبه معلمين القهاوي بحتقرهم، بحب الست تعيش وتحس بأنوثتها وتفرضها على راجلها، تعلق مخه بيها، متخرُجيش مِن طور الفراشة عشان تبقي حية، أنا بحبك عشان كدا.
بعدت رفيف عنه وهي بتقول بضيق: والله ما في تور غيرك.
رفع نوح حواجبه وهو بيبُصلها بـِ صدمة، ثانيتن صمت قبل ما يقول: أوف، وجعتني دي.
شالها مِن خصرها وقعها على السرير وبص عليها من فوق وهو بيفُك الروب.
سندت رفيف على أكواعها (الكوع) وهي بتبُصله بـِ خوف وبتقول: أقسم بالله يا نوح لو عملت زي المرة اللي فاتت ما هسامحك، أنا أصلًا مسامحتكش على اللي فاتت.
نوح ببرود: مش أنا تور؟
رفيف الخوف عندها زاد فـ قالت بنبرة رُعب: نوح لو سمحت.
آبتسم وهو بيلبس الروب تاني ومد كف إيدُه ليها عشان يساعدها تتعدل، بصت لـِ كف إيدُه فـ إبتسم ليها بهدوء وقال: متخافيش، هاتي إيدك.
حطت إيديها في إيديه فـ عدلها وهو بيرجع شعرها المُتناثِر لـِ ورا وبيبُص ليها بـِ حُب ورغبة، قال: كُنتِ جاية جناحي ليه؟
رفيف بهدوء: سمعت صوت صويت بنت فـ إتخضيت، مُمكِن أعرف في إيه؟
نوح ببرود: لا مِش مُمكِن يا حبيبتي، أنا بشوف شُغلي متشغليش بالِك ومتخافيش لو سمعتي صوت قُنبلة متقلقيش طالما إنتِ في بيتنا إنتِ وولادنا.
رفيف بأعصاب تالفة: ياريتك تعمل حساب لـِ دا! وتبعد شُغلك الغريب المُقرف دا عن المكان اللي أنا وعيالي فيه!
نوح وهو بيلبس قُدامها: متقلقيش هو بعيد بالفعل، ميبقاش قلبك خفيف أوي كِدا، وجهزي نفسِك عشان هنروح بُكرة نتشوق ونشتري شوية حاجات.
رفيف بإستغراب: نتسوق؟ اللي هو مين إحنا؟
نوح بجدية: كُلنا! إحنا الـ 8.
_______________________________________
-غُرفة أمير وصِبا.
محمد إبنهُم كان نايم وهي ماسكة طبق فاكهة عمالة تاكُل فيه، قعد أمير على طرف السرير وهو بيلبس الشوز بتاعتُه فـ قالِت صِبا: إنت خدت شاور؟
أمير وهو مديها ظهرُه: أه كُنتِ نايمة حاولت معملش صوت وإزعاج.
بلعت رفيف اللي في بوقها وقالت: أه بنام كتير حتى في العشا كُنت بنام على نفسي، وبجوع أكتر مع إن في حملي في محمد كُنت عصفورة وأكلتي ضعيفة.
أمير بسُخرية: أه طبعًا أومال.
صِبا بتريقة: ننيننيني، بدل ما تتريق قولي تبلبس ورايح فين؟
أمير بغموض: رايح القصر بتاعنا هجيب شوية حاجات ليا نقصاني.
صِبا وهي بتقوم مِن السرير: بِجد؟ طب إستنى أجي معاك اصل فيه كام غيار عايزة أجيبهُم عشان..
قاطعها أمير وهو بيمسكها من دراعها بالراحة وبيقول: إستني هنا غيار إيه؟ تبقي تجيبيهُم يوم تاني أنا مش هتأخر.
إستغربت صِبا وقالت: طالما كدا كدا رايح يبقى يوم تاني ليه ومشاوير فاضية؟ ما أجي معاك.
طبطب أمير على كتفها وهو بيقول: خليكِ عشان لو محمد صحي وبعدين الحركة كتير غلط عليكِ، يلا سلام.
خرج أمير وصِبا بتفكر هتخرُج وراه إزاي لإن وضعُه مِش مُريح.
_______________________________________
-غُرفة عزيز وسيليا.
ناولت سيليا الفوطة لعزيز من ورا باب الحمام، بعدين راحت ناحية الكومود عشان عزيز طلع من عند الغُرف المُتطرفة فـ بقى في شبكة، جِه إشعارات ورسايل كتير فـمسكت الفون وهي بتقول: حبيبي فونك جايله مسدچات كتير.
بصت لقت يزن إبن چايدا متصل كتير عزيز مسجله يزن وجنبه قلب.
خرج عزيز وهو لابِس الروب بتاعه وبيقول: مين يعني اللي بيتصل؟
عقدت سيليا حاجبيها وقالت: غريبة دا يزن متصل كتير أوي؟
سحب مِنها عزيز الفون بـِ لهفة وقال: يبقى أكيد في حاجة.
إتصل على فون يزن بسُرعة، رد يزن مِن الرنة الثالثة وهو بيقول: أيوة يا بابا أنا كلمت حضرتك كتير، أنا مع ماما في المُستشفى.
برق عزيز وقال بخضة: يا نهار إسود!! مُستشفى ليه!
سيليا إتحضت وقالت: في إيه يا عزيز؟
عزيز شاورلها على الدولاب تطلعلُه لبس بسُرعة فـ طلعتلُه وعزيز مخضوض وقال: قولهم يدخلوها بسُرعة يلحقوها وأنا جاي في السكة.
يزن بعياط: دخلوها يا بابا أنا خدت من الفلوس اللي حضرتك سايبها لماما في دُرج الكومود.
عزيز بإمتنان: براڤو عليك إبن أبوك بصحيح، جاي في الطريق متخافش يا بابا، إسم المُستشفى إيه؟
لبس بسُرعة بعد ما عرف إسم المُستشفى من يزن، سيليا سألتُه بقلق: وقعت قلبي حصل إيه؟؟
عزيز بلهفة: چايدا إتخبطت في راسها نزفت كتير وفقدت الوعي ويزن لوحدُه معاها في المُستشفى.
سحبت سيليا البوت بتاعها فـ قال عزيز بتبريقة: إنتِ بتعملي إيه؟
سيليا بجدية وحزم: جاية معاك أتطمن عليها وأواسي الولد اللي لوحده! مهما إن كان دي أم وست زيي!
خرجوا سوا جري وركبوا العربية وإتحركوا بيها بسُرعة وسط دهشة الحرس، لأن أمير خرج، بعدُه برُبع ساعة صِبا! ودلوقتي عزيز وسيليا ومفيش أوامِر مِن نوح إنهُم يمنعوهُم مِن الخروج!
______________________________________
المكان: قصر أمير الدهبي.
تحديدًا: ممر الغُرف العلوية.
كان في صوت خطوات شخص بيمشي في الضلمة، عارِف طريقُه كويس، حد مِن الخدم موالِف معاه وبيعرفُه أمير وصِبا موجودين ولا برا عشتن يفتش وياخُد راحتُه.
وصل عند أوضة شجن هانِم.. حط إيدُه على المِقبض عاوز يفتح الباب.
كان لابِس هودي إسود وحاطط الطاقية بتاعتُه على راسُه.
وقبل ما يفتح الباب كانت إيد أمير عليه، إتخض الشخص وشهق، وأمير مُبتسِم في الضلمة وهو بيقول: بتدوري على إيه؟ ورق يديني؟ فاكرة إني بسيب سري مع أمي؟ قتلتيها ليه!
كان الشخص بيترعش ومش عارف يرُد.
وبدون سابِق إنذار.
دفع أمير الشخص دا من فوق السلم، صوت تألُم أنثوي.
لغاية ما جسم الشخص دا إستقر على الأرض، بيتلوى ويتألِم مِن قسوة الوقعة.
قرب أمير مِنُه وهو بيرفع الكاب من على وشُه.
وقال بإحتقار وقرف: وقعتي في المصيدة أخيرًا، أمرتي حد من خدمي يحُط السِم لأمي ليه؟ وجاية بتدوري في أوضتها ليه؟
نطقت هي وقالِت بألم: صدق اللي قال أكثر أعداءك أقربائك، إنت لو كُنت راجِل مكونتش سمحت لصاحبك يستغلني وواقف تتفرج لغاية ما إتجننت!
صِبا كانت واقفة ورا العمود في الضلمة وقالت بصدمة: نانسي!!! نانسي هي اللي قتلت شجن هانِم!!!
أمير وهو بيخبطها برجلُه في بطنها قال: يعني إتعالجتي بفلوسي وراجعة تنتقمي مني في أمي وفي بيتي.
حاوط رقبتها بـِ كف إيدُه يخنُقها وهي مبرقة بتبُصلُه وقال من بين أسنانُه: حلفت لا ارتاح ولا أبقى طبيعي غير لما أخُد حق أمي.
جريت عليه صِبا بتحاول تبعدُه وهي بتصوت وتقول: أمير سيبها، إيه ضمنك إنها هي اللي حطت السِم لمامتك.
أمير وهو لسه بيخنُق نانسي: إنتِ إيه اللي جابك ورايا!
صِبا برُعب: هتموتهاا، هتموت بنت عمك.
برق أمير وهو بيضغط على رقبتها وبيقول: هي مش أغلى من أمي.
صِبا بإنهيار: فوق بقى فوق وسيبها.
تِك..
صوت حاجة إتكسرت، مال راس نانسي على جنب وهي مبرقة وعينيها فقدت لمعة الحياة.
زحفت صِبا على رجليها لورا وهي بتقول بصدمة: قتلتها!!! كسرت رقبتها؟؟
أمير وقف على رجليه وقال ببرود: أخدت حق أمي.
رفعت صِبا عينيها وبصتلُه بصدمة
مد أمير إيدُه ليها وقال: هاتي إيدك أقومك.
صِبا بصويت هستيري وإنهيار: إبعد عنييي، إبعد بقيت أخاف منك ملكش غالي، إبعد.
ممممم
صوت تألُم.
بصت صِبا لـ نانسي لقتها زي ما هي مبرقة بس عينيها بتنزل دموع
ودراعها بتحاول تحركه.
صِبا بصدمة: دي عايشة! الحمدلله يارب الحمدلله، شيلها معايا يا أمير، فوق بقى وشيلها معايا.
أمير كان بيبُصلها بإحتقار، عينيه لمعت بدموع كتير، نزلت منه وحس إنُه خلاص مش قادر يتماسك أكتر.
وفجأة بدأ في العياط، قامت صِبا وهي باصة لنانسي اللي شكلها في عضمة في جسمها اتكسرت وقفتها عن الحركة وشلتها.
قربت لأمير وخدته في حضنها فجأة جسمه إتهز جامِد وبدأ يعيط زي الأطفال، وهو بيقول بشحتفة: أمي يا صِبا، أمي!
حضنته من رقبته جامد وهي بتبص لنانسي برُعب وبتقول بصوت مُرتجِف: هي في مكان أحسن، كُل شيء هيكون بخير.
هو إنهار تمامًا في حضنها وخرج كافة إنفعالاته اللي كان كاتمها من بعد وفاة والدته.
_____________________________________
المكان: منزل أعلى تل مُرتفِع.
تحديدًا: جناح رفيف.
كانت مياسة بتقلع الإكسسوارت بتاعتها وهي قاعدة على التسريحة، الأولاد ناموا ورفيف إتأخرت في جناح نوح.
وهي بتبُص في المراية لمحت حد واقُف عند البلكونة، شهقت ولفت بسُرعة ملقتش حد.
حطت إيديها على صدرها وهي بتغمض عينيها.
فتحت عينيها لقت أمل قُدانها ونص وشها عليه دم وبتقول بصوت رجولي: مياسة!
مياسة إتفزعت ووقعت من على الكُرسي وقامت تجري، جريت بتدور على اوضة عيسى فين عشان يخلصها من أمل اللي بتظهرلها كتير.
بينما رفيف راحت للجناح بتاعها ملقتش مياسة ولقت الأولاد نايمين ومحدش معاهُم فـ حمدت ربنا إنها رجعت.
مياسة سألت الحرس عيسى فين فـ قالولها على أوضته
جريت عليها وهي بتخبط وبتفتح الباب اتفتح معاها
دخلت مرعوبة كان لسه عيسى بيغير هدومه، لابس سويت بانتس من غير تيشيرت.
مياسة شافته كانت بتترعش وبتقول بكلام متقطع: الحقني، أءء أمل.. دم وشها كله إلحقني.
عيسى مسك وشها بين إيديه وهو بيقول بصوت مبحوح: مالِك إهدي.
مياسة رعشتها زادت من الرعب وقالت: بتجري ورايا الله يخربيت أبوها على بيتك.
ضحك عيسى من غير صوت وهو بيبُصلها فـ قالت بتبريقة: مش مصدقني، أنا..
عيسى وهو بيحضُنها وبيحط راسها عند قلبه: ششششش، أنا جنبك متخافيش.. مفيش حاجة تقدر تأذيكِ طول ما أنا جنبك!
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية العبث الاخير الفصل التاسع عشر 19 - بقلم روزان مصطفى
•عنوان الفصل/ لا تمِس جِراحي!
"جُرحي صنيع حديثك، لازالت دِماؤه دافِئة لم تنضب، لا تمِسهُ بيديك البارِدة.. إن كان لذراعيك شوق للمسي، ضُمني إلى صدرك.. موضع قلبك حتى يسترد قلبي عافيتهُ عِندما يستمِع إلى نبضاتك." _بِقلميي
المكان: منزِل أعلى تل مُرتفِع.
تحديدًا: غُرفة عيسى.
راسها عند قلبُه ومع كُل نبضة بتسمعها من قلبه بتخِف رعشتها، إيديه ضماها بـِ حنان بيهديها، حست إنها إستكانِت تمامًا فـ إتعدلت وهي بتبعد عنُه وبتخلي بينهُم مسافة بسيطة، رجعت شعرها ورا ودانها وهي بتبُصلُه بخجل وبتقول: اسفة مكونتش أعرف إنك بتلبس، بس مكونتش عارفة أجري على مين أشكيلُه.
بل عيسى شفايفُه بلسانُه وقال: بتشوفيها مِن إمتى؟
سرت قشعريرة في جسمها وقالت وهي بتتنهد: من فترة، شوفتها هي وست لابسة عباية سودا في شقتهُم الأول اللي حاليًا ماما عملاها مكان للفراخ، بعدين بدأت تلاحقني.. كإنها! كإنها عايزة تقولي حاجة، بس مُجرد الفِكرة بترعبني، يعني إيه أتكلم مع شبح بنت مقتولة، هي مكانتش صاحبتي فـ بخاف منها مش زيك يا عيسى.
رمش عيسى عينيه وقال بـِ شرود: السلسلة..
مياسة حركت راسها يمين وشمال وقالت: لا أنا شوفتها من قبل ما أخُد منك السلسلة.
عيسى بهدوء: دا طبيعي عشان في بيتهُم وفي غيرك شافوها هي ومامتها في البيت، بس السلسلة هي اللي بتوصلك بيها، السلسلة مُرتبطة بـِ أمل.
الغيرة نهشت قلبها وقالت وهي بتحاول تحرك شفايفها للكلام: إنت كُل شيء يخُصك محوره أمل، محور حياتك أمل.
خرجت مِن أوضته بتجري عشان ترجع لجناح رفيف وهي بتعيط ومش قادرة تتمالك أعصابها، وهي بتجري خبطت في نوح اللي أول ما كتفها لمس كِتفُه قال بسُرعة: الله الله الله، إيه هربانة من إيه كدا؟
وقفت مسحت دموعها وكتفت إيديها وهي مش بصاله بس واقفة عشان يجيب اللي عندُه وتخلص.
نوح بإسترسال للحديث: حد ضايقك مِن الحرس؟
مياسة ببرود: محدش بيضايقني غيرك.
سابتُه وجريت على الجناح فـ بص هو لأوضة عيسى وسكت، محبش يبقى بيتدخل بينهُم أكتر.
_____________________________________
المكان: المشفى.
تحديدًا: مقاعِد الإنتظار.
كان بيجري عزيز ملهوف ووراه سيليا وهي قلقانة بالفعل على الولد اللي لوحدُه في وضع زي دا، وقف عزيز من بعيد بص بصة على كراسي الإنتظار لقى يزن قاعِد ماسِك شنطة مامتُه مش فاهِم ليه وبيعيط بصمت.
جري عليه وقعد جنبُه، أخدُه في حُضنه وهو بيبوس راسُه وبيقول: حقك عليا، ماما مالها يا حبيبي إيه اللي حصل؟
كانت سيليا بتبُصله بتوتُر فـ قال يزن والدموع بتنزل على وشه: كانت.. كانت بتعمل الأكل في المطبخ.. وطنط عمتك دخلت عليها ضايقتها، أنا مكونتش بتنصت والله بس.. بس صوتهُم كان عالي، ماما قالتلي متخافش روح أوضتك هكون كويسة.. لما روحت، سمعت حاجة بتوقع على الأرض، روحت لقيتها ماما.. وطنط هربت لما شافتها وشافت الدم.. فـ.. فـ إتصلت على رقم الإسعاف وقولتلهُم، وخدت من الفلوس اللي حضرتك سايبها في الدُرج حطيتها في شنطة ماما وركبت معاها، ومعرفش هي كويسة ولا لا محدش قال حاجة.
حضنُه عزيز جامِد وهو بيطبطب على راسُه وبيقول: إنت راجِل يا يزن، راجِل بجد.. أنا هقوم أتكلم مع الدكتور وأول ما ماما تبقى كويسة هناخُدها وناخدك معانا نعيش كُلنا سوا.
قام عزيز فـ قعدت سيليا مكانُه وهي بتحضُن يزن وبتقول: متخافش يا حبيبي، لو بابا مشي أنا هقعُد هنا وهتطمن على ماما لغاية ما تبقى بخير ونخرُج سوا.
يزن مكانش بيحب سيليا عشان إهتمام أبوه بيها أكتر مِن إهتمامُ بأمه، لكِن كـ طفل بيعرف يفرق بين معادِن الناس لسبب ما كان مِرتاح في حُضنها!
______________________________________
المكان: قصر الذهبي
تحديدًا: الباحة الرئيسية.
خرجت صِبا فونها مِن جيبها وهي بتتصل، بص ليها أمير بعد ما مسح وشه وتماسك فـ قال: بتعملي إيه؟
صِبا ببرود: طالما مِش عاوز تشيلها معايا عشان نوديها المُستشفى بتصِل بالأسعاف تيجي.
راح ناحيتها وسحب الفون من على ودانها، قفلُه وحطُه في جيبُه وهو بيقول بنفس برودها: لا هي هتروح مُستشفى ولا هيجيلها إسعاف، لغاية هِنا ودورك إنتهى.
صِبا بصدمة: يعني إيه دوري انتهى؟ هتسيبها تموت!
أمير بجمود: كلبة وراحِت، مِش هتبقى أغلى مِن أُمي.
برقت صِبا وقالِت: لا إنت مُستحيل تكون طبيعي! أمير مينفعش اللي بتعملُه دا دي من لحمك ودمك موتها مش هيريحك بالعكس هيخليك تكره نفسك أكتر!
أمير بعصبية: قولتلك ملكيش دعوة! إرجعي على بيت الرايق وخُدي بالِك مِن محمد وبس!
نانسي كانت بتعيط بس مش قادرة تتحرك، بصت عليها صِبا وبلعت ريقها، إتقدمت من أمير خطوتين وقالتلُه بتكشيرة: على الأقل عالجها هنا بطريقتك دا شيء مش بتغلبوا فيه سواء إنت ولا أصحابك، لا إلا أقسم بالله يا أمير ما أقعُد على ذمتك ثانية!
إبتسم أمير وقال ببرود: دا تهديد؟
كتفت صِبا إيديها بـِ ثقة وقالِت: سميه زي ما تسميه.
قرب مِنها، مسك خُصلة من شعرها بنعومة، ميل عليها وهمس في ودانها وقال: مع السلامة يا صِبا..
رجعت لورا خطوة وهي بتبُصلُه بصدمة زلزلتها مِن جواها، للدرجة دي هي مِش فارقة معاه؟ للدرجة دي إنتقامُه لأمه عاميه عن كُل شيء!
حركت راسها لفوق وتحت وقالت بنبرة خرجت منها بالعافية: تمام! إنت مِن طريق وأنا من طريق، حتى لو رفضت تطلقني مُستحيل أعاشرك بعد اللي إتقال دا.
جاية عشان تخرُج مِن القصر لقى حد بيمسك مِعصم إيدها.. بيوقفها.
إبتسمت من جواها وهي عارفة إنُه بيحبها وميهونش عليه يسيبها تمشي، بصت عليه لقتُه بيبُصلها زي كفل تايه وبيقول بصوت مخنوق: هحُطها في السرداب ومعاها مُمرضة تشوف مالها.
صِبا بهدوء: يا أمير مينفعش ممرضة دي مش مغمى عليها، دا في شيء في جسمها إتكسر وعلى إثرُه هي مِش عارفة تتحرك، الحل الوحيد إنك تكلم الرايق هِنا خطر ليث وجماعتُه رايحين جايين علينا.
أمير بعصبية مِن تاني: أنا مش عويل عشان أتصل بالرايق ييجي يتصرفلي! اللي أنا قولته هو اللي هيتعمل، أنا لو وافقت نقعد عندُه فـ دا عشان كلامُه دخل دماغي لو حصلنا حاجة تبقوا إنتوا زي عيلة سوا!
عضت صِبا أظافرها وقالِت: طب وليث؟
أمير وهو بيقرب ناحية نانسي عشان يسحبها: أعلى ما فـ خيلُه يركبُه.
شاورتلُه صِبا بسُرعة وهي بتقول: لا لا متحركهاش كدا خطر عليها.
أمير بـِ لا مُبالاة: وكأني بهتم؟
إتنهدت صِبا وسكتت، هي عرفاه كويس عنيد ووالدتُه كانت كُل شيء في حياتُه، لِذا إستنت يتصرف بالفعل ويتصل بـِ دكتور ييجي يشوف نانسي مالها.
_______________________________________
المكان: غُرفة مُتطرِفة.
مروة كانت بتترعش من البرد والخوف، مغص شديد في بطنها وصُداع بيقتل فيها..
الست ماتت بسببها! ورجعت تاني لنُقطة الصِفر، كإن مصيرها مُرتبِط بوجودها هنا في بيتُه ومفيش مفر للهروب مِنُه، قاطع تفكيرها فتح الباب فـ بصت للباب بسُرعة وهي بتنتفض مِن الخوف، دخل الرايق بهدوء وشاورلهُم يقفلوا الباب وراه.
أول ما إتقفل الباب ميل راسُه على جنب وإبتسم بإستفزاز وهو بيقول: العصفور رجِع لـِ عِشُه، اللي هيتقتل فيه.
صوتت مروة وقالِت بإنفعال: إنت عاوز مني إيه كفاية بقى كفاية!
نوح غير تعابير وِشُه وقال بطريقة مسرحية: عاوز أتطمن على إبني اللي في بطنك، مِش إنتِ حامِل مني برضو؟
مروة بثبات: أيوة، ولو بتعمل الحاجة وتنساها دي مُشكلتك إنما إنت إنتهكت جسدي!
نوح قلب عينيه وقال بعصبية: إنتِ هتلبسيها فيا؟ إنتِ جاية منهوكة لوحدك ومشلولة.. وهبُص لجسمك على إيه إتنيلي.
بدأت تعيط ونوح واقِف باصصلها ببرود وقال: مُمكِن أعفو عنِك في حالة واحدة بس.
رفعت راسها بإنتباه فـ قال: تقولي مين خلاكِ حامِل وهسيبك.
سكتت شوية وهي بصالُه، وقالت: إنت عندك مُشكِلة في السمع تقريبًا، بقول إنت!! إنت أبو الولد دا! لو مش مصدق إعملي تحليل بس خلاص بقى سيبني مش هتبقى إنت والزمن عليا!
قال نوح ببرود: لما أتأكد من كلامك ساعتها هعرف هتصرف معاكِ إزاي، لغاية ما دا يحصل هتفضلي مرمية الرمية دي فين وفين على ما حد يفتكرك ويرميلك لقمة.
خرج نوح من الأوضة وبص للأرانب وقال بجدية: محدش يعبرها غير كُل فين وفين، ولو طلعت صوت علموها الأدب.
الأرنب بهدوء: أوامرك يا باشا.
رجع نوح لجناحُه عشان يرتب لـ كُل شيء.
اليوم التالي صباحًا كان أهدى نوعًا ما، فاقت چايدا وراسها مربوطة بـِ شاش وطلبت تروح بيتها لكِن عزيز رفض، هي مراتُه وأم إبنُه زيها زي سيليا فـ قال لنوح تقعُد معاهُم في البيت فـ وافِق عشان وضعها الصحي.
لكِن سيليا مكانتش متطمنالها أوي إنها تسيب بنتها معاها فـ قررت لما يروحوا مشوارهم تسيب سيليا وبدر مع والدتها.
وبالفعل عزيز وداهُم عند حماه وحماتُه ورجع تاني، بعد ما نوح وصى مرام تاخُد بالها من چايدا ويزن.
صحيت مياسة وإتعدلت على سريرها اللي حطوه في جناح رفيف، لقت رفيف قاعدة على الكُرسي الهزار بتحركه قدام وورا برجليها، وعلى دراعاتها راكان وريان وهي بتغنيلهُم بهمس.
مياسة عدلت شعرها وهي بتتاوب وبتقول: صباح الخير.
إبتسمت ليها رفيف وردت بتعب: صباح النور، كُنتِ بتحلمي بكوابيس ولا إيه؟
إستغربت مياسة وهي بتتعدل في السرير وقالت: ليه بتقولي كدا؟
رفيف قامت تحُط ولادها في سريرهُم وهي بترُد: عمالة تقولي لا بلاش، وتتقلبي وتفعصي في المخدة وتقولي وحشتني.
برقت مياسة ووشها إحمر وهي بتقول: لا أنا مقولتش كدا، أكيد بيتهيألك.
بصتلها رفيف بطرف عينها وإبتسمت.
وصلهُم صوت نوح مِن مايكروفون وهو بيقول بهزلية: أعزائي مُرتادين مُنتجع الأرانِب، أجازة سعيدة بس مُضطرين نصحى مع بعض عشان ورانا يوم طويل.
رفيف عقدت حواجِبها وهي بتبُص لعيالها خايفة يصحوا من الصوت، راحت مياسة لوت بوقها وقالت: جوزك ماشاء الله أول مرة أشوف سفاح دمه خفيف، حقق المُعادلة الصعبة.
غسلت وشها وغيرت هدومها وإتطمنت على قمر لقت رفيف أكلتها وغيرتلها فـ قربت منها مياسة وهي بتحضنها من رقبتها وبتبوس خدها وبتقول: لو يفتحوا قلبي كدا مش هيلاقوا غيرك.
ضحكت رفيف وهي بتقول: طب وعيسى ملهوش مكان؟
بعدت مياسة عنها شوية وهي وشها محمر وبترجع شعرها ورا ودانها وسكتت.
قالت رفيف: أنا شيفاه في عينيكِ يا ماسة، لما بتشوفيه صُدفة في البيت بتيجي تقعُدي قُدام المرايا وتسرحي لوقت طويل، بتحبيه باين في عينيكِ وهو كمان على فكرة أنا لاحظت.
مياسة عينيها إتملت بالدموع وقالت: دا بس عشان مُنفصلين لكِن أول ما نرجع هيرجع لعادتِه القديمة وشغفه تجاه أمل.. وأنا مقدرش أستحمل دا.
في نفس المايك قال نوح بصوت واضِح: ليديز أند چينتل مينز، الفطار جاهِز.
قلبت مياسة عينيها وقالت: يلا يا بنتي نطلع لاحسن يلقي علينا مُحاضرة في كيفية تقطيع.. الخُضار.
رفيف بقلق: طب والولاد؟ لا إطلعي إنتِ خايفة يصحوا.
مياسة بهدوء: معانا الـ Baby monitor لو عيطوا وصحيوا هنرجع الجناح.
قامت رفيف معاها وخرجوا مِن الجناح طلعوا من البوابة
وصلوا عند المطبخ لقوا نوح واقف بيقطع خيار، لابِس قميص أزرق غامِق تاني أكمامُه، ولابس جلافز إسود.
مرام قاعدة على الكُرسي وساندة راسها على إيدها بتبُصله بإعجاب.
نوح لما شاف مياسة ورفيف رفع حواجبه بمرح وقال: وأخيرًا صحيتوا، مش محتاج مُساعدتكُم خلاص خلصت.
رفيف كانت مكتفة إيديها ومكشرة وهي بتبُص لمرام اللي قاعدة ونظراتها، بس مقدرتش تقول شيء لإنها مبتعرفش تعبر عن غضبها.
جت سيليا من وراهم وهي بتشيل الهاند فري وبتاخد نفسها وبتقول: ويا ترى هتحضر السُفرة ولا المدام اللي قاعدة هتتطوع هي؟
قامت مرام وهي بتاخُد الاطباق وقالت: هحضرها أنا أكيد، بس أنا أنسة مش مدام.
سيليا ببرود: مخدتش بالي، على العموم محدش مهتم ودي الأطباق وإرجعي خُدي الباقي.
إتشنجت مرام وشالت الأطباق، جت نسرين تساعدها شاورتلها سيليا وقالت: إرتاحي شوية يا مدام نسرين أنا قبل ما أطلع أجري شيفاكِ واقفة على رجليكِ من الصُبح وهي بتدلع وقاعدة تتفرج، هي اللي هتفرش السُفرة كُلها.
إبتسمت رفيف إبتسامة رضا عشان سيليا خدت حقها، أما مياسة وقفت مكتفة إيديها وهي بتقول لنوح: بتصحينا عشان حضرت الفطار بنفسك، بس؟
خلع نوح الجلافز من إيدُه وقرب منها خطوة وقال: أكيد لا.. بس ورانا يوم طويل ومُميز زي ما ذكرت، هنطلع نتسوق وبالليل هنروح مشوار كُلنا سوا.
بلعت مياسة ريقها وجواها سؤال هيجننها، فهم نوح السؤال وقال: عيسى هييجي معانا أكيد، دا كينج الليلة.
دارت إبتسامتها لغاية ما خرجوا من المطبخ نوح ووراه مياسة، لقوا عيسى في وشهُم فـ قلبها دق.
عيسى بإرهاق: باعتلي ثلاثة من الحرس بتوعك يصحوني صحيت ياعم.
شاف مياسة ورا نوح فـ ثبت نظرُه عليها راحت باصة للأرض بخجل بتتجنب نظراتُه.
قعدوا على السُفرة وبدأت الخِدمة، عزيز كان باين عليه منامش كويس فـ قال أمير بهدوء: مدام چايدا صحتها عاملة إيه دلوقتي يا عزيز؟
عزيز بإرهاق واضِح: بقت أحسن الحمدلله فضلت سهران جنبها للصبح.
عيون سيليا رفت لكن تمالكت نفسها بسرعة لأن شعور الغيرة غصب عنها.
عيسى بهدوء: طب يزن فين؟ عشان يفطر معانا.
عزيز بتعب: فطر مع مامته من قبلنا.
نوح ببرود: جهزوا نفسكُم عشان نروح نتسوق.. نجيب هدوم وحاجات مهمة لمشوار بالليل.
أمير بضيق: على فكرة إنت فلقتنا بمشوار بالليل خلاص عرفنا ميرسي يا بابي على الفُسحة الحلوة اللي محضرها لينا.
عيسى بإستنكار: فُسحة؟ أخر مرة سمعت الكلمة دي لما كُنت بسمع الأيس كريم چيلاتي والچاكيت البامب سويتر.
ضحك عزيز ونوح إبتسم وهو بيحرك راسُه يمين وشمال، فـ قال أمير: لا بجد من إمبارح إجهزوا هنروح مش عارف فين خلاص عرفنا.
رفيف بتعب: أنا مش هقدر بجد الأولاد هلكوني، لو مشوار بالليل أهم من التسوق يبقى إعفوني مِن التسوق أريح شوية.
صِبا وهي بتشم كوباية اللبن في إيديها: وأنا صاحية مش قادرة حاسة بغثيان رهيب الحمل مبهدل معدتي، فـ لو ركبت عربية هيبقى الوضع سيء.
عيسى بهدوء: محتاج أروح أتطمن على والدتي في الحارة، مش هعرف أقسى عليها أكتر من كدا.. لو جرالها شيء وهي زعلانة بسببي مش هسامح نفسي.
ضحك نوح ضحكة قُصيرة وقال: وطبعًا عزيز ومدام سيليا مناموش من إمبارح عشان كانوا بيهتموا بـ مدام چايدا، وأمير مينفعش ييجي ويسيب مراته تعبانة.
أمير وهو بياكُل قطعة خيار وبيمد إيدُه لـ صِبا عشان يقوموا: أكتر حاجة بحبها فيك يا رايق إنك لماح.. عن إذنكُم يا جماعة.
قام عزيز وهو بيسحب سيليا وقال: نشوفكُم بالليل بقى.
بص نوح لـ مياسة وعيسى اللي بيحاولوا يتجنبوا يبصوا لبعض عشان مشاعرهُم متتفضحش..
لعبت مياسة بالشوكة في الطبق شوية، كانت لابسة
تيشيرت كت مزخرف بالأوف وايت لونه لاڤندر وعليه چاكيت قصير شبكي أوف وايت، وخصلات شعرها الشقرا بدأت تظهر جامد والصبغة السودا بهتت.. شعرها الناعم منسدل حوالين وشها زي ستار.
عيسى مكانش قادر يشيل عينه من عليها كان بيبُص عليها خِلسة وبيتأمل ملامحها الحلوة.
نوح بقطع للصمت: يعني كدا أنا ومدام مياسة هنروح نتسوق سوا؟
رفعت مياسة عينيها وقالت: متفكرش حتى.
نوح ببراءة مُصطنعة: ليه؟ أنا مش عايز الحرس يقوموا بالمُهِمة دي وفي نفس الوقت التسوق من غير ست مش هينفع.
عيسى بهدوء: هوصلكُم في طريقي، هعدي على والدتي وأجيلكُم نرجع سوا.
شاور نوح بصوباعه ناحية عيسى وقال بإبتسامة: أهو دا إقتراح جميل، هنتعبك معانا يا مدام مياسة.
مسحت مياسة بوقها بالمنديل وهي بتقول: هقوم أغير هدومي.
عيسى بتردُد مِن إنُه يوجهلها كلام: جهزي قمر هاخدها لأمي نفسها تشوفها.
مياسة بهدوء وهي بتتحرك من قُدامُه: حاضر.
راحت للجناح وغيرت هدومها ولبست قمر، لقت رفيف بدأت تنام فـ محبتش تزعجها خرجت بهدوء وطلعت لـ برا، لقت عيسى ماسِك الڤايب بتاعُه وبيشرب منه، وبعدها يتألم مكان الجرح.. كان نفسها تمنعه بس بـ أي حق؟
بصلها نوح وهو بيفتح باب العربية اللي ورا وقال: سيدة القصر، إتفضلي.
ضحك عيسى ضحكة خفيفة وهو بيركب ونوح جنبُه.
إتحرك عيسى بالعربية فـ قال نوح وهو بيلبس نظارتُه الشمسية وبيرجع راسُه لورا: ما تشغلنا حاجة بدل الصمت دا.
عيسى بهدوء: تمام.
بيراقب مياسة في المرايا الأمامية من وقت للتاني بعينيه، عينيها والشمس جاية عليها مزودة جمالها، وخُصلات شعرها الشقرا.
شغل عيسى أغنية وعلى الصوت وهو مركز على عيون مياسة في المرايا:
"عينيها زي الخُطاف يا ليل، صيادين يا ليل.. هيجننوني يا ليل
أنا غريب والـ ب قاف يا ليل.. في بحرها يا ليل الموجة عالية يا ليل"
بصت مياسة للإزاز جنبها وهي بتبتسم على جنب بخجل وبعدها كشرت بتمثيل وهي بتنحنح، لاحظ عيسى ريأكشن وشها فـ إبتسم وبدأ قلبُه يدُق.
وصل عند مول كبير وقال وهو باصص لمياسة في المرايا بس موجه كلامُه لنوح: خدوا راحتكُم، لو إحتاجتوا حاجة كلموني.
نوح بإبتسامة ذات معنى: متقلقش يا سفير، في عينيا.
بصلُه عيسى بغيرة على مياسة فـ ضحك نوح لإنُه قدر يستشف مشاعرُه وقال: هدومكُم في عينيا.
حط عيسى إيدُه على الدريكسيون وقال: إنزل يا رايق.
نزلوا ونزل عيسى معاهُم، قربت منُه مياسة وهي شايلة قمر وقالت بـِ هدوء وهي بتعدل شعر بنتها: خلي بالك منها لو جاعت ماما هتعرف تتصرف.
عيسى كان مركز نظرُه عليها وقال بنبرة هامسة خلت جسمها يقشعر: في عينيا وقلبي والله.
إدتُه البنت ورجعت شعرها ورا ودانها بتوتُر، وراحت ورا نوح تحت نظرات عيسى اللي بيتألم كُل دقيقة من غيرها.
دخلت مياسة مع نوح من بوابة المول، فـ حط نظارتُه الشمسية فوق شعره وهو بيقول: وريني جمال إختياراتك في الحاجة، زي جمال إختيارك لعيسى.
إبتسمت مياسة وهي مكتفة إيديها وقالت بإبتسامة جانبية: هو إنت فاكرني مش فاهمة إنت بتعمل إيه يا نوح؟ شايفني غبية مش واخدة بالي إنك تعمدت نروح مع عيسى عشان تخلق بيننا مساحة؟
قرب نوح منها لأنها ماشية على مسافة منُه وقال: خليكِ قُريبة مني عشان مش ضامنين البلاوي اللي ورانا، قريبة مني تبقي في حمايتي.
مياسة وهي بتقلب عينيها قالت ببرود: مش محتاجة حمايتك ولا حماية حد.
لما بعدت عنه كان في حد ماشي بعربية تسوق كان هيخبطها فيها فـ إتخضت لما نوح سحبها من دراعها..
كشر وهو ضامم شفايفُه وبصلها لتحت عشان أقصر منُه وقال: إسمعي الكلام قولي حاضِر.
سحبت دراعها وإتأففت وهي ماشية جنبُه، لقاها رايحة ناحية هايبر ماركت فـ وقف وهو بيقول بإستغراب: مش هنشتري هدوم الأول؟
مياسة بإستفزاز: جايلي مزاج أبُص على الهايبر،وأجيب حاجات لقمر والأولاد.
سحب نوح عربية تسوق وقال على مضض: إتفضلي.
مشي جنبها وهُما بيبصوا على الأرفُف.. لقت مياسة إزازتين زيت كبار وحطتهُم في العربية.
نوح بإستغراب: هندخل بقى على شغل الخدم؟
مشيت مياسة جنبُه وقالت: الزيت اللي بيستعملوه ليه After taste مش حلو كِدا، بعدين طالما قررت نعيش سوا يبقى تستحمل تحكُماتي في المطبخ.
نوح بهدوء: تمام يا ميسو.
وقفت مياسة وهي مبرقة وقالتلُه: إيه ميسو دي! وعيسى عندُه علم بميسو دي؟
نوح بإستفزاز: أه عادي عنده علم، إحنا شياطين وطبيعي عندنا قرون.
إتأففت مياسة وقررت تتجاهلُه وكملوا تسوق سوا، وصلوا لـ قِسم المشروبات الباردة فـ قالت مياسة: أخيرًا وصلنا لفصيلتك.. الحاجات الباردة.
سحب نوح إزازتين حاجة ساقعة وفتحهُم بإيدُه من غير فتاحة، مد إيدُه بواحدة ليها وقال: خُدي خُدي.. إشربي عشان تنسي عيسى.
سحبت مياسة مِنُه الإزازة وهي بتشرب وبتقول بغيظ:أنا مش فاهمة إنت شاغِل نفسك ليه بينا؟ مين سمحلك تتدخل.
نوح كان بيبُص على الأرفُف وقال بهدوء: عيسى دا راجل حنين وبيحب من قلبه ودي ميزتُه، ولولا شايف حُبه ليكِ اللي هيسعدُه في أخر أيامنا، مكونتش حاولت أرجعكُم عشان أكفر عن غلطي تجاهُه.. غلطت في حقه بحاول أصلح غلطي.
مياسة بإستغراب: ما إنت غلطت في حقنا كُلنا!
نوح بتكشيرة عشان مبيحبش يبين ضعفُه: فاهِم بس عيسى.. بجد ميستحقش.
مياسة فضلت باصة عليه وقالت بنبرة غريبة: أول مرة أشوف الجانِب دا منك.
فاق نوح من شروده وقال: أنهِ جانِب؟
مياسة بإبتسامة: نوح اللي بيحس، مش الشيطان أبو قرون.
ضحك نوح ضحكة خفيفة وقال: طب يلا شوفي ناقصك إيه عشان نجيب بقية الحاجات.
_______________________________________
المكان: منزل أعلى تل مُرتفِع.
تحديدًا: المطبخ.
مرام واقفة مشغلة على فونها بصوت متوسط أغنية " أنا عيني منك لأمينة"
وعمالة تقطع اللحمة والخُضار وهي بتترقص.
قربت نسرين من الفون بتاعها وقفلت الأغاني، إلتفتت مرام ليها وقالِت: ليه كدا بقى!
نسرين سحبتها من دراعها ووقفوا عند الشباك بعيد عن الباب، برقت نسرين وقالتلها من بين سنانها بهمس: إيه المياصة وقلة الأدب دي؟ في حرس ورجالة رايحين جايين وإنتِ محزقة لبسك وقاعدة تتمايلي بجسمك بدلع، عايزة إيه بالظبط؟
لوت مرام بوزها بتصنُع وقالِت: هو أنا يعني مش من حقي أدلع نفسي زي الهوانم اللي قاعدين فوق؟ هُما مش أحسن مني فـ حاجة.
خبطتها نسرين على دراعها وقالت بحزم: وإنتِ فِكرك بقى إن نوح باشا لو شافك هيتجنن عليكِ؟ نوح باشا مبيحبش صنفك.. مبيحبش اللوع عشان كدا مراتُه طيبة وبتسكُتلك وتفوتلك حركاتك الفارغة.
مرام معجبهاش الكلام فـ أستطردت نسرين بحزم وجدية وقالت: أقسم بالله لو ما إلتفتي لـ شُغلك وإتلميتي، لأكون بنفسي مبلغة بقية الهوانم يتصرفوا معاكِ، روحي كملي طبخ وإتلمي.
راحت مرام على مضض، شوية دخلت صِبا وهي بتقول بتعب: صباح الخير.
مرام ونسرين بأدب: صباح النور يا هانم.
صِبا وهي بتتسند وبتقعُد على كُرسي:عايزة ينسون من غير سكر لإني حاسة بغثيان ومفيش أكل بيفضل في بطني.
نسرين بلباقة: سلامتك، اليانسون كويس للبطن.
سندت صِبا راسها بتعب وهي بتقول: مممم.
دخلت سيليا المطبخ وهي بتسحب كُرسي وبتقعُد جنب صِبا وقالِت: إيه يا بنتي مالِك؟ كُنت برا بكلم مامي أتطمن على سيلا وبدر، لقيتك ماشية مش مظبوطة.. الحمل لسه تاعبك؟
إتعدلت صِبا وهي بترجع شعرها لورا وبتقول بتعب: الحمل ولغبطة الهرمونات، ونفسيتي مِن أمير.
كشرت سيليا بإستغراب وقالت: ماله أمير؟
بصت سيليا للخدم فـ قامت وقفت وهي بتمد إيدها لـ صِبا وقالِت: قومي معايا نقعُد برا نتكلم.
وقفت صِبا بتعب وسندت على سيليا، بصت سيليا لمرام من فوق لتحت وتجاهلتها، وجهت كلامها لـ نسرين وقالت: من فضلك يا مدام نسرين بس تجيبي اليانسون في الجنينة برا هنقعُد هناك.
نسرين بهدوء: تحت أمرك.
طلعوا سوا وتخطوا الحرس وقعدوا على الترابيزة، الهوا بدأ يحرك خُصلات شعرهِم فـ رجعت صِبا شعرها لورا وخدت نفس عميق حست إنها إرتاحت شوية من الغثيان.. لما وشها راق شوية قالت سيليا بهدوء: عشان كدا حبيت أخرجك برا، كان بيحصلي زيك كدا لما كُنت حامِل في بدر.
صِبا بلت شفايفها بلسانها وقالت: اليومين دول بالذات الألم زيادة.. مش قادرة أحدد ليه.
سيليا بفضول: إحكيلي.. مالُه أمير؟ كان متغير الفترة الأخيرة وغامض وساكِت فجأة بقى يتكلم ويرد على نوح، حاجة حصلت؟
جت صِبا ترُد فـ حطت نسرين كوباية اليانسون قُدامهُم وسألتهُم لو محتاجين شيء قالوا لا، فـ سابتهُم ودخلت تكمل شُغلها.
قالت صِبا بنبرة غريبة خلت سيليا تشهق: نانسي الدهبي بنت عم أمير، هي اللي حطت السم لشجن هانم.
__________________________________________
المكان: حارة المنيل.
تحديدًا: منزل الغُريبي.
دخل عيسى على والدتُه لقاها واقفة عند الباب ووشها عليه سعادة وترقُب، إبتسم بـ حُب وقرب منها باس راسها راحت مسكت الجاكيت بتاعه من عند قلبه جامد وهي بتترعش وبتعيط وبتقول: هونت عليك يا إبن قلبي، دا إنت أول فرحتي يا عيسى.. لما شوفتك من الشباك كان عندي أمل تيجي وتشوف أمك.. وجيت!
حضن عيسى راسها عند قلبه وقال بهدوء: حقك عليا.. صحتك عاملة إيه؟
قعدت جنب الشباك وقعد هو جنبها فـ قالت بإبتسامة عريضة: حلوة طول ما إنت وأخوك بخير، إتغديت؟ عملت لوبيا باللحمة تستاهل بوقك.. هجيبلك.
جت تقوم مسك عيسى إيدها وقعدها وهو بيقول: مش قادر أكل حاجة.. أنا جيت أتطمن عليكِ وأقعُد معاكِ شوية عشان.. مهونتيش عليا.
بصتله والدته بحب وبدأت تعيط وهي بتحضنه وقالت: حبيبي يابني، طول عمرك حنين يا عيسى وقلبك نظيف.. رغم إن الدنيا وسختك مبتقدرش تقسى على حبايبك.
إبتسم عيسى بـِ بُهتان فـ قالِت: عشان كدا متقساش على نفسك وعليها.
عيسى بعدم فهم: هي مين؟
بصتلُه والدتُه بإبتسامة ذات معنى وقالت: يولاا، أقصد ماسة.. دي بتحبك أنا بشوف دا في عينيها.
بص عيسى مِن الشباك وقال وهو بيخرج دُخان البرودة من بين شفايفُه: هي إتخطبت خلاص الله يسهلها حالها.
حطت والدتُه إيديها على إيديه وقالت بعتاب: طب وإنت هتفضل مسلم لأمرك كدا؟ مش المفروض ترجعها ليك على الأقل عشان بنتك.
بص ليها عيسى وقال بنبرة غريبة: هي وبنتي وصيتك يما.. حتى لو هي إتجوزت إتطمني عليهُم.
أمه بدموع: مش عايزة أسمعك بتقول الكلام الوحش دا تاني إياك.
دخل يوسف فجأة عليهُم وهُما قاعدين، وراح حضن عيسى وقال: كُنت عارف إن أمك مش هتهون عليك.
طبطب عيسى على ضهر يوسف اللي إتعدل فجأة وهو مبرق وقال: أه صحيح معرفتوش اللي حصل؟
والدتُه بخضة: خير يارب!
يوسف بنبرة قلق ممزوجة بخوف: بنت الحاج إمام ودوها للمستشفى من شوية.
والدتُه بخضة: يا ستار يارب! وقعت وهي بتلعب ولا إيه؟
بلع يوسف ريقُه وقال بهمس: أبوها بيقول شافت بنت صغيرة فستانها عليه دم، ولما جت تلعب معاها البنت فتحت بوقها..
عيسى إتعدل وقال بفضول: وبعدين؟
رفع يوسف أكتافه وقال: بيقول بنته سكتت فجأة ووشها بقى أزرق تحسه الدم هرب منه.
والدة عيسى بصتلُه وهي عايزة تتكلم فـ بص ليها عيسى وقال: في حاجة غلط يماا.. مش من ساعة ما أمل ماتت لا.. من ساعة ما أبوها وأمها ماتوا.. أنا هعرف في إيه بنفسي.. تعالى معايا يا يوسف.
إتحركوا ووالدتهُم قعدت تدعي في سرها وهي حاطة إيديها على قلبها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المكان: المول.
كانت ماشية مياسة جنب نوح وهي بتضحك على كلامُه من وقت للتاني، مرت من جنب محل لعب كان في مانيكان واقِف.. بصت عليه لقت في خُصلات شعر شقرا بتنزل من الجنبين.
شهقت وهي بتمسك دراع نوح اللي بص ليها وقال بإستغراب: مالك؟ وشك إصفر كدا ليه؟؟
مياسة مكانتش قادرة تنطق من الخوف وهي سامعة همهمة طفولية أنثوية، ونص وش أمل بيبان من ورا المانيكان.
نوح كان صوته بيروح من ودنها، وصورته بتغلوش في عينيها
وفجأة وقعت أغمى عليها منه في المول، إنحنى بسُرعة وشالها وهو بيشاور براسه للحرس اللي عاملين نفسهُم مُتنزهين عاديين في المول عشان يمشوا وراه
الناس كانوا بيتطمنوا عليها بس نوح قالهم هياخدها للمستشفى وشكرهُم، راح للباركينج وفتح الباب اللي جنبه في عربيته، مسك إزازة البرفيوم بتاعتُه ورش رشتين على المِعصم بتاعُه وهو بيقربها من مناخيرها عشان تفوق، بدأت تتأوه وهي مكشرة ونبضات قلبها عالية، فتح نوح إزازة مياه وحط شوية في إيدُه وحطها على وشها بهدوء وهو بيقول: فوقي أبوس إيدك.. عيسى هيكدرني.
فتحت مياسة عينيها وهي بترمِش فـ قرب نوح وشه بهزار وهو بيقول بصوت رخيم: حمدالله على السلامة، للدرجة دي مقدرتيش تقاوميني فـ أغمى عليكِ؟
خبطته مياسة في صدره وهي بتتعدل وحاطة إيدها فوق راسها بتبُص حواليها.
لسه نوح هيسألها بجدية مالك، وصلُه صوت أيمن وهو بيقول بحماس وسعادة: نوح باشا.
إتعدل نوح وهو بيدي إزازة المياة لواحد من الحرس وبينزل أكمام قميصُه وهو بيقول: أهلًا ياسي خ*ا.
نوح لمياسة بعينيه شاورلها تيجي يكلمها، قامت مياسة بدوخة وقالت: إيه الإسلوب بتاعك دا معاه؟
نوح من بين أسنانُه: إيه اللي جاب الخرتيت دا هِنا؟ مبحبش أشوفه بيقفلي يومي!
مياسة بتبريقة وهي بتهمسلُه: أنا اللي قولتلُه ييجي عشان مش هعرف أجيبه في بيتك فـ قولت فرصة!
نوح بتكشيرة: لو جيباه هنا عشان تنفصلوا يبقى شابوه ليكِ عرفتي مصلحتك فين وسيبتي الهم.
حركت مياسة راسها يمين وشمال وقالت: لا جيباه عشان نتكلم في تفاصيل تهمني وتهمه.. عن إذنك.
آدتُه مياسة ظهرها فـ قال نوح بغيظ من بين أسنانُه: ماسة!! خدي هنا!! أنا دلوقتي عرفت عيسى مش قادر عليكِ ليه..
__________________________________________
المكان: منزل أعلى تل مُرتفِع.
تحديدًا: غُرفة عزيز وسيليا.
سيليا دخلت الأوضة جري وهي بتنهج وبتصحي عزيز.
سيليا برُعب: عزيز.. عزيز فوق!! عزيز إلحق چايدا!!
فاق عزيز مخضوض وهو بيقول: في إيه مالها، في ايه!
سيليا برعب: تعالى معايا بسرعة قوم!!
-في نفس المنزل /غرفة أمير وصِبا..
خرجت صِبا من الحمام بعد ما إستفرغت، لقت أمير واقِف مبرق وهو ماسِك الفون بتاعُه بيتكلم فيه وبيقول بصدمة: يعني إيه ليث باشا عندك هو ومنال؟؟؟ ليلة أبوكوا طين حد فتح السرداب!!
برقت صِبا لما سمعت كدا، وتبريقتها وسعت أكتر لما سمعت أمير بيقول بزعيق: أنا كدا هتحبس رسمي يولاد الـ*****
-نفس المنزل/الغرفة العلوية المُلقى بِها مروة.
كانت منحنية على نفسها ماسكة معدتها وبتصوت جامد، نازل من بين رجليها دم كتير، شعرها لازق في وشها من العرق لإنها بتتألم، زحفت بالعافية لحد الباب وهي بتقول بصوت يالفعل تعبان: إفتحوا الباب، أنا بموت.. إفتحوا إقتلوني حتى ريحوني بتألم.. بمووت.
رفيف أخدت الجهاز اللي هيطمنها على ولادها لو صحيوا وطلعت جري تشوف في ايه، لقت اتنين من الحرس على باب الأوضة.. وسامعة صويت البنت فـ قالت وهي بتحاول تبان قوية: إفتحوا الباب دا فورًا.
الحرس: اسفين يا هانم نوح بيه مانع حد يدخل أو يخرج بدون علمه.
مروة من جوة بصوت زاد من شدة الألم: موتوني اقتلووني، يارب خدني وريحنيي.
رفيف قلبها وجعها فـ اتعصبت وقالت: والله العظيم لو ما فتحتوا لا اتبلى عليكم واخلي نوح يخلص عليكم، افتح!!
بصوا لبعض بقلق من كلامها واضطروا يفتحوا، جريت رفيف على جوة وهي بتبص لقت وضع البنت وحش أوي.
مروة بتعب: إلحقيني، أبوس إيدك أنا شكلي أجهضت.
وطت رفيف وهي بتحاول تقومها وبتقول: يا حبيبتي دا انتِ متبهدلة، ساعديني مش قادرة أقومك.
مروة بعياط: مش هعرف أقوم، أنا مشلولة.
شاورت رفيف للحرس وقالت: تعالوا طلعوها معايا بسُرعة، تعالوا شيلوها.
جريوا الحرس عليها واحد منهم شال مروة والتاني فضل واقف مكانه، رفيف فستانها اتبهدل دم وهي بتجري على السلم وهو شايل مروة وراها وبتقوله: هاتها على الحمام وحطها في البانيو، يلاا!
حطها الحارس بعدين قالت رفيف بحزم: إطلع إنن ولما البيه ييجي خبط عليا وبلغني.
الحارس بطاعة: أمرك يا هانم.
قفلت رفيف الباب وراه وهي بترفع أكمام فستانها وبتقول: متخافيش أنا زي أختك هسترك وهغسلك بما يرضي الله متخافيش خالص.
مروة وهي في البانيو روحها بتطلع: البيبي اللي مات.. كان.. كان إبن نوح.
رجعت رفيف على الباب بظهرها وهي مخضوضة وبتترعش، سهم صاب قلبها من اللي سمعته.
لكن لما شافت حالة البنت قالت: متخافيش برضو، أنا زي أختك مش هأذيكِ عشان حاجة ملكيش ذنب فيها..
فتحت رفيف المياة وبدأت تغسل مروة وتنظفها عشان لما نوح ييجي ياخدوها للمستشفى عشان ينظفوا كويس البيبي اللي مات.
_________________________________________
المكان: حارة المنيل.
تحديدًا: منتصف الحارة.
كان واقف عيسى ومعاه يوسف بيحاولوا يعرفوا تفاصيل زيادة عن اللي حصل، فجأة خرجت واحدة ست، مُنتصف الأربعينات من عمرها، لابسة عباية سودا وعاملة ضفيرتين، عندها عين بيضا خالص وعين عادية سودا
طىعت تصوت وتقول: أنا مكونتش أعررف، أنا مش نباشة يا ولاد حارة المنيل.. أنا سِت
وأم، وبحس بالستات اللي زيي
أنا حاولت أرجع لأم أمل، شمعتها اللي إنطفت.
"الناس واقفين بيضربوا كف على كف وبيحوقلوا"
كملت الست وقالت بإنهيار وبصوت خشن: أخدت حتة من فستانها، اللي كان متغرق دم.. وعملت بيه تعويذة عشان أرجع للست روح بنتها تونسها، فقد الضناا مُر يا ولدااه.
برق عيسى ويوسف فتح بوقه بصدمة.
الناس بدأت تصوت، والستات بيتحسبنوا فيها.
هي بقت تلف حوالين نفسها وهي مذعورة وقالت: بس اللي حضر مش هي، دي روح وحشة كريهة.. دي حاجة من الجحيم مقدرش لوحدي عليها! اللي حضر شيء قوي هيخلص علينا كلنا.. لعنة اللي حصل من سنين أنا أول واحدة فيكُم بدفع تمنها!!
خرجت من صدر عبايتها شوكة، وغرزتها في عينيها البيضا لغاية ما خرجت نافورة من الدم، وبدأ جسمها يترعش زي المحمومة على الأرض.. وماتت!
صويت ونويح الستات من البلكونات والناس في الشارع في بيجروا ويصوتوا، وفي واقف مذهول ومش مصدق
زي عيسى! اللي دم عين الست إتنطر على وشه، وبدأت عينيه ترف!