كانت شروق تؤدي أعمالها وتمارس التدريبات بانتظام. لقد وجدت في الرياضة متنفسًا يأخذها بعيدًا عن الذكريات التي تقتلها. لم يتحدث معها رعد كما توقعت. لم يطلبها لمنافسة أخرى. كانت تعد نفسها لجولة أخرى من التحديات، لكن رعد كأنه لا يشعر بوجودها. رغم ذلك، واصلت الركض وكانت نسيت كل شيء. فإذا برعد يفاجئها في عصريه باردة تساقط فيها المطر. كان بيده جريدة، وكانت شروق تمسح الأرضية.
تحدث بلا مبالاة: "فيه مسابقة ركض طويل على مستوى الجمهورية." انتبهت شروق، فتحت أذنيها. "مسابقة صعبة، 25 كيلو متر." "هيشارك فيها كل أبطال الجمهورية، لكن!! مسابقة فاشلة." "مفيش حد مصنف من العدائين عندنا ولا بيشارك في مسابقات عالمية. بلدنا على قد وسعها مفيهش شخص واحد صعد للأولمبياد، حاجة مخزية." انتظرت شروق أن يطلب منها الاستعداد للمسابقة، لكن رعد صمت. واصل تدخين السجائر ونسي حديثه. بعد مدة،
همست شروق: "أنا عايزة أدخل المسابقة." قال رعد: "لكن دي مسابقة صعبة." "تتوقعي تقدري تنهي المضمار لآخره؟ "أقدر"، همست شروق بتصميم. "لو قدرتِ توصلي خط النهاية، مش مهم النتيجة، هيبقى إنجاز جديد." ثم نهض: "خلاص، جهزي نفسك، هقدم لك في المسابقة." بعد رحيل رعد، ركضت شروق نحو الحديقة تشعر بالحرية. أحضرت كيساً وملأته رمالًا وربطته في قدمها، وراحت تركض تجر كيس التراب بكل قوة.
وجدت صعوبة حتى اعتادت الأمر. واصلت الركض البطيء، ثم أسرع وهي تجر الكيس. شعرت بإرهاق رهيب. كانت تسحب أنفاسها بصعوبة. واصلت الركض ومضى الوقت وشروق تركض. عندما لمحت رعد، توقفت عن الركض واختفت خلف الأشجار تشعر بالإحراج. في منتصف الليل، سمع رعد صوت دربكة في الحديقة، أقدام تركض. فتح النافذة ونظر. وجد شروق تركض في الظلام تجر شيئاً ما خلفها. شيء ثقيل جدًا يحتاج جهدًا بالغًا.
تحقق رعد ببصره، ثم ابتسم. شروق تجر كيس الملاكمة خلفها بعد أن وضعته في قماش حتى لا يتسخ. تابعها دون أن تشعر، ثم همس: "عندها إصرار حديدي." وتمنى نجاحها من كل قلبه. وفي كل ليلة حتى موعد المسابقة، كان رعد يشاهدها تركض في منتصف الليل، وحيدة وحزينة وقوية. في موعد المسابقة، كانت شروق مستعدة. ارتدت زيها الرياضي في الصباح الباكر. أدت تمرينًا طفيفًا وانتظرت جوار السيارة. تفاجأت شروق بالأعداد الكبيرة التي تغطي الماراثون الدولي.
صحافة، تلفاز، خلق كثير. وجدت نفسها ضئيلة بينهم. همست لرعد بخجل: "أنا هعمل إيه بين الوحوش دي؟ ابتسم رعد: "ثقي بنفسك ليثق فيكِ العالم." "لا تطلبي من أحد أن يثق بكِ دام لا تثقين بنفسك." "فكل إنسان يحدد قيمته ويجبر الآخرين على احترامه." قبل بدء السباق، همس رعد: "عايزة الناس تحترمك يا شروق؟ همست شروق: "أيوه." "اكسبى السباق ده، وأوعدك كل الناس هتتكلم عنك." "وريهم إنتِ إيه وتقدرى تعملي إيه."
"شروق، إنتِ بتركضي زي الريح. أجرى وامنحي نفسك الحرية التي تشتاقين لها." "في بداية السباق هتجري بسرعة معقولة، في آخر خمسة كيلو متر زيدي السرعة، لكن متبقييش الأولى ولا من العشرة الأوائل." "في آخر كيلو متر عايزك تجري بأقصى سرعتك." "زي الريح يا وليدة الريح والزرع والخضرة." أطلقت رصاصة البداية، وراح الناس يركضون. سباق مرهق طويل وصعب. ذاكرت شروق نصائح رعد في عقلها. قبل نهاية السباق، زادت من سرعتها.
وعندما لوح المتطوع بعلم آخر كيلو متر، زادت من سرعتها. تحملت رئتاها الضغط، وانطلقت شروق بأقصى سرعتها. تحلق بين الحقول المزهرة، والريح تلطم جسدها المجروح. كانت هناك واحدة أخرى تركض، فتاة متعجرفة بشعر طويل. "إنتي اللي جايبك رعد الجبالي؟ همست شروق: "أيوه." "إنتي الفلاحة؟ فاكرة نفسك هتفوزي بالسباق؟ ابتلعت شروق الإهانة. همست في نفسها: "حتى لو مقدرتش أفوز لازم أقطع قلبك." وانطلقت مثل السهم. فل تحدٍ ثنائي.
تذكرت آخر كلمة قالها رعد: "اكسبى السباق واضمن لك أن يحترمك الجميع." قبل نهاية السباق، كانت مثل الطلقة. نعم، وحتى بعد أن عبرت خط النهاية، ظلت تركض ولم توقف إلا بعيدًا جدًا عن خط النهاية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!