تحميل رواية «العداءة» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
وقف الحارس المرتعش على بعد خطوات من الباب المفتوح. كانت الساعة لم تتعدى السادسة صباحًا بعد. السماء قاتمة، هواء بارد يقرص العظام. شبورة تغبش الرؤية، والندى يحتضن العشب والأشجار. "صباح الخير يا باشا؟" تجاهل رعد التحية كما يعرف فخري. "الخدامة الجديدة وصلت امبارح يا باشا، وزي ما حضرتك أمرت، غبية، صامتة، جميلة." همس فخري عندما ركض رعد فوق العشب. "وغير مثقفة بالمرة." تنهد فخري بارتياح. "دلوقتي يقدر يفطر ويحبس بالشاى ويدخن الجوزة من غير إزعاج." دلف غرفته الملحقة بالحديقة. "يعني قال هو بيهتم بالخدم؟" "م...
رواية العداءة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى
حاولت أكثر من مرة أن أسير على خط مستقيم لكن قدمي خانتني.
فتح فهد باب الغرفة، لقى شروق نايمة على الأرض.
همس بصوت مرعب: "طبعًا ميتة من الجوع. لازم تتعلمي تحترمي كلامي وتنفذيه من غير نقاش."
فتحت شروق عينيها. الظلم ما كان يرعبها وليس الجوع.
"الطعام يقدم لي باستمرار. إنت عايز إيه مني؟ إنت طلعت وحش أكتر منه. سيبني أروح. أنا عايزة أروح."
شد فهد كرسي وقعد عليه.
"إنتي مش فاهمة حاجة. إنتي ماضية عقد. عارفة العقد فيه إيه؟ شرط جزائي يا حلوة. طبعًا متعرفيش يعني إيه شرط جزائي. أقولك أنا. يعني عشان تمشي من هنا هتدفعي فلوس كتير. نص مليون جنيه."
فتحت شروق بقها بخضة.
"طبعًا عيلتك ووالدك ميقدروش يدفعوا المبلغ ده. دلوقتي من سكات اعملي المطلوب منك زي الكل."
"الباب مفتوح، أخرجي. نضفي نفسك. ولو فكرتي تهربي هسجن والدك. هدخله السجن بقية حياته."
شعرت أن عالمها سُحق. كل الأحلام اللي خلقتها لتحلق بها ذُبحت. نهضت بجذعها وتركت القبو نحو الحمام، حيث تنتظرها أيام تعيسة تقضيها مذلولة في فيلا صقر.
***
شعر زرزور أن روحه تخرج منه عندما لمح رقم صقر على التليفون.
"مساء الخير يا باشا."
"عملت إيه يا زفت؟"
"مفيش ليها أثر يا باشا ومرجعتش القصر. الظاهر اتخطفت."
"ولا! إنت بتهزر؟ عارف لو كنت بتلعب بديلك هقتلك!!"
همس زرزور: "البت حلوة يا باشا مفيش كلام، لكنها مش من لوني. ثم أنا خدام الفلوس. بما بسمع سيرة الفلوس بنحي رغباتي جانبًا."
صرخ صقر: "طيب. اتصرف. شوف شوية الصيع بتوعك واعرف لي البت فين."
***
في آخر الليل انطلق بدر ناحية البيت المهجور يحمل الطعام والماء.
فتح القفل. المرة دي دخل وقفل الباب.
وسط الضلمة شافته تلا.
"إنت هتعمل إيه؟"
"مش هعمل حاجة. كل اللي بعمله في مصلحتك."
"إنت خطفتني يا حيوان. إزاي تكون دي مصلحتي؟"
"بلاش غلط." همس بدر بضيق. "أنا هديكي الاختيار يا بت. أخرجي من هنا وأضمن لك إنك هتعيشي أسود أيام حياتك زي شروق. بره البيت ده فيه كلاب مستنية تنهش لحمك."
صرخت تلا: "إنت كداب وقذر."
اكتفى بدر من التفاهات. قرب من تلا. أحكم قبضته من أذنها.
"هتحترمني غصب عنك. فاهمة؟"
شعرت تلا بالألم والخوف. همست: "حاضر."
"زي ما قلتلك الباب مفتوح. اتفضلي أخرجي ومتلوميش غير نفسك."
تلا مكدبتش خبر. أخدت بعضها وخرجت. لما وصلت الشارع استغربت إن بدر مش ماشي وراها ولا حاول يمنعها.
رجعت بتردد.
"ممكن تفهمني بعد إذنك؟"
"أنا سمعت كلام وكان لازم أتصرف. لحد دلوقتي معرفش صقر عايز إيه، لكن متأكد إنه مش ناوي على خير. صقر كان هيحبسك في الفيلا زي شروق."
"هي شروق محبوسة في الفيلا؟"
"أيوة محبوسة وبتتعامل معاملة سيئة جدًا. كانوا متربصين بيكي ومنتظرين تروحي القصر. كان لازم أتصرف ومكنش قدامي حل تاني."
"إنت هتفضلي هنا كام يوم لحد ما أشوف أقدر أعمل إيه وأوصلك القصر بسلام."
فرش بدر الأكل على الأرض وعلى وقع الصمت أكلو مع بعض.
تمنى لها بدر ليلة سعيدة ورحل.
***
مضت أيام على شروق عاشتها في ذل. لم يكن الهرب خيار متاح لما عرفت أن والدها ممكن يدخل السجن.
ظلت تعمل في صمت وتتحمل الإهانات والتحرشات الجسدية.
وفي كل مرة ترضخ لتهديدات صقر المؤذية.
إنها تعلم أن حياتها ستسير على هذا المنوال. رعد لن يفكر أبدًا في إنقاذها بعدما رفضته وصرخت في وشه: "مش راجعة معاك."
تبكي طوال الليل. تلعن غباءها.
لكن ما الفائدة؟ لا شيء.
رواية العداءة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى
بعد مرور أسبوع توطدت علاقة بدر وتلا، تغيرت نظرتها نحوه، استطاعت أن ترى الإنسان الذي يعيش بداخله.
وكان شخصًا نقيًا يتمتع بحسن أخلاق ولم يتعمد إحراجها نهائيًا. كان يستأذن في الدخول والخروج، يحضر الطعام وإذا شعر أنه غير مرحب به يرحل فورًا.
كان شخصًا سريع الغضب ويحمل كبرياءه فوق أذنه.
وكان يخاطبها باسم "الآنسة تلا".
لما وصل اليوم ده كان شكله متغير، تلا حست بكده.
حيّت تلا وجلس على الأرض وأشعل سيجاره.
"آنسة تلا، الوضع بره هدي، أنا شايف إنك تقدري ترجعي القصر.
كلمي رعد بيه، بس خليكي صاحية، فهد بيفكر فيكي.
وفهد لما يفكر في حد بيجيبه. أتمنى إن رعد يقدر يحميكي."
وخرج صوته حزينًا منكسرًا كأنه فقد شيئًا مهمًا.
سألت تلا: "وشروق؟"
رفع بدر يده: "رعد الوحيد اللي يقدر ينقذ شروق."
رفعت تلا حاجبها: "ليه حاسك مش مبسوط؟"
"فيه حاجة حصلت؟"
"الصراحة..." وصمت بدر وتورد وجهه من الخجل. "أعتقد إن صقر اغتصب شروق."
"بتقولي إيه؟" صرخت تلا.
همس بدر: "أنا مش شفت حاجة، لكن نظرة صقر وحركاته بتقول إنه شبع من شروق."
صرخت تلا: "وأنت كنت فين؟" وضربت الطبق في الجدار.
نهض بدر، شعر أن الكلام انتهى، أنه غير قادر على تحمل الإهانات وقلبه لا يطاوعه أن يهين تلا.
"أنا هوصلك القصر بنفسي."
"مش خايف منه؟" همست تلا بنبرة ساخرة.
كتم بدر غيظه: "قومي يابنت الناس أوصلك القصر وبعدها انسى إنك شفتيني."
رافق بدر تلا حتى باب القصر ورفض أن يدلف داخله.
كان بداخله حزن يخشى أن يراه الناس وشعر أن مهمته قد انتهت.
اجتمعت تلا مع رعد، قصت ما حدث معها وما أخبرها به رعد.
لم يتمالك رعد أعصابه.
أخذ عوض الحارس وقصد فيلا صقر ولم يكن هناك أي شيء قادر على إيقافه.
اقتحم الفيلا وظهر صقر. صرخ رعد: "أنا هاخد شروق غصب عنك."
ابتسم صقر: "أهي قدامك، اسألها."
عندما رأت شروق رعد بكت وتلطخ خدها بالدموع.
"أنا عايزة أرجع معاك، بس مش هقدر. أنا آسفة."
"آسفة ليه؟" صرخ رعد. "بيهددك بإيه؟"
بكت شروق، ارتمت على قدمي رعد. "هيخاف أبويا، هيدخله السجن."
نظر رعد تجاه صقر: "بتهددها بإيه؟ انطق."
"أنا اشتريتها ومش هسيبها تمشي من هنا. ومضت عقد."
"عقد إيه؟" صرخ رعد.
"عقد بشرط جزائي نص مليون جنيه."
تنهد رعد: "عملتها تاني يا صقر؟ طول عمرك إنسان قذر."
ثم أخرج دفتر شيكاته، كتب الرقم وطوح الشيك في وجه صقر.
"يلا يا شروق بينا هنمشي من هنا!!" ولاحظ إعياء شروق وعدم قدرتها على المشي فقام بسندها نحو باب الفيلا.
صرخ صقر: "مبروك عليك يا رعد، بس لازم تعرف إنها مشرو...".
ابتلع رعد سبه وهمس في أذن شروق: "شدي حيلك، خلاص قربنا نوصل العربية."
لم تتوقف شروق عن البكاء والندب واللطم كأنها شعرت بالمصيبة للتو.
"أبويا هيدبحني، هيدبحني."
"مفيش حاجة هتحصل." همس رعد بصوت رائق. "متزعليش نفسك واعتبريه درس يا شروق."
"اللي اتكسر عمره ما هيتصلح يا بيه. أنا لازم أموت، هقتل نفسي."
ريت رعد على كتف شروق المرتعش.
"اهدّي، اهدّي. متتكلميش تاني."
عندما وصلوا القصر سلمها لتلا. "خليها تستحم تاكل وتنام.
وحطي عينك عليها لتعمل شيء في نفسها."
"حصل إيه؟" سألت تلا.
"مش وقته، مش وقته."
بعد ساعة وصل طبيب عاين شروق. الجروح في جسمها، لسعات النار والضعف العام وسوء التغذية.
اطمأن رعد على شروق وأمر تلا: "متبعديش عنها خالص وتسيب شغل القصر لهبه."
لم تترك شروق غرفتها أبدًا. كانت تقضي الليل والنهار تبكي وتنوح ولم يفلح أي شيء في إسعادها.
بعد أسبوع أمر رعد الكل يحضر حتى شروق نفسها.
وخدهم على الجنينة وأمرهم يؤدوا التمارين الرياضية.
بدت شروق ضعيفة وباهتة، لكن رعد شجعها وحمسها إلى أن ركضت في المضمار.
ركضت مثلما لم يرى أحد يركض بهذه الطريقة.
ركضت مدفوعة بالغضب وحققت رقمًا قياسيًا.
رواية العداءة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسى
انتهى مضمار الركض بينما ظلت شروق تركض.
انهت جولة فأمرها رعد ان تتوقف، لكن شروق ابت ان تتوقف.
كانت ذكرياتها والأمور السيئه تركض خلفها وتهرب منها.
اعتقدت للحظه انها لو توقفت عن الركض ستموت.
تكاد تشعر انها تنتقم من قدميها وجسدها والريح يصفعها فى كل مكان.
وقفت تلا وهبه تشاهد شروق بأنبهار بينما كان رعد يشعر بالآسى.
فهكذا تبدو الحياة عندما تحطم شخص بائس.
صرخ رعد: شروق كفاية.
لكن هيهات ان تستمع له.
انه رجل أيضآ اشتراها بشيك.
ثم إن ذكرياتها تطاردها كيف تتوقف؟
انها فتاه بلا قيمه تباع وتشترى مثل بهيمه.
تقدم رعد خطوات وعندما نظر فى وجه شروق المتعرق.
أدرك انها لن تتوقف عن الركض.
جلس على المقعد واشعل سيجارة.
ان داخلها قوة جبارة.
قوة لو تحولت للطريق الصحيح غيرت حياتها.
وجعلت تركض تسابق الريح وفى كل مره تزداد سرعتها.
والأشجار ترفرف من حولها.
لأول مره تشعر انها حره فى هذا الخلاء الواسع.
اعتقد رعد ان نصف ساعه أكثر ما ستتحمله لكنها لم تخور الا بعد ثلاثة ارباع الساعه.
بطأت سرعتها.
توقفت فى منتصف مضمار الركض.
جلست على ركبتيها.
ضمت وجهها بيدها ثم صرخت وانتحبت.
أطلقت صرخه ارعبت الطيور.
صرخه زرعت فى قلب رعد الرعب.
تتالت صرخات شروق.
آه.
آه.
كانت تطلق دانات مدفع من رئتيها.
أنفاس ساخنة بحرارة النار.
ركض رعد تجاهها.
انه يعلم شعور انسان مهزوم.
"انتى بخير"، وريت على كتفها.
"ابعد عنى ملتمسنيش"، صرخت شروق.
ابتلع رعد الإهانة جلس جوارها حتى ارتمت فى حضنه.
تركها تبكى حتى بللت قميصه.
لم يرى فى حياته انسان يبكى بهذة الطريقه كأنه يتقياء روحة.
ثم اسندها برفق نحو القصر وهو يهمس: "كل شيء سيكون بخير".
"هذا اليوم مهما كان سيء لن يتكرر مرة أخرى".
داخل القصر استحمت شروق ونامت.
لم يوقظها احد.
اي احد حتى رعد نفسها ابتعد عنها.
احترم خصوصيتها.
فرغم انه مسيطر الا انه انسان فى الاخير.
سمعت شروق ضجه وتذمر قبل غروب الشمس.
الخادمات كانو متضايقين لان رعد احضر مدرس لغه انجليزيه علشان يعلمهم.
كانو معترضين لأنهم مش فى مدرسه.
لكن رعد لما ياخد قرار لازم ينفذه.
ومضت الدرس الأول على خير وراح القصر يعود لوتيرته الممله.
راحت شروق تؤدى أعمالها داخل القصر وكان تسمع نصائح رعد فى تركيز.
فكل يوم تذهب للصاله الرياضه وتؤدى تمارين تقوية عضلات القدم ونحافة الخصر وتمارين الجهد العالى.
كانت مرحبه بأى تغير يخرجها من تعاستها.
ثم بدأت تنطق بعض الكلمات باللغه الانجليزيه.
سمعها رعد ترددها فى الصاله الرياضيه.
بعد شهرين امرها رعد ان تتحضر لمشوار مهم وامرها ان تحضر ملابسها الرياضيه معها.
كانت مسابقه داخل نادى رياضى.
بدلت ملابسها ووقفت جوار رعد.
"انت عايزنى أجرى مع دول؟"
همس رعد: "ايوه، عايزك تجرى زى ما تعودتى تجرى فى القصر لا اكتر ولا أقل".
"بس انا مش هقدر أجرى زيهم".
"متحكميش على قوتك غير لما تدخلى اختبار يا شروق".
"يلا الحكم هيطلق صافرته".
وقفت شروق بين البنات وشعرت بالخوف والرعب.
اطلق الحكم صافرته وشعرت ان قدامها متكتفه.
ركض الجميع الا شروق.
شجعها رعد: "يلا يا شروق اجرى، اجرى".
ركضت لكن بضعف.
وابتعدت عنها كل الفتيات.
بنهاية السباق كان مركزها الرابع.
استقبلها رعد بأبتسامه بشوشه: "برافو عليكى يا شروق".
"برافو ايه بس انا كسفتك وفشلت".
"مفيش حاجه اسمها فشل يا شروق طالما الإنسان بيحاول".
"احنا بنعمل إلى علينا والتوفيق بيد الله".
"متستصغريش الإنجاز بتعاك واحتفلى بيه".
"البنات دول كلهم مصنفين".
"دا كلهم شاعرين بالغيره منك، شايفه انتى بيبصو عليكى؟"
"والمدربين زعلانين".
كانت هذه بداية شروق فى الركض لأن بعدها ودون طلب من رعد كانت تركض كل صباح بكل قوتها وسرعتها.
تركض فى حضرة الطبيعه وحدها.
كل يوم من الساعه السادسه تركض شروق.
رواية العداءة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسى
كانت شروق تؤدي أعمالها وتمارس التدريبات بانتظام. لقد وجدت في الرياضة متنفسًا يأخذها بعيدًا عن الذكريات التي تقتلها.
لم يتحدث معها رعد كما توقعت. لم يطلبها لمنافسة أخرى.
كانت تعد نفسها لجولة أخرى من التحديات، لكن رعد كأنه لا يشعر بوجودها. رغم ذلك، واصلت الركض وكانت نسيت كل شيء. فإذا برعد يفاجئها في عصريه باردة تساقط فيها المطر.
كان بيده جريدة، وكانت شروق تمسح الأرضية.
تحدث بلا مبالاة: "فيه مسابقة ركض طويل على مستوى الجمهورية."
انتبهت شروق، فتحت أذنيها.
"مسابقة صعبة، 25 كيلو متر."
"هيشارك فيها كل أبطال الجمهورية، لكن!! مسابقة فاشلة."
"مفيش حد مصنف من العدائين عندنا ولا بيشارك في مسابقات عالمية. بلدنا على قد وسعها مفيهش شخص واحد صعد للأولمبياد، حاجة مخزية."
انتظرت شروق أن يطلب منها الاستعداد للمسابقة، لكن رعد صمت. واصل تدخين السجائر ونسي حديثه.
بعد مدة، همست شروق: "أنا عايزة أدخل المسابقة."
قال رعد: "لكن دي مسابقة صعبة."
"تتوقعي تقدري تنهي المضمار لآخره؟"
"أقدر"، همست شروق بتصميم.
"لو قدرتِ توصلي خط النهاية، مش مهم النتيجة، هيبقى إنجاز جديد."
ثم نهض: "خلاص، جهزي نفسك، هقدم لك في المسابقة."
بعد رحيل رعد، ركضت شروق نحو الحديقة تشعر بالحرية.
أحضرت كيساً وملأته رمالًا وربطته في قدمها، وراحت تركض تجر كيس التراب بكل قوة.
وجدت صعوبة حتى اعتادت الأمر. واصلت الركض البطيء، ثم أسرع وهي تجر الكيس.
شعرت بإرهاق رهيب. كانت تسحب أنفاسها بصعوبة.
واصلت الركض ومضى الوقت وشروق تركض.
عندما لمحت رعد، توقفت عن الركض واختفت خلف الأشجار تشعر بالإحراج.
في منتصف الليل، سمع رعد صوت دربكة في الحديقة، أقدام تركض.
فتح النافذة ونظر. وجد شروق تركض في الظلام تجر شيئاً ما خلفها.
شيء ثقيل جدًا يحتاج جهدًا بالغًا.
تحقق رعد ببصره، ثم ابتسم. شروق تجر كيس الملاكمة خلفها بعد أن وضعته في قماش حتى لا يتسخ.
تابعها دون أن تشعر، ثم همس: "عندها إصرار حديدي." وتمنى نجاحها من كل قلبه.
وفي كل ليلة حتى موعد المسابقة، كان رعد يشاهدها تركض في منتصف الليل، وحيدة وحزينة وقوية.
في موعد المسابقة، كانت شروق مستعدة. ارتدت زيها الرياضي في الصباح الباكر. أدت تمرينًا طفيفًا وانتظرت جوار السيارة.
تفاجأت شروق بالأعداد الكبيرة التي تغطي الماراثون الدولي.
صحافة، تلفاز، خلق كثير. وجدت نفسها ضئيلة بينهم.
همست لرعد بخجل: "أنا هعمل إيه بين الوحوش دي؟"
ابتسم رعد: "ثقي بنفسك ليثق فيكِ العالم."
"لا تطلبي من أحد أن يثق بكِ دام لا تثقين بنفسك."
"فكل إنسان يحدد قيمته ويجبر الآخرين على احترامه."
قبل بدء السباق، همس رعد:
"عايزة الناس تحترمك يا شروق؟"
همست شروق: "أيوه."
"اكسبى السباق ده، وأوعدك كل الناس هتتكلم عنك."
"وريهم إنتِ إيه وتقدرى تعملي إيه."
"شروق، إنتِ بتركضي زي الريح. أجرى وامنحي نفسك الحرية التي تشتاقين لها."
"في بداية السباق هتجري بسرعة معقولة، في آخر خمسة كيلو متر زيدي السرعة، لكن متبقييش الأولى ولا من العشرة الأوائل."
"في آخر كيلو متر عايزك تجري بأقصى سرعتك."
"زي الريح يا وليدة الريح والزرع والخضرة."
أطلقت رصاصة البداية، وراح الناس يركضون.
سباق مرهق طويل وصعب. ذاكرت شروق نصائح رعد في عقلها.
قبل نهاية السباق، زادت من سرعتها.
وعندما لوح المتطوع بعلم آخر كيلو متر، زادت من سرعتها.
تحملت رئتاها الضغط، وانطلقت شروق بأقصى سرعتها.
تحلق بين الحقول المزهرة، والريح تلطم جسدها المجروح.
كانت هناك واحدة أخرى تركض، فتاة متعجرفة بشعر طويل.
"إنتي اللي جايبك رعد الجبالي؟"
همست شروق: "أيوه."
"إنتي الفلاحة؟ فاكرة نفسك هتفوزي بالسباق؟"
ابتلعت شروق الإهانة. همست في نفسها: "حتى لو مقدرتش أفوز لازم أقطع قلبك."
وانطلقت مثل السهم. فل تحدٍ ثنائي. تذكرت آخر كلمة قالها رعد: "اكسبى السباق واضمن لك أن يحترمك الجميع."
قبل نهاية السباق، كانت مثل الطلقة. نعم، وحتى بعد أن عبرت خط النهاية، ظلت تركض ولم توقف إلا بعيدًا جدًا عن خط النهاية.
رواية العداءة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسى
إذا أردت أن يرغب فيك الناس أكثر، ابتعد عنهم. لا تفكر بطريقتهم، لا تسمح لهم أن يتوقعوك.
انتهى الماراثون. كانت شروق تبحث عن رعد وسط الزحمة بعد أن ركض نحوها بعض المصورين من أجل التقاط صورة أو إجراء حوار صحفي مع المجهولة.
ظهر رعد أخيرًا واحتمت به شروق من عيون الناس. وقفت وراء ظهره وهمست:
"عايزة أرجع القصر بسرعة من فضلك!"
لم ير رعد أي فرحة في وجه شروق، بل قلق قاتل.
"طيب أقول كلمتين ونمشي؟"
"لا دلوقتي من فضلك."
اخترق رعد الحشود وهو لا يستطيع أن يفهم مشكلة شروق، فكل شيء سار على ما يرام.
داخل السيارة، همست شروق:
"امشي بسرعة يا رعد بيه، عايزة أرجع القصر."
كعادته، التزم رعد الصمت. أشعل سيجاره وقاد السيارة نحو القصر.
انزلقت شروق من السيارة وركضت نحو القصر، بينما ظل رعد دقائق يدخن سيجارته ويفكر.
لم تظهر شروق ذلك اليوم.
ولا اليوم الذي بعده.
وفي الصحافة الصفراء، سارت الاتهامات عن الفتاة المغرورة ومدربها الغني الوقح.
"ضربة حظ"، هكذا عبر عنها أحد مدربي المنتخب الوطني.
"الرياضة أخلاق."
سألته المذيعة:
"يعني لا تنوي ضم هذه للمنتخب الوطني؟"
ضحك المدرب:
"قلت لك ضربة حظ. أتعتقدين أنني سأضم كل فتاة تركض في الشارع لحمل اسم بلدنا؟"
لم يحتج رعد لتوضيحات من شروق. تلا، أخبرته بالحقيقة.
باغتت شروق ظروف خاصة قبل نهاية السباق بدقيقة.
ثم ظهرت شروق، وكانت محرجة من رعد وتتحاشى رؤية وجهه.
وكان رعد يمارس أعماله. وبعد أسبوعين، منحها كارنيه نادي رياضي، حيث قام بتسجيلها ضمن لاعبات النادي حتى تحظى بصفة رسمية.
وكان يأخذها للنادي مرتين في الأسبوع، وشروق تحافظ على تمارينها الخاصة في منتصف الليل باستمرار.
كانت بطولة البحر المتوسط على الأبواب، ورفض مديرو المنتخب اختيار شروق ضمن الفريق الذي سيمثل الوطن.
شعر رعد بخيبة. هؤلاء الحمقى يدمرون الرياضة، يقتلون الأحلام من أجل الاحتفاظ بأماكنهم.
لكن الشروق التي لا تعرف بأمر البطولات، كانت تعيش حلمها الخاص، واثقة في رعد وحسن تصرفه.
لقد آلت على نفسها أن تحقق حلمها، حلم رعد غير المعلن.
وكانت تقتل نفسها في التدريبات. ورعد يشعر بالحزن. بعد عامين، تنطلق الألعاب الأولمبية، وشروق لم تشارك في مسابقات دولية، وهو بكل حال لن يتذلل لمديري المنتخب ولا مدربه.
وكان التفكير يقتله.
حتى أنه فكر في ضمها تحت علم دولة أخرى، لكن الفكرة بدت له مزعجة.
أقنع رئيس النادي الرياضي أن تشارك شروق في مسابقة عالمية تحت اسم النادي على حسابه الخاص.
كانت أول مرة تسافر فيها شروق خارج الوطن، ملتصقة برعد في كل خطوة. في المجر، حازت شروق المركز الثاني.
كانت محبطة، لكن رعد نبهها:
"لا تستصغري إنجازاتك أبداً. كم دولة شاركت في السباق؟ كم دولة حققت مركز؟"
وراحت أخبار شروق تنتشر في الوسط الرياضي. وكتب عنها صحفي شريف أنها أمل الوطن في تحقيق ميدالية أولمبية.
لكنه لا يفهم تعنت مدير المنتخب الذي لم يحقق أي شيء على مدار قرن.
كتب الرجل: ما المانع أن نمنحها فرصة؟ إنه لا يمانع بفشل جديد باسم جديد، طالما الفشل موجود أصلاً.
قبل نهاية العام، تم استدعاء شروق للمنتخب الوطني، وكان عليها لأول مرة أن تتحرك بمفردها دون وجود رعد.
وكان مدرب المنتخب يعاملها باحتقار ويقلل من قدرتها وقيمتها.
"ستكونين في فريق الاحتياط، وليس أول اختيار أيضاً."
وجرت مسابقة عالمية لم تشارك فيها شروق، وخسر المنتخب.
حصل على المركز الأخير.
كان حلم شروق يقترب من الموت. لم تتحصل على النقاط المؤهلة للمشاركة في الأولمبياد.
كأن مدرب المنتخب يخرج لسانه لكل الذين انتقدوه: سأضمها للمنتخب، لكنها لن تفوز أبداً.
ثم في آخر لحظة في بطولة العالم في صربيا، المؤهلة للأولمبياد، أمرها أن تستعد للركض.
كانت أقوى مسابقة، فكل عدّاءات العالم وأبطال اللعبة يشاركون بها. وكان الماراثون مضمون للعداءات الكينيات والإثيوبيات.
وكان ترتيب شروق المركز الخامس، وفشلت في الترشح للبطولة العالمية.
استقبلها رعد في المطار. وعندما لمحته، هطلت الدموع من عينيها. كل ما كانت تعرفه أنها فشلت، لم تحصل على المركز الأول.
رواية العداءة الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسى
هذا اليوم سيء جدًا، لكن لن يتكرر مرة أخرى.
لم تكن شروق فاهمة ماذا يعني أنها خسرت فرصة تأهل لبطولة عالمية. كل ما تعرفه أنها انهزمت، وطالما انهزمت فهذا يعني شيء واحد: أنها لم تبذل الجهد المطلوب لبلوغ الغاية.
إلا أن بذل الجهد المطلوب لا يعني تلقائيًا بلوغ الغاية. هناك عوامل أخرى لا يمكننا التحكم بها. لكن هناك شيء مؤكد، عندما تبذل كل جهدك عليك أن تحترم نفسك. إنها فقط جولة واحدة، أنت تتنفس ودوافعك تتجدد.
عملت شروق على زيادة القوة التدريبية. عندما لمحها رعد قال: "هذه الفتاة تقتل نفسها".
كانت شروق تركض وهي تحمل أشياء، كل ما تستطيع حمله من داخل القصر تركض به. تربط نفسها بحبل وتجر بكل قوة.
مرة ابتسم رعد: "هذه القزمة ستتلف القصر وتحطم أثاثه". وكان عليه أن يجد حلًا لتلك المعضلة إذا كانت لديه رغبة في الاحتفاظ بالقصر.
كان ينقل شروق لمنطقة رملية، حيث تغوص أقدامها في الرمال وهي تركض. هذا يعني أنها تتحمل ضعف القوة. في أول يوم تورمت قدما شروق، حتى أنها لم تتمكن من السير بطريقة معتدلة. إن الركض وسط الرمال والبراري يختلف عن الركض في المضمار المجهز.
وسمعها رعد تصرخ من وجع قدميها، وأقنع نفسه أنها لن تقوى على الركض لمدة أسبوع على الأقل.
صبيحة اليوم التالي وجدها فوق رأسه تطلب منه أن ينقلها لمنطقة الرمال.
ذلك اليوم ركضت شروق، وفي الأيام التالية ركضت شروق. لقد تحول جسدها لكتلة من العضلات.
وكان مدرب المنتخب تم تبديله بآخر، والذي قام باستدعاء شروق فور توليه منصبه. حدد جلسة مع رعد وشروق وشرح طموحات الاتحاد والآمال التي يضعها على عاتق شروق. "أن تكوني أول فتاة مصرية في التاريخ تصعد للأولمبياد بعد أن سبقتنا بعض الدول العربية. مجرد صعودك للأولمبياد سيكون إنجاز يا شروق".
لكن شروق تعرف أمرًا واحدًا: أن تكون في المركز الأول. في الأولمبياد أو في غيره، ستكون هي من يقص شريط النهاية.
في هذه الفترة خرجت شروق من عمل القصر بأمر رعد. كان لديها دروس عليها أن تذاكرها وتدريبات تؤديها كل يوم. وجد فيها رعد مشروعًا ناجحًا، وكانت شروق نسيت أحزانها وما تعرضت له من اغتصاب على يد صقر.
كانت شروق تستعد للسفر لإيطاليا للمشاركة في بطولة العالم، عندما تفاجأت بحضور والدها وزوجة والدها لزيارتها. والدها الذي كان يضربها باستمرار بدأ فخورًا بها. "أنا لا أعرف ما تفعلين، لكن يقولون أنك تحققين إنجازات باسم الوطن". وكانت والدتها مثل أنثى السنجاب تطلق الابتسامات بخوف وهي تنظر إليها. "الأموال التي ترسلينها تصلنا باستمرار، شكرًا لك يا ابنتي. والدك أصبح رجلًا عجوزًا وليس لديه سواك".
بعد رحيلهم اختلت شروق بنفسها. "لقد تذكروني للتو. إنهم لا يحبونني، بل يحبون النقود التي يرسلها إليهم رعد". كل ما تمنته أن يحتضنها والدها ويهمس: "أنا آسف". ربما كانت حياتها لتتغير للأفضل.
في إيطاليا، كانت المتسابقات اللاتي هزمْنَ شروق في المجر حاضرات، وتفاجأت شروق أنهن يعرفنها. كن يتذكرن اسمها، بل أمر آخر: يخشين منافستها. كانت تلك اللحظة التي أدركت فيها شروق أنها تستطيع أن تتغلب عليهن. تدربت مثلهن، إنسانة مثلهن، حان وقت التحليق.
ومنذ بداية السباق كانت مدركة أنها ستتخطاهن، ثقة لا تعرف من أين حصلت عليها.
انطلق السباق، وعلى أرض الرومان سطرت شروق أول ملحمة في مسيرتها. احتلت المركز الأول لتكون أول فتاة مصرية تتحصل على المركز الأول في الركض في بطولة عالم.
تصدرت صورتها الصفحة الأولى في جريدة لاغازيتا الإيطالية. وفي الوطن، كُتب سطر صغير في نهاية نشرة الأخبار على قناة فضائية.
احتفى رعد بشروق. كان يعرف حجم الإنجاز الذي حققته شروق. شروق التي استندت على كتف رعد باكية هامسة: "أنا رقم واحد".
رواية العداءة الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماعيل موسى
لمع اسم شروق كأول عداءة مصرية تكسب بطولة عالم. ظهرت صورتها على وسائل التواصل الاجتماعي.
فتحت لانا فمها بدهشة.
"صقر مش دي البنت اللي كانت شغالة عندك في الفيلا؟"
ترك صقر لفافة تبغه ونظر للصورة. شعر بغيظ ثم ابتسم.
"أيوه."
همست لانا.
"شوف كاتبين عليها إيه؟"
قال صقر بنبرة ساخرة.
"سيبك منها."
وضم لانا لحضنه.
"أنا خدت اللي عايزة منها."
لكن شيئًا بداخله تحرك. شيء لا يمكنه السيطرة عليه. شيء أعاده للماضي.
ورغم أن لانا في حضنه، إلا أن عقله شرد لبعيد حيث تسكن شروق في قصر رعد.
كان يحدث نفسه.
"البنت دي غريبة، فيها حاجة بتجذب زي المغناطيس."
رفض في البداية أن يحاول الوصول إليها. لكن صقر عندما يرغب بشيء، لابد أن يحصل عليه.
اختار بنتًا أخرى غير لانا. أمرها أن تتصل بشروق بعد أن حصل على رقمها.
"أخبريها أنك مراسلة من جريدة أو جمعيات حقوق المرأة واطلبي موعدًا معها."
كان رعد لا يفارق شروق إلا أوقات النوم. كان يعرف أن المهمة ثقيلة، لكن ليست مستحيلة.
عندما أخبرته شروق بأمر المراسلة الصحفية، أمرها أن تصرف نظرها.
"مش هتطلعي في التليفزيون ولا الصحافة غير والميدالية متعلقة في رقبتك. إحنا عندنا بطولة عالم تانية ولازم نجمع نقاط تؤهلنا للأولمبياد."
شروق التي كانت تركض مثل الوحش.
في أوقات الليل، يقود رعد سيارته وتركض شروق ويسير خلفها. كيلومترات كثيرة من الركض كل أسبوع.
كان رعد اتفق مع شروق على ضرورة التخلص من التعب الذي يحلق بها في آخر السباق، ولم يجد حلًا إلا عن طريق زيادة الكيلومترات التي تركضها شروق كل مرة.
"إذا ما شاركنا في ماراثون عشرين كيلو متر، ستركضين خمسة وعشرين كيلو متر."
"لو نفسك كان حاضر، يبقى كسب السباق مضمون."
يقولون إن من لديه حلم لا يموت. وشروق كانت تحمل حلمين.
وقلب ينبض بحب مستحيل، حب رعد.
كان لدى شروق ثلاث بطولات عالم قبل البطولة الأخيرة. كان كل شيء يمضي على أفضل شكل. أصبح اسم شروق معروفًا لدى كل متسابقات العالم.
لكن السباق الأخير كان مختلفًا. ضم بطلات العالم المخضرمات. ولاحظت شروق توتر رعد لأول مرة منذ بدأت الركض.
لم يرغب رعد في إحباط شروق. لكنه أكد قبل بداية الماراثون.
"مهما كانت النتيجة التي ستحصلين عليها، فإنه مرحب بها."
وانطلق السباق وركضت شروق. واصطدمت مع قوة تحمل العداءات الأفريقيات وصلابة أجسادهن وقوة تحملهن وخططهن في الركض.
تحصلت شروق على المركز الثالث. أنهت السباق دامعة تبكي.
وعندما قابلها رعد، صرخت.
"أنا عملت كل حاجة، تدربت بقوة. نفذت كل التعليمات. ليه ما انتصرتش؟"
طوال الرحلة، حاول رعد أن يشرح لها أن هذا السباق بالذات مثل الأولمبياد، وأن الميدالية التي حصلت عليها إذا حافظت على مستواها، ستحصل عليها في الأولمبياد.
"لا تنسي شروق، إن فرق الوقت بينك وبين المتسابقة الأولى لم يكن سوى نصف دقيقة."
"نصف دقيقة فقط. أنتِ قادرة على تحقيق النصر."
تدربت شروق بلا توقف في غرفتها، في الحديقة، في الشارع. حتى أثناء نومها كانت تهلوس الركض.
كلما اقترب موعد المسابقة، ازداد توترها وشعورها بعدم قدرتها على تحقيق إنجاز.
وكلما شعرت بالضعف، نظرت إلى رعد ورأت كيف يؤمن بها، فيعود إليها ثباتها وعزيمتها.
رواية العداءة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماعيل موسى
تقرر موعد سفر بعثة مصر إلى الأولمبياد.
كانت شروق متحمسة إلى أبعد حد، كما أخبرها رعد، فإن مجرد ركضها على أرض الماراثون سيسجل في التاريخ، في تاريخها الشخصي.
وكانت قد قررت أن تزيد من أحمالها التدريبية، لكن رعد رفض.
كان قد لاحظ أن عضلات قدمها قد تتعرض لانتكاسة.
وأفهمها أن الانتصار في السباق الآن يعتمد على القوة الفكرية والتكتيكية.
توزيع الجهد داخل السباق هو الأهم، واتفق مع شروق على الخطة.
كان لمدرب المنتخب رأي آخر، لكن شروق كانت تثق في رعد لأنه كان يعرفها ويحفظها منذ البداية.
في الليلة الأخيرة قبل السفر، خرجت شروق للركض في منتصف الليل. كان الشارع خالياً والجو صحواً يساعد على الجري. ازدادت حماستها وقطعت مسافة كبيرة ولم تلحظ أنها ابتعدت عن القصر لمسافة طويلة.
عندما أنهت الركض كانت منهكة من التعب، فأخذت طريق العودة سيراً على الأقدام. تفكر في رحلة الغد وكيف سينتهي بها المطاف. كيف ترد جميل رعد وما قام به من أجلها، ولم تنس أبداً ما فعلته به أول مرة. لازالت تشعر بالانكسار عندما يدق قلبها نحوه. إحساس أنها لا تستحق هذا الحب وأن رعد يستحق فتاة أفضل منها.
تنهدت شروق: "أنا فين ورعد فين؟ متنسيش نفسك يا شروق."
أعدت حقيبتها وأجبرت نفسها على النوم، قابضة على وجه رعد الضاحك وهو يستقبلها بعد نهاية السباق.
عندما وصلوا المحفل العالمي، هالتها الحشود التي تصفق، الصحافة والتليفزيون، الاستعدادات الضخمة. ووجدت نفسها متقزمة بين كتل البشر، فاحتمت برعد. لقد كان دائماً ملجأها عندما تضيق بها الدنيا أو تشعر بالضعف. وكانت كلماته تمنحها الأمان والثقة.
كان سباقها في اليوم العاشر بعد أن تخطت سباقات الترتيب.
حازت على المركز الأول في مجموعتها وصعدت للسباق النهائي.
يوم السباق النهائي، أدت تدريباتها بكل دقة. وعندما حضر رعد لمرافقتها، وجدها تبكي. هاجمتها الذكريات السيئة وكادت تقضي عليها.
عادت إليها قلة الثقة وأنها غير قادرة على فعل شيء.
همس رعد: "عايزة تمشي من هنا؟"
"لو دي رغبتك هنترك المعسكر ونمشي. انتي مش مرغمة على حاجة."
"لا مش عايزة أمشي، لكن خايفة من الفشل."
"كل الناس بتخاف من الفشل يا شروق، حتى أنا بخاف من الفشل. لكن الإنجازات مش بتتحقق من غير مجازفة."
"ربنا بعتلك فرصة ما تفرطيش فيها. كل إلى عليكى انك تبذلى كل طاقتك لآخر نفس، متشغليش نفسك بالنتيجة."
ابتسمت شروق أخيراً. همست: "حاضر."
ركضت مع المتسابقات حول المضمار لتسخين العضلات وشعرت بالتواء في كاحلها. لم تخبر رعد أو المدرب، تحاملت على نفسها.
في الموعد المحدد، انطلق السباق. ركضت مع المتسابقين وهي تشعر أن قدمها تطاق دفعات من النار.
ثاورها الشك من عدم قدرتها على إنهاء السباق. بحثت عن رعد في وجوه الناس تستمد منه الشجاعة، لكنها لم تجده وهاجمها الإرهاق. كان ترتيبها في السباق معقولاً، لكن لا يمنحها الأفضلية.
سدت العداءات الأفريقيات الطريق على كل المتسابقات، احتللن المقدمة، سامحات للمتسابقات من نفس بلدهن التقدم أكثر.
وكانت شروق تركض مثل غيرها خلفهن.
لوح بعلم ينذر بقرب نهاية السباق، لم تتبق سوى خمس دورات من الركض.
أخبرها رعد أن تركض بكل قوتها قبل نهاية السباق، أن تختزن قوتها للأمتار الأخيرة التي تحقق النتيجة.
زادت شروق من سرعتها، لكن كل المتسابقات فعلن مثلها.
مر بها شريط حياتها البائس: زوجة والدها، صقر.
فتاة الماراثون التي صرخت بها: "انتي فلاحة!"
ركضت مدفوعة بالغضب، مثل السجين الذي يبحث عن حريته. ركضت بقدم متورمة وفي كل متر تقطعه تقترب من المقدمة.
تركت كل الحارات وركضت بعيداً عنها. لم تكن تشعر بنفسها ماذا تفعل. في آخر دورة من الركض كانت في محاذاة العداءات الكينيات والإثيوبيات. انهزمت أمامهن في آخر ماراثون، لكنها لم تسمح بذلك مرة أخرى. تحررت شروق من سجنها، ركضت مثل الريح. وقبل نهاية السباق بأمتار، وصلت للسرعة القصوى، قطعت شريط النهاية وارتمت على الأرض تصرخ وتبكي.
لم تحتفل شروق بإنجازها في أرض الماراثون مثل بقية العداءات، تم نقلها للمشفى.
فقدمها متورمة ومتضررة لدرجة كبيرة، حتى الميدالية لم تقو على استلامها إلا وهي مستندة على كتف رعد.
كانت أول عداءة مصرية تحوز ميدالية أولمبية في التاريخ.
لكن الفرحة الأكبر عندما طلب رعد منها أن تكون زوجته.
لم تستطع شروق الركض مرة أخرى، ظلت الإصابة تلاحقها بقية حياتها، لكنها عاشت حياة سعيدة مع رعد وأطفالها.