يعلم الله مرارة انتظارك، وعناء ترقبك، وقبضة خوفك، لذلك اطمئن، سيفرجهامن حيث لا تحتسب. مر شهر على تلك الأحداث المهولة، ولكن حدث فيها الكثير. بعد الكشف على ريم، تبين أنها سليمة ومعافاة من الإيدز، ولكن الطبيب أمر باحتجازها في المستشفى لأنه لاحظ بعض الأعراض العصبية التي بدأت تظهر عليها، فشك في شيء ما وأمر باعتبارها تحت الملاحظة للتأكد منه.
أما بالنسبة لرامز، فهو الآن في مرحلة متأخرة من المرض، حيث بدأ الألم يزداد عليه، وأيامه الأخيرة. أما فاطمة، فعلاقتها بمريم لم تتحسن إلى الآن، فقط محاولات منها لتصالحها، لكن مريم ترفض بشدة. ولكنها لم تمل إطلاقًا من المحاولة.
وكانت أيضًا تقوم بزيارة ريم التي بدت غير طبيعية، حيث كانت دائمًا لا ترغب في الطعام، كأنها فقدت شهيتها، وتشعر أيضًا بآلام في رأسها، وإن أكلت تبتلع الطعام بصعوبة وألم، كما أنها كانت دائمًا قلقة بشدة وهائجة. أما بالنسبة لعلاء ومريم، فقد استقرت أمورهما نوعًا ما بعد أن عادت لمريم صحتها. كانا يعيشان في سعادة، ولكن أيضًا يشعران ببعض القلق والخوف على رامز وريم، وبالأخص ريم، فمهما فعلوا، فهم ما زالوا يحبونها.
أما بالنسبة لزينب، فكانت تهتم بمريم وجنينها، وتعاملها كأنها ابنتها، وتحن عليها. واليوم هو اليوم المنتظر، فقد طلب الطبيب من جميع الأسرة التجمع اليوم، وبالفعل تجمعت كل العائلة، ثم قال بنبرة علمية: "يؤسفني إبلاغكم أن ريم، على الرغم من أنها لم تصب بالإيدز، إلا أنها أصيبت بمرض آخر خطير." كان الجميع متوترًا، وينظرون له بقلق، ويحفزونه بنظراتهم على أن يكمل. فأكمل، وجعلهم كلهم يشعرون بصدمة، حيث قال: "ريم أصيبت بداء السعار."
شعرت فاطمة بالذهول، وقالت: "إزاي؟ أكيد في حاجة يا دكتور، وكمان هيجيلها منين؟ أنا بنتي عمرها ما لمست كلب." قام الطبيب بتعديل نظارته، وقال: "مع الأسف يا حاجة، كل الأعراض بتأكد إنها أصيبت. بنت حضرتك بتعاني طول الوقت من (الحمى؛ الرجفة؛ إحساس بالتعب؛ إحساس بعدم الراحة؛ الأرق (صعوبة أو عدم القدرة على النوم) ؛ فقدان الشهية؛ آلام في الرأس؛ صعوبة في البلع؛ اضطرابات عصبية نفسية، الهيجان، القلق الشديد؛ الخوف الشديد من الماء
(Hydrophobie) ؛). ومع الأسف يا فندم، دي كلها أعراض السعار. وبما أنها ظهرت، فهي ملهاش علاج. وبالمناسبة، بنت حضرتك خدت العدوى من قط كان مع جوزها، هو اللي خربشها، ومع الأسف مكانش عندها الإدراك الكافي إنها لازم تاخد التحصين." فقال علاء: "بس يا دكتور، أنا سمعت إن السعار بيتعالج من خلال حقنة كده." فقال الطبيب بنبرة علمية:
"مع الأسف لا. السعار علاجه الوحيد هو التحصين، وده بعد الخربشة أو العض مباشرة، أو مع حيوان حصل اشتباه لحالته. لكن مع الأسف المدام مخدتش التحصين، وطالما ظهرت الأعراض، فخلاص الموضوع انتهى. نحن هنحجزها هنا لغاية ما ربنا يفتكرها. الموضوع موضوع وقت مش أكتر. هي حاليًا في مرحلة الهيجان، بعد كده هتهدي خالص، وبعدها هتموت. ربنا يتولاها برحمته. عن إذنكم." ذهب الطبيب من هنا، وبدأت فاطمة باللطم والصراخ والنحيب، وكانت تشق ثوبها،
معترضة وتقول: "حرام حرام! بنتي يحصل فيها كده؟ كده حرام بقى بعد ما كبرت وربيت وعلمت وجوزت، خلاص هتتاخد مني؟ حتى ابنها خلاص هيروح؟ ده ظلم ظلم! أنا عايزة بنتي، هاتوها، تعمل اللي هي عايزاه، حرام عليكم، طلعوها." ثم ذهبت نحو علاء ومريم، وهي تقول ببكاء: "ارتحتي كده؟ ارتحتي؟ أهي هتموت حتى من غير ما أحضنها، من غير ما أسلم عليها؟ ارتحتي؟ مش هتخطف جوزك؟ اشبعي بيه. بنتي خلاص راحت مني، حرام كده، ظلم ظلم. اشمعنى هي؟ ها؟ اشمعنى؟
ما في ناس كتير، ليه هي؟ بعد ما كبرت وعلمت تتخطف مني؟ قام زوجها، ولأول مرة في حياته، يقوم بصفعها ويقول لها: "إيه؟ هتكفري على آخر الزمن؟ إيه؟ معترضة على إيه؟ على نهاية بنتك وجوزها، مش كده؟ عايزة عيل تاني تربيه على الغل والحقد وحب النفس؟ كفاية كده، كفاية." صمت قليلًا، ثم قال بنبرة عقلانية: "دي النهاية اللي هم يستحقوها. واحد بيغتصب دي، وينهك عرض دي، ويضحك على دي، ده غير علاقاته مع بنات الأجانب. إيه؟
عايزاه نهايته تكون إيه؟ لازم كان يموت بمرض خبيث زي ده يفضحو." شعر والد رامز بالخجل والحزن على ولده، فاخفض رأسه. لكن والد مريم أكمل وقال: "وبنتك؟ بنتك أصلًا إنسانة أنانية وحقودة وعايزة كل حاجة ليها، بمعنى أصح سعارنة. وسبحان الله، اللحظة اللي تحاول تخرب على أختها فيها، تصاب بالسعار. أكتر صفة فيها." ثم قال بحزن دفين: "أنا مش ملاك وبتدعي المثالية. أنا حزين على بنتي وابن أخوي أكتر، بس إيه؟ هنكفر؟
دي النهاية اللي يستحوقوها. ربنا اداهم بدل الفرصة عشرة. آخرهم لما اتطلقت من جوزها، كانت المفروض تتكسر وتحترم نفسها، لكن لأن السعار في دمها، طمعت في جوز أختها." شعر بحزن دفين، وأكمل والدموع تتساقط من عينيه:
"مش عايز أسمع صوت تاني ليكي. مش هحرمك من حزنك على بنتك، بس بلاش لطمك وكلامك اللي يسم البدن. دي نهاية عادلة لينا كلنا. حتى إنك تتحرمي من أكتر حد بتحبيه، لأنك ظلمتي أختها، عشان تنصفيها هي. وأنا أتحرم من أول فرحتي، لأني سبتهالك تربيها بمزاجك. مدخلتش. وأخوي إنه يتحرم من ابنه الوحيد، وده لأنه عمره ما قله على حاجة، لا، كله بالنسباله متاح، وده غلط. عمره ما عاقبه أو نصحه. دي عدالة ربنا. مش عايز أسمع صوت ليكم." ***
بعد شهور قليلة من تلك المحنة، حيث توفي رامز، وبعده ريم. كانت العائلة كلها تشعر بالحزن الشديد. أما بالنسبة لفاطمة، فهي ما زالت حزينة على فراق ابنتها. لم تستطع التأقلم مع أي شخص، أو حتى التحدث. تعيش في عالمها الخاص. أما مريم وعلاء، فعلى الرغم من حزنهم، لكن كانت توجد بعض الأشياء التي تبسطهم، مثل تلك اللحظات. فريم الآن في غرفة الولادة، تجلب لنا أول ثمرة لها في زواجها. خرجت الممرضة بعد ظهور صوت طفل يصرخ، وأعطته لعلاء،
وهي تقول: "ألف مبروك يا باشا، ولد زي القمر." فرح علاء، وحضن ابنه، وشعر بشعور أول مرة في حياته يذوقه. ولكن أتت زينب واحتضنت حفيده وهي تزغرت فرحًا به. ولكن سمعوا صوت صراخ مرة أخرى، وخرجت الممرضة وهي تقول: "ألف مبروك يا بيه، بنت زي القمر." شعر علاء بالسعادة، وقال: "واضح إن ربنا حب يكافئني. أنا كشفت بالسونار وقال ولد، إنت كنت فين يا مفعوصة؟ زغردت والدته مرة أخرى، وهي تقول:
"تلقاها كانت مستخبية يا حبيبي، بسم الله ما شاء الله، اللي جابلك يخليلك يا حبيبي، زي القمر." ضحك علاء، وقال: "رزق ربنا علينا، أي هنعترض؟ ها؟ نسميهم إيه؟ قالت مريم بابتسامة رومانسية رقيقة: "لأنك أحلى حاجة في حياتي وأغلى حد عندي، فأنا ليا طلب، إني دا عايزة أعمل إمبراطورية العلا، يعني نسمي الولد علي، والبنت علا، عشان يكونوا زيك في كل حاجة، حتى في اسمك." احتضنها علاء، وزغردت أمه على تلك السعادة التي حظي بها ابنها.
وتمر الأيام والشهور، وتتقرب مريم من والدتها، محاولة منها أن تعود للواقع. وهي كانت لا تشعر بسعادة إلا بوجود حفيديها علي وعلا. أما باقي العائلة، فكانت سعيدة، خصوصًا أن بعد ولادة هذين الشقيين، نجح علاء في عمله، وأصبح الآن من أهم رجال الأعمال في مصر. تمت بحمد الله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!