ياسر مش قادر يتحكم في مشاعره، ومش قادر يصدق كل الحب اللي بتقوله. ضمها أوي بقوة، راجل عاشق بجد، حبيب مشتاق، وأخيراً حبيبته بين دراعه. مشتاقة زيه وأكتر. قال بصعوبة وهمس: "أنا عمري ما هقدر أخرجك منه أبداً أبداً، ده أنا ما صدقت تيجي وتدخلي جواه. أنا معرفتش طعم الحياة إلا دلوقتي وانتي بين إيديا. بحبك أوي يا مرزوقة، وقلبي عمره ما داق الحب إلا على إيديك إنتِ." سكت
لحظة وافتكر حاجة وسألها: "بس تعالي هنا، انتي عرفتي مكاني إزاي؟ ردت مرزوقة عليه بثقة وقالت: "انت فاكر إنك ممكن تقدر تبعد عني؟ مهما تبعد وتغيب قلبي هيكون دليلي وهيوصلك. لو كنت في آخر الدنيا هجيبك. يا ياسو افهم بقى، انت قدري زي ما أنا قدرك، ومحدش بيهرب من قدره مهما عاند."
إيده كانت ماسكة ومتشبثة أوي في إيديها، مكنش عايز يسيبها تاني ولا تبعد عنه. لكن فجأة ابتدت تسحب إيديها وتبعد عنه. المسافة ابتدت تبعد بينهم أميال. فضل ينادي عليها بصوته كله، لكن صوته كان مخنوق مش راضي يطلع. وصورتها بتختفي رويداً رويداً.
قام ياسر من نومه وهو بينادي باسمها ويدور عليها في الأوضة. وبعد لحظات من التفكير استوعب إن كل اللي فات ده كان حلم جميل عاش فيه أسعد لحظات. اتنهد بوجع وحاول يسيطر على أنفاسه وأعصابه. وقعد يسترجع أسعد لحظة وهي في حضنه، وتردد في ودنه اعترافها بحبه وعاش الإحساس من تاني. وكلم نفسه واتمنى إن الحلم ده هيكون حقيقة في يوم. لكن عقله رد بسرعة وبلغه باستحالة تحقيق الأحلام. ***
وصلت جهاد لفيلا شادية وكان الوقت متأخر. وكانت شادية في أوضتها لسه على حالتها. قربت منها جهاد وحضنتها. وأول ما ضمنتها فضلت تبكي بحرقة. انسحب سليم بهدوء عشان يقعدوا مع بعض. سبتها تخرج كل اللي جواها. ولما هديت اتكلمت معاها
بمنتهى العقلانية وقالت: "ممكن تبطلي عياط ونتكلم سوا بالعقل، ونبعد العاطفة ونركنها على جنب. دلوقتي اللي فهمته منك بعد كل اللي حكيتيه بيقول إن في خطورة عليكي من استمرار الحمل في السن ده، وسليم وياسر خايفين عليكي." لاحظت إنها عايزة تدافع عن نفسها،
فكملت: "أنا مستوعبة كل اللي عايزة تقوليه، إحساسك بالأمومة ونفسك في طفل منك. بس مش على حساب حياتك يا شادية. انتي مش ملك نفسك، لا حياتك دي ملك كل الناس اللي متعلقة بيكي وسعادتها في وجودك. أنا مش هقولك ياسر صعبان عليا، وحاسة بيه. أنا هسألك سؤال، قعدي مع نفسك وجاوبي بكل صراحة. هل تمسكك بالجنين ده يستاهل إنك تضحي بياسر وسليم؟ شادية هترد عليها، وقفتها جهاد بإشارة منها وقالت: "بلاش تستعجلي وتجاوبي، خدي وقتك."
"المهم أنا فكرت في مكان ممكن ياسر يكون راحله." لسه شادية هترد وتسألها، انتبهت لصوت الفون. ردت عليه ومجدي قال بسرعة: "ياسر في البلد يا مدام شادية." شادية بفرحة: "انت متأكد يا مجدي؟ مجدي بتأكيد: "أيوه والله، سألت صديق في المرور وهو بلغني بخط سير العربية." شادية الفرحة خلتها مش عارفة تجمع الكلام فقالت بلجلجة: "ششكراً اووي يا مجدي، تعبتك معايا." مجدي: "العفو، ياسر ده صاحبي وأخويا، وربنا يهدي الحال." قفلت معاه
وقامت مسكت جهاد وقالت: "لقيناه أخيراً يا جوجو." جهاد سألتها: "في البلد صح؟! شادية بتعجب قالت: "عرفتي إزاي؟ جهاد بابتسامة: "لا معرفش بس حسيت وكنت لسه هقولك تلفونك رن." شادية باللامبالاة ردت: "مش مهم، المهم دلوقتي لازم أروحله عشان أرجعه لحضني." جهاد مسكت كتفها وقالت بنبرة جادة: "هتروحي إزاي بس؟ انتي نسيتي كلامك ليا لما قولتلك أروحله عشان أفهمه؟ ردك ساعتها كان إيه؟ قعدت شادية ورجعت بذاكرتها وافتكرت كلامها،
فردت جهاد وقالت: "أيوه بالظبط كده. استهدي بالله وسيبيه ياخد وقته في زعله. ياسر زي ما هو مش هيتقبل مني أي كلام، فهو برضه مش هيقبل منك أي حوار، لأنه ببساطة مش عايز غير إنه يسمع إنك تخلصتي من الحمل." شادية تبدلت الفرحة لحزن تاني وقالت بوجع: "بس يا جهاد أنا أمه. مستحيل أفضل هنا وهو هناك بعيد عن عيني. ازاي بس أعيش من غيره، ده هو كل حياتي ودنيتي. ياسر حطتني في أصعب اختيار يا جهاد لتاني مرة."
جهاد بآسى ردت: "كان الله في عونك. بس وجود ياسر في حياتك يستاهل إنك تختاريه. هو اللي عيشتي معاه وربيتيه طوال السنين اللي فاتت. ياسر أول من سمعك كلمة ماما وحسيتيها برغم إن فرق السنين بينكوا مش كبير أوي. انتي طول عمرك راضية بنصيبك يا حبيبتي، بلاش تضيعي سعادتك من بين إيديكي."
فضلت شادية تفكر في كلامها وتقلبه في راسها، بس عقلها وقلبها مش قادرين يجتمعوا على قرار واحد. كانت متمزعة ما بينهم، زي ما هي متمزعة بين ابنها اللي مخلفتهوش وكبرته، وبين جنينها اللي هتجيبه من أحشائها، ونفسها تشوفه وتلمسه بين إيديها وتحضنه. شردت في أحزانها. قامت جهاد عشان تروح فقالت شادية ليها: "هتروحي إزاي في الوقت المتأخر ده بس، خليكي بايته معايا النهارده." جهاد بإحراج ردت: "هتحرج من دكتور سليم، بلاش أنا هتصرف."
شادية وهي بتقدم ليها هدوم تنام فيها قالت: "انتي أصلاً مش هتمشي من هنا، خليكي معايا الفترة دي، أنا محتاجاكي تكوني جنبي أوي." جهاد ضمنتها بحب وقالت: "وأنا مقدرش أتخلى عنك، حاضر ياشوشو هبات معاكي، وأوعدك أنظم مواعيد شغلي عشان أكون معاكي أطول وقت ممكن." شادية بتفكير قالت: "أنا عيني مش هتعرف تغمض دقيقة لحد ما أطمن عليه وأسمع صوته. النهاردة هيكون أطول ليل هيمر عليا." خرجت تنهيدة قوية مصحوبة بكل الوجع اللي حاسة بيه.
وردت جهاد بألم: "أنا كل أيامي اللي عدت، كل لياليها طويلة ياشوشو. بشتغل طول النهار والليل عشان اليوم يعدي، عشان مفكرش فيه، وأحاول أنسى شوقي ولهفتي عليه. بس في آخر ساعات الليل ببقى زيك كده بتتجدد كل الآلام والأشواق في قلبي، وبفضل أدعي إن الليل يخلص بسرعة عشان أبدأ يوم جديد وبعذاب أجدد."
شادية ردت بوجع مماثل: "الغريبة إن إحنا الاتنين بنتعذب نفس العذاب، وحاسين بنفس الألم. واللي يوجع أكتر إن اللي واجعنا هو نفس الشخص. عشان كده لازم نكون مع بعض، على الأقل نقدر نخفف وجعنا، ونواسي بعض." جهاد في محاولة بتصبرها بيها قالت: "كله هيعدي ياشوشو، وكل حاجة هتتصلح بينكوا مع الوقت. انتي أمه وهو مش هيقدر يستغنى عنك. لكن أنا كل مدى الأمور بتصعب بينا وبتتعقد أوي." شادية سألتها: "هو في حاجة حصلت وانتي مخبياها عني؟
جهاد بتأثر وحزن حكت لها على رد فعله وقسوته معاها. اضايقت جداً شادية على سوء تصرفه ولعنت غباءه. لكن هي عارفاه وحفظاه كويس، لو متصرفش كده ميبقاش ياسر ابنها. طبطبت عليها وسابتها عشان ترتاح، وهي راحت أوضتها تحاول عينها تغفل من تعب اليوم. ***
الأمور هادية جداً والسعادة مرفرفة. وتبدل حال عماد وطول الوقت بيستغفر ربنا ويطلب منه العفو والغفران. أما شروق رجعت ابتسامتها وإشراق وشها نور من تاني، بعد ليالي كتير داقت فيها مرار البعاد وقهرة الفراق. عماد طول الوقت بيتصل بيها. وعلى طول يا معزوم عندها، يا إما هي عندهم في بيتها. وخالتها انهار بتعاملها أحسن معاملة. ونسيت شروق الماضي بكل أحزانه. وقررت تبص للحاضر وتتفاءل ومتتكلمش ولا تلمح بعد ما عاتبوا بعض وصفوا كل حاجة في قلوبهم.
صحي عماد الصبح بيدور على أمه مش لاقيها في البيت كله. استغرب تكرن راحت فين من غير ما تقوله. اتصل بيها مردتش. زاد قلقه وحيرته. جرب كذا مرة برضو مش بترد. في الوقت ده كانت انهار خلصت المشوار اللي راحتله من الفجر، وفي طريق عودتها للبيت. ومن الزحمة وصوت العربيات مسمعتش التليفون. وقبل ما توصل اتصلت على أختها سعاد وقالتلها: "أنا جايلك يا ختي كمان ساعة. هي شروق عندك؟
ردت سعاد بتعجب: "تنوري وتأنسي يا أختي. هو انتي محتاجة تستأذني عشان تيجي بيت أختك؟ شروق عقبال ما توصلي تكون جت من الشغل." انهار براحة قالت: "طب كويس، هتصل بعماد يسبقني، وهجيب الغدا معايا وناكل كلنا سوا." سعاد بزعل: "عيب والله اللي بتقوليه ده يا انهار، انتي بتشتميني. الجُودة بالموجودة، ولقمة هنية تكفي مية."
انهار بتبرير: "وربنا ما أقصد. أنا بس عايزة أحتفل ومحضرة مفاجأة حلوة ليكوا وعازماكوا على الغدا. وبدل ما أتعبك وأنا أصلاً في الطريق، قولت البيت واحد، عندي ولا عندك مش فارقة." سعاد بتأكيد: "طبعاً أمال إيه، واحد يا حبيبتي. خلاص أنا في انتظارك، وأقوم أعملك كيكة شوكولاتة بإيدي، وصنية كنافة تستاهل بقك." خلصت معاها المكالمة وهي نفسها مرتاحة وراضية عن اللي عملته. وكلمت عماد عشان يسبقها، ومردتش تقوله على أي حاجة. ***
أول مجدي ما صحي من نومه أخد عربيته وسافر فوراً لصديقه عشان يطمن عليه. وطول الطريق بيحاول يتخيل إيه السبب اللي يخليه يبعد بالطريقة العجيبة دي. وبعد مدة وصل وكان لسه ياسر صاحي. طلب مقابلته ونزل. وأول ما شافه مجدي سلم عليه بحرارة وسأله: "إيه ياسر؟ إيه اللي حصل يخليك مختفي بالشكل المريب ده يا شيخ؟
قعدوا على الكنبة واتنهد ياسر تنهيدة قوية من جوه قلبه وبدأ يحكي ليه كل حاجة حصلت. ومجدي مستمع له من غير ما يقاطعه. سابه يخرج كل اللي حاسس بيه من وجع وألم. ولما
انتهى قاله بصوت العقل: "حرام عليك تحط أمك في اختيار صعب كده يا ياسر. مهما يكن دي ست ومشاعر الأمومة عندها بتكون قوية. سيبها تجرب وتعيش التجربة بحلوها ومرها، وأنت خد زعلك منها شوية بس إياك تحرمها وتحرم نفسك من حضنها. أنت أكتر واحد عارف هي بتحبك قد إيه، وزمانها هتتجنن عليك." ياسر بغضب وعنف وهجوم: "هو ده اللي ربنا قدرك عليه يا مجدي؟
طبعاً ما أنت لازم تقول كده وتاخد الموضوع بالبساطة دي؛ ما هي لو كانت أمك مكنش ده هيكون رد فعلك أبداً؟ ياسر قال كلامه باندفاع من غير ما يفكر فيه. هو عارف حكايته، بس زاد على وجعه من غير ما يقصد. ولما استنتج من شكل ملامحه اللي اتغيرت، أدرك إنه غلط إنه اتكلم وذكر اسمها. فقال: "آسف يا مجدي مقصدتش والله، بس أنا فعلاً مضغوط وتعبان، ومش عارف أنا بقول إيه؟! مجدي بتفهم
وبضيق حاول يداريه قال: "حصل خير. المهم انت استغل فرصة وجودك بين الزرع والجو الجميل ده وكمل روايتك وانجزها، عشان أول ما أخلص الفيلم اللي بصوره ندخل فوراً ونرتب لروايتك." ياسر هز راسه وافتكر إنه بقاله كتير مكتبش حرف واحد فيها، حتى قلمه حزين زيه. فرد عليه بتأثر: "والله نفسي أخلصها، بس ظروفي وحالتي النفسية مخليه مزاجي وحش أوي."
مجدي وهو بطبطب على رجله: "لا والنبي روق كده ونفض أي سلبيات جواك وارجع اكتب، ده أكل عيشنا يا حبيبي، وفي ناس من ورانا فاتحة بيوت، حرام عليك توقف حالهم. أنا كده اطمنت عليك، هقوم أرجع أشوف شغلي اللي متعطل بسببك." ياسر بيمسك فيه عشان ميقومش أول ما لمح السفرة اترصت، ونادتهم مرات عم عثمان. رد ياسر وقال لمجدي: "مش هتمشي غير لما تاكل معايا، ونشرب القهوة مع بعض."
قام معاه مجدي ولسه هيبدأوا أكل، جاله اتصال على التليفون الأرضي. وردت سنية وأول ما فهم ياسر إن اللي على التليفون أمه، شاور ليها إنه نايم. فتلجلجت سنية وقالت: "سيدي ياسر أظاهر نايم يا ست شادية." ردت شادية بحزن: "طب بلغيه ياسنية إني بطمن عليه، وقوليله انت وحشت أمك أوي." قالت شادية كلامها وصوت دموعها وشهقاتها كان أعلى من صوتها. قفلت معاها وبلغته بكلامها وسابتهم عشان تجهز القهوة.
فبصله مجدي بحزن: "ليه دايماً بتحب تعذب نفسك وكل اللي حواليك؟ هون عليك يا ياسر، وطمنها عليك لو برسالة." حط ياسر كفه على وشه يداري دموعه اللي عايزة تنزل
وهو مانعها وقال بصوت ضعيف: "مش هقدر أكلمها، خايف لو كلمتها الموضوع يكبر أكتر، وأحتد عليها في الكلام. أفضل حل إني أبعد لحد ما أهدى، وهي تاخد قرارها. أنا مش أناني يا مجدي، أنا خايف عليها أوي، وبحبها لدرجة هي متتخيلهاش. ازاي عايزاني أقبل ولو باحتمال واحد في المية إني أفقدها وأوافق إزاي بس؟ مجدي زعلان على حالته ومش
عارف يعمل إيه عشان يهديه: "يعني هو حل إنك تبعد عنها، طب لو لا قدر الله حصل ليها حاجة وحشة، ساعتها هيكون إيه موقفك؟ أكيد هتندم لأنك كنت بعيد، ووقتها الندم مش هيفيد. بلاش تضيع من إيديك كل اللي بتحبهم، وأنت فاهم قصدي كويس."
قال كلامه مجدي وسابه يفكر، واعتذر إنه يقعد معاه أكتر من كده، عشان يلحق يكمل شغله، وميعرفش بكلامه ده عمل فيه إيه، كأنه قال تعويذته اللي شقلبت كيانه، وخلت دماغه متبطلش تفكير فيهم. وفضل يسأل نفسه سؤال واحد بيتكرر كل شوية؛ ليه أكتر اتنين حبهم في حياتهم ضيعهم من إيده بسبب عناده ودماغه الناشفة؟
قام طلع أوضته وحاسس إن قلبه وروحه بعاد عنه. فاتت ساعات وحاسس إنها سنين على بعاد أمه عنه. بيقاوح وهو مش عارف هيفضل لحد إمتى صامد على بعدها عنه. دي كانت هي اللي بتصبره على فراق مرزوقة. كانت هي البلسم لكل وجع أو ألم يحس بيه. كانت أمه وأبوه، وكل عيلته، ميعرفش حد في دنيته غيرها هي. ملوش حد ولا بيحب يقعد مع حد غيرها. كانت هي كل حاجة حلوة في حياته. النور اللي كل يوم بيشرق مع ضحكتها الصبح. الضياء اللي بينور طريقه. لكن دلوقتي حياته كلها حاسس إنها بقت عتمة وظلام مميت. طريقه بقى مليان أشواك وظلام. فضل على حالته كل ركن بيفكره بذكرى حلوة مرت معاها. طب يهرب منها يروح على فين؟
كان فاكر إنه لما يبعد عن الفيلا هيرتاح، لكنه ميعرفش إنه لما جه هنا ذكرياتهم طاردته بكل وحشية، وميعرفش يبعدها عن ذاكرته. بس في ظل كل الهجوم ده فجأة طارده الحلم وسرح في جمال وروعة اللحظات وعاشها بكل كيانه. *** وصلت انهار بيت أختها، وأول ما دخلت لمحت ابنها قاعد مع شروق. رحبت بيها أختها وأخدت منها شنط الأكل. لكن استوقفها سؤال عماد: "إيه ياماما كل الشنط دي، وكنتي فين من الصبح؟
قعدت انهار تاخد نفسها، وحطت شنطة جلد على التربيزة قدامهم. والكل وقف مستغرب خصوصاً لما فتحتها. وهي شافت علامات الاندهاش على وشهم ضحكت وقالت: "هتفضلوا متنحين كده كتير؟ رد عماد باندفاع: "فلوس مين دي؟ وجبتيها منين؟
انهار وهي بتقدمها ليه بحب: "دي فلوسك يا بني، أنا بعت حتة الأرض اللي حيلتي، والحمد لله جابت سعر حلو أوي. حطيت مبلغ صغير في البنك أعيش على الفوايد اللي هتطلع منه كل شهر، والباقي أهو عشان تخلص شقتك بسرعة تشطبها وتفرشها. أنا عايزة أفرح بيك وأشيل عيالك." شروق قفلت الشنطة وقالتلها بزعل: "ليه تعملي كده يا خالتو، الأرض دي كانت غالية عليكي، وشيلاها للزمن، إزاي هان عليكي تبيعيها؟ ابتسمت انهار وردت
وعيونها مرغرغة بالدموع: "هانت عليا من وقت ما فوقت واتخليت عن أنانيتي. في الأول كنت رافضة عشان أعجز عماد ويفضل جنبي وفي حضني، لكن بعد اللي حصل خلاص اتعلمت الدرس، وقولت لنفسي هتفيد بإيه الأرض وابني اللي طلعت بيه من الدنيا بيتعذب ووحيد. لقيت الرد؛ تغور الأرض ولا يعيش لحظة حزين. قمت كلمت سمسار معرفة وأول ما شاف مشتري بعتها والحمد لله كسبت فيها كويس، بس المكسب الحقيقي هو الفرحة اللي شيفاها في عيونكم واللي هتكبر لما تقربكوا من بعض."
الكل كان بيسمعها وفخورين بيها وأولهم عماد اللي ركع تحت رجليها وباس إيديها بكل حب وقال: "ربنا يباركلي فيكي يا ست الكل، وميحرمنيش منك يا ماما." ضمته لقلبها وباست جبينه وادتله الفلوس، وقالت بهزار: "بلاش بقى نكد النهاردة عايزين نحتفل، يالا ياسعاد نحضر السفرة أنا بطني بتصوصو من الجوع."
حضروا الأكل والكل سعيد بتغير طباع انهار للأحسن، والسعادة أخيراً عرفت طريقها وفرشت أزهارها العطرة وملئت البيت سعادة ومحبة. من بعد ليالي الفراق والهجران. ***
ودارت الأيام ومرت سريعة على شروق وعماد، اللي أنجز توضيب شقته وخلصها، ومش فاضل غير تنقية العفش، اللي بتشارك فيه شروق في كل حاجة وبياخد رأيها وينفذه أحياناً غصب عنه عشان ميزعلهاش، وهي بتقدر ده وبتشيله فوق راسها وبتسمع كلامه، ومش فاضل غير حاجات بسيطة ويحددوا معاد جوازهم.
وبمرور الوقت والأيام السابقة؛ ياسر، شادية، سليم، جهاد، الوضع بينهم كل مدى يسوء. ياسر في حالة هجر وعذاب، ولسه على موقفه، شكله اتبدل، ساب دقنه تطول بدون تهذيب، فقد كتير من وزنه، حابس نفسه في أوضته وأطلق العنان لقلمه وأجبره إنه يكتب وينجز، طلع كل أحزانه على الورق عشان يخلص روايته ويختمها.
جهاد لسه بتجاهد معاه ومفقدتش الأمل لحظة. اشترت خط جديد عشان تعرف تتابع حالات الواتس بتاعه، وعملت إيميل فيك عشان تدخل صفحته وتشوف أي حاجة نزلها يمكن تطمن عليه من خلالها، لكنه حرمها حتى من الإحساس ده، وبطل ينزل حاجة. بتابعه في صمت برغم مشاغلها وتصوير أكتر من عمل، لكنها مقدرتش لا تنساه ولا تبطل تحبه لحظة برغم قسوته وقلبه الحجر عليها.
أما شادية عايشة حالة حرمان حقيقي، وبتدفع ثمن تمسكها بالجنين غالي أوي. اتحرمت من ابنها اللي بعد وهاجرها، وكمان سليم اللي واخد جنب منها وزعلان. هو بيهتم بيها وبأكلها وعلاجها، ومتابعة الحمل، لكن سابها تعاني الوحدة والحرمان لوحدها، ودخل ينام من ساعتها في أوضة تانية، والكلام بينهم على القد. فقدت حنانه وضمة حضنه واحتواءه. الكل بعد عنها وبيعاقبها ومحدش منهم حاسس بيها، ولا سأل نفسه هي حاسة بإيه؟
وكل ما تحس بالوجع تكلم ابنها وتشتكيله من ظلم أحبابها. هو الوحيد اللي بيحس بحزنها، ويشاركها وجعها بعد كل محاولتها إنها تكلم ياسر فشلت، مكنش قدامها غير إنها تتصل بيه من رقم مييعرفوش. كل يوم تتصل تسمع صوته من غير ما تتكلم. كل واحد يسمع أنفاس التاني من سكات. ولا هي قادرة تنطق، ولا هو قادر يسأل مين معاه؟
لكن جواه صوت بيأكد له إنها أمه. بيكتفي يسمع صوت أنفاسها العالي، وأحياناً صوت شهقاتها اللي كانت بتدبحه وبتمزق قلبه. ولما ميقدرش يستحمل بيقفل الخط ويفضل يلومها على اللي عملته فيه وفي نفسه. مسك تليفونه تاني وحمل فيديو لمقطع أغنية ونشره لحالة واتس تعبر عن حالة الاشتياق واللوعة اللي هو عايش فيها. وحشتيني، وحشتيني بكثر ما خانني هذا الزمن وأكثر وحشتيني أحبك حب أكبر حيل من كلمة أحبك واسألي عيني، إسألي عيني
يا أقرب من نظر عيني لعيني يا أبعد من حنانك عن حنيني أمانة كيف تنسيني، تنسيني مشتاق، مشتاق، مشتاق فضل يسمع المقطع ده عشرات المرات يكرره، ويسأل نفسه ويتكرر السؤال في كل مرة؛ هل الكلمات دي يقصد بيها مين؟ أمه ولا حبيبته الماكرة؟ وياترى العلاقة هتفضل كده بين شادية وياسر لحد إمتى؟ وهل هيستمر الفراق بينهم ولا ممكن يحصل حاجة تقربهم من بعض تاني؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!