الفصل 36 | من 44 فصل

رواية العسقلة الماكرة الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم ايمان كمال

المشاهدات
20
كلمة
4,496
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 82%
حجم الخط: 18

ياسر بقلق: انتي كويسه يا حبيبتي؟ شادية بمجرد ما قامت من على السرير، حست بدوخة وزغللة، فردت قبل ما التليفون يقع من إيديها وقالت: الحقني ياياسر. ياسر حس إن قلبه هيقف من الفزعة والخضة عليها، لسانه اتلجم زي ما يكون اتربط، أخد المفاتيح وجري بأقصى سرعة على فيلتها كأنه بيسابق الدقايق والثواني، فتح الفيلا وأخد درجات السلم بسرعة رهيبة وفتح باب أوضتها، لاقاها واقعة على الأرض مغمي عليها.

شالها بمنتهى الحنان بين إيده كأنها قطعة من الماس خايف عليها تتخدش أو تنجرح، أخد إزازة برفان من على التسريحة وبإيد مترتعشة من الخوف عليها رش على إيده وشممها، إحساس الفقدان سيطر عليه، دموعه نازلة من عينه مش متخيل إنه ممكن يفقدها في لحظة. لما غابت من الفوقان كان هيتجنن، فضل يهزها وبصوت مهزوز مبحوح قالها: ماما بالله عليكي فتحي عينك وردي عليا، فيكي إيه يا حبيبتي، ماما أوعي تسبيني أنا من غيرك أموت، مقدرش أعيش لحظة من غيرك.

فتحت شادية عينيها وابتسمت بضعف وقالت: ياسر حبيبي أنا كويسة، متعملش في نفسك كده. ياسر عرف يتنفس طبيعي وأخدها في حضنه زي ما تكون غايبة عنه سنين مش ساعات، وقال بجدية: إحنا لازم نروح نكشف حالا عشان أطمن عليكي. شادية باعتراض: مفيش داعي أنا بقيت كويسة. ياسر بقلق سألها على سليم فردت عليه: محستش بيه لما نزل، مرضيش يزعجني. ياسر اتصل عليه فرد

سليم وبلغه بتعبها فقال: هاتها بسرعة يا ياسر، هي بقالها يومين مش مظبوطة وطلبت منها أكتر من مرة نكشف وكانت بترفض، لو سمحت اديهالي. أخدت شادية منه الهاتف وأول ما سمع صوتها قال: شوشو حياتي البسي وهكون في انتظارك، أرجوكي عشان أطمن عليكي اسمعي الكلام.

شادية هزت راسها بالموافقة وبلغته إنها هتيجي، قفلت معاه وهو ساعدها إنها تقوم، وطلع ليها لبسها، واستناها لحد ما تجهز، وأول ما خرجت أخده وطلع على المستشفى اللي شغال فيها سليم، وكان في استقبالها، معالم القلق كانت مسيطرة عليه، ضمها بخوف من فقدانها، وبعدين أخدها لمعمل التحاليل وعملها مبدئياً كل التحاليل اللازمة عشان يطمن عليها، ويحدد هتكشف تخصص إيه.

انتظروا نتيجة التحاليل في أوضة فاضية واعتذر عن الحالات وفضل جنبها، محتويها في تعبها، وياسر قاعد جنبها من الناحية التانية، وهما الاتنين بيغرقوها باهتمامهم لدرجة إن شادية حسدت نفسها من غير قصد على كل الحب ده. ومر الوقت وظهرت نتيجة بعض التحاليل، وخبطت دكتورة التحاليل ودخلت قدمت الملف لسليم، اللي بص فيهم وأول ما خلص، علامات الصدمة بانت على وشه، انسحبت الدكتورة وخرجت وقرب

ياسر وسأله برعب من شكله: التحاليل فيها إيه يا سليم انطق أنا مش قادر أتمالك أعصابي. سليم قفل الملف والصمت على ملامحه مدموج بعلامات الصدمة، حطه على التربيزة، وبصلهم وقال: شادية حامل !! ياسر بص له جامد مش مصدق اللي سمعه، قرب منه ومسكه من كفته وقال: إنت بتقول إيه؟ اللي سمعته ده حقيقي؟ أكيد في حاجة غلط، والتحاليل دي مش بتاعتها. سليم هز راسه برفض وقال: التحاليل صحيحة للأسف. شادية كانت في عالم تاني...

عالم فضلت تحلم بيه لسنين طويلة إن يكون عندها طفل من حبيب عمرها، وعشانه اتخلت عن حلم أي بنت إن يكون عندها طفل، واكتفت بياسر عوض ليها، ودلوقتي ربنا عوضها وهتخلف من سليم، الفرحة مكنتش سيعاها، قامت وقربت أوي من سليم وحطت إيديها على خده وبصت له جوه عيونه بكل حب سنين عمرها ليه، وقالت ودموع الفرح نازلة بتبارك ليها: سليم قول إني مش بحلم.. قول إني شايلة في رحمي حتة منك، سليم أوعى تكون بتكدب عليا.

سليم عيونه جاوبت بنعم، وكان شايف فرحتها ومقدرش يموتها ويبلغها إنه لازم ينزل، لكن ياسر اللي صدمته فاقت اللامعقول وهو لمح فرحة أمه كأنها مكنتش أمه طول السنين اللي فاتت، قرب منهم ومسكها وسألها: إنتي فرحانة إنك حامل؟ شادية بعدم فهم لقصده ردت بتأكيد: أنا هموت من الفرح طبعاً، إنت مش مبسوط يا ياسر؟ ياسر بحده مستغرب سؤالها: أفرح!! إزاي عايزني أفرح يا ماما؟

إزاي أتبسط والحمل في سنك ده فيه خطورة عليكي، إنتي مش في حمل مخاطرة، ما تتكلم يا سليم وتقولها مخاطر الحمل بعد سن ٤٥ نتايجه إيه؟ ولا تكون إنت كمان فرحان وعايز الطفل؟ سليم بنفي قال: أنا مش عايز حاجة من دنيتي غير شادية وبس، هي كل عمري وحياتي. شادية استوعبت دلوقتي قصده، رجعت لورا مش قادرة تصدق كلامهم، وردت بعنف وحدة، وهي حاضنة بإيديها الاثنين بطنها بحنان أمومي، كأنهم درع بتحميهم من غدرهم

ومقصد هم وقالت بهسترية: مستحيل حد هيأذي ابني أو بنتي أبداً، حتى لو هموت مش مهم أموت، المهم هو يعيش ويشوف الدنيا. هنا ياسر صرخ فيها وقال: وأنا إيه يا ماما مش ابنك؟ طول عمرك بتقوليلي إنت ابني اللي مخلفتهوش، ولا كان ده وهم، ودلوقتي عايزة تحرميني منك عشانه.

شادية بدموع ردت: ياسر افهمني، إنت ابني وربنا يعلم، لكن نفسي أجرب إحساس نبض طفل جوايا بيكبر، ومش أي طفل ده من أكتر إنسان حبيته واتمنيت أخلف منه هو وبس، إزاي عايزني أتحرم منه؟ إزاي يا ناس أقتله مش ممكن؟! ياسر نظراته كانت بتجلد شادية، لكنها صممت على رأيها، فسليم اتدخل وقالها وهو بيحاول

يقنعها تغير رأيها قال: يا شادية استمرار الحمل في خطورة عليكي، وأنا لو كنت عايز عيال؛ كنت اتجوزت من زمان، لكن أنا مش عايز حد إلا إنتي أكمل الباقي من عمري معاكي، فكري بالعقل، تستمري في الحمل واحتمال كبير يجي طفل معاق تظلميه طول حياته. ردت بدفاع: وممكن يجي سليم ومعافى. سليم بغضب: احتمال ضعيف جداً. شادية بعند: ولو واحد في المية، أنا راضية بهدية ربنا وعوضه، وهتمسك بيه مهما يكون هحبه وأراعيه.

ياسر بحزن جوه صوته قال: عمري ما كنت أتخيل إنك ممكن تكوني أنانية في يوم يا ماما. شادية بتأثر قالت: أنانية عشان مش عايزة أموت حتة مني يا ياسر؟ ياسر وهو من كتر انفعاله ضرب الحيطة بقبضة إيده قال: لأ أنانية عشان عايزاه، بتفضلي طفل في علم الغيب لسه مشافش النور عليا أنا، وأنا اللي طول عمري فاكر إني أهم حد عندك، طلعت غبي ومتوهم. لف عشان يواجهها بعد ما كانت مديها ظهره، وبص في عينيها

وقال بنبرة تهديد قوية: أنا هحميكي من نفسك، عشان مقدرش أستغنى عنك، عشان كده بقولهالك يا ماما، اختاري ما بيني وما بين الحمل؟! شادية قلبها وجعها، الاختيار صعب أوي، كأنه بيخيرها ما بين روحها وقلبها، قعدت وبصت له بكسرة ومقدرتش تنطقها، هو فهم ردها وقال لأول مرة يحس بالخذلان

منها وبنظرة انكسار قال: ردك وصلني يا ماما، ويكون في معلومك، لو جرالك حاجة عمري ما هسامحك على كسرة قلبي وحرماني منك، وآه ياريت متنظريش مني إني هحبه في يوم، لأني عمري ما هكره حد في حياتي زيه.

قال كلامه بالعافية، وسابهم وخرج وشعور الوجع امتلكه من جديد، كل اللي حبهم بيروحوا منه يوم بعد يوم، أولهم مرزوقة ودلوقتي أكتر واحدة قلبه حبها وكانت بالنسبة له عالمه الخاص، فضل سايق مش شايف قدامه، مكنتش عينيه بس اللي بتبكي، إنما بكاء قلبه كان أشد وجع وألم. حاسس إنه زي الطير المدبوح بيفرفر، واللي قامت بنحره أعز ما ليه في الدنيا كلها...

إحساس المرار اتملك قلبه ومع كل آسف مبقاش فيه رفيق هيستمر معاه ويصاحبه غير المرار والوجع.. وصل لفيلته وسألته هنية عنها، فرد بجمود: الحمدلله كويسة، ياريت من اللحظة دي تلمي كل حاجتك يا هنية وتروحي تعيشي في الفيلا معاهم، عشان هتحتاجك الفترة الجاية جداً. هنية بستغراب: طب وحضرتك يا ياسر بيه. ياسر وهو طالع لأوضته رد: أنا هسافر يا هنية، يلا نفذي اللي قولتلك عليه وروحي هناك خليكي في استقبالها، وحضري الأكل واهتمي بيها.

هنية: أوامرك يا ياسر بيه، ستي شادية في عيني. سابها ودخل أوضته ولم كل هدومه وحطهم في شنطة، وبعدين غير هدومه ونزل للمكتب لم كل أوراقه ودفاتره الخاصة، واللاب توب وحطهم في شنطة سفر واتحرك من غير ما يبلغ أمه إنه هيبعد.

موقف سليم كان صعب، خوفه من خطورة تكملة الحمل كان أقوى من إحساس فرحته إنه هيبقى أب، مقدرش ينكر إنه عمره ما تمنى الخلفه إلا منها هي، لكن لما رجعت له كان العمر والقدر أقوى منهم، ومتصورش إن ممكن يحصل حمل لكبر عمرها، فضل باصص ليها ومفيش كلام قادر يخرجه من شفايفه، أول مرة تبكي قصاده ومش قادر يطبطب ويمتص وجعها ده، خبى وشه بكف إيده، يداري عنها وجعه وخوفه، واستسلم لحزنه.

شادية بقت متمزعة لتاني مرة ياسر بيحطها في اختيار صعب، أول مرة لما خيرها بينه وبين سليم، واختارته هو، لكن المرة دي مستحيل تتنازل عن ابنها، هتفكر في نفسها ولتكن المرة الأخيرة. قامت وركعت تحت رجل سليم، ونزلت إيده وحضنته جامد، وفضلت ساكتة صوت شهقاتها بس اللي بيصرخ إنها في أشد الاحتياج ليه، بادلها سليم الحضن بأقوى منها، نفسه يدخلها جوه ضلوعه...

نفسه متفارقش حضنه أبداً، حس إن القدر بيعانده مش هي، بيقوله أدتهالك وفرحت قلبك، وعوضتك عن حرمانها منك، وهخدها منك في لحظة وتحرمك الباقي من عمرك منها. دموعه نزلت من كتر حبه ليها، همس ليها برجاء: أنا بعشقك يا حب عمري، مش عايزة يا شادية، أنا عايزك إنتي وبس، خليكي معايا ومتسبنيش، فكري فيا إزاي هقدر أعيش لو جرالك حاجة؟ الدنيا من غيرك متتعاش ولا ثانية.. فكري فيا وفي ياسر اللي ماشي مش شايف قدامه. شادية خرجت

من حضنه وردت بانهيار تام: مش هقدر يا ناس حسوا بيا، حرام عليكوا بلاش تضغطوا عليا بالشكل ده، حتى إنت يا سليم.. إنت أكتر واحد مفروض تكون مقدر وحاسس بكل إحساسي ومشاعري، إزاي عايزني أتقل حتة منك ومني، بذرة حبنا اللي هتكبر وتقوي علاقتنا..؟!

سليم بخوف: اهدي يا شادية، حبنا مش محتاج لطفل يقويه أبداً.. حبنا زي الشجرة العتيقة متثبتة في الأرض وجذورها متفرعة ومتشبثة فيها، مهما يجي عليها فصول السنة برضه بتكبر وترعرع، وبتزيد في غرس جذورها.. زي حبك ما عاش جوايا سنين عمره ما قل ولا نقص في يوم، بل كان بيزيد برغم وجعه، جاية دلوقتي بعد ما بقيتي في حضني ممكن أتحمل لحظة واحدة من فراق، مستحيل أسمح بيها أبداً.

تمالك نفسه وأخدها وقال: تعالي نروح عشان ترتاحي، أنا هعتذر وأخد إجازة، يلا بينا، وربنا يحلها من عنده، ونشوف دكتورة النسا هتقولنا إيه؟ اتحركت شادية معاه وعينيها بتترجاه ميتخلاش عنها هو كمان.

سايق ياسر ومش عارف يروح فين، ولا الطريق موديه لحد فين، مفيش مكان محدد عايز يعتزل فيه، كل اللي عايزه إنه يهرب من العالم كله ويكون لوحده يتقوقع جوه أحزانه وبس، نفسه عقله يقف عن التفكير، أتمنى إنه حتى يفقد ذاكرته عشان يبدأ حياة تانية غير حياته اللي بقت كلها عذاب وأحزان ملهاش آخر. غصب عنه فضل يفكر في أمه، حالتها دلوقتي عاملة إيه؟ هيتجنن ويطمن عليها؟ طب هتعمل إيه لما تعرف إنه ساب البيت؟

معرفش إزاي جتله الجرأة يعملها، ده عمره كله كان معاها، حياته مقفولة عليهم هما الاثنين وبس، مفيش يوم غابت عن عينه ومشفهاش، طب إزاي هيقدر يعيش من غيرها ويبعد؟ الإجابة كانت مؤلمة عليه جداً، ومعرفش حتى يتخيلها ويصورها.. برغم إنه كاتب وبيعرف يشرح الألم البعد والشوق، إلا إنه في اللحظة دي مش عارف يوصف ويتخيل حياته هتكون شكلها إيه من غير أمه ما تكون جنبه؟!

حس إنه رجع طفل صغير من تاني، طفل لسه فاطمينه منها ومش قادر يبعد عن دفء حضنها، سأل نفسه ليه قدره عايز يدوقه طعم الحرمان من تاني، ويعيشه من جديد بس المرة دي وهو واعي أكبر ومشاعره ناضجة، غمض عيونه بوجع وقرر يروح البلد بتاعتهم، ويغير جو يمكن يهدى، فغير خط سيره وتوجه لهناك. وصلت شادية لفيلا ياسر، ودخلت تنادي عليه، قابلت هنية شايلة شنطة هدومها،

سألتها عنه فقالتلها: ياسر بيه جه من بره قالي حضري هدومك وهتروحي عند ماما في فيلتها عشان أنا هسافر، وطلع لم حاجته ومشي. شادية حطت إيديها على قلبها، حسيت إنه ضاع منها للأبد، وإنه نفذ كلامه، بصت لسليم وقالتله بترجي وهي مش مبطلة عياط: ياسر ضاع مني يا سليم، رجعلي روحي، أنا ممكن أموت لو بعد عني.. أنا عايزة ابني، هاتلي ابني، يا ترى رحت فين يا حبيبي... يارب ردوه ليا ومتحرمنيش منه، أنا مليش غيره.. ليه تعمل كده في أمك يا ياسر؟

طب كنت أزعل مني بس وأنت قصاد عيني؟ ليه تحرمني منك ومن البصة في عينك؟ والله ده حرام اللي بتعمله فيا ده؟ سليم طبطب عليها وقال: اهدي يا شادية، ياسر مش عيل صغير، ده راجل وناضج، يعني هيروح فين بس، أكيد سافر يومين في أي مكان يريح فيه أعصابه وبعدين يرجع. هزت راسها بنفي وقالت بحسرة ويأس: ياسر مش هيرجع، إنت متعرفهوش زي، ياسر غضبه وزعله وحش زي الإعصار الشديد اللي بيهد ويدمر بلاد.

سليم بهدوء رد: مهما زاد مدة الإعصار مسيره يهدى وكأنه ما كان. شادية بألم ووجع ردت: لكن مع كل آسف هيكون دمر حاجات كتير صعب إنها تتصلح وترجع زي الأول. سليم فهم قصدها، وأقومها عشان يروحوا بيتهم، وراحت معاهم هنية، وطلب منها سليم إنها تحضر الأكل عشان تاكل، رفضت شادية، لكن مع إلحاحه وافقت، وفضلت طول الوقت تفكر ممكن يروح فين؟ وتسأل مين عنه؟

ده طول عمره وحيد وملوش أصحاب، ولا ليهم معارف، فكرت في مجدي مسكت تليفونها واتصلت بيه وسألته، وزاد حزنها لما عرفت إنه مش معاه، وطلبت منه يبلغها بأي حاجة توصل له. فضلت رايحة جاية مش عارفة تتصرف إزاي، عقلها هيشت منها، هتجنن من غيابه، حاولت آلاف المرات تتصل بيه قافل تليفونه عشان متوصلش ليه، رد فعله كان قوي، وعقابه كان أشد قسوة.

وبعد عدة ساعات وصل ياسر للفيلا بتاعت جده اللي اتربى فيها وهو صغير، دخل من البوابة ولما لمحه عم عثمان جري وراه عشان يرحب بيه.

دخل ياسر جوه الفيلا ولحظات الحنين شدته لكل ركن بص عليه، وعلى كل حيطة متعلق فيها صورة مع أمه شادية، مفيش صورة غير وهي مشاركاه كل لحظات عمره وحياته، صورة وهو بيحتفل بعيد ميلاده.. صورة وهي بتحضنه في أول يوم مدرسة، صورة وهي بتلعب معاه، وغيره وغيره من الصور الكتير وذكريات ومشوار حياة طويل، إزاي قدرت تنساه وتفضل عليه حد تاني، قرب من حيطة متعلق صورة كبيرة ليها لوحدها رفع إيده ومشى على كل ملامحها اللي اشتاق ليها أوي، ومعرفش هيقعد هنا إزاي ويتحرم منها، فاق على صوت البواب

اللي بيحرس الفيلا قاله: يا ألف مرحب، أهلاً وسهلاً يا ياسر بيه نورت البلد، مقلتش ليه إنك جاي عشان ندبح الدبايح ترحيب بيك، ده إنت بقالك كتير منورتناش، أمال الست شادية مجتش معاك؟ ياسر بحزن: لأ ماما في الفيلا، أنا بس اللي قعدت شوية أغير جو، شوف إنت بس حد ينضف أوضتي. عم عثمان رد: أوضتك نضيفة وزي الفل، الفيلا كل يوم بنهويها ونضفها ونمسحها كل أسبوع، تحسباً إن حد يجي على غفلة، دي كانت أوامر ست شادية، تحب نجهز لقمة كده سريعة.

ياسر وهو بيتحرك لفوق رد: شكراً مليش نفس، أنا بس محتاج أرتاح، روح إنت مش هحتاج حاجة، وأي حد يسأل عني أنا مش موجود، مفهوم. عم عثمان رد بطاعة: مفهوم يا بيه، تصبح على خير. طلع ياسر وعثمان مستغرب حالته جداً، عمره ما جه لوحده ويبات من غير أمه أبداً، حس إن الموضوع في آنه، خرج يروح على أوضته اللي جنب البوابة وذهنه بيفكر ومشغول.

حط ياسر شنطته على السرير وفتحها عشان يرص هدومه في الدولاب، ويطلع كل شغله ويرصهم على المكتب اللي موجود على جنب مخصوص عشان لما كان بيجي يقعد هنا ويشتغل، وأخد شاور، وغير هدومه وحاول يستريح من تعب اليوم الطويل، حس إن الصداع هيفرتك راسه، قام يدور على أي مسكن ياخده، ملقاش، فتح الدولاب ولمح كرافته، مسكها وربط بيها راسه أوي لعلها تهدي الوجع والطبل اللي جواها، ومدد على السرير،

وقال: يا ريتني أعرف أسكن وجع قلبي زي ما بحاول أسكن وجع راسي. لمح بعينه صورة شادية في برواز على الكومدينو جانبه، مسكه وبصله كتير وقال بوجع: ليه تعملي فيا كده؟ ليه توصلينا لطريق مسدود، وتضحي بحياتك عشانه؟ ليه يا ماما ده أنا مليش في الدنيا دي حد غيرك، ولا عايز حد غيرك.. إنتي كل الأهل والاحباب والصحاب. غمض عينه وحضن صورتها واستسلم للنوم، يمكن يلاقي فيه راحته.

مجدي بيعمل اتصالاته بكل معارفه في المرور يمكن يوصل لأي معلومة تفيدهم، ومن خلال أرقام عربيته عرف هو راح فين، اتصل كتير بشادية لكن فونها دايماً مشغول، راح يخلص تصوير آخر مشهد النهارده وقرر يروح يبلغها بنفسه عشان يطمنها.

الليل عتم ظلامه السما، واختفت كل النجوم والعتمة هي اللي سيطرت في غياب قمر الزمان، شادية واقفة في شباك أوضتها عقلها هيتجنن من عدم رجوعه، ومش في إيديها حاجة تعملها غير إنها تنتظر وبس، كل محاولات سليم في إنه يهديها باتت بالفشل، مفيش على لسانها إلا ياسر عايز ياسر وبس. سمعت فونها بيرن، جريت عليه زي المجنونة لعله يكون هو، لكن اكتشفت إنها جهاد ردت بسرعة ومن نبرة صوتها سألتها جهاد وحكت ليها على كل حاجة،

فردت جهاد: اخس عليكي يا شوشو كل ده يحصل من الصبح ومبلغتنيش بيه، أنا مسافة الطريق وجيالك، مستحيل أسيبك في الظروف دي. شادية بوجع ردت: مكنتش فايقة والله، أنا من الصبح زي ما أكون حد ضاربني على راسي بشومة ومفقتش لحد دلوقتي، خليكي مرتاحة أنا مقدرة ظروف شغلك والتصوير واخد كل وقتك. جهاد بزعل: إزاي تقولي كده، تهون الدنيا كلها والشغل يتأجل، بس إنتي متتهونيش أبداً، هاخد تاكسي وهكون عندك على طول.

من حسن حظ جهاد إنها خلصت تصوير، وقفت تاكسي وبلغته العنوان، وطول الطريق بتفكر يكون راح فين؟ وبتحاول تفهم شخصيته العجيبة، الصعبة اللي محدش يعرف يتعامل معاها بسهولة. فكرت كتير ومرة واحدة قالت لنفسها: هو مكان واحد مفيش غيره، وأكيد هناك.

فتحت جهاد باب أوضة نومه، وقعدت تتأمل فيه وهو نايم، مكنتش مصدقة إنه قدامها، قعدت جنبه وفضلت تمشي بإيديها على خصلات شعره، وعلى خده بنعومة كأنها بتعزف على أوتار قلبه، فتح ياسر عينه ومش مصدق إنها قصاده، لسه هيهاجمها ويزعق فيها، سبقته وقالت بمنتهى الرقة والميوعة: وحشتني أوووي، كنت بموت كل دقيقة من غيرك.. ياسر كل حصونه انهارت ومعرفش يرد ولا يقاوم سحرها، ابتسمت له بسعادة اللقا، ولفت إيديها حوالين

رقبته وقربت من وشه وقالت: كده أهون عليك تبعد عني كل المدة اللي فاتت، معقول لحد دلوقتي مش عارف أنا بحبك قد إيه؟ أنا مش بس بحبك، لا أنا بتنفسك يا ياسر، بموت فيك. ياسر تنح ومش مستوعب اعترافها بحبه، رده الوحيد كان إنه أخدها في حضنه وضمها أوي وفضل يبوسها بجنون بشوق كل الأيام الأسابيع اللي فاتت، وبعد وصلة الغرام الطويلة قالها: أنا اللي بعشقك يا مرزوقة، بحبك لدرجة متتخيلهاش. مرزوقة وهي

بترمي نفسها في حضنه قالت: أوعى تبعدني عن حضنك تاني يا ياسر، عاقبني بأي عقاب في الدنيا إلا إنك تحرمني من حضنك، إنت متعرفش هو بالنسبة ليا إيه؟ هو الوطن... الدفا.. الأمان اللي بلاقي نفسي جواه، عشان خاطري خليني دايماً جواك، خاصمني وعاتبني بس وأنا جواه. ياسر مش قادر يتحكم في مشاعره، ومش قادر يصدق كل الحب اللي بتقوله ضمها أوي بقوة راجل عاشق بجد.. حبيب مشتاق وأخيراً حبيبته بين دراعه مشتاقة

زيه وأكتر قال بصعوبة همس: أنا عمري ما هقدر أخرجك منه أبداً أبداً، ده أنا ما صدقت تيجي وتدخلي جواه، حضني كان متحرم على كل بنات حواء، وجيتي إنتي سكنتيه وملكتيه، أنا معرفتش طعم الحياة إلا دلوقتي وإنتي بين إيديا، بحبك أوي يا مرزوقة، وقلبي عمره ما داق الحب إلا على إيديك إنتي. سكت لحظة وافتكر حاجة وسألها: بس تعالي هنا إنتي عرفتي مكاني إزاي؟ ياترى مرزوقة عرفت مكانه إزاي؟ وهل شادية هتستمر في حملها؟

وهل عندها حق إنها تحتفظ بيه رغم الخطورة على صحتها؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...