ياسر بدموع بتنزل مش بتقف قال: اعمل إيه يا مرزوقة؟ أنا مستعد لأي حاجة المهم أمي تكون كويسة. مرزوقة بحماس وقوة، قربت من ودنه وهمست له هيعمل إيه.
فضل يسمع وبرغم إن كلامها ده كان بيحرق قلبه، لكنه فضل سعادة أمه على روحه. نزل مكتبه وقعد على كرسيه بتقل شديد على الخطوة اللي هيقبل عليها، بس للأسف مفيش مفر منها. لو هيقدم روحه ليها عشان تكون طوق نجاة مش هيتأخر أبداً. بصوابع مهزوزة طلب أكتر رقم بيكرهه ومش بيطيق صاحبه، بس ملقاش رد منه. حمسته مرزوقة بعنيها بترجي إنه يجرب تاني. وفعلاً رن عليه.
كان في الوقت ده سليم مشغول في كشف، ولما خلصه بص على الرقم وكان مش هيرد، بس قلبه خاف يكون في حاجة لحبيبة عمره. رد عليه برسمية شديدة وقال: نعم، خير. ياسر بلع ريقه ملقاش أي لعاب يطري حلقه. لمح كوباية ميه شرب القليل منها ورد بعد ما اتنحنح: سليم تعالى بسرعة الحق أمي منهارة. وقف سليم أول ما سمع حروف اسمها ومقدرش يسيطر على دقات قلبه من سرعتها، فسأله: مالها شادية؟ انطق فيها إيه؟ غمض ياسر عينه بألم وقاله بصوت ونبرة مخنوقة
بيقاوم إنها تطلع بوضوح: مش عارف، لاقيتها واقعة على الأرض ومنهارة من العياط وبتقول حب عمري ضاع. أنا اللي بترجاك دلوقتي أنت تلحقها، أنا مليش حد في الدنيا دي غيرها. قاطعه سليم ورد بلهفة بعد ما فهم إن رسالته هي السبب: مسافة الطريق وهكون عندك. قفل مع سليم، ورن على صديقه مجدي، يطلب منه يجيب مأذون ويجيله حالا. استغرب مجدي، بس ياسر قاله: متتأخرش أنت بس، ولما تيجي هفهمك على كل حاجة يا مجدي.
مجدي بقلة حيلة رد: حاضر، مسافة الطريق وهكون عندك.
مر حوالي أكتر من نص ساعة، كانت بالنسبة لياسر ساعات طويلة. شريط ذكرياته كلها مر زي شريط السينما قصاد عينه، كأنه فيلم وبيتعاد قدامه. كل لحظة ضمته فيها وهو بيبكي.. كل فرحة شاركته فيها.. كل لحظة حزن مرت عليه لما كان بيجيب درجة مش حلوة وهي كانت بتشجعه وتقوله إنها مش نهاية العالم.. عمرها ما زعلته في يوم.. عمرها ما قالتله كلمة تجرحه. كانت بتعامله يمكن أفضل من أمه الحقيقية لو كانت عايشة.. شادية كانت أول حضن حقيقي داق فيه
الحنية والدفى.. أول إيدين كانت بتدلع وتطبطب.. أيوة هي كل حاجة ليه من الدنيا.. وحبه ده نابع من حنانها وطيبة قلبها معاه. هو مش أناني زي ما بتتهمه مرزوقة؛ هو محب لأكتر إنسانة علمته معنى الحب والأمان، وقصاد ده لازم يبديها هي على سعادته؛ لأنها لما تكون سعيدة أكيد هيفرح لسعادتها.
سليم بيسوق بسرعة جنونية، ساب كل المرضى وكل حاجة وجري بلهفة وشوق عشان يلحقها. دموع شوقه وخوفه عليها عينه كانت بتسبقه. طول الطريق بيعاتب روحه إنه السبب في اللي وصلت ليه ده، لكن قلبه معذور مقدرش يتحمل بعادها بعد ما لاقاها والقدر جمعهم من تاني. حس بضعف وقهرة تملكت منه، وسؤال واحد بس بيردد في ودنه، هيعمل إيه لو جرالها حاجة؟ إزاي هيتحمل بعادها ويشوفها بتتعذب وهو متكتف الأيدين؟
مسح دموع القهر والعذاب، ودعى ربه في سره إنه يجمعهم في حلال ربنا، وإنه يلحقها قبل ما يفوت الأوان. أول ما وصل جريت مرزوقة تفتح الباب. سأل بعينه عليها، ردت: فوق من ساعتها مش عايزة حد يدخلها. قرب منه ياسر وقاله بحزن شديد واضح على وشه: مش وقت أي خلافات بينا، لو ملحقتهاش، هنخسرها إحنا الاتنين.
قلب سليم وجعه أوي عليها، مشي معاه بخطوات سريعة واخد السلالم في كام خطوة وطلع لأوضتها، فتحها وأول عينها ما وقعت عليها في الأرض قلبه اتوجع لحالتها، اللي المرة دي هو المتسبب فيها. شاف حزنها وسمع نحيبها ودموعها اللي غرقت فيها. صعبت عليه، نادى اسمها، حست إنها بتحلم. كررها تاني، التفتت له، قرب منها وضمها لحضنه بكل شوق وحنين ليها، وخوف حاسس إنه هيقضي عليها. إيديها كانت بتتحسس وشه وعينيها مش مصدقة إنه حقيقي.
همست له بحب: بجد أنت هنا؟ يعني أنا مش بحلم يا سليم؟ أنت مسافرتش وسبتني؟ سليم وهو ضامم بإيده كتفها قال بحنان: أنا هنا بين إيديكي يا عمري، مقدرتش أسافر وأسيب روحي عندك، يا توأم روحي وعمري كله إزاي بس أتخلى عنك. شادية بدموع نازلة بسرعة شلالات مش بتقف: بجد مش هتبعد عني يا سليم؟ سليم بيمسح دموعها بحنان قال: عمري ما هسيبك أبداً يا نور عين سليم.
برغم العذاب والغيرة اللي حاسس بيها ياسر، إلا إن مع نظرة السعادة اللي شايفها في عينيها، هونت عليه كتير. فقرب منها واخدها في حضنه وقال لما سمع صوت جرس الباب: سعادتك هي اللي تهمني، ولو سعادتك هتكون معاه؛ أنا موافق تتجوزيه يا ماما. علامات الذهول والدهشة اترسمت على وشهم، فرد سليم بصعوبة: ببببجد يا ياسر؟ شادية أكدت كلامه، فابتسم ياسر ماكداً: أيوة بجد، وعشان تصدقوا المأذون تحت عشان يكتب الكتاب.
وعند اللحظة دي مقدرش سليم يستوعب المفاجأة، ضم شادية أوي، وباس جبينها، ولما لمح نيران الغيرة على وش ياسر خرجها وقال: أنا حاسس إني بحلم يا شادية، أخيراً حلم العمر هيتحقق، قومي حاولي تقفي على رجلك، اللي عندك ده حالة عارضة، ساعديني يا عمري واقفي نوري الدنيا من تاني.
شادية السعادة مكنتش سيعاها، مسكت إيده، والإيد التانية مسكها ياسر، والكل بيشجعها إنها تقوم تقف على رجليها. مع أول محاولة مقدرتش، شجعتها مرزوقة وسليم، وعين ياسر بتقول قومي عشان خاطري، بتترجاها وتحفزها. بعد عدة محاولات، أخيراً وقفت واتحركت ببطء شديد. أخدها ياسر والفرحة بتتطاير من وشه في حضن كبير أوي. الفرحة ملت كل الوجوه، لكن فرحة سليم بوقوفها على رجليها وقربهم من بعض مكنتش سيعاه. خرج سليم وياسر ونزلوا تحت عشان مرزوقة تساعد شادية وتجهزها. وأول ما نزلوا سليم طبطب
على كتف ياسر وقاله بصدق: أنا مش عارف أشكرك إزاي، أنت رديت ليا روحي النهارده، تأكد إن عمري ما هزعلها في يوم. ياسر بتنهيدة خارجة من جواه: أنا حاولت كتير أقبل، لكن كان صعب إني أوافق، بس لما لاقيتها هتضيع مني في لحظة أدركت إنك أنت اللي في إيديك ترجعها لينا، حتى لو سعادتها هتكون على حساب سعادتي، أنا هوافق، بس ليا شرط وحيد، ومش هتتنازل عنه. سليم بتأكيد: وأنا موافق على أي حاجة المهم شادية تكون معايا.
ياسر بتردد: مش تسمعه الأول، يمكن ميعجبكش؟ سليم بإصرار: مهما يكون موافق. ياسر اطمن وقاله: إن أمي تسكن قريب مني، والفطار والغداء يكونوا معايا، ولو حابب طبعاً تيجي تشرف، تقضي اليوم كله هنا، وبليل بعد ما تخلص العيادة تاخدها وتروحوا مع بعض والعشاء تقضوه سوا، قولت إيه؟
هز سليم رأسه بالموافقة على شرطه، حتى لو كان الثمن إنها تقضي معاه ساعة واحدة في اليوم هو راضي، وهتكون الساعة دي أجمل لحظات بيعشها. فاق على صوت المأذون بيستعجلهم. قربوا منه وقعدوا منتظرين شادية اللي نازلة على السلالم، بتتبختر وحاسة إن أخيراً الدنيا ابتسمتلها النهاردة بس، كانت زي القمر وكأن السنين اللي فاتت مسبتش أي أثر على ملامحها، بل بالعكس بدلتها لنور وبهجة غريبة، زي ما تكون الفرحة فعلاً زادتها جمال ورقة بفستانها
الفضي، اللي لحظة ما لبسته افتكرت إنها اشترته لما عجبها وفضل سجين، محبوس في دولابها، زي مشاعرها ما فضلت محبوسة سنين جواها خفيها عن أقرب ما ليها، والنهاردة بس اتحررت من كل القيود، وطارت العصفورة من حبسة مشاعرها وهدوق طعم الحب اللي حرمته عليها الأيام، والنهاردة كأن الفستان كتب على اسمها إنها تلبسه في أسعد يوم في حياتها. وقف سليم ومسك إيديها وباسهم، وقعدها على يمين المأذون وطلعت البطاقة وادتها له، وكمان سليم والشهود،
وبدأ يكتب كتابهم بعد ما حطت إيديها في إيد سليم في وثاق أبدي، ورددت كلامها
اللي ألقى عليه المأذون: زوجتك نفسي بنفسي على سنة الله ورسوله. رد قلب سليم قبل لسانه: وأنا قبلت زواجك على كتاب الله وسنة رسوله. وهنا قال المأذون جملته الشهيرة وأعلنهما زوجاً وزوجة أمام الله وجميع الحضور قائلاً "بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير".
بارك لهما الجميع، وعبرت مرزوقة عن فرحتها وأعلنت صوت الزغاريط لتملأ كل أركان البيت، وهنية جابت الشربات توزعه على الجميع. مسك سليم إيديها وقامت معاه، باس جبينها بحب وعيونهم كانت بتنطق اللي مخبياه قلوبهم من فرحة، اشتد في ضمها أوي، كأنه عايز يخبيها بين ضلوعه. مضى ياسر ومجدي شهود، ثم قام وبارك لها، وبيحاول يداري أي حزن عشان متزعلش. ضمته بحنان أمومي، وهو بارك لها وسابها معاه.
هنية حطت ليهم الجاتوه اللي جابه مجدي مع شوية حلويات، وصاه ياسر يشتريهم، والكل احتفل، ومحدش كان حاسس باللي جواه غير مرزوقة اللي قربت منه لما فضل واقف لوحده، وبص على فرحتهم ببعض من بعيد، وافتكر كلام مرزوقة ليه وهي اللي ساعدته وخلته ينفذ أصعب قرار أخده في حياته.
فاق على صوت مرزوقة بتقوله: اللي عملته ده عين العقل يا أستاذ ياسر، السعادة الحقيقية هي إننا نفضل غيرنا على نفسنا، إننا نشوف سعادتهم جوة عيونهم، حتى لو إحنا هنتعذب شوية، بس الفرحة اللي هي فيها تستاهل إننا نضحي. أخد نفس من سيجارته وخرجه بوجع وبصلها وقال: عندك حق، اللي مهون عليا حزني فرحتها دي. سكت شوية وركز أوي في عيونها
وقال بكل صدق وامتنان: أنا مش عارف أشكرك إزاي على وقفتك معانا، لولاكي كنت هفضل أعمى ومتمسك برأيي وأحرم أمي من السعادة اللي شايفها في عينيها، أنتِ يا مرزوقة غيرتي فيا حاجات كتير أوي، وأحييتِ جوايا حاجات مكنتش أفتكر إنها موجودة أصلاً. كانت تسمعه وهي غرقانة في نبرة صوته الهادية، الناعمة، وحست إنها طايرة زي الريشة فوق السحاب، ومش عايزة تنزل ولا تلامس الأرض. غمضت عينها تستمتع بجمال اللحظة، لكن فاقت على صوت مجدي داخل
عليهم وبيقول بابتسامة: مبروك يا ياسر، عقبال ما أشهد على عقد جوازك، محتاج مني حاجة تاني. صدى الكلمة هز جدران قلب ياسر، واتمنى للحظة يعيش نفس السعادة دي، لكنه فاق بسرعة وقاله: شكراً جداً يا مجدي، تعبتك معايا، بس أنت عارف قراري في الموضوع ده كويس. هنا أخدت مرزوقة الطعنة في قلبها وسكتت، كانت مسالمة جداً، منزوعة السلاح مقدرتش لا ترد الطعنة حتى بالكلام، فانسحبت بهدوء وراحت تقعد مع شادية. وأول ما اتحركت، ضربه
مجدي على كفته بغيظ وقال: في حد يقول كده قدامها، يا عم قول ربنا يسهل، ربنا يكرم، أي دعاء والسلام، أنما ردك الناشف ده رخمه زيك. قعد ياسر ورجع بذاكرته لورا سنين طوال، لما قرر إنه يقفل قلبه وميفكرش يتجوز عشان ميجيش الموت في لحظة يخطفه ويرمل مراته ويسيب عياله في الدنيا لوحدهم يجربوا نفس اللي عاشه.
رد قال بوجع: كده أفضل عشان مدّيش أي أمل يتولد جواها هي أو غيرها، أنت صديقي الوحيد يا مجدي واتكلمنا كتير في موضوع الجواز ده، ورأيي مش هغيره. مجدي بهدوء وجدية قال: أنت كده بتظلم نفسك وبتظلمها، أنا حاسس إن جواكوا حاجة حلوة لبعض، ليه عايز تموتها؟ ياسر بوجع في قلبه: تموت دلوقتي أحسن ما أموت أنا وتدفن معايا كل المشاعر الحلوة، وتعيش حزينة، كده أحسن، واروجك متفتحش كلام في الحكاية دي تاني.
مجدي وهو بينفخ منه بضيق: أنت دماغك جزمة قديمة أصلاً، وتعبت معاك، همشي بقى الوقت اتأخر، ولولا إن المأذون معرفه مكنش هيوافق يجي أبداً، حظكوا حلو. سابه وبارك للعروسين ومشي. وقعد ياسر وقال لشادية على شرطه اللي وافق عليه سليم، بس هي سألته بحيرة: طب وهنجيب شقة قريبة من هنا فين بس؟ هنا اتكلمت مرزوقة وقالت بحماس وفرحة: أنا عندي الحل. الكل التفت ليها بانتباه وهي ابتسمت وكملت كلامها: الفيلا اللي جنبنا صاحبها عارضها للبيع.
ياسر بتعجب وجه كلامه ليها وقال بضيق: وحضرتك عرفتي منين بقى يا هانم؟ اتوترت مرزوقة من سؤاله وقالت: أبداً، عرفت بالصدفة، كنت في الجنينة وسمعت كلام صاحب الفيلا بيوصي البواب ويقوله في حد يجي يشوفها النهارده. سليم بفرحة قال وهو ماسك إيدين شادية: طب ممتاز جداً، بإذن الله نتواصل معاه بكرة وناخدها بأي ثمن، ولو محتاجة تتوضب مفيش مشكلة، نتفق مع أكبر مكتب ديكور وينجزها.
ياسر موضحاً: متشلش هم الموضوع ده، أنا هتواصل معاه وأبلغك بكل التفاصيل بكرة. سليم بسعادة مش قادر يداريها: شكراً جداً يا ياسر، هتعبك معايا. ياسر باقتضاب: مفيش تعب ولا حاجة.
وقام ودخل مكتبه وهو حاسس بتخبط شديد جواه مش عارف يعمل إيه في التناقضات اللي حاسس بيها. مكنش قدامه حل يهرب إلا بالكتابة، مسك قلمه بين صوابعه وكتب على طيات أوراقه كل اللي حاسه على هيئة قصة قصيرة، وبالتدريج نسي كل همومه لما طلعها في وسيلة يخرج بيها من حزنه. محسش بالوقت ولا بسليم اللي مشي والهدوء اللي عم في المكان، كان منعزل تماماً، مخرجش من الحالة غير لما خبطت شادية ودخلت عليه بوش منور زي البدر في اكتماله، وقربت منه وحطت إيديها على خده،
وبكل حب قالت: ربنا ميحرمنيش منك أبداً يا حبيبي، ويسعد قلبك دايماً يارب. قبل ياسر كفها، وقام حضنها أوي جوه حضنه وقال: أنا عشان خاطرك ممكن أعمل أي حاجة في الدنيا، ولو سعادتك إنّي أرمي نفسي في النار؛ هعملها بدون تردد، أنا بحبك أوي وعمري ما حبيت حد قدك، أنتِ بالنسبة ليا الدنيا كلها، ومش عايز حد غيرك يا ماما.
شادية ودموعها نازلة: وأنا كمان بحبك أوي يا ياسر، ده أنت ابني البكر، أول ما عيني شافت وربيت، ربنا ميحرمناش من بعض يارب. ياسر بحب: يارب. شادية وهي بتزقه عشان يتحرك معاها قالت: ممكن بقى تطلع تاخد شور وتنام، اليوم كان طويل أوووي وتعبت فيه جامد. ياسر بتبرير: معلش اطلعي حضرتك استريحي، وأنا هكتب شوية.
شادية باعتراض: لا مفيش كتابة، لازم عقلك يستريح ويفصل شوية، دي مرزوقة نامت على نفسها بره، هروح أصحيها تطلع معايا، وأنت كمان استريح عشان خاطري.
اتحرك معاها وخرج، لقى مرزوقة ريحة على الكرسي وراسها نازلة منه ومستغرقة في النوم أوي. قرب منها عشان يفوقها هو وشادية. لفت انتباهه جمالها البريء، وملامحها الطفولية. وقف لحظات محتار، كان نفسه يمرر بإيده ويمشي على خدها يحس بنعومته، ولا يلمس شعرها الحرير ويدخل صوابعه بين خصلاتها. هز رأسه ينفض كل التخيلات دي، واستغرب حاله إن دي أول مرة في بنت تخليه يفكر فيها بالشكل ده، وتحرك حاجة جواه؟
شاف أجمل منها بكتير، ولا عمر قلبه وعقله ما اتحرك فيهم ذرة، اشمعنى هي اللي بيقاوح عشان يبعدها عن طريقه فكره؟ عقله جاوب وقاله يمكن عشان مفيش حد في جدعنتها، ووقوفها معاك ومع والدتك زيها؟
الإجابة كانت صحيحة ومؤكدة. فضل واقف مكانه وهو شايفها ماشية بتطوح قدامه من التعب، أشفق عليها. شادية كانت ساندها، وأول ما ابتدت تطلع درجات السلم، كانت هتقع. نادت عليه عشان يلحقها، جري بسرعة قبل ما تقع، وحاوطها بإيده، اتفاجأ إنها مالت بتقل راسها على كتفه. وهنا مستحملش ياسر قربها والشرارة اللي سرت جوه وجدانه، انتفض بشدة، كل ده وهي نايمة مش حاسة بحاجة، كأنها أخدت حباية منومة، من تعب اليوم كله. لما ملقاش فايدة، مرة واحدة شالها وطلع بيها برشاقة وخفة، وشادية مش مستوعبة تصرفه، والاعجب لما لقت مرزوقة لفت إيديها حوالين رقبته بتلقائية. هنا كانت أعصاب ياسر في حالة انهيار تام، سرع في خطوته وحطها على السرير وغطاها وراح على أوضته بسرعة وبدون أي كلام.
رمى جسمه على سريره وسرح في إحساس النشوة اللي اتملكه وهي بين إيديه وداخل حضنه، إحساس أول مرة يجربه، وهي أول ست تدخل جواه بعد أمه. عاش اللحظة ومحسش إنه غفى ونام. غيرت شادية هدومها، ومسحت مكياجها وانتظرت سليم يرن عليها يطمنها إنه وصل. لحظات مرت واتصل بيها وفضلوا شوية يتكلموا ويغرقها من حبه ويوصف ليها قد إيه هو سعيد وفرحان إن ربنا حقق له حلمه ودعا ربنا إنه يتمم فرحتهم والفيلا تنول إعجابها.
صحت مرزوقة وبصت لنفسها لاقتها بنفس الهدوم مغيرتش، واستغربت إزاي جت الأوضة، هي مش فاكرة أي حاجة حصلت غير إنها نامت من التعب. شافت شادية بتفتح عينيها، صبحت عليها وسألتها، وكانت الصدمة الكبيرة لما حكت لها اللي حصل امبارح. اتكسفت وقالت: يا خبر كل ده حصل!! وأنا اللي فاكرة إنه كان حلم جميل؟ أوتاريه حقيقة؟ أوري وشي إزاي بس ليه بعد اللي حصل؟ ضحكت شادية عليها، واتأكد إحساسها اللي كانت حاسة بيه من فترة إن قلبها بيحبه.
طبطبت عليها وقالت: ولا تحطي في بالي، اتعاملي عادي جداً ولا تجيبي سيرة، كأنه ما كان. مرزوقة بكسوف: إزاي بس يا شوشو؟ شادية وهي بتقوم عشان تاخد شور قالت: زي ما بقولك كده، وقومي عشان ورانا حاجات كتير هنعملها، أهمها نروح نشوف الفيلا، وبعدين أنتِ معندكيش تصوير النهارده؟ مرزوقة بكسل، وبتمثل البكا: عندي بس متأخر شوية، خلصي الشور بتاعك بسرعة وأنا هجهز نفسي عشان ميضيعش وقت.
تحت هنية بتجهز الفطار وتحطه على السفرة عقبال ما ينزلوا. جه ياسر وسألها: هي أمي لسه نايمة يا هنية؟ هنيه سابت اللي في إيديها وردت: لأ يا ياسر بيه، صحت بس بتاخد حمامها، طلعت من شوية ست مرزوقة قالتلي هنجهز وننزل، أي أوامر؟ ياسر بجدية: لأ شكراً. سابه وراح مكتبه يكمل باقي قصته اللي كتب فيها جزء كبير، وقلمه وقف عند ختامها، ومعرفش النهاية هتكون إيه؟
ساب القلم ورجع بضهره لورا وفضل يفكر يا ترى هيتكتب لبطله نهاية سعيدة مع حبيبته، ولا خوفه من الماضي هيتملك منه ويبعده عنها؟ سأل نفسه ليه حاسس إن البطل ده يشبه أوي وكأنه كتب قصته بدون ما يشعر، وبقت النهاية مفتوحة للقدر يقول كلمته...
فاق على صوت شادية بتناديه عشان يفطر، قام وأول ما لمح مرزوقة اللي كان وشها مصبوغ باللون الأحمر قاعدة ساكتة ومش عادتها. كان بيبص عليها بطرف عينه وهي عينيها في الطبق وبتاكل في صمت. حست شادية بتوتر حبت تغير المود فسألته: كلمت يا ياسر صاحب الفيلا عشان نروح نشوفها؟ ياسر وهو بيمضغ لقمة جبنة، بص لها ورد: كلمته أول ما صحيت وقال كمان ساعة هيكون موجود، وحظنا حلو إنها لسه محدش خدها.
شادية بسعادة: طب كويس الحق اتصل بسليم عشان يجي ويشوفها معايا. قام ياسر بضيق، جز على سنانه، وقال: زي ما تحبي. شادية مسكت إيده وقالت: طب قومت ليه؟ كمل فطارك. ياسر مردش، وقال بحدة نادى على هنية: اعملي القهوة وهاتيها في المكتب بسرعة يا هنية. اتحرك لأوضة المكتب وشادية بصت لمرزوقة اللي كانت ساكتة ومعلقتش خالص وسألتها: هو ماله؟ مرزوقة ابتسمت وردت: معلش اديله وقته إنه يتعود على وجوده، الموضوع مش سهل عليه يا شوشو.
شادية هزت راسها مؤكدة كلامها، ومسكت فونها واتصلت تبلغ سليم إنه يجي وميتأخرش عليها. *** انشغلت شروق الأيام اللي فاتت بتوضيب غرفتها وتجهيز الحاجات الناقصة مع خطيبها، انتبهت لرنين صوت تليفونها ردت وسمعت صوت شيراز تقولها بزعل: هو يعني من لقى أحبابه نسي أصحابه، كده برضو يا شروق نستيني ولا بتسألي عني؟
شروق باعتذار: لا أبداً يا حبيبتي، والله غصب عني مشغولة أوي في توضيب الشقة عند ماما، وعماد بيجهز أوضته، كل ده غير تجهيز شقتنا، اليوم كله شغل وهلكانة والله، متزعليش مني، المهم طمنيني عليكي، عاملة إيه؟ شيراز بضيق وخنقة ردت: مخنوقة ومش كويسة خالص، مخنوقة وزهقانه لدرجة متتخيلهاش. شروق بزعل: ليه كده ده يا بومة؟ شيراز: يعني مش عارفة ولا بتستعبطي؟
شروق بضحك: لا بستعبط، يا بنتي روّقي كده، كل تأخيره وفيها خيره، يمكن ربنا شايل لكِ حاجة كويسة في العطلة دي. شيراز بتنهيدة: هو أنا عارفة حظي النحس، أول ما أدخل تصوير المنتج يحصله حاجة ويوقف، ويا عالم بقى مين هيشتري الفيلم ويسدد عنه، موت يا حمار. شروق بضيق من كلامها وعدم صبرها ردت: مش ممكن التشاؤم اللي فيه ده، ليه متقوليش إنها فرصة تدرسي السيناريو كويس وتذاكري دورك على أكمل وجه، خليكي راضية يا شيراز عشان متتعبيش نفسياً.
شيراز بهدوء غير اللي جواها: هحاول يا شروق أنفذ كلامك، وربنا يوفق. بس تفتكري يا شروق لو كلمت المخرج مجدي على شغل في الفيلم اللي بيصوره هيوافق؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!