عند أذان الفجر تسمع دق عنيف على الباب، فتتملكها الخوف والقلق، وتقرر عدم الذهاب لفتحه فهي لا تعرف من الطارق في تلك الساعة المتأخرة. قررت أن تصلي لأنها كانت واقفة على سجادة الصلاة في انتظار الأذان حتى تصلي، ولكن الدق المستمر على الباب زاد بشدة، وكلما زاد الدق زاد خوفها، وهذا أربكها عن الصلاة. لكن بعد دقائق من الدق العنيف، قررت بشجاعة الذهاب لتعرف من الطارق بتلك الطريقة العنيفة وما سبب طرقه لبابها.
صارت من غرفتها لتصل بها وهي تسير بخطوات بطيئة وكأنها لا تريد الذهاب، وعيناها تراقب الباب وصوت الدق يفزعها ويجعل قلبها يدق بسرعة مع دقات الباب. واخيراً وصلت للباب، ووقفت ورائه ووضعت أذنها على الباب تسمع بحذر لعلها تعلم من الطارق، ونظرت من العين السحرية لكنها لم تر شيئاً بسبب أن اللمبة التي على بابها من الخارج محروقة. فتشجعت وقالت بصوت مرتجف: "مين بره؟ تسمع صوت باكي متوسل، والحزن والألم يحمله. الطارق ببكاء وتوسل:
"ارجوكي افتحي، أبوس رجلك وأيدك افتحي، حياة ابننا في خطر وأنتي الوحيدة اللي في إيدك إنقاذه، ارجوكي... وظل يكرر هذا وهو يطرق بقوة على الباب ويبكي. هي صعقت أول ما سمعت هذا وبرقت عيناها وفضلت جامدة مكانها لا تسمع ما يدور حولها لمدة من الوقت. وبعدين فاقت على صوت ذاك الشاب الذي يطرق الباب بكل قوته، ويبكي وصرخ: "افتحي أنتي آخر أمل ليا، أنا مش هسمح أني أخسر اللي باقي... وبدأ يخرج عن السيطرة ويفقد أعصابه.
فهو فاقد الأمل، فاحذر من الإنسان إذا فقد الأمل ولم يبق على شيء يمكن أن يكون عاصفة مدمرة. وفضل يهبد ويركل الباب بقدمه ويده بكل قوة وهو يصرخ بغضب حارق: "افتحيييي... وهي في الداخل تنتفض خوفاً وفزعاً، تلك الفتاة الخجولة التي تعيش وحدها تتعرض لهذا الموقف الصعب. فهي لا تعرف بمن تستنجد، للأسف هي تعيش في مبنى معظم من فيه مهاجرين، ولا يوجد سوى تلك الشقة المجاورة لها هي الساكنة، لكن يبدو أنه لا يوجد بها أحد.
وظلت صامتة متجمدة في مكانها وراء الباب، وما يكسر هذا الصمت إلا صوت صراخ مدوي يشبه قنبلة انفجرت على الباب، وبغضب قاتل يركل الباب بقدمه ويده، يطرق بقوة كما لو كان سيكسر الباب. وهو يصرخ مردداً: "افتحييييبي أحسن أكسره على دماغك، افتحييي أنتي طوق النجاة لعيلتنا، افتحييي أرجوكي افتحييي أحسنلك... وفضل يكرر هذا كثيراً بغضب حارق لدرجة أن وجهه اختفت ملامحه من شدة الحمرة وعيناه تطلق شرار يكفي لإحراق مدينة.
قال هذا وفضل يركل الباب ويدفعه بكتفه وهو يحاول كسره. أما تلك الخجولة ترتجف في مكانها خوفاً ورعباً وتهز رأسها وهي متسعة العين مستنكرة مما يحدث. وهي ترجع للخلف وتهمس بصدمة وعدم تصديق: "لا لا لا مش صح... ونظرت يمين ويسار تبحث عن شيء تحمي به نفسها. فوقعت عينها على التليفون، فجرت عليه بتوتر وربكة ومسكته، بس وقع منها. فصوت الهبد والتكسير والصراخ يربكها بل يقتلها خوفاً من ذاك المجنون.
فانحنت للأسفل والتقطته ويدها ترتعش، بس وعيونها تلمع بفرحة الغرقان الذي وجد طوق نجاة. بس سرعان ما تختفي تلك البسمة والفرحة أول ما عرفت أن التليفون فاصل شحن، فقد نسيت أن تشحنه كعادتها. هي: "يا لاهواااي أنا هعمل إيه دلوقتي؟ كنت عاوزة أطلب الشرطة... بس إيه الغباء ده أشحنه بس الشاحن فين؟
وفضلت تدور عليه لحد ما لقيته، بس حالها لا يسر لا عدو ولا حبيب، كانت ترتجف خوفاً ورعباً من هذا المجهول الذي يطرق بابها بتلك الطريقة العنيفة. فوضعته على الشاحن وهي متوترة وتستعجل التليفون أن يفتح، بس. فجأة لا تسمع صوت هبد أو صراخ، والصمت المعتاد هو السائد للحال. فتركت هاتفها على الشاحن وذهبت للباب بفضول غريب ووضعت أذنها، لعلها تسمع شيئاً، لكن لم تسمع شيئاً. رفعت حاجبها بتعجب وتفكير. هي:
"إيه ده، أظاهر أني أجننت مش سامعة حاجة، هو راح فين ولا كأني باتخيل؟ بس يقطع تفكيرها صوت باكي متوسل يأتي من الخارج، فعاد القلق لها من جديد. فبعد ما يأس الطارق من فكرة كسر الباب لأنه قوي، وهي عملت نظام الباب الحديد من الداخل يعني زي بوابه بس من داخل الشقة + الباب الخارجي، فهذا يقوي الباب ويجعله حصين. جثى على ركبتيه وسند رأسه على الباب في يأس وقهر وفقدان أمل.
وبيديه الاثنان بدأ يطرق بضعف وهو يردد كلام ينزع القلب بنبرة حزينة متوسلة مكسورة يائسة، وكأن روحه ينتزعها ملاك الموت. الطارق: "أرجوكي افتحي أنا... بموت، حياة ولادنا بين إيديكي، أنتي آخر أمل لينا، أرجوكي... أرجوكي... "افتحيييي... أنا عارف أنك خايفة وده حقك، بس أرجوكي اسمعني وافتحييي... وبكى بحرقة وهي تسمعه بقلق، فجلست على الأرض بجانب الباب وسندت رأسها على الباب في حيرة وتفكير وقلق. وتحدثت مع نفسها:
"أنا حاسة أنه صادق وفيه حاجة مهمة وإنه مش شخص شرير، بس... يمكن يكون... شخص خبيث؟ لا لا لا مش هفتح، بس... ده بيبكي بقهر وذل ومرار، لا لا مستحيل يكون خبيث، وبعدين زي ما أكون أعرف الصوت ده." وبعد جدال وصراع مع نفسها، حسمت قرارها أنها تفتح الباب وتشوف إيه الحكاية. بس قبل ما تفتح راحت المطبخ وأخذت السكين ووضعته ورا ظهرها وهي تحدث نفسها: "أيوه كده الشجاعة حلوة، بس الاحتياط واجب... ووضعت يدها على مقبض الباب
والمفتاح وهي تتنفس بسرعة: "أيوه تشجعي كده وافتحي... وأول ما فتحت الباب الحديد الأول، وبعدين قربت على الثاني وهي تسمع صرخات قلبها، لا دقاته. تبتسم ساخرة: "يا لاهواااي شكلي هموت... أهدي بقى... وتنفست شهيق وزفير حتى تهدأ من نفسها وفتحت وهي تقول: "بسم الله... وأول ما فتحت الباب وجدت من يرمي على قدمها يقبلها ببكاء وتوسل. صعقت هي مما يحصل. "أرجوكي ساعدني، ولادنا خصوصاً ابننا هو بين الحي والموت، أرجوكي...
هي أفاقت من صدمتها بعد ثواني، وانحنت إلى ذاك الباكي ورفعته عنها. وهي بتقول: "هو حضرتك مجنون ولا سكران؟ ابننا مين وإزاي وفين؟ يقترب منها أوي وينظر في عينها، بس هي تبعده بغضب: "كده كتير أوي... أنت مين وإيه حكايتك؟ يقف ويقترب منها وهو يبكي: "أنا أبو أطفالك... اللي هما بين الحياة والموت... يا ناريمان حسن سليمان... "مش ده اسمك؟ وهتنزلّي معايا دلوقتي، أنا مش هسيبك." تتجنن ناريمان وتتنرفز وتقرب منه وتبص له بغضب:
"أنت شكلك واحد سكران أو مجنون، أنا معرفكش... وأحسنلك تمشي قبل ما أطلب الشرطة... يصرخ فيها بغضب ويمسك إيدها: "لا لا لا لا ويشدها ليه، أنتي هتنزلي معايا غصب عنك... ويجرها بقسوة من يدها، فتحاول تفلت منه بس هو كان في حالة جنون فعلاً. وماسك إيدها بقسوة وخلص جرها بعيد عن شقتها، وناريمان بتصرخ: "سبنييي... بس هو لا يسمعها ولا يراها. فضلت تحاول وتحاول لحد ما افتكرت السكين اللي في إيدها الثاني.
لم تجد حل غير أنها تطعنه بيها وفجأة... تصرخ ناريمان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!